Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح27)

غازي الصوراني

موجز الفلاسفة.jpg

خاص بوابة الهدف الاخبارية

(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الثالث

الفصل السادس

شروحات ختامية حول تأثير الفلسفة الإسلامية في العصور الوسطى

لقد استهدفنا عبر كل ما قدمناه من نصوص في الفصل السادس من هذا الكتاب، تقديم صورة موضوعية مبسطة للمذاهب والفلسفة الإسلامية، ليس فقط للفهم والتأمل بقدر ما هي دعوة لإعمال العقل ونقد كل مظاهر ومكامن التخلف والوقوف أمام المطلق عند الضرورة لحفز إرادة العمل وإرادة النهضة والتحرر والتقدم، فالأمة العربية _ كما يقول عبد الله العروي _ "تقف اليوم على باب التاريخ الجدي، وأنها ستجابهه في الغد لا بعد غد ؛ لكن ذلك لن يكون بفتح باب الاجتهاد فحسب بل يجب إغلاق باب التقليد كلياً ونهائياً، أي الابتعاد عن المطلق والاعتقاد بأن الواقع (الحاضر) يستوجب منطقاً لفهمه واستيعابه ولن يكون ذلك إلاَ بتبنى المنهج الجدلي العلمي أو التاريخانية فكراً وممارسة".

لذلك فالسؤال عن المستقبل هو سؤال عن المصير، وعن الوعي بالتاريخ، بهدف الانتقال من التاريخ الحدثي إلى التاريخ الإستراتيجي المستقبلي، خاصة وأن الكثير من ممارساتنا وأنماط تفكيرنا اليوم كما يرى د. فوزي منصور في كتابه " خروج العرب من التاريخ " لا يختلف كثيراً في الجوهر عن ردود الفعل التي قابل بها الهنود الحمر أو الأستراليون الأصليين غزاتهم وأن المصير ذاته ينتظرنا ما لم نسارع إلى تغيير أوضاعنا وهذه العملية لن تتم في رأيه بدون " ثورة حقيقية في الفكر الديني تخرجه من أطر العصور الوسطى وتحوله من قيد على التطور الاجتماعي إلى واحد من أهم منابعه".

ان "أي تتبع لعلاقة الفلسفة بالفكر الديني في الفضاء العربي القديم لا بد أن يقوم بتوضيح الشروط والعوامل المتداخلة والمتناقضة في بعض الاحيان التي ربطت الفكر الديني بالفكر الفلسفي الوافد من اليونان بصفة رئيسية، ومن بعض البلاد الشرقية القصوى والدنيا"([1]).

لقد "مكنت الفلسفة من فتح الخطاب العربي الإسلامي على الوجود، وقد لعبت هنا الفلسفة الإغريقية دورا رئيسيا، باعتبارها قد شكلت مرجعا آخر مختلفا عن مرجع النص الديني، وبالرغم من بقاء الخطاب الفلسفي العربي الاسلامي ملفوفا ظاهرياً بقضية التوفيق بين الدين والفلسفة، فإنه قد احتوى في عمقه لدى بعض الفلاسفة المسلمين تصورات وتأملات عقلانية تبعده عن هذا الاطار .

ويمثل إبن رشد ذروة هذا التوجه خصوصا في موقفه من مسألة قِدَمْ العالم، فقد وقف على أرض فلسفية أرسطية مخالفة للمجال الديني الاسلامي، أكثر من ذلك، فقد بدأ في إحداث قلب للنظام المرجعي، ففي الوقت الذي خضعت فيه الفلسفة عند بعض الفرق كالمعتزلة إلى المرجع الديني، فقد حدث مع الفلاسفة وبالخصوص إبن رشد تغيير في هذا الترتيب خضع بمقتضاه المرجع الديني إلى المجال الفلسفي"([2]).

 

تأثير الفلسفة والحضارة العربية الإسلامية على أوروبا في العصور الوسطى:

إن الحديث عن الدور التاريخي للفلسفة العربية وتأثيره على أوروبا، يثير نقطتين رئيستين في مجال الفهم العلمي لتاريخ تطور الفلسفة: أولاهما، كيفية إعادة الحياة للفلسفة اليونانية في عصر الفلسفة العربية.

