Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح38)

غازي الصوراني

غلاف الكتاب

خاص بوابة الهدف

(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الرابع

الفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى

الفصل الثامن

الفلسفة الأوروبية وفلاسفتها منذ القرن الخامس عشر حتى القرن السابع عشر

الفلسفة الأوروبية نهاية القرون الوسطى

أبرز الفلاسفة منذ القرن الخامس عشر حتى القرن السابع عشر

اسحاق نيوتن (1642 – 1727):

مفكر وعالم انجليزي، من أهم علماء الفيزياء إن لم يكن رائد علم الفيزياء في عصره، عمل أستاذاً للرياضيات في جامعة كامبدرج، ورئيساً للجمعية الملكية، كما كان عملاقاً في التاريخ الفكري الغربي عموماً، وأهم أعماله كتاب "المبادئ الرياضياتية لفلسفة الطبيعة" الذي نشر في عام 1687.

تجلت عبقريته في وضع قوانين الحركة الثلاثة، وقانون الجاذبية، ونظرية حساب المقادير اللامتناهية، وكذلك نظرية تكوين الضوء، وقد عززت نظرياته، النظريات السابقة، في علم الفلك (قوانين كبلر في حركة الكواكب)، وفي الميكانيك (قوانين سقوط الأجسام عند غاليليو)، فقد حقق نيوتن –كما يقول المفكر هشام غصيب- "ثورة كبرى في الفيزياء والفلك بتوحيده قوانين غاليليو الأرضية مع قوانين كبلر السماوية، وبيانه أن حركات الكواكب والأجسام الأرضية مظاهر مختلفة لقوة كونية واحدة، هي قوة الجاذبية، لقد تجلت عظمة نيوتن في الجاذبية في نجاح البشرية في ايصال إنسان إلى القمر على أساسها وباستعمالها في حساب مسارات المركبات الفضائية"([1]).

قوانين الحركة والجاذبية المشهورة التي وضعها:

قانون نيوتن الأول: الجسم الساكن يظل ساكناً والجسم المتحرك يظل متحركاً حركة منتظمة وفي خط مستقيم ما لم يتعرض لفعل قوة خارجية.

قانون نيوتن الثاني: تسارع الجسم يتناسب تناسباً طردياً مع القوة المطبقة عليه في اتجاه الخط المستقيم الذي تفعل فيه القوة.

قانون نيوتن الثالث: لكل قوة توجد قوة مساوية، ومضادة لها، أو رد فعل عليها.

قانون الجاذبية: يجذب جسمان وأحدهما الآخر بقوة تتناسب طردياً مع حاصل ضرب كتلتيهما وعكسياً مع مربع المسافة بينهما:

وبفضل نيوتن أصبح علم الفيزياء "مثلاً" على انتصار العلم على التعليم التقليدي والتحيزات، كما أصبح نيوتن السلف الكبير لعصر التنوير"([2]).

نيوتن والفلسفة:

قدم نيوتن إلى الفلسفة حوافز جديدة، حيث نرى تأثيره الخاص، في الفيلسوف كانط، الذي أراد وضع الأساس الإبستيمولوجي (المعرفي) لعلم الفيزياء الجديد، فقد رأى كانط، أن المكان والزمان ليسا وحدهما موجودين كمقومين ثابتين في خبرتنا، لكن لأن مقولة السبب موجودة بصورة حتمية في معرفتنا، فإن العلم الجديد قد أمدنا بدفاع، ضد اعتراض الشكاك، الذي مؤداه أننا لا نستطيع أن نكون على يقين من أن المبادئ التي تحكم ما يجري اليوم، سوف تشكل أيضاً ما سيحصل غداً، وهو الاعتراض الذي يبدو أنه مُدَمِّر لأساس المنهج الاختباري الذي يفترض وجود ثبات معين في العالم.

العلم لا اللاهوت ظهر كسلطة حقيقية في المسائل المتعلقة بالحقيقة، وغدا وسيلة الإنسان للسيطرة على عمليات الطبيعة، فكان على الفلسفة والدين أن يحددا مكانهما نسبة إلى العلوم الجديدة، تلك هي الأهمية الاجتماعية والفكرية لظهور العلوم الطبيعية الرياضياتية والاختبارية عموماً، ونيوتن خصوصاً.

لقد "أتى التطور العلمي ليتيح مجالاً لفتح طريق جديد في الفلسفة، حيث "قدم إسحق نيوتن من خلال قانونه للجاذبية، وحساب التفاضل والتكامل الذي وضعه، مناهج للوصول للحقيقة تجاوزت الديكارتية. فقد ساعد قانون نيوتن على إيجاد روابط فيزيائية تفسر حركة الطبيعة، من خلال ميكانيكا توحد بين الكون العلوي والظاهرات الأرضية، مستنداً إلى تحطيم غاليلو (1564-1642) لفكرة أرسطو عن أن السموات والأرض مختلفتان من حيث الطبيعة، والتي تبنتها الكنيسة في العصور الوسطى، مما ساهم عبر اكتشاف نيوتن هذا في التقويض العلمي لكثير من الأفكار الميتافيزيقية في تفسير ظواهر الطبيعة، وإلى نقض أي تفكير قَبلي في الفلسفة، وإلى بداية سيادة الفكر الحسي- التجريبي على صعيد الفلسفة"([3]).

