باندلاع القتال بين الدولة الإثيوبية المركزية وبين إقليم التيجراي؛ تصاعدت أحداث الصراع الداخلي في إثيوبيا على نحو بات يهدد باندلاع حرب أهلية لا نعلم المدى أو المساحة التي ستبلغها أو الحدود الذي يمكن أن تتوقف عندها، لذا سنحاول هنا قدر المُستطاع إجراء المقاربات التي تساعدنا على فهم الموقف وتقدير تداعياته.
أولاً: الحضور القديم للصراعات الإثنية في التاريخ الإثيوبي القديم والحديث
التاريخ الإثيوبي حافل بسرديات الصراعات الإثنية، وهي صراعات تنتهي دائماً بهيمنة المُكَوِّن الإثني الفائز في الصراع والمكونات الإثنية المتحالفة معه على السلطة والدولة والثروة والمكانة الاجتماعية والثقافية، وغالباً ما تحفل تلك السرديات التاريخية باستعانة المكونات المنتصرة في صراعات الهيمنة الإثنية بأدوات الدولة، وتوظيفها في تعميق التهميش الإقتصادي والإجتماعي والسياسي والثقافي للمنتمين للمكونات الإثنية الأخرى من أبناء الشعب الأثيوبي. ودائماً ما يصل الأمر إلى أن يتبني أفراد وجماعات هذا المكون أو ذاك ثقافة الإستعلاء العرقي، والنظر إلى الآخر (الإثني) على اعتبار أنه فاقد لعنصر النقاء العرقي الذي يكفل له الجدارة الاجتماعية ويحول دون ارتقائه، على نحو ما، للمشاركة في الحصول علي نصيب عادل من الفرص الاجتماعية، بل وقد يصاحب ذلك في أغلب الأحوال مُصادرة حق أفراد المكونات الإثنية (الأخرى) في التعبير عن أماني هذا (الآخر الإثني) في أوضاع أكثر عدلاً وكرامة، تكفل له نصيب من معقول الحياة الكريمة والحديثة.
وهذا ما تحقَّق، على سبيل المثال، تاريخياً للإثنية الأمهرية، التي هيمنت علي الدولة الإثيوبية بدايةً بعهد قاربت القرن الكامل، ظلت فيه الإثنية الأمهرية تعتبر ثقافتها هي التجسيد الحقيقي للجدارة الوطنية، وتنظر إلى التنوعات الأثنية الأخرى على كـ "أغيار"، أقل جدارة من الأمهريين، ولذا كان طبيعياً أن تدخل إثنيات أخرى كالأرومو والتيجراي في عداء شديد مع الأمهرية، وألَّا تتقبل بقية الإثنيات المحاولات المستمرة من قِبل الأباطرة للدمج القسري تحت سلطان الإثنية الأمهرية، وأن تقاوم عملية فرض الأمهرية كثقافة شاملة وهوية جامعة للأثيوبيين. وعلى الرغم من أن نظام (الدرك) الذي أسقط الأمبراطور "هيلاسلاسي" عبر انقلاب عسكري في 1974، بالتزامن مع حلقة من حلقات الحروب الأهلية الإثيوبية، قد فرض نظام الحزب الواحد (حزب العُمَّال الأثيوبي) تحت قيادة "مانجستو هايلا ماريام"، وأخضع جميع الإثنيات العرقية والتنوعات الدينية للدولة المركزية؛ إلَّا أنه لم يستطع بناء الدولة الإثيوبية الحديثة، وتحول إلي نظام الحكم الفردي الديكتاتوري، في حين عجز عن نقل حياة الإثيوبيين إلي واقع أفضل بعيداً عن تَعَمُّق الفقر والتخلُّف، وفشل في إنقاذ المجتمع الإثيوبي من حروبه الأهلية، إلي أن اسقطته "الجبهة الديمقراطية الشعبية" في 1991، مُتبنية سياسات تُقر الاعتراف بالتنوع الإثني والتعددية الدينية والثقافية؛ غير أن هذه التغيُّرات ظلَّت ذات طابع فوقي، تُغَطِّي على ما جري في الواقع من تكريس لغلبة نخب الإثنية التيجراتية، التي كانت قد حقَّقت مكتسبات اقتصادية واجتماعية في ظل النظام الجديد، على حساب الإثنيات الأخري، وتم دفع إثنية الأورومو التي تُشَكِّلُ أكبر إثنية في البلاد من حيث المساحة وعدد السكان.
