Menu

أمريكا والشرق الأوسط

د. كريمة الحفناوي

تساءل الكثيرون قبل وأثناء وبعد الانتخابات الأمريكية عن السياسات الأمريكية الخارجية، بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط ومدى تغيير هذه السياسات بوصول الحزب الديمقراطى إلى الرئاسة، وذلك لأهمية هذة المنطقة بالنسبة للدول الرأسمالية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، بجانب دول الاتحاد الأوروبي، كألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا. وبالطبع يقفز الاهتمام بهذه المنطقة من أولويات الدول الكبرى لأهمية الشرق الأوسط على مستوى الثروات التعدينية والبترولية والثروة البشرية والتي تعتبر الأداة الاستهلاكية لمنتجات هذه الدول الكبرى هذا من جهة، ومن جهة أخرى أهمية تحكم دول الشرق الأوسط فى الممرات المائية الهامة قناة السويس وباب المندب والخليج العربي، وهي ممرات الطريق بين الشرق والغرب.
ومن الناحية العسكرية استطاعت الدول الاستعمارية الكبرى اللعب على تنوعات دول الشرق الأوسط العرقية والدينية، وأججت وأشعلت مزيدًا من الصراعات والحروب فيما بينها لمزيد من إضعاف وإنهاك جيوشها وتقسيمها وتفتيتها لدويلات ضعيفة واستفادة مصانع السلاح الكبرى فى أمريكا من صفقات بيع السلاح لهذة الدول المشتعلة وتكدس الأرباح الفاحشة فى يد مؤسسات المجمع الصناعى العسكرى الأمريكى. ولم يغب عن عيون المتابعين تولى أمريكا حماية أمن وأمان طفلها المدلل (الكيان الصهيونى) بدعم مخططاته الاستيطانية والتوسعية ودعم انتهاكاته وجرائمه اليومية ضد الشعب الفلسطينى.
ومن المعروف كيفية استغلال أمريكا لقوى الإسلام السياسى من الإخوان المسلمين وطموحاتهم من حكم العالم العربى، بزعم عودة الخلافة الإسلامية، هذا بجانب تشجيع حاكم تركيا إردوغان الحالم بعودة الامبراطورية الاستعمارية العثمانية.
 ومع فشل قوى الإسلام السياسى فى مصر عقب الإطاحة بها بثورة الشعب المصرى فى 30 يونيو وفشلها فى الانفراد بالسلطة فى ليبيا وتونس وهزيمة تنظيم داعش والقاعدة المتتشددين (اللذين استغلتهما أمريكا فى لعب دور فى صراعات وحروب المنطقة العربية فى سوريا والعراق وليبيا)، وفشل التحالف العربى الإسلامى الخليجى" السني" فى حربه العدوانية على اليمن لمواجهة الخطر الإيراني "الشيعي"؛ بدأت أمريكا في الفترة الأخيرة من حكم ترامب فى سحب الآلاف من جنودها فى سوريا والعراق وأفغانستان.
وفى نفس الوقت، رتبت أمريكا – ترامب تكوين الشرق الأوسط الجديد عن طريق الحلف العربى الصهيونى لمواجهة العدو الإيرانى المشترك لدول الخليج والعدو الصهيوني، ونجح ترامب فى الضغوط على عدد من الدول العربية (البحرين والإمارات العربية المتحدة والسودان) للتطبيع الكامل المجاني مع العدو الصهيوني على حساب دولة فلسطين وحساب حقوق الشعب الفلسطينى فى إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس (حل الدولتين) وحق عودة اللاجئين. ومن الجدير بالذكر أنه أثناء كتابة هذا المقال وبعد إعلان فوز جو بايدن كرئيس لأمريكا؛ يذهب وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو فى جولة للشرق الأوسط يبارك فيها مع وزير خارجية البحرين (فى قلب فلسطين المحتلة) المستوطنات الإسرائيلية وضم الجولان المحتلة لإسرائيل من أجل الحفاظ على أمن كيان العدو.
يتساءل الباحثون والمفكرون والكتاب فى العالم ونتساءل معهم هلى ستتغير السياسات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط بعد مجيىء رئيس من الحزب الديمقراطى؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال ينبغى التأكيد على وجهة نظرى ووجهة نظر الكثير من الكتاب على أن السياسة الأمريكية الخارجية تنطلق من مؤسسات الدولة الأمريكية ومصالحها ومصالح أمن إسرائيل، ويكون للمجمع الصناعي العسكري الأمريكي اليد الطولي في وضع هذه السياسات، وأن ما يتغير هو الأسلوب والخطوات وصفات وسلوك الرئيس الجالس في البيت الأبيض، لذا قد يتغير