Menu

أمريكا والخليج.. مآل العلاقات بعد الانتخابات

رضي الموسوي

نُشر هذا المقال في العدد 20 من مجلة الهدف الرقمية

"يجب على دول الخليج أن تدفع هي ثمن تأمينها، وليس الولايات المتحدة"
الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب

لم تشهد العلاقات الأمريكية الخليجية تقلبات وتوترات وتوجسات وحالات خوف، مثلما شهدته حملة الانتخابات الرئاسية السابقة التي جرت في 2016 وقادت الرئيس الشعبوي دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة، وقد ترجم تصريحاته "الازدرائية" بقادة دول مجلس التعاون الخليجي في عملية ابتزاز، تشبه السطو، قل نظيرها لثروات المنطقة، بدأت بنصف تريليون دولار في أول زيارة له للخارج بعد انتخابه رئيسًا، ثم كرت السبحة في السنوات الأربع الماضية من خلال إطلاق تهديداته المتكررة، بسحب القوات الأمريكية من المنطقة "ليتعلم زعماؤها اللغة الفارسية في اثنى عشر يوماً"، كما يحب ترامب أن يردد أمام مناصريه، في إشارة للنفوذ الإيراني الذي سيملأ الفراغ في المنطقة، بعد مغادرة القوات العسكرية الأمريكية الخليج العربي، وفق ما تراه الإدارة الامريكية في نظرتها للعلاقة مع دول الخليج العربية. البيت الأبيض أوجد معادلة جديدة في عهد ترامب هي "المال مقابل الحماية"، وظل ينفخ فيها ويخوف بلدان المنطقة من البعبع الإيراني حتى تمكن من فرض معادلة إضافية هي التطبيع مع الكيان مقابل البقاء والاستقرار.

في السباق الرئاسي الأخير للبيت الأبيض، والذي جرى في نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، وأُسدل الستار عليه دون حسم رسمي للنتائج النهائية حتى كتابة هذه السطور؛ بسبب عدم اعتراف الرئيس دونالد ترامب بهزيمته أمام منافسه جو بايدن الذي حصد أغلب الأصوات الشعبية وأصوات الولايات؛ فتوجًته وسائل الإعلام الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية.

رفض ترامب النتيجة ولجأ لكثير من التكتيكات والحيل التي تعبر عن حالته النفسية والسلوكية وتصرفاته غير المتوقعة، بما فيها اتهامه قيادات في حزبه الجمهوري بأنهم تآمروا عليه مع منافسه الديمقراطي، وامتدت تصرفاته المتوترة إلى طاقمه في البيت الأبيض؛ عبر الاستغناء عن العديد من موظفيه وكبار المسؤولين بمن فيهم مسؤول الأمن السيبراني ووزير الدفاع وآخرين، مدعومًا باستشارات محاميه الخاص؛ جولياني الذي يبدو أنه قرر التفتيش في النظام الانتخابي الأمريكي بحثاً عن أي ثغرة ينطلق منها لرقع دعاواه القضائية المتعددة ضد الديمقراطيين الذين وجدوا في هذا السلوك تقويضاً للنظام الانتخابي برمته، وجرجرة للديمقراطية الأمريكية إلى منحدرات لا يبدع اللعب في جحورها؛ إلا دونالد ترامب وبطانته والإعلام التابع والمناصر له داخل الولايات المتحدة وخارجها.

لقد اهتزت العلاقات الرسمية الخليجية بالولايات المتحدة، كما لو أنها لم تحصل، منذ أن تم الإعلان عنها بقوة أيام الملك السعودي المؤسس عبد العزيز آل سعود بُعيد الحرب العالمية الثانية. لكن هذه العلاقات تعود إلى بداية الاكتشافات النفطية في العام 1932، عندما تدفق النقط بكميات تجارية في البحرين ، ودخلت شركة "ستاندرد أويل" كعنوان لحقبة جديدة تبشر ببداية النفوذ الأمريكي في منطقة الخليج، وامتدت بعد ذلك بأربع سنوات إلى السعودية التي اكتشف فيها النفط عام 1936، ثم بقية الإمارات الخليجية.