وثانيتهما، كيفية التأثير الذي مارسته الفلسفة العربية هذه على فلسفة أوروبة القرون الوسطى:

في النقطة الأولى: ينبغي أن نؤكد أن المناخ الاجتماعي والفكري والايديولوجي الذي عاشت فيه الفلسفة اليونانية من جديد، بفرعيها: الاثيني، والهليني، (الاسكندراني)، ضمن المعالجات الفلسفية عند العرب، يختلف اختلافا نوعياً عن المناخات الاجتماعية والفكرية والايديولوجية التي ظهرت فيها هذه الفلسفة ونمت وتطورت خلال العصور اليونانية (الاثينية والهلينية)، ومصدر هذا الاختلاف –كما يقول د. حسين مروه- "يرجع -في الأساس- إلى  اختلاف نمطي العلاقات الاجتماعية بين تلك العصور وعصر الفلسفة العربية – الاسلامية، ففي حين كانت العلاقات الاجتماعية في عصور اليونان القديمة وروما القديمة تتميز بكونها علاقات مجتمع عبودي ينقسم فيه الناس إلى  طبقتين رئيستين: طبقة "السادة" مالكي العبيد، وطبقة العبيد، كانت علاقات المجتمع العربي – الاسلامي تتميز بكونها من نوع علاقات الإنتاج الاقطاعية أساساً، بالتداخل مع نضج صيرورة العلاقات التجارية والخدمات المصرفية المتطوة نسبياً، علاقات عضوية في البنية الاقتصادية – الاجتماعية لهذا المجتمع.

ان هذا الاختلاف النوعي أوجد – بالضرورة- فارقا جوهرياً في نوعية قواعد التصنيف الطبقي أولاً، وأوجد -ثانياً- على هذا الأساس نفسه فارقاً كبيراً في تنوع القواعد البشرية للنشاط الثقافي، فبعد أن كانت طبقة العبيد في المجتمع اليوناني معزولة كلياً عن النشاط الثقافي، صار الأمر على العكس في المجتمع العربي الاسلامي، إذ ان نوع النشاط العملي الاجتماعي يدخل في أسس العوامل المحددة لنوعية النشاط الثقافي بمختلف أشكاله، ولنوعية المشاركين في هذا النشاط كذلك، لذا كان من الطبيعي أن تختلف الصورة في المجتمع العربي – الاسلامي عنها في المجتمع اليوناني القديم، وأن يكون هذا الاختلاف شاملاً للقطاع البشري المنتج للثقافة، وللانتاج الثقافي نفسه أيضاً، وبهذا تختلف الصورة في انقطاع الايديولوجي أخيراً بالضرورة، ذلك بسبب من الطابع الطبقي الملازم لكل نشاط فكري، كما هو ملازم لكل  نشاط اجتماعي وسياسي، والفلسفة هي احد الاشكال العليا للنشاط الفكري"([3]).

ان هذه العلاقة الموضوعية، والعضوية، بين النشاط العملي الاجتماعي والنشاط الفكري، يؤكدها تاريخ المعرفة في اليونان القديمة نفسها.

أما النقطة الثانية، "أي تأثير الفلسفة العربية الاسلامية في فلسفة القرون الوسطى الأوروبية، فهذه تحتاج إلى ايضاح، إذ ينبغي –كما يقول د. مروة- أن نبدأ الكلام هنا بواقع تاريخي كان عاملاً مؤثراً في تمكين الفلسفة العربية من القيام بهذا الدور المؤثر، وهذا الواقع هو قيام دولة عربية، خلال القرون الوسطى، كان ينشأ ضمنها دول متعددة مرتبطة كلها ثقافياً – على الأقل- بدولة الخلافة الاسلامية في المشرق، على اختلاف مراكزها بين سوريا والعراق ومصر.

