Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح39)

غازي الصوراني

خاص بوابة الهدف

(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الرابع

الفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى

الفصل التاسع

عصر التنوير والحداثة في القرن الثامن عشر

أولاً: عصر التنوير العقل والتقدم

 

تمهيد:

بدايةً، أشير إلى المقومات الفلسفية والفكرية والاجتماعية التي عرفتها أوروبا في العصر الإقطاعي (خلال الفترة من القرن الخامس حتى القرن الرابع عشر)، الذي تميزت فلسفته بأنها:

  1. تبرير قهر واستغلال العمال والفلاحين والفقراء والجماهير الشعبية العفوية باسم الدين .
  2. تكريس مصالح الطبقة الارستقراطية بقوة البطش والارهاب.
  3. لم تتطلع إلى البحث عن الحقيقة، فقد كان هم معظم المفكرين في هذه المرحلة إثبات صحة العقائد الدينية لتثبيت مصالح ملوك أوروبا والكنيسة ورموز الإقطاع.

ذلك إن الفكر الإقطاعي لم يهتم ببحث المسائل المطروحة بل زجَ في إطار النتيجة المسلم بها، وكان لابد للفلسفة القائمة على مثل هذه الأسس أن تسير في درب الانحطاط في ظروف بدأ فيها يتعزز العلم ليتحول إلى ميدان بحث مستقل نسبياً، وهذا ما حدث عندما بدأ أسلوب الإنتاج البورجوازي الجديد (عبر تراكماته منذ القرن الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر) يتشكل في أحشاء المجتمع الإقطاعي الذي بدأ في التفكك، والانهيار مع القرن الثامن عشر، مفسحاً الطريق لعصر النهضة والتنوير والديمقراطية بعد أن تم كسر هيمنة الكنيسة على عقول الناس.

في هذا الجانب، أشير إلى أن " القرنين السابع عشر والثامن عشر، هما القرنان اللذان صُبغ فيهما العلم بصبغة الوطنية؛ لأن فيهما حلت اللغات الوطنية الخاصة بكل أمة من الأمم محل اللغة اللاتينية العامة في تواليف الآداب والعلم، وفيهما بدأت تتميز الآداب بمميزات الشعوب وتصبغ بصبغتها، وفيهما بدأ الفكر يستقل باستقلال الأمم القاطنة في غربي أوروبا استقلالًا معنويًّا، لهذا تجد أن الناس، في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، قد بدءوا بأسفار طويلة، قضوها في التأمل والدرس، متنقلين من مملكة إلى أخرى؛ لِيَخُصّوا أوطانهم بما ينقلون من فكرات مبتكرة، فوفد إلى إنكلترا "فولتير" عام 1726؛ حيث نشأت فلسفتا "نيوتن" و"لوك"، وساح "آدم سميث" في فرنسا عام 1765؛ حيث درس طريقة "كوينسي" الاقتصادية، وأكب على مباحث "الفيزيوقراطيين" يدرسها، ومنها كوَّن فكرته التي بنى عليها فلسفته الاقتصادية التي أخرج فيها كتابه "ثروة الأمم"، في تلك المرحلة كان طلاب العلم في أنحاء القارة الأوروبية يولون وجوههم شطر باريس؛ حيث ظلت تلك المدينة بضعة عشرات من السنين محور البحث العلمي، وأخذت تشع بنور المعرفة"([1]).

" كانت الليبرالية "قبل حلول القرن الثامن عشر" مجرد مواقف ثقافية لبعض المفكرين، لكن بقدوم عصر الأنوار الفرنسي، أصبحت الليبرالية حركة واضحة اجتماعية، قامت بنشر قيم التسامح والمساواة والحرية والمعرفة وفصل الدين عن الدولة. من الناحية الفلسفية، أكدت الليبرالية على مبدأ الحرية الشخصية وحرية المجتمع والتعليم المدني وحرية البحث وحرية طلب الحقيقة. لكن العنصر الأهم في حركة التنوير، هو إتيانها بمفهوم التقدم. وجد فلاسفة القرن الثامن عشر أن التقدم الاجتماعي والثقافي، تقع مسؤوليته في يد الإنسان نفسه، وفي قدراته وثقافته، وليس في الاعتقاد بأن الرب سوف يتدخل لكي يوقف انحدار الإنسان"([2]).

بزوغ التنوير العقلاني وفلسفة الحداثة في أوروبا:

في هذا العصر، بزغت الفلسفة الحديثة في أوروبا، وكان التنوير الأوروبي بمثابة حجر الزاوية في بنيانها وسيرورتها الممتدة حتى اللحظة، وهنا أشير إلى أن عصر التنوير في أوروبا كان في القرن الثامن عشر ذا صلة بتغيرات اقتصادية واجتماعية وعلمية رافقت تفسخ النظام الاقطاعي، ونمو البورجوازية والطبقة العاملة، وفي هذه العملية التغييرية، التي بدأت في هولندا (أواخر القرن السادس عشر) وفي إنجلترا (أواسط القرن السابع عشر) ثم في فرنسا وألمانيا (أواخر القرن الثامن عشر) تزعزعت دعائم الكنيسة والعلاقات الاقطاعية، وأصبح العلم الحديث يعتمد بصورة رئيسية على واقع الإنتاج والعلاقات البرجوازية الجديدة، كما تطورت الجامعات الأوروبية باتجاه التحديث والاستنارة، ونُشِرَت مجموعات كبيرة من الكتابات التي تناولت جميع مظاهر المعرفة وتطور العلوم والاختراعات العلمية، التي عززت دور البورجوازية الفتيه في نضالها ضد الدعائم الفكرية والاجتماعية الاقتصادية للإقطاع، إلى جانب الفلاسفة العقلانيين والديمقراطيين الرواد (ديكارت / كانط / هوبز / سبينوزا / جون لوك / هيوم/ فولتير/ مونتسكيو / روسو / ديدرو ... إلخ) الذين كانوا بمثابة المعول الذي هدم البناء المعرفي الرجعي الاقطاعي مُعْلِناً بداية العصر الجديد ، او عصر التنوير وانتصار البورجوازية، بعد ان أشرق نور التنوير على أوروبا، ذلك التنوير الذي جاء أولاً من إنجلترا الليبرالية، ثم انتقل إلى فرنسا وألمانيا وبقية أوروبا، ومع تلك الاشراقة التنويرية الحاملة لمفاهيم الحرية وسيادة العقل، والتحرر من وصاية الكنسية والاقطاع ، خرج الانسان الأوروبي من إسار التخلف والاستبداد الإقطاعي صوب الحرية و الروح النقدية التي انطلقت في النظر إلى الوجود بتفكير عقلاني يبحث عن أسباب الظواهر بعيداً عن غيبيات الكنيسة من ناحية، ورافضاً للعلاقات الاقتصادية الاجتماعية المتخلفة التي تراكمت طوال العصر الإقطاعي البائد من ناحية ثانية، ولذلك لا نبالغ في القول بأن فكر التنوير افتتح بوابة العالم الحديث، لأن معظم أفكار الحداثة (العقلانية والديمقراطية والعلمانية والمواطنة والتقدم والحرية.. إلخ) جاءت من تأثير مباشر من فكر التنوير.

