Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح32)

غازي الصوراني

خاص بوابة الهدف

(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الرابع

الفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى

الفصل الثامن

الفلسفة الأوروبية وفلاسفتها منذ القرن الخامس عشر حتى القرن السابع عشر

الفلسفة الأوروبية نهاية القرون الوسطى

نيكولاس كوبرنيكس ( 1473 م _ 1532 م ):

راهب وعالم رياضيات وفيلسوف وفلكي وقانوني وطبيب وإداري ودبلوماسي بولندي كان أحد أعظم علماء عصره، وهو أول من صاغ نظرية مركزية الشمس للكون في كتابه "حول دوران الأجرام السماوية". وهو أيضاً مطور نظرية دوران الأرض، ومؤسس علم الفلك الحديث.

كانت نظريته الخاصة بدوران الأرض حول الشمس ودورانها اليومي حول محورها إشارةً إلى بدء الانفصال عن نظرية مركزية الأرض للكون، التي قال بها "بطليموس" ووجدت فيها الآراء الدينية نظرية للأفضلية الخاصة التي اختص بها الله الأرض، كما كانت نظرية كوبرنيكس حدثاً ثورياً في تاريخ العلم، حيث أكدت على أن البحث في الطبيعة سيكون علماً مستقلاً، وأن العلوم الطبيعية آخذة في طرح رداء اللاهوت"([1]).

أصدر كوبرنيكس مؤلفه الرئيسي "في الحركات السماوية" عام 1543، استند كوبرنيكوس في نظريته التي قدمها في هذا الكتاب إلى أن حركة الأجسام السماوية يمكن تفسيرها بطريقة أفضل وأبسط إذا تركنا فكرة وجود الأرض في مركز الكون.

تستند نظرية كوبرنيكس إلى مبدأين:

أولاً: ليست الأرض ثابتة في مركز الكون بل تدور حول محورها الخاص؛ وقد استطاع من خلال ذلك تفسير تعاقب الليل والنهار.

ثانياً: الأرض تدور حول الشمس مركز الكون.

وبالرغم من أن كوبرنيكس أخطأ في موافقته على النظرة السائدة آنذاك عن "محدودية الكون التي أثبت العلم المعاصر أن الكون الذي نعيشه لامتناه ولامحدود، كما أخطأ في أن الشمس مركز الكون" إلا أنه كما يقول إنجلز: "تحدى هيبة الكنيسة في مسائل الطبيعة ووضع الأسس الأولى لبداية تاريخ تحرر العلوم الطبيعية من اللاهوت"([2]أما الدليل على صحة تعاليم كوبرنيكوس فقد أعطاه كبلر بعد 80 سنة. بعد أن حرر نظرية كوبرنيكوس من نقائصها.

كوبرنيكوس ونظام مركزية الشمس:

" أنشأ نيكولاس كوبرنيكوس نموذجاً فلكياً جعل الشمس مركزه، وهو المعروف بنظام مركزية الشمس الذي تعارض مع النظام الشائع الذي مركزه الأرض، والذي يعود إلى بطليموس، وحظي بموافقة الكنيسة.

كان هذا النظام الشمسي إنشاءً عقلياً عالياً، ولكنه كان مدعوماً بمشاهدات ضعيفة، ومع ذلك كان كوبرنيكوس بنظريته متحدياً الكنسية والتعليم الأرسطي، ومُوَلِّداً صراعاً استمر طوال حقبة الإصلاح وعصر النهضة، وسرعان ما أحدثت نظرية كوبرنيكوس أثراً عظيماً في المناخ الفكري في زمنه، ولم يكن نظام مركزية الشمس ثورياً بالنسبة إلى الكنيسية وبالنسبة إلى التعليم الأرسطي –البطليموسي فحسب، بلَ ولَّدَ ثورة أيضاً في خبرة الحياة المباشرة""([3]).

فقد "دعا كوبرنيكوس قراءه أن يتخيلوا أنفسهم خارج المركز، وأن يلاحظوا العالم من منظور مختلف تماماً. وقد تطلبت نظريته القدرة على رؤية العالم والبشرية من منظور جديد كل الجدة، أي ان على الإنسان، بوصفه ذاتاً، أن ينظر إلى العالم، وإلى نفسه من وجهة نظر مختلفة تماماً، وقد دعي هذا المنظور التفكيري الانعكاسي الاستبعادي والعكسي بالثورة الكوبرنيكية"([4]).

