استقطبت الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وللمرة الثانية، أنظار العالم الرسمي وغير الرسمي؛ كانت الأولى عندما خاض أوباما الانتخابات كمرشح للحزب الديمقراطي ضد منافسه الجمهوري، وجاءت الثانية مع خوض جو بايدن مرشح الحزب الديمقراطي ونائب الرئيس السابق أوباما، ضد الرئيس الجمهوري الذي يدافع عن حظه في ولاية رئاسية ثانية.
في المرة الأولى كانت نبرة النقاش ترتفع وتتسع ساحته، كلما أظهرت استطلاعات الرأي أن أوباما أقرب إلى الفوز من منافسه، وكان النقاش يتركز حول أمريكيا التي تتغير لتكون أكثر إنسانية وديمقراطية، في ظل تقبلها بأن تحكم من قبل رجل من أصول إفريقية قحة، مضاف إليه انحداره من صلب رجل مسلم، بكل ما ترتب على ذلك من مراهنات على التغيير نحو الأفضل، خاصة تجاه العالم العربي والإسلامي. وفي المرة الثانية كانت نبرة النقاش ترتفع وتتسع أيضًا، كلما أظهرت استطلاعات الرأي أن المرشح الديمقراطي يتقدم على منافسه الجمهوري، ليس لأنه الأفضل وإنما انتقامًا من الرئيس الجمهوري المتجبر والمتكبر، صاحب قائمة الأوصاف السيئة الأطول على مستوى رؤساء العالم. وكان المضمون الأكثر إثارة في النقاش الدائر هنا وهناك، يتمثل في دهشة الاكتشاف، بأن أمريكيا تكاد تشبهنا ــ أقصد عالمنا العربي ــ وأن ديمقراطيتها التي خلبت بها أبصار وعقول الكثيرين مجرد أكذوبة، خاصة وأن الرئيس السابق وعلى الرغم مما أفرزته صناديق الاقتراع؛ إلا أنه يرفض الاعتراف بها، ويلوح بالالتصاق بكرسيه لأربعة سنوات قادمة. ولأن ذلك يندرج في سياق ما يشبه المستحيل، فإن التفكير يجب أن ينصب على ما يمكن أن يقوم به خلفه على ضوء الإرث الذي أمامه، بملفاته الكثيرة والمتعددة.
هذا المقال محاولة لاستشراف حدود التصريف السياسي للملف الصيني والإيراني والفلسطيني، من بين ملفات عديدة، سيجدها جو بايدن على مكتبه لحظة البدء بممارسة صلاحياته الرئاسية.
أولًا/ إرث ترامب الثقيل
المفارقة الأهم بين اللحظتين اللتين بدأنا بهما المقارنة، أن أمريكيا بغالبيتها العظمى توحدت حول أوباما، إلى درجة أن مروره إلى فترة رئاسية ثانية، قد تم كسكين في قطعة جبن بسهولة وبلا ضجيج، أما بالنسبة لمحاولة الرئيس ترامب الفوز بفترة رئاسية ثانية، فقد انقسمت أمريكيا على نفسها؛ 70 مليون أمريكي معه و76 مليون عليه، هذا الانقسام العميق بما يتراكم على حوافه من اصطفاف عنصري، ووضع اقتصادي صعب وصحي مريع جراء إلغاء الرئيس الجمهوري لقانون التامين الصحي الذي يُعد أحد إنجازات أوباما، ومداهمة الوباء بدون سابق انذار وجاهزية للمواجهة، هو إرث ترامب الثقيل الذي تركه لبايدن، لكي يحمله على كتفيه ويصعد به جبلًا عاليًا قمته مغلفة بضباب كثيف، وهو الوتد المدقوق الذي ستربط إليه رجلي بايدن طوال السنوات الأربع القادمة التي لا يمكن التكهن بملامحها؛ إلا من خلال وعي ثقل هذا الوتد. أما الجانب الآخر من الإرث الثقيل الذي تركه ترامب، فيرتبط بالسياسة الخارجية، ويتمثل في حالة عداء مع كل العالم تقريبًا؛ اشتباك مع المنظمات الدولية إلى حد الانسحاب منها، وبما يتناقض مع لحظة الهيمنة الأمريكية التي كانت تؤكد سطوتها على العالم من خلال توظيف، تلك المنظمات لمصلحة سياستها الخارجية؛ اشتباك مع الصين الند الاقتصادي الصاعد، بلا تردد نحو التربع على سدة القوة الاقتصادية الأولى في العالم؛ اشتباك مع الحلفاء الأوربيين؛ قرارات تتناقض مع قرارات أمريكية سابقة، بشأن القضية الفلسطينية؛ تدخل سافر في شؤون أمريكا الجنوبية؛ قوات منتشرة في أكثر من مكان في العالم تخوض معارك غير قابلة للحسم، والقائمة تطول، تلك هي إضافة إلى الوتد ساقية بايدن التي سيدور بها مرغمًا مستنزفًا أغلب طاقته وجهده.