ثانياً: قوة الرابط القبلي في مقابل هشاشة الرابط الوطني
ومن المهم أن ندرك أنه منذ استقلال إثيوبيا، تزامنًا مع هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية، لم يعد تاريخ إثيوبيا سوى أنه سلسلة من حلقات الحروب الأهلية التي يُفجرها واقع مجتمعاتها المأزومة اقتصادياً واجتماعياً، على نحو عَمَّقَ تخلفها، ووقف بأفراد شعبها عند الانتماء للقبيلة، كتشكيلٍ اجتماعي يستعصي على التحول إلي الأشكال والعلاقات الاجتماعية المتطورة، ولعلنا في غير حاجة للتأكيد على أن الإنسان في الهزائم الحضارية والاجتماعية، وفي ظل التهميش السياسي والاقتصادي والثقافي، دائماً ما يتعمَّق سؤال الهوية وتبتعد إجاباته عن هويات (الأمة)، و(الوطن).. وتصبح القبيلة/ الطائفة/ الاعتقاد الديني.. هي المظلات الحامية الواقية من وطأة صواعق أسئلة الهوية لدى الفرد المُنهزم حضارياً بفعل مظاهر الهيمنة الاستعمارية، والواقع تحت طائلة الانضغاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي، بواسطة قوى الهيمنة المحليَّة التي تستخدم السلطة المركزية و(الدولة) في ممارسة الضغط الاقتصادي والقهر الاجتماعي والسياسي والتهميش الثقافي، وبالتالي ترتفع رايات الإنتماء لرابط القبيلة/ الطائفة/ أو رابط الاعتقاد الديني.. كرايات بديلة لروابط (الأمة / الوطن/ الدولة) في مواجهة السلطة والدولة التي تستخدمها هذه السلطة كأداة لممارسة القهر.
عبر كل مراحل تاريخ إثيوبيا؛ كان الولاء القبلي (سواء كان للمُكون المهيمن أو المُكونات المُهَمَّشة) هو الرابط الراسخ لدى أفراد المجتمع، والمُقَدَّم على رابط الأمة والوطن، وراياته هي تلك الرايات التي ترتفع في حالات المواجهة مع السلطة والدولة (اللتان لاتعنيان في هذه الحالة سوى سلطة المُكونات القبيلية المهيمنة، ودولة القهر والتمييز ضد المُكونات الواقعة تحت الهيمنة)، هكذا ظلت إلى حد ما تلك السردية التاريخية نافذة من نوافذ فهم إشكالية صعوبة التئام الأمة، وظل استمرارها ضرورى لوعي إشكالية تَعَثُّر محاولات بناء الدولة الوطنية الحديثة في إثيوبيا؛ وهذا يصل بنا إلي مقاربة قد تساعدنا على فهم جدليات الصراعات المُمتدة في إثيوبيا، والتى لم تمر حقبة زمنية على (الدولة) الإثيوبية دون أن تنفجر بشكلٍ أم بآخر.