توماس مور (1478 – 1535):

فيلسوف عقلاني إنساني، ومناضل سياسي بريطاني، عُرِفَ بدفاعه عن الفقراء ومواقفه ضد الإستغلال الرأسمالي في بداية عصر النهضة، وهو من أبرز المفكرين الإصلاحيين الذين انتقدوا بشدة مظاهر الفقر الشديد في بريطانيا مطالباً بإلغاء الملكية الخاصة باعتبارها أهم أسباب الشرور الإنسانية، وهو صاحب كتاب "المدينة الفاضلة" أو "اليوتوبيا" الذي كان الأساس الأول في إطلاق تسمية الاشتراكية الطوباوية"([5]).

تربي في أسرة بورجوازية وشغل فيما بين عام 1529 وعام 1532 منصباً هاماً – هو منصب حامل أختام الملك، وقد وصف مور في كتابه "رحلة في المدينة الفاضلة (اليوتوبيا([6]))" محاسن وميزات مجتمع المساواة القائم على الملكية الجماعية العامة، كما وصف بشاعة النظام القائم على الملكية الخاصة والإستغلال، منتقداً بقوة كافة العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إنجلترا في تلك المرحلة، وحتى نهاية القرن الثامن عشر ظل هذا الكتاب أهم مؤلف في الفكر الاشتراكي.

في كتابه "اليوتوبيا" قدم توماس مور أول عرض منهجي لفكرة الاشتراكية الطوباوية أو كما أطلق عليها عملية تشريك الإنتاج ورَبَطْها بفكرة إيجاد تنظيم شيوعي للعمل والتوزيع، مؤكداً على أن الأسرة هي الوحدة الاقتصادية الرئيسية في دولة اليوتوبيا المثالية الحرة، كما يقوم الإنتاج على أساس الحرف، ويعيش سكان اليوتوبيا تحت إدارة ديمقراطية ويتمتعون بمساواة في العمل ويتحررون من التطاحن بين المدينة والريف، أو بين العمل الذهني والبدني، ويعمل الناس ست ساعات في اليوم ويكرسون باقي الوقت للعلم والفنون، حيث عوّل توماس مور على الأهمية الكبرى للتطور الشامل للفرد، وعلى دمج التربية النظرية في العمل.

هذه الأفكار شكلت العنصر الأساسي في وجهة النظر الاشتراكية في التربية في كتابه "اليوتوبيا"، إلا أن "مور" على الرغم من أنه لم يفهم -في زمانه- أن تحقيق المَثَل الأعلى الاشتراكي يقتضي تطوراً اقتصادياً وتكنولوجياً عالياً، فقد كان إنساناً عظيماً بدفاعه عن الفقراء ومطالبته لمجتمع المساواة والعدل في ظروف قاسية.

ونتيجة لرفض توماس مور نظام الإستغلال القائم على الملكية الخاصة، ورفضه الجمع بين الدين والدولة، ورفضه الاعتراف بالملك رئيساً للكنيسة في بريطانيا، فقد أعدم بفصل رأسه عن جسده بتاريخ 6 يوليو 1535.

"توماس مور الذي كان قاضي القضاة عند هنري الثامن، ولكن بسبب إيمانه التام بمبادئه فإنَّه يضطر لأن يتنازل عن كل المجد الذي حَصَل عليه، بل ويقبل أن يُحْكَم عليه بالإعدام بالسيف؛ فقط لأنه رفض الاعتراف بزواج الملك من آن بولين دون الرجوع إلى الكنيسة الكاثوليكية بروما.

لم يستطع توماس مور -رغم كل محاولاته- أن ينقذ نفسه من الموت دون أن يحتاج أن يضحي بمبادئه التي هي جوهر إنسانيته.

لكن توماس مور، رفض أن يكون كائنا تاريخيا؛ فتمرَّد على كل الدعوات من زوجته وابنته والمخلصين له بأن يعطي الملك ما يريد، واختار مصيره بنفسه ليكون هو توماس مور لا شخصًا آخر مُستلبا لجهة ما؛ فنجح بذلك في أن يحول عدمية الواقع الذي يسير نحو اللامعنى؛ ويجعلها عدمية لغوية مؤقتة داخل الوعي الذي يسعى إلى إعادة توليد نفسه من جديد، في ظلِّ حقيقة جديدة تحقق للإنسان السلام الذي يحتاج إليه"([7]).

