Menu

حملة صهيونية يمينية فاشية ضد العرب المسيحيين وكنائسهم في فلسطين

نواف الزرو

خاص بوابة الهدف

بعد أن شن الإرهابيون اليهود على مدى عقود الاحتلال، موجات من الهجمات والاعتداءات على المقدسات الاسلامية، ينتقل الإرهاب الصهيوني في هذه الأيام إلى مرحلة جديدة من التصعيد المرعب، ضد الكنائس المسيحية في القدس وعموم فلسطين، ويتنقل هذا الإرهاب منهجيًا من منطقة إلى منطقة، ومن قرية إلى قرية، ومن كنيسة إلى كنيسة، ليصل ذروته بالاعتداء الذي شنه مستوطن أمس الجمعة بمحاولته إحراق كنيسة "الجثمانيّة" قرب جبل الزيتون في القدس المحتلة، قبل أن يحبطها أهالي المدينة. وذكر شهود عيان أنّ المستوطن اقتحم الكنيسة التاريخيّة وسكب وقودًا وحاول إضرام النيران في بعض المقاعد الموجودة، إلا أن أهالي المنطقة تدخلوا وأفشلوا محاولته: - 04/12/2020 - وتأتي هذه المحاولة الاجرامية لتتوج سلسلة طويلة من الاعتداءات على الاماكن المقدسة المسيحية، إذ تتعرض هذه الأماكن المقدسة إلى هجمات صهيونية لا ترحم؛ تهدف إلى إلغاء الآخر الديني في المدينة المقدسة، عبر الاعتداءات والاقتحامات وعمليات الحرق للكنائس والأديرة، وكذلك عبر المصادرات والتهويد، وخاصةً في مراكز التواجد المسيحي في القدس وبيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور، وصولًا إلى الأماكن الأخرى المتفرقة التي تنتشر فيها أماكن مقدسة مسيحية، وكما يجري مع المسلمين في منعهم من الوصول إلى مساجدهم، كذلك يمنع الاحتلال المسيحيين من الوصول إلى مقدساتهم، وخاصةً إلى كنيسة القيامة في القدس.
ولعل الوجه الصهيوني القبيح يظهر على حقيقته مجددًا، فقد دعا رئيس تنظيم لهافا العنصري، بنتسي غوبشطين، إلى حظر احتفالات عيد الميلاد، واصفًا العرب المسيحيين في البلاد بمصاصي الدماء وأنه يتوجب طردهم من البلاد، وهذا ليس بجديد على كل حال؛ فالمستوطنون اليهود كانوا هتفوا سابقًا: "الموت للمسيحية ...سنصلبكم"، وعضو كنيست قام بتمزيق الإنجيل بالبث المباشر، والإرهابيون اليهود يحرقون الكنائس والأديرة المسيحية ويتوعدون المسيحيين بالصلب مجددًا، والقناة الثانية الإسرائيلية تتطاول على رموز الدين المسيحي والسيد المسيح والسيدة مريم العذراء. إنها حملة صهيونية منهجية ضد العرب المسيحيين لإجبارهم على الهجرة كي تبقى فلسطين "إسرائيل"، بلا معالم مسيحية.
ووفقًا للمصادر الفلسطينية الموثقة، ففلسطين تشهد في الآونة الأخيرة نقلة خطيرة من الاعتداءات التي يشنها المستوطنون الإرهابيون على الكنائس والأديرة، لتحقيق أجنداتهم المبيتة في الانتقام من المسيحية وشطب معالمها وتهجير أهلها.