والشعب الأثيوبي حاله كحال كثير من أمم وشعوب قارة أفريقيا التي عاشت في ظل أعلى ممارسات التهميش السياسي والاقتصادي والثقافي، سواء تلك التي صاحبت مُمارسات الصراعات القبلية من أجل الاستحواذ على ما يمكن الاستحواذ عليه من الأراضي وموارد الحياة في مرحلة ما قبل تَشَكُّل الدولة، أو تلك التي مورست بعد ذلك بمنتهي القسوة من المُستعمِر الأوربي الذي استهدف نزح موارد القارة وثرواتها الطبيعية إلي المُجتمعات الأوربية التي ظلت العلاقة بين نهوضها وبين ممارسة النهب والظلم والتمييز والتهميش، ضد شعوب القارة علاقة جدلية، على النحو الذي لا يمكن لدارس التاريخ الأوربي فصل النهضة والحداثة الأوربية عن فضل ما أطلق عليه المفكر المصري الجليل د. سمير أمين ظاهرة "فائض القيمة الاستعماري". وقد اقتضت مصالح المُستعمِر الأوربي دائماً تعميق وترسيخ الصراعات الإثنية، وإحلالها محل نهوض ووحدة الشعوب، وخلط أوراق قوى التحرر الوطني، بما يضمن تشويه البني الهيكلية للدول المُسْتَعْمَرة، وإبقائها في نطاقات التبعية التي تضمن تدفُّق فائض القيمة الإستعماري إلي أوربا، حتى بعد نجاح حركات التحرر الوطني في تحقيق الاستقلال (بمعناه القانوني والسياسي) للدول المُسْتَعْمَرة، وهكذا تُحدثنا سرديات التاريخ الإثيوبي، الذي لا يمكن وصف مساراته بعد إعلان استقلال إثيوبيا إلا بسردية الحروب الأهلية.
ثالثاً: غياب التنمية كعامل رئيسي لهشاشة الأوضاع الأثيوبية
دائماً يبقى الفاعل الأكبر هو تأخر وتعثر عملية تحديث المجتمع الإثيوبي، ونقل مجتمعاته من مجتمعات تغلب عليها الطبيعة الرعوية من حيث الإنتاج والطبيعة القبلية من حيث التنظيم الإجتماعي، إلى مجتمعات تحكمها علاقات إنتاج مُتطورة، تخلق روابط اجتماعية جديدة تتجاوز روابط القبيلة، وتُحَدِّثُ حياة الإنسان الإثيوبي من خلال عمليات تنمية شاملة، وهو أمر لم تلتفت إليه السلطة المركزية التي عنيت بالتركيز على الجانب السياسي المُتَعَلِّقُ بالحفاظ علي السلطة، في غياب تام لدور الدولة في تحسين حياة الإثيوبيين وتطويرها، ولذا فمن المنطقي إدراك أن المواطن الذي لا تمتد له يد الدولة بأي دور إجتماعي يؤثر بشكل مباشر على حياته، ويوفر له الخدمات التي تُحَسِّنُ وتُطور معيشته، سيكون في النهاية مواطناً لا يشعر بقيمة الدولة، ولا بأهمية رابط المواطنة، وستظل رابطة القبيلة هي الرابطة التي تستحق أن يُعيرها اهتماماً، ومن ثم تظل هي الرابطة المُقَدَّمة على رابط الوطن الذي ترمز له الدولة، وتصبح رابطة القبيلة، في النهاية، هي الرابطة المُقدسة التي تستحق التضحية وبذل الدماء من أجل أرض الإقليم القبلي، حتى لو كان ذلك في مواجهة الدولة المركزية، أو في مواجهة الأقاليم التي تقع في نطاق الدولة المركزية.