بالتالي فإن قيام هذه الدول في بلدان متعددة "القوميات" والأقاليم، كان هو العامل الخارجي الذي خلق الممهدات الضرورية لاندماج أنواع من الثقافات في الثقافة العربية، وهذا الواقع نفسه مهد أيضاً لاندماج هذه الثقافة العربية المتعددة المصادر بالثقافة الأوروبية التي اهتمت بدورها بدراسة هذه الثقافة العربية"([4]).

لكن قبل ان نذكر المظاهر الملموسة لتأثير الفلسفة العربية على فلسفة القرون الوسطى الأوروبية، علينا أن نحدد الفوارق الاجتماعية التي تنعكس في كل من الفلسفتين، فانه حين يقال الان: "فلسفة القرون الوسطى" يكون المقصود أولاً فلسفة المجتمع الاقطاعي الأوروبي، وثانياً فلسفة المجتمع الاقطاعي العربي – الاسلامي، وهنا لابد من الإشارة إلى انه بالرغم من أن القاعدة الاجتماعية لكلتا الفلسفتين هي –كما يؤكد د. حسين مروه- علاقات الإنتاج الاقطاعية، أي تشكيلة اجتماعية من نوع واحد، فان الاقطاعية في أوروبة تختلف عن الاقطاعية في الشرق، وهذا الاختلاف حقيقة تاريخية أخذها مؤسسا الماركسية (ماركس، أنجلز) بالحسبان حين أطلقا اصطلاحهما المشهور: "علاقات الإنتاج الاسيوي"، وقد انعكس هذا الاختلاف في الفلسفة انعكاساً واضحاً.

ومن الملامح التاريخية البارزة التي تشير إلى هذا الواقع وإلى انعكاساته في الفلسفة، ان أوروبة انقسمت، بعد انهيار الامبراطورية الرومانية الممركزة، إلى امارات، ثم نشبت الحروب بين هذه الامارات في سبيل تجميع الامارات الصغيرة حول الاقطاعيات الكبيرة، فكان أن نشأ عن ذلك بدء عملية تشكيل القوميات الأوروبية، التي استمرت طوال القرون الوسطى حتى بلغت نهايتها في القرن التاسع عشر، وخلال هذه العملية كان الفاتيكان الأساس الوحيد للتمركز في أوروبة. فتحول – أي الفاتيكان- بذلك إلى دولة تسيطر على الاقطاعيات الأوروبية، مع بقاء الصفة الدينية المسيحية مميزة له"([5]).

هذا في حين كان الأمر على العكس في نطاق الامبراطورية العربية – الاسلامية –كما يؤكد بحق د.مروه- "اذ كانت دولة الخلافة تحكم بصفتها السلطة الدينية والمدنية معاً، فلم تكن هناك سلطتان منفصلتان، وكانت هذه الدولة الشمولية ممثلة للنظام الاجتماعي الاقطاعي بكامله، وبالعكس، حين أخذت تنشأ الامارات والدويلات المستقلة نسبياً ضمن دولة الخلافة، اخذت تجري عملية تفتيت الاقطاعية الممركزة، وبسط سيطرة الطابع العسكري على التشكيلة الاقطاعية، الذي كان يعمق أسباب ضعفها وتخلف الإنتاج الريفي وانهاك القوى المنتجة الريفية.

وبذلك كانت العلامات المميزة للطابع الإنتاجي العام تتداخل وتضيع الحدود الواضحة بينها، بحيث لا يتميز هذا الطابع الإنتاجي: هل هو ريفي، أم حرفي، أم تجاري، ام هو كل ذلك؟.

ان انعكاسات هذين الواقعين المختلفين، على الفلسفة، كانت تظهر كما يلي:

في أوروبة ظهرت باتجاه لاهوتي صرفا يدور حول قضية وحيدة، هي قضية الله، وكاد ينحصر التفكير الفلسفي كله، خلال القرون الوسطي، في قضية العلاقة بين الله والمسيح ومريم، بالإضافة إلى قضية: كيف خلق الله العالم؟، كما سادت موضوعة الخلق من عدم مع فكرة التثليث، وفكرة الخطيئة الأصلية للإنسان.. وكان الفاتيكان يستند بسلطته إلى هذه الموضوعات الثلاث الأخيرة"([6]).

