ترامب والترامبية.. الرجل والظاهرة
أحمد مصطفى جابر
من هو دونالد ترامب؟ أو ربما ما هو دونالد ترامب كظاهرة صاخبة وصادمة في السياسة العالمية والأمريكية على وجه الخصوص؟ هذا النص يحاول بحذر مقاربة الشخصية والظاهرة.
في مقاربة ساخرة، تساءل صحفي أمريكي عما إذا كان يمكن تقديم دونالد ترامب إلى المحكمة الجنائية بسبب جرائمه أثناء شغله لمنصب الرئيس؟
في الواقع لم يسبق تقديم رئيس أمريكي للمحاكمة، وإن كان التاريخ يخبرنا ببعض المهازل مثل الاعتقال الهزلي إلى حد ما عام 1872 للرئيس يوليسيس س. غرانت من قبل ضابط شرطة في مقاطعة كولومبيا لقيادته عربته في شوارع جورج تاون بسرعة مفرطة، حيث تم نقل جرانت إلى مركز شرطة محلي، ودفع غرامة، وتم إطلاق سراحه. وفي عام 1974، أفلت ريتشارد نيكسون من الملاحقة القضائية بالاتهام بالتآمر في فضيحة "ووترغيت" وتم العفو عنه لاحقًا بشكل استباقي من قبل خليفته، جيرالد فورد، عن جميع الجرائم الفيدرالية المتعلقة بالفضيحة.
لكن ماذا عن دونالد ترامب؟ يرى المحلل القانوني جلين كيرشنر أن مهنة ترامب "كرئيس كانت إجرامية من البداية إلى النهاية" ويضيف "أنا، على سبيل المثال، يمكن أن أثبت مجموعة متنوعة من جرائمه أثناء نومي إذا أتيحت لي الفرصة".
و يمكن سرد الكثير عن جرائم دونالد ترامب حول العالم ويمكن أيضا تقديمه لوكان هناك عدل في هذا العالم لمحكمة الجنايات الدولية، ولكن ثمة مشكلتين في هذا القول، الأولى أن ترامب ليس وحده؛ ليس مجرد رجل، والثانية أنه لا يوجد عدل أممي حقيقي.
وفي ختام هذه التهيئة، أشير بعجالة إلى نقاش مواز آخر، لا يتسع المجال لطرقه هنا، فقد تعرض دونالد ترامب لاتهامين صريحين، لا يمكن أن يلتقيا معًا، الأول هو أنه "فاشي" أو نسخة نيوليبرالية من فاشية القرن الحادي والعشرين، وأصحاب وجهة النظر هذه لديهم مبررات معقولة لها، ومن جانب آخر وصف ترامب بأنه معتل نفسيًا وظهرت عشرات التشخيصات لحالته العقلية التي وصفت بأنها خطيرة ولا يجب أن يسمح له بناء عليها بتولي المنصب الرئاسي، ولكن كما ذكرت نترك هذا النقاش لمقال آخر.
من هو دونالد ترامب؟
من ابن غير مدلل لتاجر عقارات قليل الأهمية إلى سمسار عقارات عملاق، ثم رئيس أكبر دولة في العالم؛ مسيرة طويلة، يلخصها بعض نقاده بأنها توجت بأربع سنوات من السلوك غير المنضبط، الفاسد، والمسيء، والمحشو بالأكاذيب والتحريض العنصري العنيف.
ترامب ليس مجرد رجل..