ولذا، "فالتنوير ليس مجرد حلقة من حلقات تاريخ الأفكار بل ثابت أساسي من ثوابت الفكر الفلسفي الغربي منذ كانط حتى الآن، فالمذهب الليبرالي يؤكد حرية التعبير وحرية الكلام. وهنا تتلاقى الليبرالية السياسية مع فلسفة عصر التنوير، فالدفاع عن مثل هذه الفضائل ليس مبنياً على النظرة المفيدة أن التسامح هو قيمة "خير" فحسب، وإنما أيضاً على النظرة التي تقول إن نقاشاً مفتوحاً وحراً هو شرط ضروري لنكون قادرين على الوصول إلى رؤية صحية في العلم، كما في السياسة"([3]).

فالحرية شرط العقلانية، وقي الوقت نفسه هي شرط للديمقراطية في عملية خلق الرأي العام الشعبي، وفي التأمل المتنور، ذلك ما عبر عنه بوضوح المفكر الفرنسي مونتسكيو الذي ربط الحرية بشكل خاص بإسهامين اثنين أساسيين وهما: نظرية فصل السلطات كشرط للحرية، ونظرية تأثير البيئات المختلفة على السياسة، وكانت فرنسا في القرن الثامن عشر هي الرافد الاساسي والأكبر لنهر العالم الكبير الذي تحدر من أرض اليونان قبل ذلك باثنين وعشرين قرنا.

نستخلص مما تقدم، أن مفكري التنوير (في انجلترا وفرنسا وألمانيا) كانوا قد "أَحَلُّوا العقل السيد المستقل محل العقيدة اللاهوتية المسيحية التي سيطرت على البشرية الأوروبية قرون وقرون، لقد كان العقل هو القضية الكبرى لفلاسفة القرن الثامن عشر والذي دعي في كل أنحاء أوروبا بعصر التنوير"([4]).

والسؤال هنا: ما معنى مفهوم التنوير؟ وكيف ظهر في القرن الثامن عشر في أوروبا؟

لقد "كان مسار التنوير في أوروبا صعبا وثمنه غاليا، كما أنه لم يكن هبة أو أنّه جاء صدفة أو دفعة واحدة، بل شهد مسارات مختلفة قبل أن تتّم صياغة أفكاره بكل وضوح، والوصول إلى مآلاته المعروفة في القرن الثامن عشر وما يليه، ولعلّ نتائجه الإيجابية كانت تستحق الجهد المبذول، فبفضل جهود التنوير وطّنت أوروبا مفاهيـم: الحرية، العقلانية، والديمقراطية، وأرست دعائم الدولة الحديثة"([5]).

وعلى الرغم من وجود القوى المضادة والمتغيرة على الدوام، والكثيرة، فقد "تابع برنامج التنوير تقدمه، وكان منشأ النقاش السياسي في فرنسا خلال القرن الثامن عشر في الصالونات الأدبية للطبقة الوسطى المقيمة في المدن، ففي ذلك المكان الأنيق، تمازجت السياسة والفلسفة والأدب بسهولة"([6]).

لقد استورد الفرنسيون من بريطانيا، تصور "جون لوك" لحقوق الإنسان، وبدت فكرة حقوق الإنسان في الوقت ذاته متطرفة، أي شكلت هجوماً على النظام الملكي المطلق، وارتبطت النبرة المُرَّة أيضاً بالواقع المفيد أن الفروق الطبقية في فرنسا كانت أكثر تناقضاً مما هي في بريطانيا، فقد كان رجال الدين يملكون خُمس الأرض، ولهم امتيازات، وكان للنبلاء امتيازات أيضاً، على الرغم من أن قوتهم السياسية كانت قد تدنت، وفي الوقت نفسه، كان نفوذ البورجوازية أكبر مما هو في بريطانيا، وكان التجار الفرنسيون الأقوياء يشعرون أنهم الثقل: إذ كان النبلاء والكهنة طفيليين وذوي امتيازات، وباتت سلطة الملك غير فاعلة، فظهر النقاد القادة من صفوف البورجوازية العليا تلك، وأصبح الصراع الأيديولوجي بين فكرة حقوق الإنسان والليبرالية (لوك) في مواجهة المَلَكية المطلقة والإمتيازات التقليدية للنبلاء.

وهكذا، "تميزت حقبة عصر التنوير بالتفاؤل التقدمي داخل الطبقة الوسطى المتوسعة: فهناك ثقة متيقظة في العقل وفي الإنسان. كان هناك مذهب خلاص مدني، حل فيه العقل محل الإنجيل، وبعون من العقل صار بإمكان الإنسان أن يكشف الجوهر الداخلي للواقع ويحقق التقدم المادي، وسيستقل الإنسان تدريجياً، ويستغني عن السلطة التي لا أساس لها، وعن الوصاية اللاهوتية، فقد تحرر الفكر لأن الإنسان شعر أنه حاكم نفسه، وأنه مستقل عن الوحي والتقليد. وصار الإلحاد زي العصر، غير أنه سرعان ما تبين أن تحقيق التقدم المتوقع أصعب مما ظن فلاسفة عصر التنوير الفرنسيين، في القرن الثامن عشر نظراً للصعوبات السياسية والاجتماعية الموجودة في سبيل تحقيق هذا التقدم، وأعظم تلك العقبات هي الجهل والخرافة والتعصب، وللتغلب على هذه العقبات، نحتاج تنويراً (لا ثورة)"([7])، انطلقت شرارة التنوير في فرنسا أولاً.

