Menu

الدوران في الحلقة الضيّقة…

سعاده مصطفى أرشيد


عقب شهور من خطاب فلسطيني عالي النبرة، مردّد مفردات من زمن مضى، أعقبت حوارات مطوّلة قيل إنها اتّسمت بالجدية والصراحة، ونوقشت ملفات على رأسها المصالحة الوطنية وإنهاء الانقسام بين شقّي ما تبقى من الوطن وعلى طريق استعادة الوحدة الوطنية، وتطرّقت الحوارات إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تتمثل بها الشراكة بين الجميع في إدارة الملف الوطني ثم إجراء انتخابات عامة.
لم يكن لمن لديه علم بالسياسة الفلسطينية وتباين برامج وتحالفات فرقائها من شك في أنها ستصل إلى نهايتها المحتومة والمؤكدة بالفشل. فالحالة الفلسطينية لا تستطيع الدوران خارج محورها «الأوسلوي» والحلقة الضيقة التي حشرت نفسها بها، وأية محاولة تكتيكية للدوران خارج ذلك المحور، أو توسيع وتحسين شروط الحلقة الضيقة لن يُكتب لها النجاح وستنتهي بمزيد من الخسران وتصبح الحلقة الضيقة أضيق فأضيق.
 وفق ما يقول وزير الشؤون المدنية الفلسطيني )المسؤول عن ملف الاتصال مع الحكومة الإسرائيلية) إنه قد تلقى رسالة من منسق نشاطات الجيش "الإسرائيلي" بالضفة الغربية، تفيد بأن الحكومة (الإسرائيلية) ملتزمة بالاتفاقات المعقودة مع الفلسطينيين، الأمر الذي اعتبره الوزير انتصاراً مؤزّراً للدبلوماسية الفلسطينية وللصمود الفلسطيني ولما قام به الرئيس أبو مازن من اتصالات، ثم أنه – حسب الوزير المذكور – يمثل إسقاطاً لمشروع الضمّ الوارد في "صفقه القرن"، ولكن المنسق (الإسرائيلي) كشف عن رسالة كان قد أرسلها له الوزير يسائله إن كانت حكومته ملتزمة بالاتفاقات وأنّ المراسلات كانت بمبادرة ومبادأة من الطرف الفلسطيني. بناء على تلك المراسلات، قرّرت السلطة العودة إلى التنسيق الأمني مع الاحتلال (العلني)والعودة عن قرار وقف تسلّم أموال المقاصة التي تجمعها الحكومة (الإسرائيلية) لصالح السلطة الفلسطينية.
من دون المخاطرة في الاجتهاد والتوقع، فإنّ ما بُذل من جهد وعمل وسفر وظهور إعلامي لقيادات على ضفتي الانقسام، ثم ما دبّج من خطابات وكلمات قيلت في اجتماع الأمناء العامين اليتيم، قد أصبح جزءاً من الماضي، فلن يكون بعد هذا مصالحة ونهاية للانقسام، ولن نرى حكومة وحدة وطنية مستندة على شراكة، والانتخابات لم تعُد واردة، وهذه السلطة باقية كما حكومتها، اللهم إلا إن قادها فشلها في الأداء واعتمادها الشعبوية بديلاً عن العمل مرفقاً بتداعيات جائحة كورونا للرحيل وإفساح المجال أمام حكومة مماثلة لها، وإن أتت برئيس جديد ووزراء ثانويين جدد.
استطاعت السلطة تقطيع الوقت الكافي، متخذة من الحوار وشعارات الشراكة الوطنية أداتها في تجاوز الزمن لحين ظهور نتائج الانتخابات الأميركية، التي تعني بحسابات السلطة، لا رحيل ترامب ونهجه فحسب وإنما أفول نجوم قيادية أخرى بالضعف أو بمغادرة الحياة السياسية، وعلى رأس هؤلاء بن يامين نتنياهو، رئيس الوزراء الأطول خدمة في تاريخ "إسرائيل" القصير، ولكن السؤال؟ هل سيكون بايدن أفضل من سلفه في مقاربته للشأن الفلسطيني؟ وهل سيعود للعمل بناء على الرؤية القديمة وحلّ الدولتين، مع أنّ الثنائي ترامب – نتنياهو لم يُبقِ متسعاً أو حيّزاً من الأرض يسمح بالدولة الثانية.