وبوصفه مؤسساً أولياً لعلم الفيزياء الجديد، بقي نيوتن رمزاً للإنجاز البشري، أي: أصبح العلم مرتبطاً بفكرة التقدم، كما أن مفهوم فرانسيس بيكون للمعرفة بوصفها قوة وبوصفها مصدر ازدهار، وتقدم، صار مقبولاً على نطاق واسع، ومُنَفَّذاً في الزمن اللاحق.

"مات نيوتن عام 1727، وحضر فولتير جنازته، وكان يذكر دائماً الانطباع الذي تركه في نفسه التكريم والشرف القومي الذي أحاط بهذا الانجليزي الذي ينحدر من طبقة متوسطة.

لقد "تساءلت جماعة عن أعظم رجل أنجبه العالَم، هل هو قيصر أم نابليون أم كرومويل وأجاب أحدهم بانه نيوتن، وهو على صواب، لأنه –كما يقول ديورانت- هو الذي استحوذ على عقولنا بقوة الحقيقة لا أولئك الذن استعبدوها بالعنف"([4]).

جوتفريد فيلهلم لايبنتز ( 1646م  1716م ):

" ولد جوتفريد لايبنتز في لايبزيغ، بولاية سكسونيا، كان والده أستاذاً للفلسفة الأخلاقية في جامعة ليبزيج، ورث الصبي فيما بعد مكتبة والده الشخصية، وقد سبق أن تم منحه حرية الوصول إلى الكتب وهو في السابعة من عمره، وبعد تخرجه من الجامعة، شَغَلَ "لايبنتز" موقعاً هاماً في تاريخ الرياضيات وتاريخ الفلسفة، كما أسس علم التفاضل والتكامل الرياضياتي بشكل مستقل عن إسحاق نيوتن، كما أن رموزه الرياضياتية ما زالت تستخدم منذ أن تم نشرها والتعريف بها"([5]).

أهم مؤلفاته:

كتاب "العدالة الإلهية"، وفيه حاول أن يبرهن فيه على أن عالمنا الذي خلقه الله هو بالرغم مما فيه من شرور، أحسن العوالم الممكنة، فما نراه من شرور، هو شرط ضروري في رأيه للتناسق في العالم ككل في رأينا إن جوهر هذه الفلسفة هو الاستسلام للأمر الواقع، وهو يقترب من فلسفة " ليس في الإمكان أبدع مما كان.

في كتابه "المونادولوجيا" قدم لايبينتز –كما يقول يوسف حسين- "نظرية "المونادات" أو نظرية أصل الوجود من منطلق ميتافيزيقي، حيث رفض فلسفة ديكارت واسبينوزا، وقال ان المادة والحركة تعود إلى القوة والطاقة، وهذه القوة عبارة عن جواهر فردية أو "مونادات" والتي منها يتشكل الوجود لا تتوالد ولا تستحدث، وهذه المونادات هي عبارة عن ذرات أو جواهر روحية حية لا تقبل القسمة ولا التجزئة ولا تتكاثر أو تموت، كما أشار لايبنتز إلى ان هذه المونادات لا تشبه بعضها رغم انها من طبيعة واحدة، ولذلك هي متحدة مثل اوراق الشجر متفرقة وموحدة من خلال دورها وحركتها في الكون والفضاء، واذا تعرفنا إلى هذه المونادات فإننا –كما يقول لايبنتز- سنتعرف على تفاصيل الكون، وهناك "مونادات" تشكل النفس في عالم الحيوان، اما الإنسان فيتشكل من "مونادات" عاقله كما يقول"([6]).

أما أعظم المونادات وأرقاها عند لايبنتز، فهو "موناد" الله الصانع لكل شيء، فقد برمج الله كل هذه المونادات أو الجواهر لكي تقوم بأدوارها في هذا الكون حسب برنامج وتعليمات الخالق، وهذا هو جوهر النظام القائم في الكون.

أما الجسد والمادة أو العقل والمادة (المشكلان من مجموعة مونادات) فانهما يعملان بمقتضى قانون التناسق الأزلي في إطار التزامن المشترك بين العقل والمادة دون أي انفصام بينهما، بحيث ان كل من العقل والمادة يعملان معاً، وبكل دقة، في الحركة والزمان ضمن التدبير الإلهي أو الرؤية الميتافيزيقية الخالصة التي قدمها لايبنتز اعتماداً على نظريته الخيالية حول "المونادات".