وفي هذا الجانب، يقول ول ديورانت: "لم يحدث قط منذ أيام السفسطائيين الإغريق أن انتشرت مثل هذه الآراء والأفكار الكثيرة، أو ظهرت روح البحث والتحقيق والحوار والجدل المنعشة، وبما أن باريس كانت آنذاك عاصمة الفكر في أوروبا، فإن حركة التنوير أصبحت حركة واسعة النطاق مثل حركة النهضة الأوربية وحركة الإصلاح الديني، فقد ذهبت النهضة إلى ما وراء المسيحية لتكتشف الذهن الوثني، كما أن الإصلاح الديني كان قد كسر قيود السيادة المذهبية، وعلى الرغم منه تقريباً أطلق العنان لعمل العقل، وباتت مقدمتا العصر الحديث هاتين تكمل الواحدة الأخرى، وأصبح الآن في مقدور الإنسان في نهاية المطاف ان يحرر نفسه من معتقدات العصور الوسطى ومن أساطير الشرق، كما أصبح في مقدوره أن يهز كتفيه استخفافاً باللاهوت المربك المرعب، وان يقف على قدميه حراً طليقاً. حراً في ان يشك؛ وفي ان يحقق ويدقق، حراً في ان يفكر ويجمع ألوان المعرفة وينشرها"([8]).

فالبورجوازية الفرنسية – التي كانت تسمى بالطبقة الوسطى آنذاك- "لم تكن قد ترهلت بعد كما حدث في انجلترا، انها لا تزال في عنفوان صباها، ولم يعد في مقدورها الاكتفاء بالازدهار الاقتصادي الذي يحققه لها دعمها لحكم الملوك المطلق، وما رافقه من بؤس وافقار واستبداد، فهي الآن تتطلع إلى الظفر بالسلطة السياسية أو المشاركة فيها على الأقل، اذ من غير المعقول أن تظل تمول البلاط الذي يعج بأمراء الاقطاع الكسالى الذين يغدق عليهم الملوك الاموال والامتيازات بعد أن هجروا أملاكهم الزراعية ومقاطعاتهم، ولا يكون لها أي دور في تقرير حاضرها ومستقبلها"([9]).

"ففي فرنسا وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر.. تطور أسلوب الإنتاج الجديد _الرأسمالي_ في أحشاء المجتمع القديم -الإقطاعي-، وقد شهدت فرنسا قبيل الثورة البورجوازية الفرنسية (1789) بأربعة عقود حركة فكرية واسعة وقوية عُرِفَتْ "بحـركة التنوير"، وضع رجالها نصب أعينهم مهمة نقد ركائز الإيديولوجية الإقطاعية، ونقد الأوهام والمعتقدات الدينية، والنضال من أجل إشاعة روح التسامح الديني وحرية الفكر والبحث العلمي والفلسفي وإعلاء شأن العقل والعلم في مواجهة الغيبية.

بالطبع لم يكن تيار التنوير الفرنسي متجانساً، فإلى جانب المادية كانت المثالية وإلى جانب الإلحاد كان التيار الديني، ولذلك فقد كان الفكر الإنجليزي أحد أهم مصادر فكر التنوير الفرنسي، وكلاهما وَجَّها نقداً جاداً للنظام الإقطاعي والحكم المطلق، ومهدا الطريق من أجل هدمه وتغيره انسجاماً مع وجهة نظر المصالح البرجوازية الجديدة"([10]).

لقد كان "التنوير" في الغالب هو الصيحة المتقدمة جداً في ذلك العصر، التي اجمع فلاسفة فرنسا على اطلاقها في تلك الايام، وخاصة فولتير الذي " أعلن الحرب على التعصب وعدم التسامح الديني، الذى استعبد أوروبا آلاف السنين، كان يقول: "كفى حرق الكتب، والإطاحة برؤوس الفلاسفة، وإعدام الأبرياء، بحجة أنهم يدينون بديانات مختلفة، هذا عار يجب أن يُمْحَى، الإنسان يجب أن يتحرر من خرافات العصور الوسطى، ومن سلطة الحكومة الدينية. الإنسان يجب أن يحكم بالحجة والعقل"([11]).

على أن "فرنسا" لم تكن، تعيش وحدها في ذلك العالم، فثمة جارة لها، هي انجلترا، كانت قد فجرت ثورة عظيمة في نظامها الاجتماعي والسياسي والاخلاقي في القرن السابع عشر، وأنجبت فلاسفة عظاماً فجروا هم بدورهم أيضاً ثورة موازية في الفلسفة، فلماذا لا يتعرف فلاسفة فرنسا عليها، وينقلون عن فلاسفتها ما أبدعته عقولهم الجبارة، لا سيما وان التنوير الانجليزي يمثل في مجمله حركة الفكر الاجتماعي البورجوازي الصاعد الذي أخذ التنوير الفرنسي يتلمس طريقه اليه؟.

الواقع ان فلاسفة التنوير الفرنسي (جان جاك روسو والموسوعيين أمثال هلفثيوس وهولباخ وغيرهما) وجدوا في الفيلسوفين الانجليزيين "لوك" و"نيوتن" ضالتهم المنشودة، فقد تساءل الفرنسين: "إذا كانت الطبيعة البشرية خيرة، كان الناس متساوين فيها تماما كما يقول "لوك"، فلماذا نرى الناس غارقين في بحر من الآثام والشرور، ويقوم بينهم تمايز صارخ في مواقعهم الاجتماعية والسياسية؟

والحق ان "لوك" نفسه هو الذي هداهم، من حيث لا يدري، إلى الجواب الصحيح، فقد أوحت  لهم اجابته عن السؤال (إذا كان العقل صفحة بيضاء، فكيف يكتسب المعرفة؟) بالحل لتلك المفارقة، فأجابته التي قال فيها (إنني أجيب عن هذا السؤال بكلمة واحدة: التجربة، فبالتجربة وحدها تتكون كل معارفنا)، جعلتهم يتساءلون قائلين: "إذا كان كل ما في الإنسان مَرَدَّهُ إلى التجربة، فلماذا لا تكون البيئة البشرية – التي هي ميدان تجربة الإنسان الاجتماعية- هي المصدر الوحيد لكل تلك الشرور، وكل ذلك التمايز الصارخ؟ أي لماذا لا يكون مَرَدْ ما هو شر في أفعال الناس، ومَرَدْ التمايز الاجتماعي فيما بينهم، إلى تربية وبيئة اجتماعية فاسدتين، طالما أن طبائعهم هي في الاصل خَيِّرَة ومتساوية تماماً"([12]).