لقد وجدت الشركات الأمريكية موطأ قدم لها بعد أفول نجم بريطانيا، المملكة التي لا تغيب عنها الشمس، وصعود نجم الولايات المتحدة كقائدة للمعسكر الرأسمالي في مواجهة الاتحاد السوفييتي الذي كان يقود المعسكر الاشتراكي بعد الحرب الكونية الثانية وبدء مرحلة الحرب الباردة بين المعسكرين. ومع إعلان بريطانيا الانسحاب من شرق السويس نهاية ستينيات القرن الماضي وحصول الاستقلالات السياسية لإمارات الخليج العربي مطلع سبعينياته، تكثف الحضور الأمريكي في المنطقة، وزاد من نفوذه الدور الكبير الذي لعبته المخابرات المركزية الأمريكية في الإطاحة بالزعيم الإيراني محمد مصدق والانقلاب عليه وإعادة شاه إيران إلى سلطة الإمبراطورية الفارسية عام 1953. كان النجم البريطاني يأفل بسرعة صعود النجم الأمريكي الذي أسس لوجود دائم على ضفني الخليج، فكان شاه إيران محمد رضا بهلوي الأداة الطيعة في اليد الأمريكية التي دفعت به إلى أحضان الكيان الصهيوني أكثر؛ فترسخت العلاقات الإيرانية الصهيونية في صيغة تحالف استراتيجي، وتمكن الشاه من لعب دور الشرطي في الخليج، يقدم خدماته اللامحدودة للولايات المتحدة الأمريكية. وفي الداخل الإيراني قام بهلوي بتغريب المجتمع الإيراني وانتزاعه من جذوره، مما شكل حالة عامة من الرفض أضيفت لحالة الفقر والقمع والإرهاب والديكتاتورية التي كان يمارسها جهاز المخابرات (السافاك) ضد المعارضين الإيرانيين بمختلف انتماءاتهم الفكرية والسياسية والأيديولوجية. كما كان يرفض رفضاً قاطعاً وصف الخليج ب"العربي" وكان يردد دائماً أن هناك خليجاً فارسياً فقط، وليس عربياً.

في فبراير من العام 1979، شكل انتصار الثورة الإيرانية ضربة قاصمة للوجود والنفوذ الأمريكي في منطقة الخليج وزلزالاً عاصفاً، ليس فقط على مستوى هذه المنطقة، بل أيضاً على المستوى العربي والإسلامي، حيث تحولت المياه الراكدة إلى أمواج عاتية غيرت الكثير من المفاهيم والمعطيات، وأوجدت قوى جديدة، تستمد طاقتها من الوهج الذي أتت به الثورة الإيرانية المتوثبة للانقضاض والتوسع في المحيط القريب والبعيد، لتؤسس دولة ولاية الفقيه وترسخها، وقد فشلت جهود الولايات المتحدة الأمريكية في الإطاحة بها، فلجأت إلى حصارها منذ الوهلة الأولى التي وضع فيها الإمام الخميني قدميه على أرض مطار طهران؛ قادماً من منفاه في العاصمة الفرنسية باريس.

عاشت دول الخليج العربية أوضاعاً مضطربة؛ بسبب ما حصل في الضفة الأخرى من الخليج، وكانت تترقب المزيد من العواصف والزلازل وتردداتها وانعكاساتها على تلك الإمارات الفتية التي استيقظت على برميل بارود لا يزال يشتعل؛ فبعد سبعة عشر شهراً من انتصار الثورة الإيرانية، اندلعت الحرب العراقية الإيرانية (حرب الخليج الأولى)، وكان يروج، حينها، أنها لن تدوم أكثر من أسابيع قليلة يسقط خلالها "نظام الملالي"، إلا أن الحرب استمرت ثمان سنوات عجاف وأتت على الأخضر واليابس في إيران و العراق ودول المنطقة. لقد كلفت الحرب البلدين أكثر من 500 مليار دولار كخسائر مباشرة، وسقط أكثر من مليون ضحية بين قتيل وجريح ومشرد وأسير ومفقود. أما دول الخليج فقد فرض عليها التسلح حتى أخمص قدميها، بعد أن جرى تخويفها وبث الرعب في مفاصلها، فتأخرت عملية التنمية المستدامة وصار الخيار الأول "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وتعزيز الجانب الأمني والعسكري.

في ضوء هذه المعطيات، وبعد أن تأكد للولايات المتحدة الأمريكية وأذرعها أنها غير قادرة على الإطاحة بالنظام الجديد في طهران رغم الحرب والحصار، وفي خضم تزاحم الأحداث والمتغيرات، تم الإعلان عام 1981 عن تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية: السعودية، الكويت، الإمارات، عمان، قطر ، والبحرين، وكان البيان الأول، يوضح طبيعة هذا المجلس الذي هو عبارة عن حلف سياسي-أمني- عسكري، توج بالاتفاقية الأمنية بين دوله الست نهاية عام 1981. ورغم أن الاقتصاد كان حاضراً بعض الشيء في أول سنوات المجلس ممثلاً في الاتفاقية الاقتصادية عام 1983، إلا إنه لم يكن من المفاصل الرئيسية التي تتحرك عليها مؤسسات مجلس التعاون؛ فالعملة الخليجية الموحدة التي نصت عليها اتفاقية 1983 لم ترَ النور حتى اللحظة، وقيام دولة الاتحاد على طريقة الاتحاد الاوروبي، لم يجد له طريقاً، كما أن جواز السفر الموحد لم يعد يجرى الحديث عنه.