كان "لايبنتز" مثالياً موضوعياً حاول الجمع بين العلم والدين، أو بين المادية والمثالية، فقد رفض الكثير مما ورد في كتاب "جون لوك" "محاولة في الفهم الإنساني" الذي كان أداة لنشر أفكار المادية والتجريبية المادية، ودافع عن نظريته التي "تدافع عن المثالية والقَبليِة في نظرية المعرفة" بتأكيده على أن الحقائق الكلية ذات منشأ قَبْليApriori”" يعود إلى العقل ذاته، وحسب تعبيره "أن الدماغ الإنساني لا يشبه لوحاً مصقولاً بقدر ما يشبه قطعة من الرخام عليها عروق ترسم ملامح التمثال الذي سينحته الفنان فيها".. وهذا يتناقض مع الفهم العلمي المادي للمعرفة التي تشترط انعكاس المعرفة في الذهن عبر الحواس والتجربة والممارسة.

أدلة وجود الله، وخلق العالم ومسألة البشر عند لايبنتز، تتحدد –كما يضيف يوسف حسين- "انطلاقاً من ايمانه بالمسيحية ، فقد قام بتأليف كتابه حول "تبرير الله" ليثبت أن هذا العالم لا يتناقض مع وجود الله ومع وجود الشر، مؤكداً على صفة الكمال للخالق، وبالتالي فإن هذا العالم الذي خلقه الله هو أحسن عالم ممكن عند لايبنتز، على الرغم من كل الشرور الموجودة فيه، فالشرور لابد منها – كما يقول- لكي يوجد الخير، لأن بعض الخير الكبير هو انعكاس للشر الكبير، لكن هذا التوصيف الذي قدمه لايبنتز –كما يستطرد يوسف حسين- "لا يبرر ابداً خلق إله رحيم وعادل للشر، فالشرور وجدت كنتيجة طبيعية لضرورات المخلوقات البشرية وما تتعرض له من معاناة وظلم وعدوان..إلخ" ما يؤكد على بهتان رؤيته وافتقادها للمنطق، وهي رؤية سخر منها فولتير كما وجه لها هيجل نقداً سلبياً ، لكن علماء اللاهوت المسيحيين تمسكوا بها، ووجدوا في طروحاتها فرصة للدفاع عن مصالحهم وتبرير شرور وخطايا الملوك والأمراء في ذلك العصر"([7]).

إضافة إلى ما تقدم، كان لايبينتز طموحاً في تأكيد سيطرة الأوروبيين عموماً وفرنسا خصوصاً على الشرق، تجسيداً لأفكاره العنصرية اللاهوتية الرجعية المعادية للمسلمين والديانة الإسلامية "ففي عام 1672 وضع لايبينتز مشروعاً مفصلا، وخطة متكاملة لغزو مصر، حاول من خلالها إقناع ملك فرنسا القوي آنذاك لويس الرابع عشر (الذي كان يعرف بالملك الشمس) بتحويل اهتمامه من غزو أوروبا إلى غزو الشرق. وفي معرض تبريره لاختيار مصر هدفا للغزو، يشير ليبينتز إلى أن مصر (لها قدر الصين أو إن الصين لها قدر مصر، إنها أم العلوم وفواكه الأرض ومعجزات الطبيعة والفن). ويؤكد ليبينتز بإصرار "أنه بسبب مصر فَقَدَ المسيحيون الأراضي المقدسة (نهاية الحروب الصليبية) ذلك أنها كانت المنقذ للمسلمين الذين يجب أن يختفوا من الأرض"!! ياله من تعصب ديني عنصري أعمى عند ليبينتز.

قام ليبينتز بدعوة ملك فرنسا لاجتياح مصر، وتجنب غزو أوروبا قائلا بأن (الحملة على مصر وسيلة للتحكم في المصالح الدولية العليا، وجُل آمال الملك يمكن أن يضعها في مصر، كما أن غزو مصر هو حق لفرنسا؛ لأن الادعاء بإقامة مملكة عالمية هنا لهو محض وهم، بل محض إثم، وسيكون من العبث محاولة إقامتها في أوروبا بثمن باهظ من العنف والدم والقتل، أما هناك سيكون لفرنسا شرف التحكم في الأقدار وقيادة العالم)"([8]).

 

 

 

 


([1]) هشام غصيب – جاذبية نيوتن – الحوار المتمدن – 8/12/2011

([2])غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفكر الغربي - ص  362-363

([3]) محمد سيد رصاص – التجريبية كلحظة فاصلة في تاريخ الفلسفة – الانترنت – 8 ديسمبر 2013.

([4])ول ديورانت – مرجع سبق ذكره –قصة الفلسفة  - ص258

([5]) موقع ويكيبيديا – الانترنت .

([6]) يوسف حسين – محاضرة باليوتيوب – الانترنت.

([7]) المرجع نفسه .

([8]) فؤاد جابر الزرفي – هيجل والشرق: نقد المنهج واللغة في فلسفة التاريخ – موقع: مقالات في التاريخ – 29/11/2012