الأسلوب فى عهد جو بايدن ويتم الرجوع لسياسة حل الدولتين فى مشكلة الصراع العربى الصهيونى ونهج أسلوب المفاوضات الذى امتد ل27 سنة منذ اتفاقية أوسلو وحتى الآن، وفشل فى تحقيق أية مصلحة للشعب الفلسطيني، بل ومكن العدو الصهيوني؛ من بناء مزيد من قوته العسكرية ومن قضم أرض فلسطين وتهويد القدس وهدم منازل الفلسطينيين وتشريدهم وإحكام الحصار على قطاع غزة وارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية على الأراضى المحتلة كل يوم؛ بقتل الكبار والنساء والأطفال واعتقالهم وهدم المنازل واقتلاع الأشجار وحرق المحاصيل والتوسع فى بناء المستوطنات.
وترتفع التخوفات من عودة سياسة الديمقراطيين بالاعتماد على جماعة الإخوان المسلمين ودعم رجوعها للسلطة فى منطقة الشرق الأوسط، ولكننى أقول لكل المتصورين بعودة الزمان والأحداث، كما كانت أنهم ينسون المتغيرات التى حدثت منذ انتفاضات وثورات يناير 2011 ما سمي "الربيع العربي"، حيث جرى كشف جماعات الإسلام السياسى وسقط حكمهم فى مصر، بعد فضح سياستهم الخاصة، بتحقيق مصلحتهم الخاصة على حساب مصلحة الشعب والوطن، بجانب تبعيتهم وارتباط مصالحهم بمصالح الدول الاستعمارية الكبرى فى أمريكا وبريطانيا وألمانيا وتغلغلهم فى دول تقوم بتمويلهم وتسليحهم وتدريبهم (قطر وتركيا)؛ هذا بجانب سياستهم التى تعتمد على إقصاء الآخر وارتكاب الجرائم الإرهابية لتحقيق مصلحتهم ومصالح الدول التابعين لها، هذا معناه إعادة الحزب الديمقراطى للنظر فى سياساته الخاصة بدعم الإسلام السياسى، وخاصة بعدما طالت أعماله الإرهابية الكثير من الدول الأوربية فى الفترة الأخيرة، وبدأت بعض الدول تحظر جماعة الإخوان فى بلادها وتعتبرها جماهة إرهابية.
يقول نيك ويتنى (مؤسس وكالة الدفاع الأوروبية واول رئيس تنفيذي لها في الفترة ما بين عامي 2004 و2007) في رده على سؤال الصحفية منال لطفى يوم الخميس 29 أكتوبر2020 فى جريدة الأهرام؛ حول أن الأمن الأوروبى على المحك؛ بسبب سياسات أمريكية فى دول سوريا والعراق وأزمة المهاجرين، قال ويتنى: "أعتقد أن السياسة الخارجية الأوروبية فى الفترة المقبلة ستكون دفاعية ووقائية؛ فالقلق يتزايد من الهجرة غير الشرعية وأيضا من الإرهاب، ولكننى أعتقد أن الأوروبيين توصلوا لقناعة أن تدخلهم فى الشرق الأوسط سينتهى بكارثة مثل تجارب التدخل الأمريكى فى العقدين أو العقود الثلاثة الماضية، وأن أفضل طريقة لمحاربة الإرهاب هى البقاء خارج منطقة الشرق الأوسط والتركيز بشكل كامل على الأجهزة الأمنية، وأن أفضل طريقة لمكافحة الهجرة غير الشرعية ليس التدخل العسكري، بل مساعدة المنطقة لمنع المهاجرين من المغادرة إلى أوروبا أصلا". وأنهى ويتنى كلامه: بأنه بسبب الموارد والثروات البشرية يعد الشرق الأوسط شريكا مهما للتجارة والاستثمار ومن المفيد تطوير العلاقات بين الدول العربية والاتحاد الأوروبى.
وفى نفس الحديث بالأهرام يتفق كل من بروس ريدل (مسئول الشرق الأوسط واوروبا لمدة 30 عاما في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية) وانتونى دوركين (كبير الباحثين فى شئون الشرق الأوسط فى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية) يتفقان على أن بايدن سينسق مع حلفائه الأوروبيين من أجل نهج مختلف للصراع فى سوريا، وإنهاء حرب اليمن، وإعادة الاتفاق النووى مع إيران، مع نهج بايدن لسياسة أكثر توازنا بعيدا عن الاحتضان الكامل لرئيس الوزراء الإسرائيلي، واستئناف العلاقات مع السلطة الفلسطينية، ومساعدة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، ولن تكون إمدادات النفط لاعبا أساسيا فى سياسة أمريكا الشرق أوسطية نظرا؛ لأن أمريكا نفسها باتت منتجا كبيرا للنفط.
إن المتغيرات على كل المستويات فى دول العالم مع تصاعد خطر الإرهاب، وأيضا مع مواجهة فيروس كورونا وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية، ستكون سببا أساسيا فى تغيير السياسات الأمريكية المستقبلية.