وحين اعتمد حكم "الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية الإثيوبية" الحاكم في عهد "ماليس زيناوي" وخلفه "ديسالين"، الفيدرالية كحلٍ يحترم الواقع المجتمعي الإثني الإثيوبي، وكمنهجٍ لبناء دولة الجمهورية الإثيوبية الثانية، لم يُقدم الجهد المطلوب من أجل تنمية المجتمعات الإثيوبية، وتطوير حياة الشعب الإثيوبي، ونجدته من براثن التخلُّف التي كانت سبباً في كل الحروب الأهلية الإثيوبية، وسبباً في تأخُّر إلتئام الأمة الإثيوبية، ولهشاشة الدولة. وقد اعتمدت تجربة "أبي أحمد"، القادم بدعم من المؤسسات المالية الدولية، على فكرة تقليص يد الدولة (التي لم تكن قد نجحت في بناء قاعدة اقتصاد وطني بعد)، وفتح إثيوبيا للاستثمار الأجنبي المباشر دون أية قيود أو ضوابط، ودون امتلاك الدولة لخطط تنموية حقيقية، بصرف النظر عن توظيفه لعملية بناء "سد النهضة" الإثيوبي للترويج السياسي لحُكمه، في ظل حقيقة أن عملية بناء هذا السد تتم داخل سياق أهداف مؤسسات التمويل الدولية في تحرير مصادر المياه والطاقة، بمعنى أنها تأتي ضمن برامج الخصخصة التي ستجعل مُنتجات السد أداة لتعميق الفقر، وتصاعد الفوارق في الخدمات ما بين التجمُّعات والشرائح البشرية القادرة وتلك غير القادرة، وبالتالي فتجربة حُكم "الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية الإثيوبية"، في نسخته الجديدة (نسخة أبي أحمد)، لم تُقدم بديلاً تنموياً شاملاً ينتشل المجتمعات الإثيوبية الفقيرة من براثن الفقر والتخلَّف، وبدلاً من السعي لتعظيم ثمار النمو الاقتصادي المرجو لصالح كل أعراق المجتمع، اتجه إلى استبدال هيمنة "نخب" التيجراي الاجتماعية، بهيمنة أخرى لـ "نخب" عرق الأروميا الاجتماعية!
النتيحة واحدة إذن في مسلسل إهمال الدولة المركزية ونُخبها السياسية المُتعاقبة (سواء في الدمج القسري أو الأنظمة الفيدرالية) لضرورة تحديث وتطوير المجتمع الأثيوبي، وإيجاد دور تنموي فعَّال للدولة المركزية، يُحَسِّنُ من أوضاع الإثيوبيين، ويُطور حياتهم، ومن هنا تتخذ التناحرات شكل الصراعات ذات الطابع القبلي وتشتعل الحروب الأهلية.
رابعاً: المأزومية السياسية
ويُلاحظ المُطَّلع على الحياة السياسية والحزبية في إثيوبيا، أن الأحزاب والتنظمات الإثيوبية (وبعد الحظر النهائي لحزب العمال الحاكم في ظل نظام مانجستو)، سواء تلك التي تُشَكِّلُ التحالف الحاكم، أو تلك التي بقيت خارج التحالف الحاكم، أنها جميعاً تأسست على أساس الإنتماء الإثني، مما يشكل أهم نقاط هشاشة النظام الفيدرالي الإثيوبي، ويضع كامل تجربة الحل الفيدرالي لبناء الدولة الإثيوبية تحت رحمة التفاهمات والصفقات والتحالفات القبلية الضعيفة، والتي سرعان ما تنقلب إلي عداءات وصراعات تنزلق بالدولة الإثيوبية إلى طاحونة الحروب الأهلية! وهو الحال الذى كان عند قيام التحالف بين "الشعبية لتحرير إريتريا" بقيادة "أساسي أفورقي"، و"جبهة تحرير الشعب التيجراني"، في أثناء الصراع ضد نظام "مانجستو"، والذي سرعان ما تحول، بعد سقوط "مانجستو" وإعلان انفصال إريتريا، إلى صراع دموي، نتيجة إشكاليات حدودية بين إريتريا وإثيوبيا، والتي تطال أراضي إقليم التيجراي المتاخم لإريتريا.
خامساً: الأحزاب السياسية الإثيوبية
أ- تحالف الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية الإثيوبية
1- حركة أمهرة الوطنية الديمقراطية.
2- منظمة أرومو الشعبية الديمقراطية.
3 - الجبهة الديمقراطية لشعب جنوب أثيوبيا.
4- جبهة تحرير الشعب التيجراني.
وقد انسحبت من التحالف الحاكم، بعد تشكيل "آبي أحمد" حزب "الرخاء الجديد"، وعدم إتمامه الانتخابات العامة التي كان من المُقَرَّر إجرائها في أغسطس 2020، قبل انتهاء ولايته دستورياً في 30 سبتمبر الماضي، ويمتلك تحالف "الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية الإثيوبية"، 499 مقعداً في البرلمان، بما في ذلك نواب جبهة تحرير الشعب التيجراني.