أما في الشرق الاسلامي، فظهرت تلك الانعكاسات –كما يرى د. مروة- " باتجاه نحو الإنسان والطبيعة من حيث المضمون، وباتجاه نحو الله من حيث الشكل.

فمنذ بدأ التفكير الفلسفي في تاريخ تطور الفكر العربي – الاسلامي، بدأ بقضية الإنسان على يد القدرية، ثم المعتزلة الابراز حرية اختيار الإنسان ومسؤوليته عن افعاله، في مقابل الجبرية التي ظهرت تعبيراً عن ايديولوجية السلطة الحاكمة باسم الارادة الالهية كقدر محتوم على الناس.

وقد ظلت قضية الإنسان هذه من المحاور الاساسية للفلسفة العربية – الاسلامية حتى ابن رشد، أي حتى الذروة التي وصلت اليها بفكر ابن رشد.

لكن الأمر المميز هنا أن معظم المفكرين الذين بنوا حركة التفكير الفلسفي هم من الفئات الاجتماعية الوسطى، لا سيما فئة المهنيين (لنلحظ أسماء: النظام، العلاف، الخياط، العطار، الغزالي، الخ..)، فضلاً عن كون معظم هؤلاء أيضاً من أقوام غير عربية، وكون السلطة السياسية في العصر الاموي نظرت اليهم نظرة استعلاء. كل ذلك كان عاملاً في توجيه الفكر الفلسفي، منذ البدء، توجيها أيديولوجياً في معارضة أيديولوجية الدولة القائمة، وذلك كله كان من عوامل تكوين النزعات المادية في الفلسفة العربية بأشكالها ذات الخصائص التاريخية المتميزة .

 وبالتالي ليس عبثاً أن مؤرخي فلسفة القرون الوسطى الأوروبية يحددون انتهاء المرحلة الأولى لهذه الفلسفة وابتداء مرحلتها الثانية بالفترة الزمنية التي تعرف فيها الأوروبيون على الفلسفة العربية.

ففي ذلك الحين كان مستوى التطور الاقتصادي في العالم العربي أعلى منه في أوروبة بما لا مجال معه لمقارنة، إذ كان لا تزال تسير في أوروبة بقايا نظام الاقتصاد الطبيعي ضمن الامارات الاقطاعية، مع أن الاقتصاد البضاعي – النقدي كان يتوطد ويزدهر في العالم العربي، ويفتح لنفسه أسواقاً خارجية حتى في بلدان بعيدة كروسيا وبعض بلدان اسكندينافيا .. لذا لم يظهر فلاسفة أوروبيون أثناء تلك المرحلة بالمعنى الدقيق للفلاسفة، حتى ظهرت فلسفة توما الاكويني (1225 – 1274)، أي بعد نهاية ازدهار الفلسفة العربية"([7]).

فقد برز طابع الاتجاه نحو الطبيعة في فلسفة الاكويني متأثراً بالفلسفة العربية حين كانت هذه الفلسفة قد أخذ نفوذها يتسع في أوساط المفكرين الأوروبيين، وكان علماء الطبيعة العرب، أمثال جابر بن حيان والحسن بن الهيثم والخوارزمي وابن سينا، قد بدأت اسماؤهم تتألق في تلك الأوساط وتثير فيها الاحساس بالحاجة إلى الاطلاع على منجزاتهم في الفلك والكيمياء والطب والبصريات والتشريح والرياضيات، رغم ما كان يثار في الأوساط الشعبية الأوروبية من روح العداء للعرب واليهود حينذاك.

كان لظهور النزعات المادية في الفلسفة، علاقة أساسية – كما يؤكد د. مروه- " بالتطور الاقتصادي في العالم العربي، ذلك التطور الذي كان هو الدافع – ابتداء- لتحقيق منجزات علمية وتكنيكية في علوم الطبيعة والرياضيات التي كانت جزءاً من الفلسفة.