مارتن لوثر (1483 - 1546):

راهب ألماني، وقسيس، وأستاذ للاهوت، ومُطلق عصر الإصلاح في أوروبا، حيث طالب بتأكيد العلاقة المباشرة بين الله والانسان، وإلغاء دور الكنيسة كوسيط بينهما، وقد اعترض على صكوك الغفران، ونشر في عام 1517 رسالته الشهيرة المؤلفة من خمس وتسعين نقطة تتعلق أغلبها بلاهوت التحرير وضد السلطة المطلقة للبابا، وطالب بإلغاء صكوك الغفران بصورة نهائية معلناً بداية مرحلة جديدة للإنسان المسيحي في علاقته المباشرة مع الله بعيداً عن وساطة الكنيسة، وكان ذلك الموقف لمارتن لوثر ايذاناً بولادة المذهب المسيحي الجديد أو المذهب البروتستنتي.

في هذا السياق انشقت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في القرن السادس عشر بصورة رسمية، وحتى لو أن الإصلاحيين لم يريدوا في البداية سوى إصلاح الكنيسة، فإن أصالتهم اللاهوتية وارتباطاتهم السياسية أديا إلى ثورة قلبت نظرة الكنيسة إلى التعليم التقليدي والإيمان والخلاص رأساً على عقب.

من الناحية اللاهوتية، صار مارتن لوثر المدافع عن الكتاب المقدس والإيمان الفردي ضد التعليم التقليدي والبابا، وهكذا، وقف الفرد وحيداً بالنسبة إلى الله، بعيداً عن توسط التعليم التقليدي والكنيسة، وفي الوقت نفسه، تبنت حركات الإصلاح موقفاً نقدياً من النظرة التقليدية إلى الخلاص، فرفضت الطوائف التطهرية (Puritan) الخلاص بسر القربان المقدس الكنسي معتبرة إياه سحراً وخرافة، ونتيجة لذلك، أسهمت حركة الإصلاح في العملية التاريخية التي استبعدت السحر من العالم وتحرير العالم من أسرار الدين حسب تعبير ماكس فيبر.

اتبع لوثر في المسائل اللاهوتية الطريقة الحديثة، ولكن بأسلوب مختلف، أي المذهب الإسمي عند وليام الأوكامي، وعنى ذلك في الممارسة موقفاً نقدياً معيناً من وجهة النظر الفلسفية التي قالت بعالم معقول وحَسَنْ التنظيم في القرون الوسطى، ويصعب أيضاً أن نجد في فكر لوثر آثاراً للأنثروبولوجيا الأرسطية التي وجدناها في التعليم التومائي.

اعطى لوثر الأولوية للإيمان على العقل، "فكل ما يحتاج الإنسان معرفته عن مسائل الإيمان موجود في نصوص الكتاب المقدس. ولا يحتاج المسيحيون آباء الكنيسة ومجامع الكنيسة ولا البابا لكي يخبروهم عما يؤمنون به، كذلك، لم يثق لوثر بالتأويل القصصي الرمزي أو الفلسفي للكتاب المقدس. لذا، فهو لا يرى افتراضاته الخاصة في تأويل الكتاب المقدس، والشيء الوحيد الذي نحتاج معرفته، حقيقة، هو ان الله أظهر عن نفسه للإنسان الذي هو المتلقي المذعن لنعمة الله، ورأى لوثر أن الإيمان وحده هو وسيلة التبرير الوحيدة عند الإنسان، إذ ورد: "تذكر ما قيل، نعني أن الإيمان وحده ومن دون اعمال يبرر ويحرر ويخلص"([8]).

من جهة ثانية، "رأى لوثر أن العقل المرشد بالإيمان يمكن أن يخدم اللاهوت. غير أن العقل، عندما ينصب نفسه قاضياً يفصل في مواد الإيمان، وبمعزل عن الإيمان، يكون عمله عمل الشيطان، ويكون الحاصل هو أن العقل عاجز عن أن يكون أساساً لقوانين الأخلاق. وهكذا، يمكن أن يتحول مذهب لوثر الإيماني بسهولة مذهباً لا عقلانياً" ([9]).