في هذه الأثناء استغلت الولايات المتحدة هذه الأوضاع المضطربة في المنطقة؛ فعززت من حضورها العسكري والأمني وزادت من قطع بحريتها في مياه الخليج، خصوصاً وأن الحرب الباردة لا تزال قائمة حينها، وكان الاتحاد السوفييتي يمد نظره إلى مياه الخليج، بمبادرة "سلام" أطلقها الزعيم السوفييتي الراحل ليونيد بريجنيف، وتقضي بتحويل مياه الخليج إلى بحيرة سلام، هذه المبادرة سرعان ما ردت عليها واشنطن بغضب ورفض، باعتبار أن مياه الخليج، تعتبر جزءًا من أمنها الإقليمي رغم خسارتها إيران.

بعد حرب الخليج الأولى بسنتين، اجتاح الجيش العراقي الكويت في الثاني من أغسطس 1990، واعلن رأس النظام في بغداد "عودة الفرع إلى الأصل"، لتبدأ حقبة جديدة من الحضور الأمريكي المباشر؛ فعجت صحراء الجزيرة العربية، بمئات آلاف الجنود الأمريكان والغربيين ومن عشرات الدول العربية والأجنبية، وشكلت أمريكا قوات التحالف الدولي، وقامت في فبراير 1991 بطرد القوات العراقية من الكويت، وتم فرم الجيش العراقي فرماً في الصحراء أثناء عودته إلى دياره، وصُبت آلاف الأطنان من القنابل على مناطق مختلفة من العراق، توجت فيما بعد بحصار دام اثنى عشر عاماً عاش فيه العراقيون في فقر مدقع وانهيار لسعر صرف عملتهم الوطنية، وتردٍ في مستوى معيشتهم، ليأتي الغزو الأمريكي في أبريل 2003، ويحتل العراق بعد أن وجهت لنظامه السياسي اتهامات باطلة بامتلاكه اسلحة الدمار الشامل، لكن واشنطن لم تتمكن من اثبات ادعاءاتها التي جاءت بعد هجوم الحادي عشر من سبتمبر2001.

كانت العلاقات الخليجية الأمريكية تتطور بهدوء، ولم يكن هناك ما يُعرضها للاهتزاز، حيث ثبتًت الولايات المتحدة معادلتها بعد 1991، سواء على المستوى الخليجي بإرساء تحالف أمني عسكري استراتيجي بحضور أمريكي وغربي دائم في الخليج، وتواجد ثمان قواعد أمريكية وغربية كبرى منها 5 قواعد أمريكية، وقاعدتين بريطانيتين، وقاعدة فرنسية واحدة، أو على الصعيد العربي، حيث فرضت واشنطن مؤتمر مدريد وعقدته في صيف 1991 كإحدى الثمرات الأساسية لحرب تحرير الكويت، وقد أفرز اتفاقيتي أوسلو ووادي عربة.

اليوم، وحيث تشتد الصراعات في المنطقة، وتحكم الولايات المتحدة الأمريكية قبضتها على الخليج، بغض النظر عن السباق الرئاسي الذي يلعب في الهامش أكثر مما يلعب في جوهر العلاقات الخليجية الأمريكية التي تقررها دوائر البنتاغون أكثر من وزارة الخارجية، فإن قوس التوتر والاضطراب في الخليج سيبقى مشدوداً لسنوات قادمة، وسوف تشهد الموازنات العامة استمرارا لحالة الاستنزاف في عقود عسكرية ومدنيّة أسطورية وأرقام فلكية بمئات مليارات الدولارات، حتى وإن بقت أسعار النفط دون الخمسين دولار للبرميل الواحد، بعد أن كانت تزيد على المائة دولار في 2013. ورغم غضب الإدارة الأمريكية من جنوح بعض دول المنطقة والشروع في حرب أسعار النفط وانهيارها وخروج عشرات شركات النفط الصخري الأمريكية من الأسواق، وتجاوز واشنطن تبعاتها على مضض؛ إلا أن أعصاب البيت الأبيض كانت مشدودة في أكثر من مكان، خصوصاً تجاه الصين التي حاولت استثمار ثغرات للدخول منها في تعزيز موقعها في الخليج.

واشنطن لا تمزح في الخليج

هكذا وجدناها طوال العقود الماضية، والمسألة لا تخضع لمزاج ترامب أو بايدن، بقدر ما تخضع للمصالح الاستراتيجية التي ترى في الخليج نقطة ارتكاز مهمة لمواجهة بكين في بحر الصين الجنوبي، حيث المواجهات المستقبلية المحتملة، ولذلك كان التصريح الذي أدلى به مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر في الأسبوع الأول من مايو (أيار) من العام الجاري 2020، واضحاً في تحذيره لدول الخليج في علاقتها مع الصين؛ قال شينكر: "على دول الخليج أن تأخذ علاقتها بالولايات المتحدة بعين الاعتبار عند التعامل مع الصين (..) على هذه الدول أن تفكر في قيمة شراكتها مع الولايات المتحدة (..)، نريد أن تبذل الدول الشريكة لنا العناية الواجبة". واللبيب بالإشارة يفهم.