جردة حساب سريعة تفيد بأنّ العالم بأسره لم يعد يرى في المسألة الفلسطينية أولوية ملحّة، فالمحيط القومي منشغل بصراعات مفروضة عليه ولا يستطيع الهروب منها في القريب، والعالمان العربي والإسلامي أصبحت فلسطين عندهم أندلس جديدة، وأمرها ثانوياً، فيما لم يعد الاحتلال هو العدو الذي استبدل عند بعض منهم بإيران والتشيّع، وعند بعض آخر بتركيا وعثمانيّتها الجديدة، والعالم على اتساعه وبقواه المهمة يرى أنّ الصراع يمرّ بمرحلة خمود، والاشتباك مع (الإسرائيلي) شبه متوقف ومسيطر عليه، وبالتالي فلا أخطار محدقة قد تأتي من جانبه، لا من الضفة الغربية ولا من غزة، وأية حوادث تحصل قد أصبحت ذات طبيعة نمطيّة، حاجز، بؤرة استيطانية، عملية دهس أو شهيد، اقتحامات واعتقالات يسبقها انسحاب القوى الأمنية الفلسطينية، فيما يطلق مسلحون بعض الأعيرة النارية في الهواء، وسرعان ما تنتهي القصة على هذا النحو، التي نادراً ما أصبحت ترد في نشرات الأخبار العالمية وإلى حدّ ما الإقليمية، أو تحظى باهتمام يُذكر.
لما كان القريب والبعيد لا يرى في فلسطين أولويّة تستحق الالتفات لها، فهل نتوقع من إدارة بايدن أن ترانا بشكل يستحق الاهتمام؟ والرئيس الجديد الذي لديه جدول مزدحم من الأولويات الداخلية لترميم ما أتلفته إدارة ترامب في المجتمع الأميركي واقتصاده وفي مؤسسات الرعاية الصحية والاجتماعية والفشل في التعاطي مع جائحة كورونا، والخارجية وعلى رأسها التوترات في الباسيفيكي وبحر الصين، والعلاقة مع روسيا، والارتباك الذي افتعله ترامب مع الحلفاء الأوروبيين، والملف النووي الإيراني وغير ذلك كثير، وعند الحديث عن أية مقاربة لجو بايدن تجاه الشأن الفلسطيني، فهي بالأصل محكومة بصهيونيّته التي يعلنها ويفتخر بها، وهي التي عبّر عنها عديد من الرؤساء الديمقراطيين من قبل كان آخرهم أوباما، الذي شجّع (إسرائيل) على سنّ قانون القوميّة العنصريّ، الذي يؤكد يهودية الدولة، أو بكلام آخر أنّ هذه الدولة لا تتسع لشعب آخر غير الشعب اليهودي فقط الذي لا يجوز أن يشاركه أحد في أرضه «التاريخيّة» الموعودة، وقد عبّر عن ذلك عندما زار نصب المحرقة في القدس إذ تحدّث عن ألمه لمعاناة اليهود على يد الألمان، ولكن لم يفته أن يؤكد على أنّ إقامة دولة (إسرائيل)، لم يكن رداً على تلك المعاناة وإنما هي لوجود حق لليهود في هذه الأرض، نافياً بذلك الرواية التاريخية الصحيحة والعلمية للفلسطينيين الذي أكد في المناسبة ذاتها أنّ عليهم الإقرار بأنّ هذه دولة (إسرائيل) يجب أن تكون دولة يهودية خالصة.
 بايدن سيستقبل الرئيس الفلسطيني في البيت الأبيض، وسيعيد فتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وسيُرسل المبعوثين وستستقبل حكومته ضيوفاً من رام الله لن ينقطعوا عن زيارة واشنطن بعد هذه الغيبة الموحشة، ولكن في السياسة لن ننال منه أكثر من إدارة الأزمة، والتعامل مع الحقائق التي صنعها الثنائي ترامب – نتنياهو على أرض الواقع، سيعود للدفع لوكالة اللاجئين الأممية(الأونروا)، وسيدفع أموالاً وتنفذ وكالات التنمية الأميركية بعض المشاريع غير المنتجة، وسيكثر القال والقيل، وهذا التصريح وذاك، وما على الفلسطيني إلا انتظار انتخابات عام 2024.