وفي ذلك الزمن، لم يكن في فرنسا مؤسسات قابلة للحياة نشأت قبل الملكية المطلقة يمكنها أن "تصمد أمام النقد". لذا، كان يصعب الحصول على اعتدال وزيادة فعالية الحكم بواسطة مساعدة مؤسسات تمثيلية مثل البرلمان البريطاني، فكان لابد من أن يأتي التغيير عن طريق ثوران سياسي. وقد حصل هذا الثوران في عام 1789 باندلاع الثورة الفرنسية، التي كان لها تأثيرها الكبير على الفكر والفلسفة في ألمانيا، فقد " كانت ألمانيا، في القرن الثامن عشر، بلدا يسير في طريق التطور الرأسمالي، لكن هذا التطور كان أبطأ مما كان عليه في انكلترا وفرنسا، كما كان عليه أن يذلل صعوبات كبيرة للغاية، فقد عاش المنورين الألمان في المراحل الأولى، سواء في الفلسفة أو في نقد الكتاب المقدس أو في العلم، على الأفكار التي صاغتها انكلترا وهولندا وفرنسا من قبل، ثم قاموا، بعد استيعاب هذه الأفكار، بملاءمتها مع واقع بلادهم وظروفها، وبذا اكتسب المنورون الالمان عددا من السمات، التي تميزهم عن أسلافهم – المنورين الانكليز والفرنسيين"([13]).

"صحيح أن المنورين الالمان ناضلوا من أجل انتصار العقل، والفلسفة القائمة على العقل، وسعوا، كذلك، إلى حل النزاع، القائم بين الايمان والعقل، لصالح الاخير، ودافعوا عن مشروعية النقد العلمي لمسائل كانت تعتبر، حتى ذلك الحين، وقفا على اللاهوت، لكن هؤلاء المنورين لم يتمتعوا بتلك الروح الثورية، التي أشرنا إليها عند المنورين الفرنسيين، ذلك إن التنوير الألماني لم يكن يهدف إلى النضال ضد الدين لصالح العقل، بقدر ما سعى إلى ايجاد حل وسط بين المعرفة والايمان، بين العلم والدين"([14]).

في هذا الجانب، يقول المفكر السوري الراحل د.حامد خليل: إن "نهر العالم في القرن التاسع عشر بدأ في تغيير مساره، إنه يتجه باتجاه ألمانيا، لكن ذلك لا يعني أن أراضي أوربا قد أصبحت مجدبة، أو انها اخذت تعوق جريانه، وانما يعني ان أرض المانيا كانت ظمأى أكثر من غيرها.

وحقيقة الأمر أن ألمانيا كانت لا تزال متخلفة إذا ما قيست بما وصلت اليه أوربا، فهي لم تنجز ثورتها البورجوازية بعد، ولذلك كانت أكثر تعطشاً من غيرها للارتواء من مياه المعرفة الكونية، وأكثر احساساً بمأزق الإنسان التاريخي، وبالتالي أكثر اندفاعاً لتكوين رافد جديد يرفد النهر المذكور، تماماً مثلما كانت فرنسا أكثر احساساً من انجلترا في القرن الثامن عشر، بالحاجة إلى شحذ قريحتها من أجل التغيير المنشود"([15]).

ويضيف د.حامد خليل قائلاً: "الواقع أنه كان هناك موقفان رئيسيان تجاه الأفكار البورجوازية: موقف هيجل الرامي إلى تهذيبها وتعقيلها بعد أن أسرفت في اطلاق القوى الاقتصادية من عقالها، وموقف ماركس الداعي إلى اعلان سقوطها، وتجاوزها، وطرح أفكار جديدة بدلاً منها. وهكذا يصبح القرن التاسع عشر عصر الامتحان الكبير كما نقول، وأيضاً عصر التحول الخطير بالنسبة إلى مشكلة الإنسان"([16]).

وبالتالي "فإن الفكرة المحورية في فكر القرن التاسع عشر، والتي كانت تعتبر نقطة تحول تاريخية في قيام علم جديد للإنسان سواء من جانب هيجل أو من جانب ماركس، هي ان الإنسان يتكون في التاريخ، وأن هذا التكون مرتبط بجمله شروط مادية واجتماعية وانسانية.

وبهذا الصدد فإننا نشير إلى حادثتين رئيسيتين نعتقد انه بسببهما قبل سواهما حدث التحول الذي نحن بصدد دراسته في هذا الفصل: الأولى هي انتشار فكرة التطور على نطاق واسع جداً وما رافق ذلك من ظهور علوم تدور في هذا الاتجاه. أما الثانية فهي قيام الثورة الصناعية الكبرى.

صحيح، فيما يتعلق بالحادثة الأولى، أن كتاب دارون "أصل الانواع" لم يظهر الا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لكن ذلك لا يعني أن العقل الأوربي لم يكن قد تشبع بفكرة التطور قبل ذلك التاريخ بكثير. فالمعروف أن المفكرين الأوربيين توصلوا في ذروة عصر التنوير إلى مفهوم عن التقدم لا يخص الإنسان وحده، وانما يتسع ليشمل المجرى الكوني بكامله، والحق أن "ظهور علوم الحياة عزز من ترسيخ فكر التطور المذكورة، وتوجيهها وجهة جديدة، فالمبادئ الآلية التي كانت تعتمد في التفسير في العلوم الطبيعية، أخذت تغزو علوم الحياة، وقد كانت هذه نقطة تحول خطيرة سيكون لها تأثير كبير على علم الإنسان. ذلك أن العضويات الحية أصبح ينظر اليها، نتيجة للكشوف الجديدة في علوم الجيولوجيا والاجنة وفيزيولوجيا النبات والحيوان والكيمياء العضوية وغيرها، على أنها آلات كمياوية قوامها الرئيسي مادة صمغية تمتلك خاصية المحافظة على ذاتها، وتوليد ذاتها من جديد، أي أنها تتطور، ولم يعد الفارق بين المادة الحية وغير الحية فارقاً في النوع، وانما في درجة التعقيد في التركيب، مما ترتب عليه أن لا تظل مسألة تكون الإنسان تكوناً كاملاً منذ البداية مسلمة إيمانية لا تقبل النقاش"([17]).