ثانيًا/ بايدن وعقب أخيل
السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه، ماهي أولويات بايدن على ضوء هذا الإرث؟ أيهما أحق بالبدء في المعالجة الإرث الداخلي أم الخارجي؟ أم التصدي للقضايا الداخلية والخارجية في ذات الوقت؟ المنطق يقول أن دولة عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، لا تستطيع إدارة ظهرها لما يحدث في العالم، ولا يمكنها أن تكون، بلا سياسة خارجية فاعلة؟ والمنطق يقول أيضًا أن الفاعلية في السياسة والساحة الخارجية هي امتداد لوضع داخلي ينضوي على درجة من التناسق والتماسك والتوحد؟ بما يعنيه ذلك أن أمة منقسمة على نفسها، من الصعوبة أن يكون لها حضورًا دوليًا قويًا وفاعلًا في الساحة الخارجية.
والتجربة التاريخية تقول أيضًا أن الدول الإمبريالية بطبيعتها الفاشية، كثيرًا ما تهرب من أزماتها الداخلية، إلى اشعال الحروب الخارجية، لكن اللجوء إلى هذا النمط من المغامرات، يحتاج أيضًا إلى اصطفاف داخلي، مقبول حول الزمرة الحاكمة المدعومة من قبل الاوليغارشية المالية، وحالة الانقسام الأمريكي العميقة تنفي ذلك الاصطفاف. من المؤكد أن بايدن وأمام هذه التحديات الداخلية والخارجية، لن يقضي سنواته الأربعة ليتأمل زهور حديقة البيت الأبيض فقط، وإنما عليه أن يفعل شيئًا، ويقدم حلولًا لمشاكل كثيره، حسب وعده لناخبيه. وفي هذا الصدد، سيكون التركيز الأول والأساس على الوضع الداخلي الذي ينضوي على ممكنات انفجار كثيرة وخطرة، بالتوافق مع الانكباب على الملفات الخارجية، وفي هذا الصدد، ستتقدم ثلاثة ملفات على غيرها، وهي الملف الإيراني والصيني والفلسطيني، وهي ملفات تتميز بتماسها مع الوضع الداخلي الأمريكي بشكل شديد بما يعنيه ذلك من أن الانكباب عليها في جوهره جزءًا من الانكباب على معالجة القضايا الداخلية، مع وجود فروق بين واحد والأخر، بما يستدعي اختلاف في طريقة التعامل.
