Menu

هزيمة النصر الترامبي

حاتم استانبولي

خاص بوابة الهدف الاخبارية

  في 27-11-2020 عقد ترامب مؤتمرًا صحفيًا حرص أن يكون في مكتبه الرئاسي؛ أعلن فيه خطوطًا وحدودًا للانتقال المشروط للسلطة، وقبله أطل في مؤتمر صحفي يعتبر الأقصر في تاريخ الرؤساء الأمريكيين، حيث لم يستمر سوى دقيقة وبضع ثواني؛ أكد فيها: أن سوق المال الأمريكي (ستوك ماركت) تجاوز ال30 ألف نقطة في سابقة تاريخية لم تحصل من قبل، وخرج مسرعًا مهملًا أسئلة الصحافيين الذين طالما اعتبر أكثريتهم يصنفون على إنهم أعداء له ولإدارته. 

 إذا ما عدنا إلى تصريحات ترامب أثناء حملته الانتخابية التي أشار فيها إلى أن السوق المالي سيشهد انهيارًا إذا ما خرج من البيت الأبيض، فإن تصريحه المقتضب هذا، يدخل في إطار التذكير برقم 30 ألف نقطة التي وصل إليها لاستخدامه لاحقًا في معركته التي أعلن استمرارها، بالرغم من تجرعه هزيمة نصره.

الترامبية لن تنتهي بخروج ترامب من البيت الأبيض، بل هو أسس لشكل جديد من الصراع داخل منظومة رأس المال، والتي عبر عنها بعنوان أمريكا أولًا، ليصرح بايدن: أن عنوان إدارته هو عودة أمريكا في إشارة إلى السياسات الامريكية لما قبل الترامبية. ترامب أرسل ممثله بومبيو إلى أتباعه في الشرق الأوسط ليشد عزمهم وليؤسس حلفًا معلنًا لمواجهة سياسات بايدن التي تتطلب بعض التغييرات من حيث الشكل والأدوات لتمرير سياساته.

إن شعار البايدينية؛ عودة أمريكا، يعني أنه وبالرغم من إعلانه أن فترته لن تكون ولاية ثالثة لأوباما إلى أن الشعار يحمل عودة، من حيث الجوهر إلى سياسات أوباما، خاصة إنه اختار (القيصر) جون كيري ليأخذ مقعدًا مهما في إدارته؛ إن كان في مجلس الأمن القومي أو في العلاقة مع أوروبا والعالم، بعنوان المناخ والبيئة اللذان يجمعان جبهة عالمية متعددة الاتجاهات والأقطاب؛ بايدن جمع في إدارته الجديدة صهاينة على مقاس سياساته. في حين أن، ترامب لن يترك البيت الأبيض؛ دون وضع بعض العصي في دواليب البايدينية؛ إن كانت محليًا أو عالميًا.

محليًا؛ حصل على ما يقرب من 75 مليونًا من أصوات الأمريكيين، يشكل البيض 90% منهم، هذا يوضح أن معاركه الداخلية ستأخذ منحى تعميق الشق في المجتمع الأمريكي، تحت شعار أمريكا أولًا.

خارجيًا؛ صعد ترامب هجومه في الملف الإيراني وأخذ مجموعة من الخطوات التصعيدية من عقوبات على قطاعات اقتصادية إيرانية وروسية، ونشر عبر حسابه التوتري؛ خبر عملية اغتيال العالم النووي الإيراني في إشارة لدعمه لها، في الوقت الذي تنتهج فيه إيران وروسيا سياسة تهدئة حذرة؛ انتظارًا لدخول القادم الجديد للبيت الأبيض الذي أعلن بأن العودة إلى الاتفاق النووي ستكون ممكنة. تصعيد ترامب مع إيران وصل مرحلة حافة الهاوية، خاصة بعد إرساله القاذفة ب 52 الاستراتيجية وإعلان البنتاغون عن تسليحها الذي يتضمن قنابل ضد الأنفاق والمخازن الاستراتيجية تحت الأرض، هذه القذائف التي أمر باستخدامها جورج بوش الابن، في عدوانه على أفغانستان، وإعلان الأمس عن إرسال حاملة الطائرات يو أس أس نيمتز ومرافقاتها إلى الخليج؛ عشية اغتيال العالم الإيراني محسن فخري زاده؛ هذا الاغتيال الذي وجهت القيادة الإيرانية أصابع الاتهام إلى إسرائيل وأعوانها، هذا الاغتيال، وفي لقاء صحفي لنتنياهو أشار بشكل غير مباشر: أن الاغتيال هو ثمرة إنجازاته الأسبوعية، في إشارة لاستفزاز القيادة الإيرانية، هذا الاغتيال جاء على ما يبدو ثمرة تعاون أمني جمعي للحلف الأمني الجديد الذي تم في توقيت محرج لإيران ولإدارة بايدن.

التصعيد يريد منه ترامب؛ إعطاء حقنة شجاعة لاتباعه وحشدهم في مواجهة سياسات بايدن في الشرق الأوسط، وبذات الوقت التهيئة للرد على أيه خطوة إيرانية؛ إن كانت في العراق أو سورية أو لبنان ليتخذها مبررًا لبدء عدوان؛ يعلم أنه سيذهب إلى حرب مفتوحة هي سابقة لم تحصل من قبل في تاريخ المرحلة الرئاسية الانتقالية، في خطوة يريد فيها ترامب أن يظهر فيها على أنه أوفى بكل وعوده التي أطلقها. من الواضح أن ترامب يريد الاستثمار في الساعات الأخيرة بالبيت الأبيض ليتوصل إلى مساومة مع بايدن، بان يأخذ ضمانات منه بشأن عدم ملاحقته قانونيًا، بعناوين عدة، تتعلق في أعماله واستثماراته وجداول ضرائبه، ومن جهة أخرى، يريد أن يؤسس لعلاقة استثمارية له ولعائلته في المشاريع الخليجية المستقبلية. في المقابل؛ بايدن أرسل إشارة تطمينية إلى ترامب جوهرها أنه سينساه وسيركز على إعادة وحدة المجتمع الأمريكي في إشارة طمأنه إلى ترامب.