ووجه الخطورة في ذلك التحول هو ان التفسير الجديد للخلق–كما يقول د.حامد خليل- ستنشأ عنه – إن صح- مشكلات خطيرة تتعلق بأصل الإنسان ومصيره وعلاقته بالكون، والأهم من ذلك أنه سيلقي ظلالا من الشك جديدة ومدعمة بالحجج العلمية على مسألة الخطيئة والسقوط التي ظلت تشكل جوهر الايمان المسيحي قروناً طويلة.

أما بالنسبة إلى الحادثة الثانية، الثورة الصناعية الكبرى، فاننا نقول إن اضطراب المجتمع الصناعي الجديد جعل أمر تنظيمه وتوجيهه وجهة عقلانية، الوجه الآخر لفلسفة القرن التاسع عشر، فالواقع الاجتماعي الجديد الذي أفضت اليه الثورة المذكورة، والتفسير المتسارع المستمر الذي رافقها في حقل العلوم التطبيقية، والتحول الذي طرأ على حياة الإنسان من جراء استعمال الاختراعات الجديدة – كل ذلك اوضح للاوربيين ان الحضارة تمر بعملية شاملة من اعادة التنظيم.

كذلك أدى التغير المذكور إلى ان تصبح الفكرة القائلة بأن الإنسان عضو يؤثر في محيطه ويتأثر هو به، فكرة مركزية، وايضاً إلى التشديد على الدور التاريخي الذي يلعبه ذلك الإنسان في مضمار التغير الاجتماعي، أو الذي يجب أن يلعبه، ان كان لا بد لتلك التغيرات من أن تنتهي إلى شيء ذي قيمة"([18]).

وهنا بالضبط، تجلى الدور المعرفي العقلاني والمادي الطليعي لفلاسفة المانيا في تلك المرحلة عموماً، وفلسفة كانط وهيجل وشوبنهاور وفيورباخ خصوصاً.

أخيراً، لابد من التأكيد على أن الربط المحكم بين التفكير العلمي والتغيير الاجتماعي هو – كما يقول بحق د. هشام غصيب- "سمة مميزة لعقيدة التنوير، سواء في شكلها البرجوازي الثوري القديم، الشكل الذي تبلّر على أيدي برونو وميكافيلي وبيكون وغاليليو وديكارت وهوبز ولوك وسبينوزا والماديين الفرنسيين وفولتير وروسو والمثاليين الألمان، أو في شكلها العمالي الثوري الحديث الممثل بماركس وإنغلز، بل يمكن القول إن جوهر مشروع التنوير يكمن في هذا الربط المحكم بين التفكير العلمي والتحول الاجتماعي"([19]).

والسؤال الجوهري كما يطرحه هنا د. غصيب: " بأي معنى يرتبط التفكير العلمي بالتغيير الاجتماعي في عقيدة التنوير؟، يجيب عليه قائلاً:  إن عقيدة التنوير تؤكد على أن العلاقة بين الطرفين علاقة جدلية، أي ضرورية وتبادلية، فلا معنى للتغيير الاجتماعي من دون التفكير العلمي"([20]).

أما الملاحظة الثانية فهي أن "هناك ارتباطاً جدليا ضروريا بين التفكير العلمي والإنتاج الاجتماعي. ذلك إن كل إنتاج اجتماعي يستلزم معرفة وينطوي على معرفة، لقد شكلت ولادة التفكير العلمي زلزالاً عاصفا في الوعي الاجتماعي ما زلنا نعيشه ونلحظ تعاظمه. إن التفكير العلمي إذاً ثورة دائمة في حياة البشر في الحقبة الحديثة يقلبها باستمرار رأساً على عقب. وهو ليس ممارسة ذهنية محضة يمارسها نفر من الموهوبين والعباقرة في كل زمان ومكان في أبراجهم العاجية خارج إطار المؤسسات والتيارات الاجتماعية المتلاطمة. كما إنه ليس حكراً على عرق معين، حيث إن إمكانيته مكتوبة في بنية الدماغ البشري.

وبالتالي فإن التفكير العلمي بحكم تكوينه الداخلي يدخل في تصادم مع جميع العقائد الدينية والفلسفية، بما في ذلك عقيدة التنوير التي يشكل أساسها. لكن صدامه مع عقيدة التنوير ليس تناحريا. إنه أقرب إلى التوتر الخلاق منه إلى التناحر، وعلينا ألا ننسى هنا أن إحدى الوظائف الرئيسية لعقيدة التنوير هي حماية العلم من الآيديولوجيا اللاعقلانية والدفاع عنه"([21]).

أخيراً، أشير إلى أن "الفلسفة الغربية البرجوازية في مرحلة صعود البرجوازية الغربية تمثلت في ثلاثة تيارات رئيسية: دين العقل (العقلانية المثالية)، والمادية (العقلانية المادية)، والتجريبية، ولم تكن هذه التيارات معزولة عن بعضها، وإنما قامت بينها تقاطعات متواصلة وتفاعلات تناحرية مريرة، وبالطبع، فإن التيارات الثلاثة الرئيسية المذكورة جميعاً كانت مرتبطة بصورة جوهرية بنشوء الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والجيولوجيا، وبتطورات هذه العلوم وإزدهار الرياضيات، ولكن برغم روح التناحر التي سادت العلاقة بين هذه التيارات، إلا أن هذه التيارات كانت ضرورية لبعضها، وكانت تعمل على تعميق بعضها، وكان كل تيار يغذي كل تيار آخر بما كان ينقصه، ويوسع إطاره، لقد كان تناحراً صحياً بكل ما في الكلمة من معنى، أما القاسم المشترك الأكبر بينها، فقد كانت العلمانية، أي عملية علمنة الفكر والوعي، إذ يمكن فهم مسيرة الفكر الغربي في مرحلة صعود البرجوازية على أنها مسيرة علمنة هذا الفكر.

لكن الماديين أدركوا أن هذه المسيرة لا يمكن أن تكتمل بالمثالية، فالمثالية تعيد إنتاج الدين بصورة جديدة. وهي تفرض حدوداً على العلمنة تحول دون إكمال مسيرتها.