ثانيًا/ الملف الإيراني والصيني: لا مواجهة ولا مهادنة
يرتبط هذان الملفان بالوضع الداخلي الأمريكي باليتين مختلفتين؛ فالملف الصيني يطرح تحديًا اقتصاديًا، يتعلق بشكل مباشر بقضايا اقتصادية داخلية من ناحية، وبمستقبل موقع أمريكا الاقتصادي على خريطة العالم من ناحية ثانية، بكل ما يرتبط بذلك من إجراءات حمائية داخلية، واحتكاك خشن في منطقة جنوب شرق أسيا بشكل مباشر وفي مناطق أخرى من العالم بشكل غير مباشر. أما الملف الايراني فهو يرتبط في عمقه بعقلية الهيمنة الأمريكية التي لا تتخيل أن دولة من عالم تعتبره ثالثًا، يمكن لها أن تتقدم وتتطور على المستوى التكنولوجي، خاصة وأن السياسة الخارجية لهذه الدولة تمضي على خط نقيض للسياسة الأمريكية، بكل ما يتعلق بها من قضايا، وفي المقدمة منها الموقف الإيراني من إسرائيل ووقوفها إلى جانب القوى التي تقاومها، بما يعنيه ذلك من ارتباط هذا الملف، وفي هذه الزاوية تحديدًا بمؤيدي إسرائيل في أمريكيا، وبحلفائها في المنطقة؛ الأمر الذي يجعل من كيفية معالجة هذا الملف، إحدى وسائل توسيع قاعدة مؤيدي بايدن أو تضييقها، خاصة وأن وجود صيغة سابقة للمعالجة، تمثلت في الاتفاق النووي الذي أُبرم في عهد أوباما، ليأتي ترامب وينقضه، تطرح إمكانية أن تكون المعالجة بطريقة العودة للاتفاق. وبالنتيجة إدارة الظهر لإسرائيل والقوى الرجعية الخليجية تحديدًا أو المضي على ذات الطريق الذي رسمه ترامب والانجرار خلف الخيارات الإسرائيلية والخليجية.
من الواضح، أن الخيار المطروح أمام إدارة بايدن لمعالجة، أي من الملفين الصيني والإيراني، هي خيارات حدية، المواجهة أو المهادنة، وتحمل دفع الثمن المترتب على أي منهما، لكن الأرجح وارتباطًا بالوضع الداخلي الأمريكي أن خيارًا ثالثًا يبرز وهو الأكثر ترجيحًا، ويتمثل في خيار ممارسة الضغط العالي على البلدين، بما يتجاوز حد المهادنة، ودون الوصول الى حد المواجهة السافرة، بهدف خلق حالة اشغال وإرباك لكل من الصين وإيران؛ الأمر الذي يوفر مساحة من الزمن تسمح بالانكباب على معالجة الأوضاع الداخلية المرتبكة، إضافة إلى أن ذلك يشكل آلية إرضاء لقطاعات أمريكية مهمة.
ثالثًا/ الملف الفلسطيني: بايدن وجني ثمار ترامب المسمومة
من أجل استشراف الكيفية التي سيتعامل بها الرئيس الأمريكي الجديد مع الملف الفلسطيني ـــ الإسرائيلي، من الضروري الانتباه إلى ثلاثة قضايا هي:
1 ــ أن الرئيس بايدن يشكل امتدادًا لسلفه ترامب في دعمه وانحيازه لإسرائيل؛ فترامب يدعمها من خلفيه دينية انجيلية، وبايدن يدعمها من خلفية صهيونية سياسية.
2 ــ أن ترامب قد ساعد إسرائيل في تحقيق ثلاثة قضايا هامة، أولها تعميق الميل فيما يخص الملف الفلسطيني إلى صالحها، وثانيًا مراكمة مجموعة من الضغوط القصوى على القيادة الفلسطينية، وثالثها دفع مجموعة من الدول العربية للتطبيع معها، وتيسير السبيل لتموضع صهيوني جديد في المنطقة.
3 ــ إن القيادة الفلسطينية أقدمت على خطيئة سياسية، بإعادة التواصل مع إسرائيل، بما يعنيه دوران ملف التنسيق الأمني من جديد وغيره من القضايا، وإعادة سفرائها إلى كل من الإمارات و البحرين في توقيت عشوائي وفي لحظة فراغ في الإدارة الأمريكية؛ الأمر الذي يفقدها الحدود الدنيا من القدرة على المساومة والمناورة.