ف"الموت للمسيحية.. سنصلبكم"، هذا ما كان كتبه المستوطنون الإرهابيون باللغة العبرية على جدران الكنيسة المعمدانية في القدس المحتلة، في سياق حملة تستهدف المقدسات المسيحية في القدس، وكتبت أيضًا إهانات استهدفت السيد المسيح وأمه مريم عليهما السلام، وبهذا الاعتداء على الكنيسة ينتقل الإرهابيون اليهود الى مرحلة جديدة، ويسجلون فصلًا جديدًا من فصول الإرهاب الصهيوني المتواصل ضد الوجود العربي وضد الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية، وهناك قائمة طويلة من الاعتداءات الإرهابية على الكنائس، في أماكن متعددة في فلسطين، ولكن ربما يكون العمل الذي أقدم عليه عضو الكنيست الإسرائيلي ميخائيل بن آري؛ بتمزيق نسخة من الإنجيل الذي وصفه بأنه "كتاب حقير"؛ "احتجاجًا" على قيام مؤسسة مسيحية توزع الأناجيل بإرساله إلى الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، فقام ميخائيل بن آري العضو عن حزب الاتحاد القومي اليميني، المتطرف المعارض بتمزيق نسخة من "كتاب العهود" الذي يحتوي على العهد القديم، بالإضافة إلى العهد الجديد؛ تلقاه من جمعية الكتاب المقدس في إسرائيل، وأرفقت رسالة من مدير الجمعية فيكتور كاليشير مع الأناجيل التي قال فيها: بأنه يأمل بأن يقوم الكتاب "بتسليط الضوء على الكتب المقدسة ويساعد على فهمها"، وأضاف: "نأمل بأن يقوم الكتاب بمساعدتكم وإنارة طريقكم"، ونشر موقع الكتروني إسرائيلي صورة التقطها مساعد بن آري؛ تظهر عضو الكنيست وهو يمزق الكتاب، ونقل الموقع عن بن آري قوله: "هذا الكتاب الحقير حفز قتل الملايين من اليهود خلال محاكم التفتيش"، وأضاف: "هذا استفزاز تبشيري بشع ومستفز من الكنيسة، هذا الكتاب ومرسلوه يجب أن يكونوا في مزبلة التاريخ"، وطالب النائب د. جمال زحالقة بتحويل النائب اليميني ميخائيل بن آري إلى المحاكمة الداخلية في لجنة "الطاعة" في الكنيست، وذلك على خلفيّة قيامه بتمزيق الإنجيل المقدس بصورة مستفزة أمام الكاميرات، وتحدث زحالقة على منصة الكنيست مؤكدًا أن العمل الحقير والمنحط الذي قام به بن أري، يعبّر عن عقلية عنصرية فاشية، وليس غريبًا أن تأتي من ممثل حركة "كاهانا" في الكنيست.
إلى ذلك، كانت الحاخامية الرئيسية في إسرائيل طالبت الفنادق والمطاعم والمقاهي الإسرائيلية بالامتناع عن وضع رموز دينية مسيحية لمناسبة عيد الميلاد، الأمر الذي أثار توترًا بين الدولة العبرية والفاتيكان وهيئات مسيحية أخرى، وذكرت صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية" أن الحاخامية الرئيسية طالبت الفنادق والمطاعم وأماكن الترفيه الأخرى في إسرائيل بعدم وضع رموز دينية مثل شجرة الميلاد ودمى "سانتا كلوز" في عيد الميلاد ورأس السنة الميلادية"، وأضافت الصحيفة أن "اللوبي من أجل القيم اليهودية" أطلق حملة ضد المطاعم والفنادق التي تعتزم وضع الرموز المسيحية"، ونقلت عن رئيسه عوفر كوهين قوله: "إننا ندرس إمكانية نشر أسماء الفنادق والمطاعم والمحال التجارية التي تضع رموزًا دينية مسيحية والدعوة إلى مقاطعتها"، وبحسب "يديعوت" فإنّ وزارة الخارجية الإسرائيلية تلقت العديد من رسائل الاحتجاج بعثتها جهات وهيئات مسيحية، كما تلقى سفير الفاتيكان لدى إسرائيل رسائل احتجاج من جهات وهيئات ووسائل إعلام في العالم، فيما توجّه أعضاء في الكونغرس الأميركي محتجين إلى السفير الإسرائيلي لدى واشنطن مايكل أورون.
