Menu

العرب رهن إرادة الآخرين: لماذا؟

د. لبيب قمحاوي

نشر في العدد 20 من مجلة الهدف الرقمية

الفشل العربي المتكرر على صعيد العديد من الجبهات ومنها السياسية، يجعل من العرب أمة خارج إطار الفعل الذاتي؛ تستجدي الفعل من خلال الآخرين، أو تبقى قابعة بانتظار ما قد يجري لها ويُفرض عليها بإرادة الآخرين وبَقَدَرية غريبة؛ أقرب ما تكون إلى الاستسلام اللاإرادي الطوعي لما قد يفعله الآخرون بها ولها.

إن غياب الروح النضالية والاستعداد للتضحية؛ من أجل التغيير عن الأجندة الجماهيرية والشعبية العربية والافتقار إلى أي جهود جدية تسعى إلى الخلاص من الأنظمة الاستبدادية الحاكمة، قد تكون مسؤولة عن واقع الحال هذا. لقد ساهم ذلك الغياب في استمرار تلك الأنظمة الاستبدادية الفاسدة في الحكم في دول العالم العربي ولعقود طويلة، متمادية في استبدادها وفسادها وبعيدة في نهجها وسياساتها عن آمال وطموح ومصالح شعوبها، وإلى الحد الذي جعل منها أنظمة معزولة عن شعوبها ومعتمدة على أنظمة دولية خصوصاً أمريكا في توفير بديلاً للدعم الذي تفتقده من شعوبها.

إن غياب التعددية السياسية والانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان، والتي تمارسها  تلك الأنظمة كوسيلة لضبط الأمور والسيطرة على أية معارضة أو احتجاج  داخلي ، قد وضع تلك الأنظمة في موقع الدفاع عن النفس أمام العالم الخارجي، خصوصاً الغربي، وجعل من مفهوم مقايضة التغاضي عن تلك الانتهاكات، بمزيد من الانحناء السياسي لتلك الأنظمة أمام القوى الغربية؛ أمراً عادياً وفي سياق الأمور في المنطقة العربية.

واقع الحال هذا جعل من الانتخابات الأمريكية الأخيرة شأناً عربياً داخلياً بالنسبة للأنظمة والشعوب، وذلك في نتائجها وتبعاتها على الأنظمة المعنية، وعلى المنطقة نفسها سواء بسواء. إن غياب القدرة الذاتية للعرب على الحركة والتحرك وأخذ زمام المبادرة في الدفاع عن مصالحهم الوطنية أو حمايتها جعل من المكن لإدارة الرئيس الأمريكي ترامب أن تفرض أجندتها الخاصة بإسرائيل على الفلسطينيين وعلى العرب وبطريقة فظة وقهرية أضافت غلى الهزيمة ذلاً و إذلالاً عز نظيره؛ فالممنوعات والخطوط الحمراء الفلسطينية تم انتهاكها أمريكياً بجرة قلم وباستهتار أدى إلى اعتراف أمريكا ب القدس عاصمة لدولة الكيان الإسرائيلي، وتم نقل السفارة الأمريكية إليها، وتم الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على المستوطنات، وتم التقدم بما يسمى "صفقة القرن" لإغلاق ملف القضية الفلسطينية.

تعتبر صفقة القرن وما تلاها من "اتفاقات أبراهام" للتطبيع بين بعض دول العمق العربي وإسرائيل تتويجاً لهزيمة العرب لأنفسهم وخضوعهم الطوعي لإرادة أمريكا، وبالتالي اسرائيل، كما أنها تعتبر مؤشراً على مدى الهبوط، بل والانحطاط في نظرة الآخرين للعرب وانتفاء الحاجة إلى أخذ مصالحهم ورغباتهم، وحتى رأيهم بعين الاعتبار، باعتبارهم كماً تابعاً لا قيمة له. وقد يكون في ذلك أحد الأخطاء الهامة في كيفية تطبيق إدارة ترامب للسياسات المتعلقة بالمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط؛ من خلال انحياز علني وقاسي وشرس إلى سياسات نتنياهو، وليس بالضرورة إلى المصالح الاستراتيجية المشتركة التي تربط الولايات المتحدة بإسرائيل، والتي قد تتطلب نمطاً أقل شراسة وعدوانية وأكثر عدالة في تحديد السياسة الأمريكية تجاه الفلسطينيين، وهو ما قد تسعى إدارة بايدن الجديدة لفعله، دون أن يشكل ذلك إخلالاً بالعلاقة الاستراتيجية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

الدول الديموقراطية المتقدمة هي بطبيعتها دول مؤسسات، لا تتغير فيها المصالح الوطنية بتغير الحاكم، بل تتغير فيها السياسات فقط؛ فالمصالح ثابتة وعلاقة دولة مثل أمريكا مع إسرائيل هي علاقة مصالح، وهي لذلك ثابتة والتغيير يأتي في السياسات المتعلقة بكيفية ترجمة تلك العلاقة فقط، وهكذا، فإن انتخاب رئيس جديد  للولايات المتحدة عوضاً عن ترامب لن يعني تغييراً في المصالح، بل في السياسات التي تترجم تلك المصالح. إن تعلق العرب، مثلهم مثل الغريق، بقشة، لن تعني تغييراً في علاقة أمريكا الاستراتيجية بإسرائيل بمجرد أن يتغير الرئيس. كل ما يمكن أن يحصل هو أن تكون السياسات بالنسبة للعرب أقل فظاظة وأقل عدوانية وأقل إذلالاً، ولكن الجوهر سوف يبقى نفسه حتى ولو تغير الرئيس والإدارة.

على العرب التوقف عن التعلق بالأوهام أملاً في أن يأتي الَفرَجْ والتغيير من خارجهم؛ التغيير الحقيقي لن يأتي إلا من داخل العرب، وعلى العرب فرض أنفسهم ومصالحهم على الآخرين وليس استجداء الدعم لمصالحهم، والمشكلة أن الحكام العرب المستبدون يعتبرون أن مصالحهم الذاتية والشخصية هي تجسيد لمصالح شعوبهم والأوطان التي يحكمون، وهنا تكمن المشكلة.

الغرب وأمريكا، بل وإسرائيل يعلمون أن شراء ذمة أي حاكم عربي أو استرضائه؛ يعني عملياً شراء ولاء الوطن أو الأوطان التي يحكمون، هكذا وببساطة تجري الأمور. فقد عَلَّم الحكام العرب العالم: كيف يتعامل مع العرب ومع مصالحهم ومصائرهم بكل استخفاف وربما استهتار أو احتقار في بعض الأحيان، وهناك من الحكام العرب من قايض مصالح وطنه مقابل بقاءه في الحكم، بعد أن ارتكب جرائم القتل بحق بعض مواطنيه؟

إعادة بناء الموقف العربي يبدأ من الداخل، وليس من الخارج، وموقف الشعوب السلبي مما يدور حولهم من تجاوزات وخيانات ومآسي، يتطلب استعداداً جدياً ومثابراً للتضحية ؛من أجل التخلص من الاستبداد والفساد، وهو أمر غير ملحوظ حتى الآن على الساحة الجماهيرية العربية.