القراءة المدققة لانعكاسات هذه القضايا على الطريقة التي سيعالج بها بايدن هذا الملف، تقود إلى نتيجتين:
1 ــ ان بايدن سيمضي انطلاقًا من عقيدته الصهيونية في دعم إسرائيل، مستفيدًا إلى حد كبير مما قدمه سلفه لها، بما يعنيه ذلك أنه لن يتراجع عما تم إنجازه، وقد أتاح له قرار السلطة الغطاء المناسب، كون القرار في جوهرة يعبر عن حالة رضا، أو لامبالاة عما يجري من حولها؛ الأمر الذي يعفيه من أي حرج، وسيمرر هذ الموقف من خلال إطلاق مجموعة من التصريحات التي تشير إلى قرارات أمريكية سابقة، بخصوص بعض القضايا المتعلقة بالملف، ومن غير المستبعد إعادة الدعم المالي الأمريكي للسلطة وإعادة فتح مكتبها في واشنطن، دون المس بمسار المتغيرات العميقة التي أحدثها سلفه ترامب لصالح إسرائيل، وبهذا التوجه سيرث عن ترامب قاعدته الانتخابية الأساسية الكنيسة الانجيلية، أي إنه سيدعم صهيونيته السياسية بصهيونية دينية توفر له إضافة لقاعدة اللوبي الصهيوني ضمانة لولاية ثانية بعد أربع سنوات.
2 ــ أن إسرائيل تعي ذلك جيدًا، لهذا لا تبدو قلقة من بايدن على الرغم من تفضيلها لترامب، وستحاول الاستفادة من الموقف الأمريكي في تحقيق كثير من المكتسبات، سواء على صعيد تعميق علاقاتها مع دول الخليج إلى الحدود القصوى، وبأبعاد استراتيجية خطيرة يصعب الفكاك منها، والاستفادة من ذلك في توسيع دائرة التطبيع العربي. أما على المستوى الفلسطيني؛ فستعيد طرح فكرة مفاوضات من غير شروط مسبقة، وهي الفكرة التي تجد هوى لدى الإدارة الامريكية الجديدة، بمعنى لا التزامات قديمة ولا جديدة، ومن ناحية أخرى ستراكم وقائع استيطانية واجرائية جديدة على الأرض، وخاصة في القدس ومناطق الاغوار المرشحة للضم، ولن تتحدث كثيرًا في الضم ولا عنه لكنا ستمارسه كحقائق. وبمعنى أدق ستقوم بتنفيذ هادئ لصفقة القرن التي لن يتردد اسمها كثيرًا في وسائل الأعلام، لكنها ستتقدم لتتجسد على الأرض.
خاتمة
إن تركيز الإدارة الامريكية القادمة على معالجة الوضع الداخلي؛ بوصفه أولوية تتقدم على ما عداها، لن يمنعها من الاهتمام بالملفات الخارجية، من أجل الحفاظ على الحضور الأمريكي، لكنها لن تجترح المعجزات في هذا الجانب، خاصة في الملفين الإيراني والصيني، وسيراوح فعلها بين المهادنة والمواجهة فقط؛ من أجل إدامة الاشتغال والإشغال.
أما بالنسبة للملف الفلسطيني، فمن الجلي أنها ستحصد وهي سعيدة ما زرعه الرئيس السابق ترامب الذي سيكون سعيدًا، رغم مرارة الهزيمة، وهو يرى الصفقة التي وعد بها تنفذ على الأرض من غير ضجيج، وعلى أمل أن يحفظ له الإنجيليون الجميل ويصوتون لصالحه في انتخابات 2024 التي يبدو أن لديه النية لخوضها.