كما تتضمن عقيدة لوثر القائلة بوجود نظامين، تمييزاً بين الشخص الباطني والشخص الخارجي، والنظام المدني محدود بالأعمال الخارجية، فهو ينظم الحياة والملكية والأشياء الأرضية، لكنه يعجز عن تنظيم الشخص الباطني، هنا، الله هو الحاكم، لذا فإن الشخص الباطني لا ينتمي إلى منطقة السلطة المدنية، ونتيجة لذلك يقول لوثر إنه لا يمكن وقف الهرطقة بالسيف، فالسلاح يجب أن يكون كلمة الله، إذ ورد: "الهرطقة مسألة روحية، وأنت لا تستطيع تمزيقها إرباً إرباً بالحديد أو حرقها بالنار أو إغراقها في الماء، فلا ينفع هنا إلا كلمة الله وحدها"، وبما أن النظام المدني أسسه الله، فإن العصيان المسلح ضد الدولة هو، في الوقت ذاته، عصيان مسلح ضد الله. وعندما تستخدم الدولة السيف فذلك "خدمة الله" عند لوثر. وهكذا، وجدنا أن لوثر في الصراع بين الفلاحين والأمراء (حرب الفلاحين في 5 – 1524 في ألمانيا) يهاجم الفلاحين بعنف، قائلاً: "يجب أن تردوا على الناس بالقبضات، حتى ي قطر الدم من أنوفهم"([10]).

لقد "اعتقد لوثر بان الدولة هي سلطة أقامها الله، لذا تمكن من أن يقر بمشروعية قادة النظام المدني، معتبراً إياهم جلادي الله "ومعلقي المشانق بإرادة الله"، ومثل هذا التبرير كان مفهوماً في ضوء زمان لوثر والتعليم اللاهوتي – السياسي، أما في ضوء تاريخ ألمانيا الحديث، فإن هذا المبدأ القائل بالطاعة العمياء للحكام صار إرثاً يمكن الشك به، وقساوة لوثر واضحة أيضاً في كتاباته المعادية للسامية (مثلاً، "عن اليهود وكذباتهم" (1543)، ومما يدعيه أنه واجب على المسيحيين أن يحرقوا مراكز العبادة اليهودية، ويدمروا المنازل اليهودية ويخضعوا شباب اليهود للعمل الشاق.

مثل هذه النصوص لها من منظور العداء للسامية والنازية في القرن العشرين تداعيات غير سارة، وعلى الأقل لإمكانية توظيفها بسهولة في الدعاية للنازية، غير أنه لايزال من غير المعقول تتبع علاقة مباشرة تصل لوثر بهتلر. ومن جهة أخرى، يبدو أن فكر لوثر اليوم ليس كله مفيداً –لاهوتياً أو سياسياً"([11]).

لوثر والتيار الديني الاصلاحي (البروتستانتية):

 يبدو أن أهمية البروتستانتية تكمن في قولنا إن التيار الديني الاصلاحي كان يمثل "مركب القديم الجديد" في النهضة الأوربية، فالبروتستانتية تُقبِلُ على هذا العالم الدنيوي بالطريقة التي تتوافق تماماً مع تطلعات القوى البورجوازية الناشئة، فكانت بذلك صدى عميقاً لروح العصر بالفعل.

لقد أعلن "لوثر" أن الخلاص الفردي الكلي الأهمية من غضب الله ينتج عن علاقة صوفية مباشرة بين الإنسان والله (بدون وساطة الكنيسة)، ولذا لا تبقى هنالك حاجة لأن يعمل الإنسان أكثر من ذلك، أو أن يشغل نفسه بأي مظهر من مظاهر التوبة والتقشف الرهباني والزهد وانكار العالم في سبيل خلاص مقبل.

صحيح أن ذلك لا يعني أن عصب الاخلاق قد انقطع، بل يعني أن اشتباك الحياة الاخلاقية باعتقادات متعالية على الطبيعة، وبالخوف من جهنم وتناول القربان المقدس قد تلاشت كثيراً، وتم تمهيد الطريق لمثل أعلى اجتماعي طبيعي شامل هنا في هذا العالم. بمعنى آخر، فان البروتستانتية حين اعتقدت بأنه لا صلة بين الخلاص والأخلاق (على أساس أن الخلاص أمر ديني محض لا ارتباط له بأي شكل من الاشكال بالكمال الخلقي في الإنسان، أو أنه نتيجة الايمان وليس الاعمال الصالحة)، أفسحت المجال للاعتقاد بما يمكن اعتباره أكثر ملاءمة للحياة الإنسانية في هذا العالم.