لعل سبعين مليونًا من الناخبين، صوتوا لدونالد ترامب، يؤكدون هذه الحقيقة، على سبيل المثال 45% من مصوتي أوهايو قالوا إنهم سيصوتون لترامب، و 44% في تكساس.. وغيرها طبعًا، والسؤال الذي يطرح نفسه، هل يوجد فعلًا هذا العدد من نسخ ترامب في الولايات المتحدة؟ أم أن أمرًا آخر يتعلق بإطار عام للممارسة السياسية ويتعلق بطبيعة وثغرات المؤسسة الأمريكية هو ما أنتج هذه الأرقام؟
حاولت دعاية دونالد ترامب تصويره كحام وراع للطبقة العاملة الأمريكية الغاضبة، من تبدد فرص العمل التي وفرها لهم عبر نهب المال السعودي وال قطر ي والخليجي عمومًا، وعبر العقوبات الاقتصادية التي طالت أوربا نفسها في مرحلة معينة، وغازل طبقة متوسطة تغازل بدورها السقوط في هاوية الفقر، ولعل كاريكاتيرًا نُشر في الصحافة الأمريكية يلخص هذه الفجاجة، حيث تم تصويره يركب على أكتاف مهرجين قليلي التعليم زائدي الوزن مع بنادق على أكتافهم، في إشارة إلى دعمه لقانون السلاح، وتلك كانت في الواقع سقطة من صاحب اللوحة لأنها كاذبة ببساطة، حيث أن ناخبي ترامب في الواقع عام 2016، وكما بينت الأبحاث الخاصة كانوا في المتوسط أكثر ثراء من ناخبي هيلاري كلينتون وأكثر بياضًا، وذكورًا قليلاً وكبار السن بشكل ملحوظ، وهؤلاء ربما شكلوا نوعًا جديدًا من التحالف يضم رؤساء شركات أثرياء، وجماعات ضغط في واشنطن، وتجمعات كاثوليكية محافظة، ومفترسين للشركات، وكثير من مجمع الترفيه الإعلامي، وصناعة المرتزقة المتنامية، وأصحاب العقارات والمصرفيين، الذين يعيشون في الضواحي الثرية للمدن الفقيرة، ويمتلكون شركات عائلية، كما هو ترامب، ويعملون كإدارة وسطى للشرطة والقوات المسلحة والقوى العاملة في الشركات، أو فعلوا ذلك، قبل أن يتقاعدوا في حياة الصيد وفوكس نيوز، بمساعدة صندوق معاشات وول ستريت.
هؤلاء جميعًا صوتوا لترامب، ولكن ليس على قلب رجل واحد، إذ من الخطأ الاعتقاد إنهم متساهلون معه؛ فعنصريته ليست على ذوقهم، ولكنهم سيتجاهلون هذا من أجل مصالحهم، أيضًا لا يوافقون على كراهيته المغلقة للنساء، ولكن يصوتون له لأنهم يعارضون الإجهاض، ويغفرون له فظاظته وسوء أخلاقه لأنه يشعرهم بالقوة والتفوق ويمارس العنجهية البيضاء المتعالية على العالم بالنيابة عنهم، ويمكنهم أن يقبلوا وصفه كفاشي بدائي، دون أن يلطخوا سمعتهم؛ إنهم يشبهون كثيرا الأغلبية التي صوتت لأدولف هتلر ورفعته إلى سدة المستشارية الألمانية، فبعد كل شيء لايمكن الإنكار أن هتلر جاء إلى الحكم بأصوات الناخبين، مع - ويمكن قولها بسخرية - قليل من الترهيب، الذي يمارسه ترامب بطرق أخرى، ولكن لا ينبغي التسرع هنا؛ فترامب ليس فاشيًا كلاسيكيًا، وأعتقد إنه لا يمكن إثبات هذا على العكس تمامًا من اعتقاد النجم الهوليودي اليساري المعارض جون كوزاك الذي قال إنه لا يصوت مباشرة لبايدن، بل "نصوت ضد الفاشية الجديدة".
بعد كل شيء، ناخبو ترامب هؤلاء هم الذين ربحوا في روليت النيوليبرالية المتوحشة، من غزو العراق إلى فورة العقارات في أمريكا واستمرار اضطهاد الأمريكيين الأفارقة لحماية هيمنة البيض واستمرار تجنيد اللاتينيين في أعمال منخفضة الأجر لحماية راحتهم الخاصة، وشن الحرب على الإسلام، هؤلاء يكادون يكونون نصف الشعب الأمريكي، مواطنون أمريكيون يعتقدون بجزم لا يتردد باستخدام العنف؛ إنهم هم ممثلو أمريكا الحقيقيين، وإن الولايات المتحدة هي صورتهم عن أنفسهم بالذات.
ولنتذكر أن ترامب جاء إلى الرئاسة وكانت حملته قائمة على أساس إنهاء "الحروب التي لا نهاية لها"، على عكس خصمه المتشددة، هيلاري كلينتون. والدراسة المفصلة التي توصلت إليًها جامعة كورنيل وكلية الحقوق بجامعة مينيسوتا عكست استنتاجًا مناقضًا مذهلًا: أن دعم ترامب في الولايات ذات العدد الكبير من ضحايا الحرب، خصوصًا في ولايات ميشيغان، بنسلفانيا، وويسكونسن - لعب دورًا حاسمًا في الانتخابات.
الرد على أوباما والديمقراطيين..