لذلك رأوا أن عليهم أن يوجهوا نقداً ماديا مفصلاً للعقلانية المثالية (دين العقل)، وهذا ما انبرى إلى فعله الماديون في جماعة الهيغليين الشبان، وفي مقدمتهم فويرباخ وماركس وإنغلز.

لقد وضع أولئك الماديون نصب أعينهم استكمال مسيرة علمنة الفكر بتحرير هذه المسيرة من قيود المثالية، وتطوير المادية بما يمكنها من أداء هذه المهمة وغيرها من المهمات التنموية والتقدمية الكبرى"([22]).

فقد بدأ لودفيغ فويرباخ ذلك باعتبار دين العقل الهيغلي استمراراً للاغتراب الديني، أي اعتبره إسقاطاً اغترابيا للطبيعة البشرية، ودعا فويرباخ إلى التغلب على هذا الاغتراب بإعادة العقل المطلق إلى حيث ينتمي فعلاً، إلى عقل الإنسان وقلبه.

وبهذا النقد المادي المحكم لهيغل وفويرباخ، أفلح ماركس بالفعل في إكمال مسيرة علمنة الفكر، التي ابتدأت مع بيكون وديكارت، وفي إرساء دعائم فهم الإنسان نفسه علمياً وثورياً.

أجل! لقد اكتمل مشروع التنوير واكتملت مسيرة علمنة الفكر بماركس وإنغلز، بالمادية الجدلية، التي جاءت حلاً للتناقضات الرئيسية بين التيارات الرئيسية الثلاثة لفكر البرجوازية الثورية في مرحلة صعودها: دين العقل، والمادية، والتجريبية"([23]).

ثانياً: عصر الحداثة

ما هي الحداثة؟

الحداثة هي ذلك الانقلاب الفكري الذي حصل في أوروبا منذ القرن السادس عشر، وانتشر وترسخ في القرن الثامن عشر معلناً ميلاد عصر النهضة والتنوير العقلاني، الذي جاء نتيجة للتراكمات والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والفلسفية، التي كان لها تأثيرها المباشر في إطلاق شعار النهضة الأوروبية الرئيسي بمضمونه الذي أكد على فصل الدين عن الدولة والسياسة، وإزاحة الكنيسة من عقول الناس في أوروبا.

نشأة الحداثة:

تاريخياً، يمكن القول أن الحداثة قد بدأت مع بزوغ عصر النهضة، بعد أن فقدت الكنيسة تأثيرها على عقول الناس في أوروبا، وبعد ادراك مادية الطبيعة ومحورية الإنسان عبر التفكير العقلاني المستنير، إلى جانب اكتشاف قيمة الفرد بوصفه ذاتاً خلاقة، مما اضاف عنصراً أساسياً من عناصر الحداثة، فالفرد وفق الحداثة تنبع قيمته من ذاته لا  من ملّته ولا من قبيلته، وتلك هي القيمة الجوهرية للتطورات والمتغيرات التي أصابت أوروبا وأدت إلى اشتعال الثورات البرجوازية التي انهت سيطرة الكنيسة على عقول الناس، ومن ثم قضت على النظام الاقطاعي القديم الذي ساد عبر أفكاره الرجعية في أرجاء أوروبا طوال أكثر من 1200 عام منذ القرن الخامس الميلادي حتى القرن السابع عشر.

من هنا، "كان نجاح الثورات السياسية البرجوازية في هولندا في مطلع القرن السابع عشر ، وفي بريطانيا من 1641 -1688 ، ثم الثورة الفرنسية الكبرى في القرن الثامن عشر (1789)، بمثابة الإعلان الحقيقي لميلاد عصر النهضة والتنوير أو عصر الحداثة، ففي هذا العصر انتقلت أوروبا الغربية من مجتمع الطبيعة المحكوم بنظرية الحق الإلهي إلى المجتمع المدني، مجتمع الديمقراطية والثورة العلمية الكبرى التي أحدثت زلزالاً في الفكر الأوروبي الحديث كان من نتائجه الرئيسية" انتقال موضوع الفلسفة من العلاقة بين الله والعالم، إلى العلاقة بين الإنسان والعالم وبين العقل والمادة.

بهذه الثورات حققت أوروبا الغربية انتقالها التحديثي من مجتمع الطبيعة إلى المجتمع المدني. وبالطبع، فقد أدت هذه الثورات جميعاً دوراً في بناء فكر الحداثة، ومن ثم رفض قدسية الأفكار ووضعها جميعا ضمن دائرة الشك المنهجي والتحليل والاختبار.

إن أبرز سمات الحداثة أو هذه العقيدة الجديدة هي:

  1. المادية، أي اعتبار الطبيعة كيانا مادياً مستقلا وقائماً في ذاته، تحكمه مبادئ وقوانين ونظم قابلة لأن تُعْرَف، واعتبار الإنسان جزءاً من الطبيعة؛
  2.  الروح النقدي المتواصل، أي رفض سلطة المألوف وسلطة السلف وسلطة الغيب، ونزع هالة القدسية عن الأشياء والعلاقات، والالتزام بالعقل العلمي سلطة رئيسية للأحكام.
  3. الثورية، أي إدراك تاريخية الطبيعة والمجتمع البشري، وإدراك الذات المدركة بصفتها قوة اجتماعية في مناخ من الحرية والديمقراطية.
  4. اللاغيبية التي تصل أوجها في العلمانية.
  5.  اعتبار المعرفة العلمية قيمة قائمة في ذاتها ومطلقة الاستقلالية. فهي لا تقبل أي سلطة أو قيد يفرض عليها من خارجها.
  6. الإنسانوية، أي الإيمان بالإنسان وقدرته الخلاقة واستقلاليته وحريته الذاتية واعتباره مصدراً وأساساً لكل قيمة.

إن ما يميز العصر الأوروبي الحديث –كما يقول د. صادق العظم- "هو هذا الاتحاد العضوي الفريد الذي تم – على مراحل طبعاً، ولكن للمرة الأولى في تاريخ الانسانية – بين المصالح الحيوية للطبقات التجارية الصاعدة وبين الاكتشافات العلمية والاختراعات التقنية والميكانيكية الجديدة، وأريد ان أشير هنا إلى صيرورة تاريخية معينة في تطور أوروبا الحديثة أدت إلى ربط المعرفة العلمية – قديمها وجديدها – نهائياً بطرائق البورجوازية الأوروبية الصاعدة في إنتاج الثروة ومراكمتها.