وهكذا "نجد أن الاصلاح الديني – بالرغم من أنه جاء من نواح عديدة يؤكد معتقدات القرون الوسطى ويشدد عليها – ترك المجال مفتوحاً من الناحية الاخلاقية لمَثَل أعلى اجتماعي دنيوي شامل قائم على الجهد والربح التجاري. وقد أعطى "لوثر" نفسه هذا المضمون للحياة التي يجب على المسيحي الحر أن يعيشها"([12]).

"فطالما انتفت ضرورة الفرائض الدينية الخاصة، فان جميع الحرف – حتى أكثرها دنيوية وتواضعاً- مقدسة على السواء، ويمكن خدمة الله أفضل خدمة في العلاقات العائلية أو التجارية، وذلك بان يقوم الإنسان بواجباته اليومية بإيمان وفرح واثقاً بالله ومستسلماً لإرادته.

يقول "لوثر" إن ما تعمله في بيتك له ذات القيمة كما لو كنت تعمله في السماء من أجل إلهنا. لان ما نعمله في حرفتنا هنا على الأرض وفقاً لكلمته وتواصيه، يحسبه كما لو وضع في السماء من أجله.

أما عن علاقة الإنسان بالدولة، فقد اختلط القديم (الاساس اللاهوتي) بالجديد (مصلحة الطبقة البورجوازية الحاكمة) في فكر كالفن ولوثر"([13]).

إن حق مقاومة السلطة المستبدة لم يعطه كالفن للفرد ولا للشعب –كما يقول د. حامد خليل- بل "اقتصر على أصحاب الامتيازات المشاركين في السلطة، فالذين كانت في أيديهم السلطة هم وحدهم الذين يتمتعون بحق مقاومتها، اما المواطنون العاديون، فليس لهم مثل هذا الحق، وترسيخاً لهذا الموقف الطبقي، حَوَّلَ لوثر مطلب الحرية لدى الناس من العالم الخارجي إلى حياتهم الباطنية، فقد أكد الحرية المسيحية بوصفها قيمة داخلية تتحقق على نحو مستقل عن أي شرط خارجي، وهي لا تتعارض مع أي نوع من أنواع عبودية السلطة، وهكذا تعلم المسيحي كيف يوجه إلى نفسه مطلبه الخاص بتحقيق امكاناته، والبحث عما يبعث الكمال في حياته في "داخل ذاته" بدلاً من العالم الخارجي".

وعلى هذا النحو فإن ما قامت به البروتستانتية بالنسبة إلى الإنسان –كما يضيف د. حامد خليل- "انما هو استبدال سيد جديد بسيد قديم، وتغيير تبعية الإنسان بما هو كذلك من نمط أكثر وحشية وجموداً (النمط الاقطاعي) إلى نمط أكثر تهذيباً ووداعة وتفتحاً (النمط البورجوازي)، لكن – على الرغم من ذلك- فإن البروتستانتية قدمت خدمات جلى للإنسان بما هو كذلك، فقد أفادت تعاليمها في الغاء الكاهن الخارجي لدى الناس، وجعل كل انسان كاهنا على نفسه، وحلت العمل والمهنة والحرفة محل الرهبنة التي تقتصر على خدمة العبادة، وساعدت في اعداد أوروبا – وربما عن غير قصد- إلى ممارسة الحرية العقلية، وذلك حين أكدت نظريا على كفاية المسيحي الفردية في مسائل الايمان. اذ لما كان الناس أحراراً في قبول أو رفض المعتقدات الضرورية للخلاص، فلماذا لا يكونون أحراراً في المسائل الأقل قيمة؟ ولا شك أن تلك النقاط هي من الأهمية بمكان بحيث يمكن القول انها تشكل إحدى الركائز الاساسية التي أسهمت في صنع الإنسان الحديث"([14]).

إن مسألة علاقة الإنسان بالطبيعة كانت الحلقة الأضعف في عملية الصراع التي كانت دائرة بين أنصار القديم والجديد في ذلك العصر، "ففي هذه المسألة بالذات يمكن رسم الحدود الفاصلة بين مجال الايمان ومجال العقل، وخلق أرضية صلبة يمكن للإنسان الوقوف عليها بثبات وعزم، وشق طريقه فيما بعد إلى التحرر الشامل الذي أخذ يتطلع اليه، والحقيقة ان فلاسفة ذلك العصر حين ركزوا معظم جهودهم على البحث في الطبيعة، فانهم لم يفعلوا ذلك لمجرد ارضاء عاطفة حب الاستطلاع لديهم، وإنما من أجل ارساء الأساس المادي الصلب الذي يمكن بالاعتماد عليه تحرير الإنسان تحريراً شاملاً"([15]).