كان أوباما حسب تحليل صحفي لافت بمثابة ضربة مثيرة لمؤسسات واشنطن؛ محاولة لضخ طاقة شبابه والشرعية الأخلاقية لعرقه في مؤسسة مكروهة بشكل متزايد، حيث كانت المؤسسة التي جاء إليها مليئة بالخاسرين المهزومين في العراق بعد 8 سنوات من الحرب، ولكن المتحفزين للدفاع عن مواقعهم، وهكذا استحوذت واشنطن على أوباما وليس العكس، ليسلمها في النهاية إلى وجهها الأصيل ترامب.
اللعبة لم تنتهِ، إذ يحاول الديمقراطيون الاستمرار في هذا النهج العام للسياسة المكسورة؛ فجو بايدن يبدو كلقاح الأنفلونزا كما وصفه تعليق لامع: إنه ضروري لمنع تفاقم المرض، ولكنه لا يستطيع أن يكون علاجًا، لأن بنيته لا تسمح بذلك. والناس يعرفون إنه النسخة الشاحبة لأوباما ولهذا يكرهونه، سيقول قارئ متعجل: ولكنه فاز! هذا صحيح، ولكننا هنا نتحدث عن سبعين مليونًا لا يستهان بها أدارت له ظهرها وعانقت ترامب.
لم يأتِ نجاح ترامب من فراغ، بل من مرحلة كسر عظام سببتها السياسة الديمقراطية للمجتمع الأمريكي، ولم يكن لدى الديمقراطيين في الواقع إلا وجه أوباما للتغطية على تلك السياسات. كان أوباما قد قال في خطابه أمام المؤتمر الديمقراطي عندما كان سيناتورًا إنه لا يوجد أمريكا زرقاء وأخرى حمراء، ولا يوجد أمريكا محافظة وأخرى ليبرالية، وكان هذا افتتاح طريقه كسيناتور إلى انتخابات 2008، ولكنه جاء مع الانهيار الكبير وتم ضخ أموال طائلة لإنقاذ البنوك، وليس إنقاذ ضحايا الرهن العقاري، على عكس الثلاثينيات، لم يتم إنقاذ أصحاب المنازل: بدلاً من ذلك، تم الاستيلاء على 10.4 مليون منزل، وهذا يعني ما متوسطه 30 مليون شخص فقدوا منازلهم، أي واحد من كل عشرة أمريكيين، وهؤلاء جميعًا فهموا رسالة أوباما غير المعلنة: في هذا البلد أنت فائز أو خاسر! وقد استوعبوا المعنى الضمني: أنت فائز فقط إذا واصلت الفوز، وهكذا قسمت السياسة الديمقراطية الوحشية البلاد إلى دائنين ومدينين.
وينعكس هذا الدعم أيضًا في طريقة نظر معسكر ترامب وخصومه إلى طريقة اتخاذ القرارات، حيث يرى هؤلاء أن قرارات المجتمع يجب أن تُتخذ من خلال المؤسسات الديمقراطية؛ شخص واحد؛ صوت واحد، بينما يرى أنصار ترامب أنهم يفضلون المؤسسات الأخرى: السوق، أو العائلات التي يقودها الأب، أو الكنيسة، أو التسلسلات الهرمية العرقية. بالنسبة للكثيرين، الرئاسة هي منصب "أبو الأمة" أكثر من كونها مركزًا لـ "عملية صنع القرار المناسبة"، ومن غير المفاجئ أيضًا أن أعدادًا ضخمة أصبحت لا تثق في الديمقراطية الأمريكية، باعتبار أن النسخة التي يتم تداولها من السياسة نسخة فاسدة، وبالتالي ترامب جاء ليمثل تمردهم على المؤسسة؛ الشخص الذي يكرهه الأشخاص الذين يكرهونهم بدورهم، وبالتالي في عصر الأكاذيب التي لا نهاية لها؛ يصبح المهم هو القوة وحدها؛ المهم هو الفوز فقط.
قد يتوقع القارئ محقًا أنه إذا كان ذاك حال أوباما، فبالتأكيد يجب أن يكون ترامب أسوأ، ولكن هذا لا ينسجم في التحليل العام، فوراء بشرته البرتقالية الفاقعة، وإدمانه على التويتر، وسيل أكاذيبه، وطبقة المساحيق التي تغطيه مع صهره المدلل، كان ترامب صادقًا في تقديم الوجه الحقيقي للولايات المتحدة ولواشنطن؛ الوجه القبيح الذي دأبت الإدارات الديمقراطية وكذلك الجمهورية على إخفائه بحرص بالغ، وهكذا إذا غطى ترامب وجهه بالمساحيق وحرص على التموضع كنجوم السينما في الصور، إلا أنه لم يبذل أي جهد في تجميل أمريكا ووجها القبيح الغاضب غير المقنع، وجه الرأسمالية المتوحشة المفرطة في عنصريتها.