ب - الأحزاب خارج التحالف الحاكم:
- حزب صومالي الشعبي الديمقراطي، ويشغل 24 مقعداً في البرلمان.
2- حزب بني شنقول الديمقراطي الشعبي، وله تسعة مقاعد.
3- حزب عفار الوطني الديمقراطي، وله ثمانية مقاعد.
4- حركة وحدة شعب جامبلا الديمقراطية، ولها ثلاثة مقاعد.
5 - تحالف هراري الوطني، وله مقعد وحيد.
6- المنتدى الأثيوبي الديمقراطي الاتحادي، وله مقعد وحيد.
7- منظمة شعب أرجوبا الديمقراطية، ولها مقعد وحيد.
8 - مستقلون.. مقعد وحيد بالبرلمان.
سادساً: الأسباب والمشكلات السياسية والحزبية المباشرة التي عجلت بإندلاع الصراع مع إقليم التيجراي
1 - أنهت اتفاقات السلام التي تبنَّاها رئيس الوزراء الأثيوبي "أبي احمد" مع الجانب الإريتري، حقباً من الحروب الإثيوبية الإريترية، سواء عندما كانت إرتريا إقليماً إثيوبياً، أو عندما أصبحت دولة مستقلة لا تعترف بها الحكومات الأثيوبية المتعاقبة، وقد حاز بسببها "أبي أحمد" جائزة نوبل للسلام، لكنها خلقت إحساساً شديداً بالمرارة في إقليم التيجراي، ولدى "جبهة تحرير الشعب التيجراني" نظراً لأنها أبرمت على حساب أراضٍ يرى مسئولو إقليم تيجراي تبعيتها لهم.. فإقليم التيجراي هو الإقليم الشمالي المُلاصق لأراضي إريتريا والصراع علي الأرض والإشكاليات الحدودية لم تنته - بعد - بين الإقليم وبين إريتريا، ولذلك يري "ديبرتسيون جبرمايكل" زعيم "جبهة تحرير الشعب التيجراني"، ومعه مسئولو وقيادات إقليم التيجراي، أن "أبي أحمد" قد تحالف مع عدوهم اللدود "أفورقي"، وهذا يفسر طبيعة الاتهام لإريتريا، الذي وجَّهته السُلطات المحلية لإقليم تيجراي، بمجرد إندلاع القتال، بالتدخل إلى جانب قوات "أبي أحمد"، ويُفسر أيضاً تلك الضربات التي انطلقت من أراضي التيجراي على مواقع داخل الأراضي الأريترية، كنوعٍ من الضربات الوقائية، لأهداف يُنتظر أن توجِّه منها القوات الأريترية ضربات عسكرية إلي التيجراي.
2 - من ناحية أخرى فقد جاء تأسيس "أبي أحمد" لحزبه الجديد (الرخاء)، وكذلك الإجراءات التي اتخذها بإنشاء "الحرس الجمهوري" كجيشٍ شخصي لرئيس الوزراء، خارج قوات الأمن المُنشأة وفقاً للدستور، والتي صاحبت في نفس الوقت إقصائه للعديد من نخب التيجراي المدنية والعسكرية والأمنية، وإلقائه لمعارضيه السياسيين في السجون، لكي يؤكد - بمالايدع مجالاً للشك - أن "أبي أحمد"، ابن إثنية الأرومو التي كانت تعاني من التهميش والإضطهاد تحت هيمنة حكم النخب التيجرانية الحاكمة، أثناء حكم "ماليس زيناوي" وخلفه "ماريام ديسالين"، لم تكن إلا مسعي لتكريس هيمنة جديدة تُلبي طموحاته في الحكم المُطلق، وخصوصاً بعد حصوله علي نوبل للسلام، وبعد الحملة الدعائية الضخمة التي أطلقها بمواكبة الشروع في إتمام "سد النهضة"، وتوظيفه القضية في الترويج لشعبيته لدي الإثيوبيين، والتغطية على قيادته لانقلاب سياسي جديد، يشرع فيه نحو استبدال حُكم "الجبهة الشعبية الثورية الإثيوبية" بحكم الفرد، ومن ناحية ثانية إحلال هيمنة النخب الأرومية محل هيمنة نخب التيجرانية علي النظام السياسي، وهو ما أدى لانسحاب "جبهة تحرير الشعب التيجرانيط من التحالف الذي بناه "ماليس زيناوي"، ونجح عبره، بمساعدة قوي دولية وإقليمية، كانت قد كوَّنت "نادي السفاري" خصيصاً بعد وصول "مانجستو"، الموالي للاتحاد السوفيتي" للحكم في إثيوبيا .