لقد بزغت إمكانية تحويل التقدم العلمي والتقني بصورة منتظمة ومدروسة إلى رأسمال من ناحية، كما بزغت إمكانية قيام الرأسمال في البحث المنتظم والمدروس عن المزيد من التقدم العلمي والتقني من ناحية ثانية، أي َأن  للرأسمال مصلحة حيوية في العلم، كما أصبح للتقدم العلمي مصلحة لا تقل حيوية في الرأسمال، وهذه دينامية حضارية جديدة تماماً لم يعرفها الإنسان من قبل، على الرغم من أن حضاراته السابقة عرفت كُلاً من التجارة والصناعة والرأسمال والعلم والتقنية، وقد برهن هذا المزيج الجديد أنه طاقة متفجرة هائلة إلى أبعد الحدود، مَدَمِّرة وخلاقة في وقت واحد، وهذه الطاقة هي التي صنعت ما يسمى بالحداثة وشكلت العالم الحديث وقضت على القديم"([24]).

فالبورجوازية "اكتشفت الطاقة الهائلة المختزنة في الأنانية وعبأتها وقننتها واستخدمتها لإعادة صياغة الإنسان الأوروبي (وفيما بعد غير الأوروبي أيضاً) على صورتها وشاكلتها ووفقاً لمصالحها، والعلم الحديث اكتشف الطاقات الهائلة المختزلة في الطبيعة فعبأها وقننها ووظفها في الاتجاه ذاته فكانت هذه الحضارة الفاوستية، وشعارها المعرفة قوة، المتخطية لنفسها باستمرار"([25]).

ويستطرد د. العظم قائلاً: "بدقة أكبر، ان احتلال العالم هذا الموقع الحيوي والحاسم في حياة الحضارة الرأسمالية الناشئة وتقدمها، أثَّر أعظم تأثير على تشكيل الفلسفة الحديثة، وعلى إعادة صياغة الفلسفة الموروثة وعلى مجمل الصراعات والتطورات الفلسفية منذ عصر النهضة، وهذا تماماً ما تهمله تواريخ الفلسفة إهمالاً كاملاً تقريباً، ذلك إن تأثير العلم من موقعه الجديد وردود الفعل عليه يبرزان بنصاعة في الأونطولوجيا (الوجود) والابستمولوجيا (المعرفة) الحديثتين، اما تأثير المصالح الحيوية للطبقات التجارية، وتأثير القيم التي حملتها وقاتلت من أجلها، فنجده صارخاً في الشق الآخر من الفلسفة الحديثة، أي الشق الذي يعالج عادة موضوعات مثل: السياسة، الأخلاق، الاجتماع، الانسان.. إلخ"([26]).

إذن الحداثة بالمعنى النبيل والقوي للكلمة هي وليدة هذه الحركة التحريرية العقلانية والتجريبية النهضوية الهائلة التي كشفت عن تاريخية كل ما كان يقدم نفسه وكأنه مقدس، معصوم، يقف فوق التاريخ. هنا يكمن جوهر الحداثة ولبُهُّا.. فلا حداثة بدون تعرية، بدون تفكيك لموروث الماضي.

أنواع الحداثة:

هناك أولاً: الحداثة المادية أو العلمية والتكنولوجية، الحريات الفردية، وعدم الخوف المرعب من المجتمع أو من الطغاة والحكام.

وهناك ثانياً: الحداثة الفلسفية المرتبطة بالأولى، والدليل على ذلك، هذه العبارة التي انتشرت في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر: لولا نيوتن لما كان كانط. والمقصود بذلك أنه لولا الاكتشافات العلمية الهائلة لإسحاق نيوتن لما استطاع فيلسوف الألمان أن يُشَكِّل أكبر فلسفة في العصور الحديثة، وبالتالي فَتَقَدُّم الفلسفة العقلانية مرتبط بتقدم العلم الفيزيائي واكتشاف قوانين الطبيعة والكون.

وهناك ثالثاً: الحداثة الاقتصادية التي قضت على المجاعات الكبرى داخل النطاق الأوروبي ورفعت مستوى المعيشة للطبقات الوسطى وعموم الشعب.

وهناك رابعاً: الحداثة السياسية المتمثلة بالثورات الثلاث المشار إليها: الإنجليزية (1680م)، فالأمريكية (1776م)، فالفرنسية (1789م). فبعدها "دخلنا في عصر الديمقراطية والليبرالية وحقوق الإنسان، وسيادة الشعب، والتناوب على السلطة، ووجود الأغلبية والمعارضة"([27])، ولكن ضمن إطار النظام الرأسمالي والمصالح البورجوازية.

وهناك خامساً: الحداثة الدينية، التي ارتبطت بعملية الإصلاح الديني، الذي أدى إلى تخفيف أعباء التراث وأثقاله عن كاهل الإنسان المسيحي في أوروبا، فانطلق بعدئذ لفتح العالم وتحقيق ذاته على الأرض، ثم جاء التنوير بعده.

وهناك سادساً: الحداثة الأدبية أو الشعرية، فقد تخلص الشعراء من قيود الأوزان والقوافي التقليدية([28]).

وبالتالي فالحداثة هي مشروع تحرري على الأصعدة والمستويات كافة، ففي ضوء الحداثة والتنوير دخلت أوروبا إلى عصر الليبرالية وحرية الرأي والمعتقد وحقوق الإنسان والمواطنة والديمقراطية، حيث أشرقت روح الحداثة بكل بهائها –كما يقول د. هشام غصيب- "معلنة شعار التنوير بجلاء: العقل والحرية؛ عقل حر وحرية عاقلة؛ العقل يحرر حامله من قيود الطبيعة، بما في ذلك طبيعته".

إن المرجعية الأساسية للإنسان –وفق جواهر الحداثة- هي "العقل، لا النص ولا الغيب؛ العقل بصفته إرادة الحرية، بصفته أداة الكشف عن مكنونات الطبيعة وإعادة خلقها إنسانيا بما يحقق ويضمن حرية الإنسان من قيودها، هذا ما أعلنه بجلاء مؤسسو الحداثة منذ البداية: برونو وغاليليو وميكافيلي وبيكون وهوبز وديكارت"([29]).