من هذا الوجه كان دخول الفلسفة العربية في تاريخ الفكر الأوروبي، وتأثر الفلسفة الأوروبية بها حينذاك، مدخلاً لهذه الفلسفة نحو الاهتمام بالطبيعة. ان هذه البداية كانت الطريق الأولى لتوجه الفلسفة الأوروبية نحو النزعات المادية"([8]).

أما عن تأثير الفلسفة العربية الإسلامية على أوروبا، فإن الحديث هنا يبدأ بالإشارة إلى مجمل الأفكار التي كانت سائدة في أوروبا، قبل اتصالها بالفلسفة العربية، وخاصة نظرية خلق العالم من العدم وفق "أفلوطين" و "الكتاب المقدس"، ثم "بدأت في التعرف على نظرية الفلاسفة العرب (الفارابي، ابن سينا، ابن رشد، وغيرهم..) التي تسربت إلى أوساط الفلسفة الأوروبية. نعني بها النظرية التي ترفض فكرة الخلق من العدم. ومنذ عرف الأوروبيون فلسفة ابن سينا، ظلوا يستندون إلى افكاره في الطبيعة ونظرية الخلق حتى نحو القرن الثامن عشر"([9]).

وعن طريق الفلسفة العربية (ابن سينا، وابن رشد) دخلت فكرة الحقيقة "المزدوجة" (الحقيقة الفلسفية والحقيقة الدينية) إلى الفلسفة الأوروبية القروسطية، وان كان الواقع ان الفلاسفة العرب لم يكونوا يقصدون هذه "الازدواجية" حقيقة، بل كان ذلك قناعاً لاخفاء فكرتهم عن وحدانية الحقيقة الفلسفية.

وكان من أثر تغلغل تعليم ابن سينا وابن رشد في أوروبة القرون الوسطى أن أخذ المنطق يشغل مكانة كبيرة.

وبعد أن كانت الكنيسة في أوروبة القرون الوسطى لا تعترف بغير الكتاب المقدس مصدراً لمعرفة الله، اعترفت بأرسطو طريقاً أيضاً لهذه المعرفة منذ تعرفت على الفلسفة العربية.

ومن الحقائق التاريخية، في هذا المجال، ان توما الاكويني تأثر بالفلسفة العربية، اذ درس ابن سينا وابن رشد مدة طويلة، ومنها تعرف على فلسفة أرسطو، بقراءة الترجمات العربية لها، اذ كان -أي الاكويني- يعرف اللغة العربية.

فمن المعروف تاريخياً انه لم يبدأ الكلام في أوروبة عن الطبيعة، ومحاولة معرفة ماهية الطبيعة، الا منذ تعرفوا هناك فلسفة ابن سينا. فلما اخذ اسم ابن سينا يتغلغل في أوساط فلاسفة القرون الوسطى الأوروبيين، أخذ يجري الكلام عندهم على مسألة تصنيف الاشياء الطبيعية إلى الحي والجامد، ومسألة الحركة في الطبيعة، إلخ.

" لقد امتدت الفلسفة العربية إلى فلاسفة عصر النهضة الأوروبية، حتى رأينا مفاهيم ابن سيناء وابن رشد عن سرمدية المادة، وحركتها الدائرية، وتحولات الصورة مع بقاء المادة، تصبح مفاهيم مسلماً بها عند جوردانو برونو (1548 – 1600) مثلاً، وبيترو بومباناري (1464 – 1524) الذي أعدم بتهمة الدعاية اللالحاد استناداً إلى كونه رشدياً. وكذلك الفيلسوف الايطالي الآخر برنارديو تيليزيو (1508 – 1588) الذي تبنى نظرية ابن رشد القائلة بأن الحرارة هي سبب انتقال المادة الجامدة إلى الحياة"([10]).

لقد "كان تأثير الفلاسفة العرب، كالفارابي، وابن سيناء، وابن رشد، في الفلسفة الغربية أشد ما يكون في الفلسفة الطبيعية، والميتافيزيقية (الإلهيات في لغة الفلاسفة العرب والمسلمين)، وعلم النفس، بل وامتد إلى علم المنطق والأخلاقيات، فقد أُنتجت أول ترجمات عربية-لاتينية في نهاية القرن الحادي عشر في إيطاليا، والتي نقلت بدورها المواد الفلسفية إلى أوروبا اللاتينية، وكانت ترجمات لكتب في الطب والفلسفة الطبيعية.