3 - ثم كانت خطوة تأجيل "أبي أحمد" للانتخابات العامة الإثيوبية، والتي كان من المزمع إجرائها في أغسطس 2020 بحجة وباء "الكورونا" هي "القشة التي قسمت ظهر البعير"، ودفعت مسئولو إقليم التيجراي إلى إجراء الانتخابات في الإقليم في موعدها، بل واعتبار رئيس الوزراء "أبي أحمد" فاقداً للشرعية، على أساس أن مدة ولايته الدستورية قد انتهت في 30 من سبتمبر المنصرم. وبدوره تلقَّف "أبي أحمد" هذه الخطوة، واعتبر أن ذلك تمرداً على النظام من قبل مسئولو التيجراي، لينفجر الصراع الذي لا يعرف أحد في أثيوبيا ولا خارجها إلى أين سينتهي؟ وعند أي مدي ستقف حدوده؟
سابعاً: تداعيات الصراع وانعكاساته الإقليمية والدولية
1- لا يمكن تصور أن انفجار الصراع الدموي وتصاعده إلي حرب أهلية ستنحصر مساحته بين قوات الحكومة المركزية وإقليم التيجراي فقط، إذا ما تابعنا أنباء الضربات التي وجهت من أراضي إقليم التيجراي على مواقع حيوية داخل الأراضي الأريترية.
2 – لا يمكن تصور أن الجيش الإثيوبي الذي لم يتخلص أفراده بعد من إنتماءاتِهم القبلية، أنه سيظل على تماسكه ووحدته إذا ما تواصل القتال وطال أمده، وتأتي إقالة قائد الجيش ورئيس المُخابرات، وقيادات عسكرية أخري بعد أربعة أيام فقط من بدء القتال ضد التيجراي، كدليل على وجود ارتباكات وخلافات داخل الجيش الإثيوبي، ووجود خلافات بين قيادات داخل الجيش وبين رئيس الوزراء، ويمكن تصور تداعيات ذلك على ساحات الصراع الأثيوبي.
3 - مع اشتداد القتال وتطور الصراع الأهلي الأثيوبي، هناك إحتمالية لإندلاع فوضي أمنية إقليمية في منطقة القرن الإفريقي، تزداد مع تصاعد صراع التيجرانيين مع أريتريا، مما يُهدد بدخول أريتريا إلى ساحات القتال رداً على الضربات التيجرانية، ودعماً لحليف أريتريا المُفضل "أبي أحمد". ولنا أن نعرف حدود الدول المُلاصقة لحدود أثيوبيا، لكي نُقَدِّرُ حجم التأثيرات التي يمكن أن يُحدثها تصاعد الصراع الداخلي الأثيوبي، وتحوله إلى حروب أهلية!
ففي الشرق تتلاصق مع الحدود الإثيوبية داخل منطقة القرن الإفريقي كل من أريتريا (من الشمال الشرقي)، وجيبوتي والصومال، وتلاصقها من الجنوب دولة كينيا، ومن الشمال الغربي والغرب السودان ، ومن الغرب جنوب السودان، مع أهمية الأخذ في الاعتبار تشارك أريتريا والسودان في الجوار الشمالي، وإذا ما أخذنا في الاعتبار أيضاً استدارة الهضبة الأثيوبية.