وفي هذا السياق، أشير إلى أن الليبرالية هي وليدة الحداثة، إذ ان " الليبرالية ترتكز في الفكر الغربي كتنظير على فلسفة الإنجليزي جون لوك (1632-1704) فهو الأب الحقيقي والشرعي للفكرة، وإذا كان لوك يمثّل وجهها السياسي، من خلال نصوصه، فإنّ آدم سميث (1723-1790) يُمثّل وجهها الاقتصادي من خلال كتابه ثروة الأمم، وتقترن الليبراليّة بوجه عام بفكرة الحريّة والفرديّة وامتلاك الإنسان لزمام أموره، وبنبذ أيّ سلطة بإمكانها التحكّم في رقاب الناس مهما كانت طبيعتها"([30]).

إذن، الأساس الذي تقوم عليه فكرة الحداثة هو العقل والعقلانية، فالعقل المتحرر من كل سلطان هو معيار أهل الحداثة، بل هو السلطان الحاكم على الأشياء، والحداثة بهذا المعنى إما ان تكون شاملة، كلية، وإما لا تكون، فلا يمكن الفصل بين الحداثة الدينية، والحداثة العلمية، والحداثة الفلسفية، والحداثة الصناعية أو التكنولوجية، والحداثة السياسية، بل وحتى الحداثة الشعرية أو الأدبية والفنية، إنها كل ذلك دفعة واحدة على الرغم من اختلاف هذه المجالات أو تمايزها عن بعضها البعض إلى حد ما، ولكنها كلها ناتجة عن انطلاقة واحدة من اجل حرية الإنسان وتحقيق ذاته الإنسانية على هذه الأرض بعيداً عن كل أشكال الإرهاب الفكري والأمني وعن كل أشكال الاستبداد والاستدعاءات والرقابة.

وهنا لا بد لنا من "تأكيد الدور الأساسي للعقل في منظومة المعرفة (الابستومولوجيا) الحداثية، وذلك لأنه مصدر الحدس والبديهة التي هي - كما يقول ديكارت- أساس الأفكار الواضحة والمتميزة والصحيحة، الأمر الذي أدى إلى الاعتقاد بالعقلانية الموضوعية للحقيقة والثقة بقدرة الإنسان على اكتساب معرفة بالنظام التأسيسي للكون"([31]).

أخيراً، إن التنوير والحداثة، هما إعلان مرحلة جديدة من التطور البشري، استطاع الإنسان من خلالها أنَ يَخرج من قصوره الذاتي، ويجرؤ على استعمال عقله بعيدا عن كل خضوع ووصاية للأنماط والأفكار الدينية الرجعية والغيبية.

 

 

 

([1])  إسماعيل مظهر – نزعة الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر- موقع: هنداوي – عام 2017.

([2])  ميدل إيست أونلاين – فكر الأنوار الأوروبي (1/ 2 ) – 29/1/2015.

([3]) السيد ولد أباه – التاريخ والحقيقة لدى ميشال فوكو – دار المنتخب العربي – الطبعة الأولى – 1994 – ص 96

([4]) هاشم صالح – من الحداثة إلى العولمة .. رحلة في الفكر الغربي – المجلة العربية - الطبعة الأولى – 2010م -  ص 235

([5]) د. خديجة زنتيلي – حوار مع فاطمة الفلاحي (بؤرة ضوء) – الحوار المتمدن – 20/5/2017

 ([6])غنارسكيربك و نلز غيلجي – تاريخ الفكر الغربي .. من اليونان القديمة إلى القرن العشرين – ترجمة: د.حيدر حاج إسماعيل – مركز دراسات الوحدة العربية – الطبعة الأولى ، بيروت، نيسان (ابريل) 2012- ص 515

([7]) المرجع نفسه - ص  516

([8])ول ديورانت –  مرجع سبق ذكره –قصة الحضارة "أوروبا الوسطى"– المجلد التاسع عشر (37/ 38) - الفصل الثامن عشر - مكتبة الأسرة – القاهرة – 2001 -ص  4

([9]) حامد خليل – مشكلات فلسفية – الطبعة الثالثة – دار الكتاب – دمشق – 1989/1990 م  -  ص 151

([10])غنارسكيربك و نلز غيلجي - مرجع سبق ذكره - ص  521

([11])  ميدل إيست أونلاين – فكر الأنوار الأوروبي (2/ 2 ) – 29/1/2015.

([12])حامد خليل – مرجع سبق ذكره  - مشكلات فلسفية -  ص152/153

([13])موجز تاريخ الفلسفة – جماعة من الأساتذة السوفيات – تعريب: توفيق ابراهيم سلوم – دار الفارابي – طبعة ثالثة (1979 م) –ص 310

([14]) المرجع نفسه –ص 311

([15]) حامد خليل – مشكلات فلسفية – الطبعة الثالثة – دار الكتاب – دمشق – 1989/1990 م -  ص 177

([16]) المرجع نفسه - ص 177

([17]) المرجع نفسه - ص179- 180

([18]) المرجع نفسه - ص 181

([19]) د. هشام غصيب – التفكير العلمي والتغيير الاجتماعي – الحوار المتمدن – 3/8/2012.

([20]) المرجع نفسه .

([21]) المرجع نفسه.

([22]) د. هشام غصيب – من الفلسفة إلى الثورة – الحوار المتمدن – 18 / 9 /2011.

([23]) المرجع نفسه.

([24]) د. صادق جلال العظم – دفاعاً عن المادية والتاريخ – دار الفكر الجديد – بيروت – الطبعة الأولى 1990 –ص 32

([25]) المرجع نفسه - ص 32

([26]) المرجع نفسه – ص 33

([27]) هاشم صالح –من الحداثة إلى العولمة .. رحلة في الفكر الغربي– المجلة العربية - الطبعة الأولى – 2010م - ص 14

([28]) المرجع نفسه - ص 14

([29]) د.هشام غصيب – نقد العقل الجدلي – الناشر: التنوير – بيروت – 2011  - ص347

([30]) د. خديجة زنتيلي – حوار مع فاطمة الفلاحي (بؤرة ضوء) – الحوار المتمدن – 17/8/2017

([31]) أماني أبو رحمة – التحولات الفلسفية نحو بعد ما بعد الحداثة – موقع: لغو – الانترنت.