كما لم تصبح أعمال ابن رشد المترجمة إلى اللاتينية متوفرة في الجامعات الناشئة حديثًا إلا بعد وفاته بثلاثين عامًا، أي قرابة عام 1198، بلغت الفلسفة الطبيعية العربية الغرب اللاتيني أبكر من باقي المجالات الفلسفية الأخرى، حيث نُقل كم هائل من المواد الفلسفية من التراث الإغريقي العربي إلى الغرب اللاتيني، كترجمات النصوص الطبية والفلكية في أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر"([11]).

وبالتالي أصبح تأثير العربية في الفلسفة الطبيعية ضخمًا بعد الترجمة لكل من ابن سينا وابن رشد، بل وطال أثر المصادر العربية، والتي يتزّعمها شروح ابن رشد، إلى مجالات أخرى كالفيزياء، والكوزمولوجيا (علم الكونيات)، وعلم الحيوان، وفي هذا الجانب، يعدّ كتابي"الإلهيات"و"الشفاء"لابن سينا، ويُشار إليه هنا بميتافيزيقا ابن سينا وكتاب "تفسير ما بعد الطبيعة"لابن رشد، أكثر مصدرين عربيين أهمية للميتافيزيقا اللاتينية في القرون الوسطى"([12]).

يقول الشهيد المفكر د. حسين مروه: "كانت فلسفة ابن سينا تتويجاً للمراحل التي اجتازها تاريخ الفكر الفلسفي العربي منذ القرن الثامن حتى الثلث الأول من القرن الحادي عشر، وهو تاريخ  قصير بالقياس إلى اعمار الفلسفات الشرقية والغربية (اليونانية) السابقة لعصر الفلسفة العربية، ولكن، رغم هذا الزمن القصير نسبياً، تهيأ للفلسفة العربية من ظروف المجتمع العربي – الاسلامي ما مكنها أن تؤدي دوراً مزدوجاً في تاريخ تطور الفلسفة العالمية، فهي – من ناحية أولى- أعادت الحياة من جديد إلى الفلسفة اليونانية بعد أن أصابها التشتت والتبعثر والانزواء بضعة أجيال في بعض الاديرة والمدارس النسطورية واليعقوبية والفارسية (الرها، نصيبين، حران، جنديسابور) في الشرق، وهي (أي الفلسفة العربية) – من ناحية ثانية- طبعت جانباً من جوانب الفلسفة الأوروبية خلال العصر الوسيط بطابع منجزاتها في معرفة الطبيعة"([13]).

هكذا انتقل فكر علماء وفلاسفة المسلمين إلى اللغة اللاتينية التي كانت لغة العلم والجامعات في كل أنحاء أوروبا آنذاك.

فقد كانت اللغة العربية عندئذ هي لغة التقدم والحضارة، في حين أن اللغة اللاتينية التي كانت تهيمن على أوروبا المسيحية كانت فقيرة بالفكر والعلم والفلسفة، كانت مجرد لغة دين ولاهوت مسيحي، وهذا ما يشهد عليه الفيلسوف الإنجليزي روجر بيكون الذي عاش في القرن الثالث عشر.

كما لا ينبغي أن ننسى أهمية الترجمة العلمية، فالواقع أن اهتمام علماء أوروبا تركز آنذاك على ترجمة كتب الرياضيات والعلوم العربية، فالغرب تعرف إلى الأرقام، وبشكل خاص على رقم الصفر، عن طريق الحضارة الإسلامية، وكان ذلك عن طريق ترجمة كتب الخوارزمي، ثم ترجموا أعمال ثابت بن قرة، وهو العالم العربي المختص بهندسة إقليديس وفيثاغورث وأرخميدس، وكذلك ترجموا كتب علم الفلك والطب العربية، وأما في مجال علم البصريات فقد ترجموا أعمال العالم العربي الكبير الحسن بن الهيثم.