"فالطبيعة التي كانت مسكونة بالشياطين والابالسة، ومُسَلِّمة للصدفة والفوضى والخارق والمعجزات في الفلسفة واللاهوت المدرسيين، كانت تستدعي باستمرار وجود أصحاب كرامات يركن اليهم الإنسان منصاعاً وخاضعاً وذليلاً، لكي يظل بمنأى عن الخطر الذي توهم أنه يحيق به من كل جانب، لكن حين تغدو الطبيعة نظاماً قابلاً للرقابة من قبل الإنسان، ويمكنه التحكم به، يصبح في مقدور هذا الاخير التعامل معها مباشرة ومن دون وسيط (من دون كنيسة)، وبالتالي سيختفي لديه عامل الرعب والقلق الدائمين، ولا يعود بحاجة إلى أن يسلم مصيره وقدره لقوى توهمه بأنها تعلو عليه"([16])، ذلك هو مغزى وأهمية أفكار مارتي لوثر في التطور الرأسمالي.

جان كالفن (1509 - 1564):

مصلِح ديني ولاهوتي فرنسي، أحد أهم رجال الإصلاح الديني المسيحيين، وكان من أشد أتباع المذهب اللوثري (نسبة إلى مارتن لوثر).

من "أهم أعماله "تأسيس الديانة المسيحية" الذي قام بتأليفه عام 1536م باللغة اللاتينية، ثم قام كالفن بترجمته إلى الفرنسية، وقد كان ذلك الكتاب من أوائل الكتب التي عرضت بمنطق واضح، وشمولية فكر الإصلاح الديني، دفاعاً وترويجاً للمذهب البروتستانتي في فرنسا، إلا أن الحكومة الفرنسية المعادية للمذهب البروتستانتي آنذاك، أمرت بحرق الكتاب ومنع تداوله بناءً على طلب البرلمان الفرنسي، وبالفعل تم احراق نسخ من الكتاب علناً في العاصمة الفرنسية، لكن كالفن استمر طوال حياته يعمل على إضافة فصول إلى هذا الكتاب وإعادة نشره، ونجح في نشر أفكاره في أوساط المسيحيين من أتباع المذهب البروتستانتي، خاصة في فرنسا وسويسرا، ثم أسس مذهباً خاصاً به باسم "المذهب الكالفيني".

يقول عنه المفكر الراحل جورج طرابيشي "لا أدري أن كانت عبقرية كالفن أهلاً لإشغال الأذهان وإيقاد الأفئدة على نحو ما كانت عليه عبقرية لوثر؛ لكنه أرتقى في العديد في الأقطار، وبخاصة في فرنسا، إلى ما فوق لوثر نفسه، وفرض نفسه قائداً لحزب ما هو بأقل شأناً على الإطلاق من حزب اللوثريين. وبثقوب ذهنه وجسارة قراراته بذ جميع أولئك الذين شاؤوا في ذلك القرن أن يؤسسوا كنيسة جديدة"([17]).

جوردانو برونو ( 1548 م _ 1600 م):

هو الفيلسوف الايطالي العقلاني المادي الثائر (المولود في مدينة نولا بمملكة نابولي) وهو أيضاً العالِم الفيزيائي والفلكي العظيم بجرأته في مجابهة تخلف الكنيسة ونظامها الغيبي الرجعي، ودفاعاً عن مواقفه وقناعاته العلمية عموماً وفي علم الفلك خصوصاً.

قام بتطوير وتصحيح نظرية كوبرنيكس، " آمن بـ "لا نهائية" المكان أو لانهائية الطبيعة، ورفض مركزية الشمس في الكون مؤكداُ على أن لا وجود لهذا المركز إلا كمركز نسبي فقط "فشمسنا ليست النجم الوحيد الذي له أقمار تدور حوله" فالنجوم البعيدة هي شموس أيضاً لها توابعها، كما افترض أن جميع العوالم في هذا الكون مأهولة، يدفعه إلى ذلك إيمانه بأن كل ما في الطبيعة ذو نفس استناداً إلى إيمانه بمذهب حيوية المادة الذي اعتنقه كغيره من الفلاسفة الطبيعيون؛ وهو –حسب العديد من المصادر- أول من قال بوجود التجانس الفيزيائي بين الأرض والكواكب وهذه التنبؤات لم تؤكد علمياً إلا في أواسط القرن العشرين.