4 - وتزداد خطورة الأوضاع في القرن الأفريقي إذا ما تصورنا تدحرجها نحو حروب قبلية، قد تشمل في الشرق الإثيوبي قبائل صومالي الأوجادين، في حال إذا ما استيقظت علي أصوات بنادق وقنابل ومدافع هذه الحرب الأهلية الصراعات القديمة/الحديثة التي خاضتها قبائل صومالي الأوجادين ضد الحكومات المركزية الإثيوبية، وهذا يعني جر دولة الصومال بوضعيتها الهشّة إلي هذه الفوضي الإقليمية، كذلك فإن الأوضاع في الجوار الشمالي الغربي لإثيوبيا علي الحدود مع السودان تُهدد بعدم الاستقرار، وربما تثير حفيظة السودان تجاه ما يُزعج أمنه القومي، وهو أيضاً ما يعكس القلق المصري بشأن السودان، بوابة عمق مصر الإفريقي، وما يُفسر وصول قوات مصرية إلى السودان، لإجراء مناورات عسكرية مُشتركة، فور اندلاع الأحداث، وتدفُّق الآلاف من اللاجئين الإثيوبيين باتجاه الحدود السودانية، وفي الاعتقاد أن هذه المناورات تُرسل إشارات واضحة للجميع، تتعلَّق بالمساس بمصالح مصر في عُمقها الإفريقي، وخصوصاً فيما يتعلَّق بمياه النيل، وأن مصر ستدافع عن الأمن القومي السوداني دفاعاً عن هذا العمق.
ـإن التخوُّف الكبير، الذي يتصاعد الآن من احتمال نشوب فوضي في منطقة القرن الإفريقي، ربما تتسبب فيها تطورات الصراع، مبني على إدراك أن هذا الأمر سيعني تهديد الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وصولاً إلى تهديد السفن من المحيط الهندي المتجهة لعبور قناة السويس، وهو ما يمس مصالح وأمن دول اقليمية عديدة، تطل علي البحر الأحمر، بدايةً من أريتريا التي تقترب من التدحرج إلى الصراع، ومروراً بالصومال، فجيبوتي وربما اليمن، وهو ما يؤثر على مصالح دولية كبرى، ويُلقي بظلال من الدخان فوق المنطقة، وخصوصاً إذا ما تصورنا حجم القواعد العسكرية التي تملأ جيبوتي وأريتريا واليمن، بخلاف التواجد العسكري البحري القوي للقوي الإقليمية المُطلة (وربما غير المُطلة) علي البحر الأحمر.
ثامناً: تأثير الصراع الداخلي على عملية إتمام بناء سد النهضة واستكمال تشغيله
تراهن السلطة المركزية منذ سنوات، ويراهن "أبي أحمد"، على عملية إتمام بناء "سد النهضة" واستكمال تشغيله، في تقوية دعائم حُكمه، وإحكام قبضته علي النظام السياسي الإثيوبي، غير أن ذلك يتوقف على مدى تطور الصراع، والكلفة الاقتصادية التي يمكن أن تدفعها الدولة الأثيوبية كنتيجة لتداعيات ومآلات هذا الصراع، وبما يعني أمرين:
الأمر الأول: هو أن تتوقف إمكانات التمويل المحلي نتيجة تكلفة استمرار الصراع ومقتضيات أولوية الإنفاق علي الجيش والسلاح أثناء عملياته، ومدى تسارع وتيرة هذا الإنفاق، وارتفاع التكلفة باستمرار المدى الزمني لهذا الصراع وتوسع رقعته، بما قد يُهدد باقتراب سقوط الدولة الإثيوبية ذاتها، وبالتالي تظهر إحتمالية ألَّا يكون هناك أي مجال أمام الإنفاق المحلي على عملية اتمام بناء وتشغيل السد.