أما على صعيد علوم الطب، فقد برز أشهر أطباء ذلك الزمان، وهو ابن سينا، عبر كتابه القانون الذي يعتبر أشهر كتب الطب في ثقافة اللغة العربية.

وبالنسبة للأدوية والأغذية الطبية، برز ابن البيطار، الذي اشتُهِرَ بكتابه الجامع لمفردات الأدوية والأغذية الذي يعتبر موسوعة في علم النبات والأدوية المفردة، وقد أورد فيه حوالي (3000) صنف من الأعشاب الطبية، وحوالي (1500) دواء منها حوالي (400) لم تكن معروفة عند الإغريق" ([14]).

وفي هذا السياق، يقول "بيتر آدامسون في كتابه "الفلسفة في العالم الإسلامي" أشار إلى الفلسفة في العالم الإسلامي بانها كانت بمثابة فضاء فكري مفتوح تلاقت فيه أهم عقول هذا العالم من كل الأديان والطوائف واللغات لتصنع معاً مناخ جدل فلسفي حضاري، طرحت فيه أسئلة الوجود الكبرى، وحوكمت فيه كل الافتراضات والعقائد.

فالدولة الإسلاميّة في عصورها الزاهرة -كما يذهب آدامسون- كانت بمثابة فضاء تلاق للفكر عابر للطوائف والعواصم وحتى اللغات، دون قيود مرجعيات طوائفهم أو قومياتهم ليقدموا للأمة جميعها خلاصة فلسفة البشريّة وخبرتها، وهي الظاهرة التي استمرت عدة قرون إلى ما بعد سقوط آخر معاقل الأندلسيين في غرناطة (1492)"([15]).

ومعلوم –كما تضيف ندى حطيط- "أن المسيحيين الأوروبيين –كما يقول بيتر أدامسون- "كانوا يعتبرون العرب أساتذتهم في ذلك الزمان، وكانوا يُقِرُّونَ بتفوقهم عليهم في مجال العلم والفلسفة. ولكي ينهضوا ويلحقوا بالعرب فإنهم راحوا يترجمون كتبهم العلمية والفلسفية وبخاصة كتب ابن سينا، والفارابي، وابن رشد، والغزالي، وابن باجة، الخ"([16]).

وفي هذا السياق، أشير، إلى أن الحضارة العربية الاسلامية قدمت للأوروبيين المعارف الأساسية في شتى المجالات العلمية، والفلسفية، والطبية، والهندسية، والزراعية، والفلكية، وغيرها، وبناء على ذلك راح علماء أوروبا ومثقفوها يشيدون حضارتهم الحديثة التي أقلعت لاحقاً وسبقتنا بمسافات طويلة وعميقة.. وأصبحوا ينظرون إلينا بنوع من الاستعلاء العنصري، ولكن بقيت فيهم بعض الأصوات المنصفة أو الموضوعية التي تتحدث عن الإرث العربي ودوره في تعليم الغرب وتثقيفه عندما كان لا يزال يغط في ظلام العصور الوسطى، ونذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر أعمال بعض المستشرقين الأروبيين أمثال فرانسوا بورغا وأولييفه روا وجان بيير فيليو وكارين ارمستروغ ونولدكه وفيلهاوزن.. وغيرهم.

في هذا الجانب، نستذكر المفكر الراحل أ. محمود أمين العالم الذي عُرِف عنه اهتمامه الكبير بالفلسفة الإسلامية وتراثها الإنساني، وذلك إنطلاقاً من قناعته بأن "تراثنا العربي الإسلامي يزخر بأرقى ما وصل إليه الفكر البشري من إضافات فكرية وفلسفية، لقد استطاع وهج الفلسفة العربية الإسلامية أن يضيء أوربا في عصور الظلام.([17])

ملاحظة أخيرة حول الفلسفة الإسلامية العربية:

أخيراً، في قراءتنا للتاريخ المعرفي البشري عموماً، وتاريخ المعرفه والفلسفة الاسلامية خصوصاً، لا يجوز، ولا يمكن تفسير الأحداث التاريخية من منطلق المصادفات أو الرؤى الغيبية، بل يتوجب البحث عن المصالح السياسية والاجتماعية أو الطبقية التي كان لها –وما زال- دور أساسي في تفجير الصراعات الطائفية والدينية المذهبية في تاريخنا العربي الاسلامي، آخذين بعين الاعتبار، أهمية النصوص الدينية والأحاديث، التي قام العديد من الفقهاء وأصحاب المذاهب الدينية بتحويرها واعادة تفسيرها وفق متطلبات هذه المرحلة أو تلك من مراحل التاريخ الإسلامي، منذ مقتل عثمان بن عفان وبداية الصراع الدموي في موقعة الجمل عام 36هـ، ثم موقعة صفين عام 37 هـ بين علي ومعاوية، وتكريس الدولة الاموية والتوريث في الخلافة، وصولاً إلى موقعة كربلاء عام 61 هـ، ومقتل الحسين بن علي، واشتداد الصراعات الدينية الشكلية الطائفية (سنة وشيعة)، ذات البعد السياسي والطبقي الصريح في الدولتين الأموية والعباسية، دون أن نتجاوز دور بعض المفكرين والفلاسفة والشعراء الذين ابتكروا أفكاراً أقرب إلى العقلانية والنظره الموضوعية للعقل والاستنارة، إلى جانب الفقهاء الإسلاميين الذي مارسوا نوعاً من الاجتهاد على نطاق واسع خلال القرون الأولى للحضارة العربية الإسلامية، وكان من نتيجة ذلك الاجتهاد، بروز المذاهب التي يتوزع المسلمون بينها إلى يومنا هذا. لكن ذلك الاجتهاد الفكري عموماً، والعقلاني التنويري خصوصاً، توقف منذ بداية القرن الرابع عشر الميلادي تقريباً، وبدأت المجتمعات العربية تعيش حالة من الانقطاع الفكري، حيث تجمد الفكر في مدارس المذاهب الفقهية، وضاق هامش التفسير الحر للشريعة، وأصبح من الصعوبة بمكان الخروج عن حدود المذاهب المعترف بها طالما استمرت أوضاع التخلف الاجتماعي الاقتصادي والثقافي سائدة على ما هي عليه من جهة وطالما ظلت قوى التنوير العقلاني والديمقراطي على ما هي عليه من الضعف والقصور من جهة ثانية.

 

 


([1]) رضا الزواري – قراءة في نشأة الفلسفة – المكتبة التقدمية - ديسمبر 1989 – ص 62

([2]) المرجع نفسه - ص 83

([3]) حسين مروة – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الثاني – دار الفارابي – بيروت 1985  – ص705

([4]) المرجع نفسه – ص708

([5]) المرجع نفسه - ص708

([6]) المرجع نفسه - ص709

([7]) المرجع نفسه - ص710

([8]) المرجع نفسه - ص711

([9]) المرجع نفسه - ص711

([10]) المرجع نفسه - ص712

([11]) تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الغرب اللاتيني– موسوعة ستانفورد للفلسفة - ترجمة: محمد الرشودي-  موقع: حكمة – 18/6/2017

([12]) المرجع نفسه .

([13]) حسين مروة – النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الثاني – دار الفارابي – بيروت 1985  – ص705

([14]) غنار سكيربك و نلز غيلجي -  مرجع سبق ذكر– تاريخ الفكر الغربي - ص 41

([15]) ندى حطيط – آدامسون يعيد كتابة تاريخ الفلسفة في العالم الاسلامي – الشرق الأوسط – 18 مايو 2017.

([16]) بيتر أدامسون و ريتشارد تايلور – دليل كامبردج إلى الفلسفة العربية - البيان - 12 فبراير 2007

 ([17]) إبتسام نصر الصالح- معارك فكرية .. صوب الحياة .. بالعمل .. والعلم !! – الانترنت – موقع: العروبة– 15 آذار 2015.