الأكاذيب
كجزء من محاولته للفوز بأربع سنوات أخرى استخدم ترامب منصبه كقائد أعلى للقوات المسلحة للتفاخر بكيفية سحقه لداعش في العراق وسوريا، لكنه لم يقل ما الثمن لهذا الانتصار المشكوك فيه، وبالتحديد أن جيشه استخدم قرابة 40 ألف قنبلة وصاروخ وآلاف قذائف المدفعية لقصف الرقة والموصل ومناطق أخرى عام 2017. وكان هذا العنف الأرعن في الواقع هو تنفيذ لتهديده عندما كان في أوج حملته الانتخابية عام 2015 بقتل أفراد عائلات داعش إلى جانب المقاتلين، قائلاً: "عندما تقبض على هؤلاء الإرهابيين، عليك أن تقضي على عائلاتهم"، وهكذا فإن القوات العراقية التي استولت على الملاذ الأخير لداعش في مدينة الموصل القديمة في عام 2017 ذبحت الجميع: الرجال والنساء والأطفال، ووفقًا لتقارير الاستخبارات العراقية والكردية، أكثر من 40.000 من المدنيين في الموصل.
في حملته الأخيرة تفاخر ترامب أيضًا بصفقات الأسلحة التي أبرمها مع السعودية، وفي الواقع كلاهما، باراك أوباما ودونالد ترامب باعا السلاح لهذا البلد بشكل تجاوز الإنفاق العسكري للسعوديين على مدى ثلاث سنوات، وهذا السلاح استخدم لشن حرب وحشية على الشعب اليمني في جريمة حرب موصوفة ومستمرة. وقد كان ترامب ثملًا بقتل الشعب اليمني واستخدم الفيتو الرئاسي خمس مرات ضد مشاريع قوانين من الحزبين تسعى إلى كبح جماح هذه المجزرة التي لا نهاية لها. وواصل في فلسطين دعم قصف غزة بلا هوادة، ودعم كل الإجراءات التي اتخذتها دولة الاحتلال مقدمًا لها المزيد من الهدايا على حساب الفلسطينيين.
والخلاصة أن ترامب لم يفِ بأي وعد من وعوده بإنهاء الحروب، كما وعد في حملته الأولى، بل على العكس كاد يشعل واحدة أكثر خطورة مع كوريا الشمالية و إيران وفنزويلا واستهدفت عقوباته 39 دولة، أي ما أثر على ثلث البشرية باعتبار الصين واحدة من هذه الدول، وكاد يطيح بالتحالف مع أوروبا؛ عندما صرح وزير خارجيته مايك بومبيو: بأن أوروبا "تقف إلى جانب آيات الله" في إيران، هو اعتراف بأن سياسات ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني وفرض "أقصى ضغط" تعزل الولايات المتحدة بقدر ما تعزل إيران. هذا ليس كل شيء، فقد عبر ترامب عن احتقاره للنظام الدولي في مواقف مهمة؛ الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ؛ والانسحاب من معاهدة القوات النووية متوسطة المدى؛ والانسحاب من اتفاقية الأجواء المفتوحة؛ وثلاث وكالات تابعة للأمم المتحدة، هي منظمة الصحة العالمية، واليونسكو، ومجلس حقوق الإنسان دون ذكر وكالة الأونروا التي كانت إجراءاته ضدها جزءًا من حربه على الفلسطينيين. ورغم أن خصومه الديمقراطيين اتهموه بأنه دمية روسية، فقد قاد ترامب الولايات المتحدة إلى الحرب الباردة مع روسيا والصين، وأعاد تعريف الصين وروسيا في وثيقة الأمن القومي وإستراتيجية الدفاع كأعداء، ما ضمن له العسكرية القياسية لسنوات قادمة، وهذا يعتبر مغادرة نهائية لوثيقة الأمن القومي 2015 التي "ترحب بصعود الصين المستقرة والسلمية والمزدهرة"، وتعهدت بـ "إبقاء الباب مفتوحًا أمام تعاون أكبر مع روسيا في المجالات ذات المصالح المشتركة"، ورغم أن أوباما لم يكن "بخيلًا" بالإنفاق العسكري (5.67 تريليون دولار) على مدى ثماني سنوات (في عام 2020 بالدولار)، فقد استخدم ترامب حربه الباردة مع روسيا والصين لتبرير إنفاق المزيد، وطالب دول الناتو بإنفاق المزيد من الأموال على جيوشها، وغير هذا ما لا يمكن سرده هنا، وهكذا كان ترامب الحقيقي يدير ظهره لأكاذيبه عن إنهاء الحروب واستعادة القوات، ليضاعف كل شيء خاطئ في السياسة الخارجية ويفاقمه، لدرجة أن يتعجب "أخرق" مثل أوباما في هذا المجال من أفعاله ويجرؤ على انتقاده.