 ولعل من أخطر مظاهر استهداف المسيحية كان التطاول على رموز الدين المسيحي والسيد المسيح والسيدة مريم العذراء، في برنامج "الليلة مع ليؤر" في القناة العاشرة الإسرائيلية التي يقدمها ليئور شلاين، وعقد عدد من رجال الدين المسلمين والمسحيين مؤتمرًا صحفيًا في الناصرة أعربوا فيه عن شجبهم واستنكارهم للإساءة لرموز الديانة المسيحية التي جاءت في البرنامج المذكور، وأصدر مجلس الطائفة ومطرانية الروم الأرثوذكس في الناصرة بيانًا شجب فيه بشدة الأقوال والتطاول على رموز الدين المسيحي السيد المسيح والسيدة مريم العذراء، كما جاء في البرنامج الذي سماه بالساقط "الليلة مع ليؤر" في القناة العاشرة، والذي تعرض وبشكل مسيء ولا يقبله العقل، على قدس أقداس الديانة المسيحية، وقال البيان: إن من يتباكى ليل نهار في العالم محذرًا من غول اللاسامية، لا يحق له أن يتمادى على الآخرين حتى بحجة أن بعض رجال الدين المسيحيين ينفون مذبحة اليهود إبان الحرب العالمية الثانية على أيدي النازيين الألمان، فقط من لا يوجد عنده القدرة على مقارعة الحجة بالحجة يسقط إلى هذه المستويات، وأضاف البيان: أن ما قام به المدعو ليئور والقيمين على القناة العاشرة لم يفاجئنا، لأن من يقتل الأطفال والنساء ويهدم البيوت على رؤوس من فيها في غزة، ليس غريبًا عليه أن يقوم بمثل هذا العمل القذر".
وتقدم الفاتيكان بشكوى رسمية إلى الحكومة الإسرائيلية ضد القناة العاشرة لديها، والتي بثت برنامجًا سخر فيه مقدمه من المسيح عيسى وأمه مريم عليهما السلام، واعتبر الفاتيكان أن ما بثه البرنامج يشكل: "عملًا عدائيًا ومبتذلًا"، وأنه يعبر عن سلوك: "غير متسامح تجاه مشاعر المؤمنين بالسيد المسيح"، وكان البرنامج قد سخر على امتداد حلقتين من عدد من معجزات السيد المسيح، داعيَا إلى عدم تصديق ما قالته عنه الكنيسة، كما أثار غضب الأساقفة الكاثوليك بالأرض المقدسة وتقدموا بشكوى ضد القناة. هذه الأعمال وغيرها أدت إلى نزوح عدد كبير من المسيحيين من القدس – فبعد أن كان عدد المسيحيين في القدس 40 ألفًا أيام الانتداب بعد 1948، ليصل إلى حوالي 25 ألفاً قبل 1967، وانخفض إلى حوالي 4 آلاف داخل البلدة القديمة، وإلى أعداد مشابهة خارجها (الأرقام داخل البلدة القديمة موثقة – أما خارجها فبسبب سحب الهويات لا يمكن تحديد العدد). ومن أهم أسباب التهجير المسيحي هي المضايقات الإسرائيلية – بسبب الدين والسياسة وموقف الفاتيكان الذي قام بالاعتراف بالكيان الصهيوني في 1992، وقد صرح مطران القدس رياح أبو العسل بالنسبة للأوضاع داخل القدس العربية بأن: "هناك سياسة لتفريغ القدس من المسيحيين الفلسطينيين؛ إذ نقص عددهم من 28.000 إلى 8.000 شخص؛ الأمر الذي يشكل خطرًا على الحضور المسيحي والديار المقدسة عامة، وإشارة إلى مؤتمر الأساقفة للكنيسة الانجليكانية في الولايات المتحدة؛ أكد في تموز الماضي على عروبة القدس وأنها مفتاح السلام".