لقد حطم برونو التصورات القديمة عن العالم المخلوق ليجعل الكون ممتداً إلى ما لا نهاية، وهو القائل بأن: "الكلمة الأخيرة في كل مجال من مجالات المعرفة تكمن في العقل وحده"، وعلى أثر مواقفه وقناعاته الجريئة هذه، حوكم برونو بالهرطقة عام 1593 من قبل محاكم التفتيش الرومانية بتهمة إنكاره للعقائد الكاثوليكية الأساسية (بما في ذلك عقيدة الجحيم، والثالوث، وعذرية مريم، والإستحالة الجوهرية)، ووجدته محاكم التفتيش مذنبًا، وفي 17 فبراير 1600 عوقب حرقًا في روما في ساحة كامبو دي فيوري بعدما رفض إنكار قناعاته وأفكاره وفلسفته وتوجهاته العلمية.

" جوردانو برونو ذلك الثائر الإيطالي العظيم الذي طاف متنقلاً من بلد إلى بلد، ومن عقيدة إلى عقيدة، وكان دائماً يخرج من نفس الباب الذي دخل منه باحثاً متعجباً، والذي حكمت عليه محكمة التفتيش بالموت بغير إراقة دمه وذلك بان يحرق حيا"([18]).

أي ثروة من الأفكار والآراء كانت في هذا الفيلسوف "جوردانو برونو" الإيطالي الثائر أولها، فكرة وحدة الوجود العظيمة، كل الحقيقة واحدة في العنصر، واحدة في العلة، واحدة في الأصل، والله وهذه الحقيقة شيء واحد، واعتقد برونو أيضاً بان العقل والمادة شيء واحد، وكل ذرة من الحقيقة تتألف من عنصر مادي وعنصر روحي غير منفصلين، لذلك فإن موضوع الفلسفة هو إدراك وحدة الوجود في تعدد مظاهره والعقل في المادة، والمادة في العقل، وإيجاد التركيب الذي تتقابل فيه الاضداد والمتناقضات وتندمج، والارتفاع إلى ذروة المعرفة عن الوحدة الكلية التي تتساوى فكرياً مع محبة الله.

وعلى هذا النحو، "يصبح الله هو الجوهر، وتأثيراته هي الاعراض، أي المظاهر العابرة لذلك الجوهر الوحيد، ولكي نعرفه، لا نعود بحاجة إلى توسط الكنيسة، حاملة مفاتيح الما – وراء، اذ يكفي لذلك أن نعرف صورته التي هي الكون، وهذا يتأتى لنا حين ندرك أنه لا يوجد في الكون سوى مبدأ واحد، هو صوري ومادي في آن معاً، أي أن الكون هو في جوهره واحد ولا متناه، بينما تكون كل الاشياء الجزئية مجرد أعراض له، أما الكثرة البادية في الكون فهي ليست كثرة جواهر، وانما هي مجرد كثرة مظاهر لجوهر واحد هو هو بعينه"([19])، وطبقاً لهذا التفسير، يختفي التمايز بين الله والكون، ويصبح في الامكان التوجه إلى الله مباشرة بالتعرف على صورته التي هي الكون المفتوح مباشرة لعقولنا، والتي يمكن لتلك العقول التقدم، من خلال قراءة تلك الصورة بلا حدود، صوب تلك الطبيعة اللا متناهية التي هي الله.

وبموجب هذه النظرة الجديدة -كما يقول د. حامد خليل- "لم يعد ثمة مجال لان يعيش الإنسان في خوف وقلق دائمين من عالم مسكون بقوى خفية، فقد تكشف كل شيء له، وأفصح عن نفسه، وسيصبح في مقدور الإنسان التحليق في الفضاء اللا متناهي أنى وكيفما شاء، وبهذا الصدد أحدث "برونو" تحولاً كبيراً، بدد فيه كل المخاوف التي يمكن أن تستبد بالإنسان من جراء ذلك النظام الكوبرنيقي الجديد"([20]).