الأمر الثاني: ويتعلق باحتمالية منطقية هي توقف مؤسسات التمويل الدولي عن ضخ التمويلات الخارجية للسد، نتيحة اتساع رقعة الصراع الداخلي، وتَعَمُّقه إلي الحد الذي يرفع درجة مخاطر التمويل، وخاصة إذا ماأخذنا في الاعتبار توقُّع استمرار تعثر المفاوضات الثلاثية وانسداد أفقها بين مصر وأثيوبيا والسودان، وهو مايعني بالضرورة تصاعد النزاع بين دولة المنبع ودول المجري والمصب المتضررة من عملية بناء وتشغيل سد النهضة الأثيوبي، وهذه تداعيات قائمة بالفعل وستفاقم من إمكانية خلق مناخ ضاغط علي مؤسسات تمويل السد، مما يجعل من تتابع خطوات التوقُّف عن التمويل أمراً مُحتملاً ومنطقياً، إذا ماتطورت الأمور إلى حرب أهلية طويلة المدي، مصحوبة بنزاعات إقليمية تحيط بهذا المشروع، وهو ما قد يعصف بعملية إتمام بناء وتشغيل السد، ودخول مسألة سد النهضة بكاملها إلى منعطف جديد، وتأجيل تشغيله إلى مرحلة لاحقة ستكون لها ظروفها وسياقاتها المُغايرة.
تاسعاً: تأثيرات الصراع على مسارات مفاوضات سد النهضة
المُتابع للمفاوضات حول شروط بناء السد وتشغيله على نحو يمنع المخاطر التي يُمكن أن تنشأ عن ذلك لدولتي مصر والسودان، وهي المفاوضات التي تدور منذ سنوات بين إثيوبيا من ناحية، وكل من مصر والسودان من ناحية أخري، سيلاحظ أن الجانب الإثيوبي يواصل تشدُّده في المفاوضات، وأن المفاوضات تواصل تعثرها على نحو يُبدد الوصول لحل يحقق مصالح الدول الثلاث ويحد من مخاطر عملية إتمام بناء وتشغيل السد. وهناك مؤشرات قوية على أن الحكومات الإثيوبية المُتعاقبة وظفت عملية بناء السد، منذ بدايتها، في مداعبة أحلام الشعب الإثيوبي في التنمية، وتجسيدها كحلٍ ومخرجٍ وحيد لنهضته ورفاهه، بغض النظر عن مدى تحقق هذا من عدمه، وتستخدم السلطات المركزية الإثيوبية مواقفها المُتشددة في مفاوضات السد، في الداخل الإثيوبي، للتغطية على الفشل الدائم في طرح حلول عملية لحل الأزمات الإثنية القائمة، ولمعالجة الأزمات الاقتصادية المُفقرة للشعب الإثيوبي، وفي ظل سلطة "أبي أحمد" تحديداً، نرى هذا التشدُّد وتوظيفه لصالح الترويج لسلطته، واضحاً كل الوضوح. وفي ظل تصاعد الصراع الداخلي الإثيوبي، على نحو يُضعف من موقف السلطة المركزية، ويُعمق من هشاشة وضعها، سيكون من المستحيل علي "أبي أحمد"، الذي يتشبث بمشروعه السلطوي على نحو كان السبب المباشر في اندلاع الصراع، أن يتقدم على طاولة مفاوضات السد بمواقف أكثر مرونة، ستعني عند خصومه السياسيين تنازلات تُجَرِّدَهُ أمام الإثيوبيين من إحدي أهم أوراقه السياسية التي كان يلعب بها من أجل تعزيز مكانته!
ولهذا يصبح من المحتمل أنه كلما ازداد ضعف سلطة "أبي أحمد" واهتزت قبضته على السلطة المركزية، كلما احتاج لاتخاذ مواقف أكثر تشدداً في مفاوضات السد، فضلاً عن أن أي وضع انتقالي هش قد ينشأ في أثيوبيا، سيجعل من الصعب جداً التوجُّه نحو إنجاز المفاوضات على نحو حاسم يحقق مصالح جميع المتفاوضين؛ ذلك حديث عن احتمالات تداعيات الصراع الداخلي المُتفجر في إثيوبيا وتأثيراته، وهي احتمالات تنطلق من فرضيات بُنيت على أساس تطورات الأحداث الحالية، ومن يدري، فربما يأتي في القادم ما يُخفف من المخاطر والتداعيات، التي تدفع الشعوب - وحدها - أثمانها الباهظة.