انعكاسات خروج ترامب من البيت الأبيض سرع من إعلان الحلف الإسرائيلي الإماراتي البحريني السعودي الذي سبقه خطوة ثلاثية أردنية بحرانية إماراتية، لإعادة صياغة التحالفات في المنطقة، هه الخطوات التي نظرت لها القاهرة على أنها إعادة تموضع للثلاثي الخليجي في الحاضنة الإسرائيلية، هذا التموضع وجد استجابة سريعة من نتنياهو الذي يريد استثماره في صراعه الداخلي من جهة، ورسالة لبايدن تحمل عنوانًا أن إسرائيل هي المدخل لتعزيز دوره مع الثلاثي الخليجي من جهة أخرى، وعليه أن يحدد سياساته على أساس أن لا بديل عن نتنياهو في الخريطة السياسية الإسرائيلية. من الواضح أن تباينا إماراتيًا مصريًا في التسابق الإماراتي البحريني التطبيعي الذي على ما يبدو تنظر له القاهرة بعدم ارتياح، وعبرت عنه بشكل غير مباشر بشأن سلوك الممثل والمغني المصري محمد رمضان التي سارعت إلى الدفع لمحكماته وعقابه في رسالة غير مباشرة إلى أبو ظبي، وتحذيرًا للدور الإماراتي الذي يدفع لتعزيز فكرة التحالف مع إسرائيل على أنها أكثر أمانًا من التحالف مع القاهرة، وإذا ما أخذنا قرار جوجل؛ تمديد خط للانترنت للخليج عبر إسرائيل بدلًا من الخط عبر مصر بكلفة 4 مليارات دولار، هذا القرار الذي له ابعادًا سياسية وأمنية، بالإضافة للاقتصادية؛ يدلل على أن إسرائيل ستكون بديلًا لمصر في العديد من القضايا التي تتعلق في الخليج.

الإمارات كانت تدفع القاهرة لاتخاذ إجراءات أكثر قوة، بشأن الفصائل الفلسطينية في غزة، حتى وصل الامر بالإشارة إلى الطلب بالتدخل المباشر للسيطرة على غزة، هذه الإشارات التي لم تجد استحسانًا أو تجاوبًا في دوائر الأمن والجيش المصري، وقيّمتها على أنها تسعى لتوريط الجيش والمؤسسات الأمنية المصرية، في ملف يشكل حساسية مفرطة للشعب المصري وجيشه الذي ما زالت عقيدة أفراده وضباطه؛ تحمل العداء لإسرائيل، وما ردات الفعل على ما أقدم عليه محمد رمضان؛ إلا إشارة لمدى عمق الالتزام الشعبي المصري، بعدالة القضية الفلسطينية، وفرملة لأية رؤية تريد أن تدفع للتصعيد مع الفصائل في غزة. إن التحريض الإماراتي لتوريط الجيش المصري في صراع مفتوح في غزة؛ تلقفته الدوائر السياسية المصرية بعدم ارتياح، واعتبرت أن الخطوة الإماراتية البحرانية التطبيعية المباشرة هي خطوة لاستبدال الدور المصري في التحالف الرباعي بالدور الإسرائيلي الذي تعتبره الإمارات والبحرين، ومن خلفهم السعودية، أكثر ضمانًا واستقرارًا للحفاظ على مكتسبات حكم عائلاتهم.

الدور المصري شعبيًا وجيشًا وبعض اتجاهات في الدوائر الأمنية، ما زال يتعارض مع الدور العدواني الإسرائيلي من حيث الجوهر، ويتوضح التناقض في الدور الإقليمي العربي، ويحرص على أن لا يذهب في خطوات تمس جوهر القضايا العربية بشكل عام أو الامن المصري الداخلي بشكل خاص، وعليه وبالرغم من كل الاتفاقات، لكن الدوائر الإسرائيلية قلقة من الدور المصري الذي لم يعمل على تسويق التطبيع شعبيًا وأبقته أسير الدوائر السياسية الرسمية، في حين تسابقت الإمارات والبحرين، بدعم سعودي لتسويق التطبيع إعلاميًا وشعبيًا الذي اعتبرته القاهرة على ما يبدو، أنه يشكل مدخلًا خلفيا للاختراق الشعبي وتراجعًا في دورها الإقليمي.

بعض الاتجاهات في القاهرة تدرك أن غزة ودورها يؤثر بشكل مباشر على الأمن القومي المصري، ومصلحة القاهرة استراتيجيًا هي إبقاء القوى الوطنية الفلسطينية متصادمة مع المشروع الصهيوني الذي يضغط على مصر جنوبًا، ويدفع لإخراج مصر من دائرة تأثيرها العربي الرسمي ليحل محله... لا خيار لمصر سوى في دعم عودة نهوض سورية؛ لتأخذ موقعها الطبيعي الذي يدعم خيار دورها الوطني في إطار منظومة العمل العربي المشترك.