صحيح أن "برونو" -كما يستطرد د. حامد خليل- "عّبر عن الامكانات اللا محدودة للعقل البشري بلغة أقرب إلى أن تكون لغة شعرية، غير أنه شق الطريق لغاليليو وديكارت من بعده، والحقيقة أن "غاليليو" مدح فيما بعد شعر "برونو" الرومانسي حين بين بلغة رياضية دقيقة أن الحقائق التي يعرفها العقل البشري عن الكون، لا تختلف من حيث اليقين عما هي لدى الله، وفي ضوء ذلك لا يعود من الجائز للإنسان الهروب من هذا العالم، أو لا يعود بحاجة إلى هذا الهروب، فقد أصبح في مقدوره الآن أن يصبح قويا في معرفته لقوانين هذا العالم، إلى الدرجة التي تسمح له بتحويله عن وعي لصالحه، عوضاً عن أن يظل وجلا وخائفاً من ألغازه، مستسلما له، ولاهثا وراء أصحاب الكرامات لكي يخلصه من شروره على حد تعبير "فرنسيس بيكون""([21]).

لقد وصل برونو في نقده للكنيسة إلى الحد الذي حملها فيه مسؤولية كل ما يظهر من شرور في هذا العالم، فهي – في دعواتها المتلاحقة لاحتمال الآلام طمعا في الفردوس – قَدَّمَت العالم لقمة سائغة للأشرار الذين أداروه بنجاح عن الطريقة المثلى للتحمل، بدلاً من الطريقة المثلى للثأر مما أصابهم من أضرار، واستحق بذلك لقب رمز الفكر الحر الذي يتمرد على العقيدة الدينية، ويجهر بمعتقده في جميع بلدان أوروبا أمام أقوياء الأمم جميعاً وعلمائها.

فبسبب أفكاره ومعتقداته الفلسفية واكتشافاته العلمية، قامت الكنيسة باعتقاله وحبسه لمدة ثماني سنوات رفض برونو خلالها التراجع عن أفكاره، وتم حرقه -كما أشرنا من قبل- في روما في 17 فبراير 1600، ومن هذا المنظور ينزل برونو منزلة بطل الإنسانية المصممه على المطالبة بحقها في التفكير وفق عقل مستقل وفلسفي محض وعلى الدفاع عنه، ولو كان الثمن الحياة نفسها.

قالوا عنه:

  • "برونو هو من أبرز تظاهرات التيار الطبيعي الذي كان واحداً من مركبات عصر النهضة". وما يميزه عن سائر فلاسفة زمانه أنه بقي وفياً لحقيقته حتى موته : فبعد كثرة من الشهداء المسيحيين يمثل برونو بعد سقراط، الوجه الأكثر جلاء لجميع شهداء الحقيقة العلمية". (إرنست بلوخ)"([22]).

 

 

([1]) الموسوعة الفلسفية – روزنتال – دار الطليعة – بيروت – ط4 – ديسمبر 1981 – ص393

([2])  جماعة من الاساتذة السوفيت –  مرجع سبق ذكره - موجز تاريخ الفلسفة – ص217

([3])  غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفكر الغربي -  ص 344

([4]) المرجع نفسه -  ص 344

([5]) م. روزنتال و ب. يودين - الموسوعة الفلسفية – دار الطليعة – بيروت – ط1 اكتوبر 1974 – ص 508

([6]) اليوتوبيا معناها الحرفي المكان الذي لا وجود له (الخيالي).

[7] موقع: مجلة شرق غرب – شخصيات فلسفية: جياني فاتيمو – الانترنت – 15/7/2015.

([8]) غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفكر الغربي -  ص  306+307

([9]) المرجع نفسه -  ص  309

([10]) المرجع نفسه -  ص  310

([11]) المرجع نفسه -  ص  311

([12])  حامد خليل –  مرجع سبق ذكره  – مشكلات فلسفية -  ص 110

([13]) المرجع نفسه –  ص 111

([14]) المرجع نفسه –  ص 112

([15]) المرجع نفسه –  ص 118

([16]) المرجع نفسه – ص 119

([17])  جورج طرابيشي –  مرجع سبق ذكره – معجم الفلاسفة – ص 506-507

([18])  ول ديورانت– مرجع سبق ذكره -  قصة الفلسفة – ص189

([19])  حامد خليل –  مرجع سبق ذكره – مشكلات فلسفية -  ص 96

([20]) المرجع نفسه –ص 97

([21]) المرجع نفسه –ص 98

([22])  جورج طرابيشي  - مرجع سبق ذكره - معجم الفلاسفة  – ص175-176