ترامب قد يذهب، ولكن الترامبية باقية
ويمكن القول أن "الترامبية" ليست نظرية في السياسة بقدر ما هي أسلوب في السلوك السياسي، وعدم وصولها إلى مرحلة النظرية لا يقلل من أثرها الواضح في الولايات المتحدة والعالم، وربما لم تتبلور نظرية شاملة بعد في علم السياسة تحدد ماهية وموقع "الترامبية" في التنظير السياسي، ربما لأن ملاحظتها وتعريفها حتى الآن يبدو مقتصرًا على الممارسة الفعلية أكثر من التنظير والأدبيات، وهذا لا يبدو غريبًا في تاريخ السياسة، فقد شهدنا من قبل؛ التاتشرية والريغانية، وكلاهما اعتمدتا على إعادة الهيكلة المحافظة للدولة والسياسة البسيطة، لكن تبقى "الترامبية" مختلفة، بسبب مزجها المثير للسخرية بين الأفكار الشعبوية والتفكير اليميني المغرق بالعنصرية العامة والسلوك العلني الخالط بين الهزل والعدوانية الكامنة، وعلى العموم، يمكن تقصي التعريف بحذر، حيث أشارت بعض المقاربات إلى أن "الترامبية" هي إشارة إلى "الأيديولوجية السياسية" التي خلقها دونالد ترامب، وإن كنت هنا أتحفظ على مصطلح "أيديولوجية"، وتضيف هذه المقاربات أنها شكل من أشكال الحكم والتحرك السياسي ومجموعة من الآليات لاكتساب السلطة والمحافظة عليها، ما يجعل الترامبية بهذه الآراء نسخة أمريكية من التيارات اليمينية المحافظة والشعبوية القومية التي شهدنا ظهورها في دول عدة حول العالم.
ولعل المقاربة الأبرز هي ما جاء به جيف جودوين، أستاذ علم الاجتماع بجامعة نيويورك والخبير في الحركات السياسية الذي وصف الترامبية بأنها "مزيج متناقض وغير مستقر" من خمسة أجزاء أيديولوجية رئيسية: فهي تنطوي أولًا على المحافظة الاجتماعية، كما يظهر في سياسات ترامب المناهضة للإجهاض والمثليين، وعلى الرأسمالية النيوليبرالية ثانيًا، والتي تميزت بتخفيضات ضريبية للأثرياء وإلغاء القيود، وثالثًا القومية الاقتصادية، وهي ليست بطبيعتها يمينية، ولكن يمكن توجيهها بهذه الطريقة، كما فعل ترامب ، ومن ثم المذهب الفُطري الذي يأتي كعامل رابع، في شكل خطاب مناهض للمهاجرين، وخامسًا القومية البيضاء التي أبرزها رفض الرئيس التنصل من الجماعات العنصرية مثل Proud Boys.. وفي الواقع تبدو هذه العناصر متجانسة وقابلة للاندماج مما يعطي مقاربة جودوين وزنًا معرفيًا إضافيًا، وإن لم يكن أي من هذه العناصر جديدًا على المشهد السياسي الأمريكي، ولكن نادرًا ما نجح أي فرد في تزويجها معًا كما فعل ترامب أثناء صعوده.
ويرى جودوين أن جزءًا كبيرًا من جاذبية ترامب يعود إلى شخصيته التي تعتبر جاذبة لكثير من الناس؛ كمشهور؛ كمتحدث فظ عن الحقيقة، كما يراه هؤلاء الناس؛ شخص لا يلفظ الكلمات؛ شخص يقولها حقًا ويمثلها بشخصه، وهو ملياردير يعرف كيف يعمل النظام.