وللحد من نشاط رجال الدين المسيحي والمسيحيين أصدر الكنيست الإسرائيلي في 9 نيسان 1991؛ قانوناً نصت المادة الأخيرة منه على ما يلي: "تلغى جميع الإعفاءات التي كانت تتمتع بها الأماكن الدينية والثقافية والعلمية، منذ أجيال في الأراضي المقدسة، في حين أن سلطات الانتداب البريطاني، لم تتعرض لهذه الإعفاءات في الفقرات 8 و 9 و 12 و 13 من قانون الإعفاءات الصادر سنة 1930". وقد أقدم الاحتلال على هذه الإجراءات بحق الأديرة ودور العلم الأكليريكية والملاجئ ومقر رؤساء الطوائف الخيرة والمحاكم الدينية والمقابر والأملاك والأوقاف الخيرية، لتصفية هذه الممتلكات لمصلحة اليهود، ضاربين بعرض الحائط ما تتركه هذه الإجراءات في نفسية العالم المسيحي الذي قدم الملايين في تشييد هذه الكنائس والأديرة والمدارس والمستشفيات، متجاهلين القرار الذي أصدرته هيئة الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني 1948 وهذا نصه – ضمن قرار التقسيم: لا تجبى ضريبة على مكان مقدس وعلى بناء أوقاف ديني كان معفى من الضرائب، بصورة تخلق تمييًزً بين مالكي الأماكن والأبنية والمقامات الدينية، في وضع أقل من وضعهم يوم وافقت هيئة الأمم المتحدة على هذه القرارات"، وهذا القرار بفرض إسرائيل ضرائب على الكنائس، جاء بعد "توقيع الاتفاقية بين الفاتيكان وإسرائيل 10/11/1997"، والتي تم فيها اعتراف الفاتيكان بسيادة إسرائيل على القدس وتعترف بالسيادة الإسرائيلية، حينما يطبق القانون الإسرائيلي، وكذلك جاءت بعد وثيقة الفاتيكان التي تعلن عدم تورط الكنيسة في خداع اليهود، والتي نشرت في 16/3/1998، وقد عقب المحامي إبراهيم قندلفت مسؤول الشؤون المسيحية في السلطة الفلسطينية على قرار فرض الضرائب بالقول: "سيكون لهذا القرار الأثر على الكنائس، وبخاصة جميع الكنائس معفاة من أي رسوم أو ضرائب منذ العهد العثماني، مرورًا بالعهد البريطاني، والحكم العثماني، ولم تفرض هذه الضرائب، منذ احتلالها في عام 1967". 
فتصوروا بعد كل ذلك... لو أن فلسطينيًا أو عربيًا؛ أقدم على حرق كنيس يهودي في الضفة الغربية، أو أقدم على حرق خزنة لفائف التوراة في الكنيس، فكيف كانت دولة الاحتلال ستتصرف؟ وكيف كان المستعمرون المستوطنون سيتصرفون؟ وكيف كانت الإدارة الأمريكية ستتصرف؟ وكذلك الاتحاد الأوروبي؟ وكذلك الأمم المتحدة...؟
ربما كانت ستقوم الدنيا ولا تقعد أبدًا، حتى تقوم قوات الاحتلال ومعها عصابات المستوطنين؛ بحرق الأخضر واليابس، في كافة مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، ناهيكم عن حرق المساجد والكنائس والكتب المقدسة، وربما حتى إحراق المسجد الاقصى وكنيسة القيامة... وناهيكم عن أعمال القتل والفتك ضد الأطفال والنساء والشيوخ.. أليس كذلك الحال...؟ ولكن، وحيث أن الذين يقومون بالاعتداءات والحرق والتخريب هم المستوطنون الصهاينة وجنود الاحتلال.. وحيث أن  المساجد والكنائس والمقدسات والمعالم العربية هي التي تتعرض للحرق والتخريب والاغتيال، فلا بأس لدى العالم المذكور ببيان إدانة.. وكفى!