وبالتالي فليس من الواضح ما إذا كان هناك سياسي أو شخص مشهور خارجي، يمكنه تسخير الحماسة بالطريقة التي فعل بها ترامب، على الأقل لبضع سنوات، وهو سؤال سيبقى مطروحًا ويتحسس منه الجمهوريون أيضًا الذين لم يتردد ترامب في الدوس على تقاليدهم في مجلس الشيوخ، ولكنهم اضطروا لمجاراته، ولكن من المرجح أن يحتفظ بنفوذه كصانع ألعاب سياسية، وفي الحقيقة، فإن اثنين من أولاده دونالد جونيور وإريك، وعدا بالفعل بالانتقام السياسي من الجمهوريين الذين لا يروجون لأكاذيب والدهم بشأن تزوير الانتخابات.
ختامًا: لا وداع لترامب
ربما تكون الحقائق جميعها، حول الانتخابات الأمريكية قد حسمت عند نشر هذا النص، وعلى الأغلب ستكون نهاية عهد دونالد ترامب قد أزفت، وإذا كانت الانتخابات بمثابة رفض لترامب، لكنها كانت أيضًا رفضًا لأجندة الديمقراطيين، كلتا الحقيقتين يمكن أن تجعل كلا من الحزب الجمهوري والفصيل الترامبي داخل الحزب أقوى على المدى الطويل، من المحتمل أن تغادر نقاط ضعفه المسرح قريبًا، في حين أن التحالف الجديد الذي بناه مستعد للتوسع، أثبتت منصة "اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"، أنها تحظى بشعبية كبيرة خارج الطبقة العاملة البيضاء التقليدية، وضع في اعتبارك أن ترامب فاز بالناخبين الأمريكيين الأصليين، وزاد بشكل كبير حصته بين الناخبين السود واللاتينيين، بل وضاعف دعمه في مجتمع المثليين والمتحولين جنسيا،. عندما تجمع بين وصفات السياسة الشعبوية للرئيس - أي التخفيضات الضريبية، والتصنيع في أمريكا أولًا، والتدابير الصارمة للهجرة، والتدخل الأجنبي القليل - معًا، وتطرح شخصية ترامب، فإنك تحصل على غالبية الناخبين.
إذًا فبافتراض ظهور جمهوري جديد، بمواقف ترامب السياسية، لكن بدون سجل أسود في الصحافة الصفراء يمتد على مدى عقود؛ جمهوري يتحدى وسائل الإعلام بجرأة؛ جمهوري يصعد على منصة "أمريكا أولاً"، فإن مشهد 2024 سوف يميل بشكل كبير لصالحهم، مع تعزيز المكاسب الأخيرة مع الناخبين غير البيض واستعادة حصة من البيض المتعلمين في الجامعات، والتي ابتعدت بنسبة 6 في المائة عن ترامب في عام 2020، سيكون النصر في متناول اليد، ولكن بأي قدر سيكون مثل هذا الرئيس ترامبيًا أو جمهوريا؟ وهل ستنتهي حفلة أن "الرجل البرتقالي سيء" "Orange Man Bad"؟
بالتأكيد إن البيئة السياسية لعام 2024 ستكون مختلفة تمامًا. من المرجح أن تكون هاريس مرشحة الديمقراطيين، وسيكون اندماج فصيل ترامب في وضع قوي لاستعادة البيت الأبيض، مع وجود مرشح له نفس العاطفة والغرائز السياسية، ولكن بدون نفس المزاج، والذي يمثل الترامبية للحزب الجمهوري في عام 2024، يمكن للجمهوريين أو بالأحرى الترامبيين الفوز بشكل كبير. وفي جميع الأحوال، فإن تأثير ترامب في تشكيل الهوية الأيديولوجية للحزب الجمهوري، والرئاسة نفسها، ومئات القضاة المعينين مدى الحياة هي إرثه المستمر، ويمكن لترامب بدون ترامب إعادة توجيه أنماط التصويت نحو الحزب الجمهوري لجيل كامل، كما فعل رونالد ريغن الذي لم يكن أحد قبل 1980 يتصور أنه قد يصبح رئيسًا!
والاستنتاج الذي يمكن الوصول إليه من قراءة ليس فقط السنوات الأربع الأخيرة، بل مجمل تحولات السياسة والمجتمع الأمريكيين، أن ترامب سيترك إرثًا ثقيلًا وراءه، وأن نهاية ترامب كرئيس للولايات المتحدة، لا تعني نهاية "الترامبية"، وأن التغيرات العميقة التي أحدثها، ربما لن تغادر المسرح السياسي قريبًا.

