Menu

نشاط الحركة الصهيونية في المغرب: منذ وعد بلفور حتى مجزرة أيلول

التطبيع المغرب التطبيع خيانة.jpg

خاص بوابة الهدف الاخبارية - بقلم / حسن الصعيب / عضو الكتابة الوطنية للنهج الديمقراطي المغربي

انتعشت الحركة الصهيونية في المغرب منذ عهد الحماية، خصوصًا مع الحكومة الفرنسية الثالثة التي عملت على ترجمة وعد بلفور منذ سنة 1918، فسمحت للمنظمات الصهيونية وعبر شبكاتها من التوغل في المغرب والقيام بالدعاية للمشروع الصهيوني، وكان من نتائج ذلك هو تأسيس مجموعة مدارس عبرية في كل من تطوان و طنجة، تحت إشراف الوكالة الدولية للطائفة اليهودية، وخلال ثلاثة عقود استطاعت هذه المدارس ومن دعم الحماية الفرنسية من تشكيل نخب اقتصادية وسياسية وعسكرية، وانطلقت عملية سريعة من تهجير اليهود المغاربة إلى فلسطين، والتي عرفت بعض الفتور خلال الحرب العالمية الثانية ،نتيجة تطبيق قوانين العزل والاضطهاد النازية في عهد حكومة فيشي، وخلال هذه الفترة اكتسبت المؤسسة الملكية شرعية الدفاع عن اليهود المغاربة، إذ كانت للملك محمد الخامس سلطة حمايتهم بصفتهم من أهل الذمة ،فاستطاع تعطيل تلك القوانين، لكن بمجرد هزيمة النازية سنة 1945 وتقسيم دولة فلسطين سنة 1947 بدعم من الامبريالية البريطانية، ثم قيام "دولة إسرائيل" سنة 1948، ستعرف الحركة الصهيونية انتعاشًا كبيرًا؛ من خلال تنظيم عمليات هجرة اليهود المغاربة إلى فلسطين، وعرفت أوجها في فترة ما بعد "الاستقلال". منذ تشكل النظام المغربي سنة 1956، لم يتوانَ عن تسهيل وتشجيع هجرة اليهود المغاربة نحو فلسطين المحتلة؛ منسجمًا مع الدور الذي كانت تقوم به السلطات الاستعمارية إبان الحماية .

لقد تم ترحيل 67000 يهودي مغربي ما بين 1956 و1963، وقد كشف الكاتب "يامويل سيكيف" في كتاب له تحت عنوان: "عملية ياخين"؛ بعض أسرار هذه العملية الخبيثة التي مولتها كل من الوكالة اليهودية ودولة الكيان الصهيوني نفسها، وقام بتنفيذها تنظيم خاص أسسه جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) في المغرب، أطلق عليه أسم "النطاق"(ميزيكرين). هذا الجهاز كان يتمتع بنفوذ كبير داخل الأجهزة المغربية، لدرجة أنه تمكن من وضع خطة لاغتيال الرئيس جمال عبد الناصر عندما كان هذا الأخير في زيارة رسمية للمغرب، في شهر يناير من سنة 1963، في مهمة لرأب الصدع بين المغرب والجزائر على إثر تداعيات حرب الرمال بين البلدين.

وفي إطار ترميم النظام لهياكله في مطلع الستينيات؛ مستغلًا بذلك الحماس الوطني الشعبي، استطاع أن يستأذن المخابرات الإسرائيلية لمساعدته في إنجاز هذه المهمة، وقد بلغ هذا التنسيق ذروته، حينما تم التخطيط لاختطاف واغتيال الشهيد المهدي بن بركة في نهاية شهر أكتوبر، ويؤكد محرري الصحيفة البريطانية "ديلي ميل" أن وزير الداخلية المغربي آنذاك، الجنرال أفقير< طلب من مدير الموساد "مايير أميت" تحضير الشروط الضرورية والفورية لنجاح عملية الاختطاف، ومن المعروف أن الشهيد كان يقوم بنشاط سياسي فائق لدعم القضية الفلسطينية وتنسيق مواقف ونضالات حركات التحرر في القارات الثلاث ضد الصهيونية والعنصرية والامبريالية الأمريكية، كما بذل مجهودًا جبارًا؛ من أجل دراسة وفضح طبيعة وأهدف "إسرائيل" التوسعية، خاصة في إفريقيا، حيث أعد تقريرًا شاملًا حول "إسرائيل في إفريقيا"؛ قدمه في ندوة فلسطين العالمية التي انعقدت في القاهرة من 30 مارس إلى 6أيريل 1965.

خلال حرب 67، سمح للبواخر الإسرائيلية لكي تتزود في الموانئ المغربية، كمحطة لعبور نشاطاتها العدوانية ضد البلدان العربية، كما كانت القواعد العسكرية الأمريكية القائمة في المغرب؛ تزود أيضًا العدو الصهيوني بالعتاد والذخيرة. وفي هذا الإطار تم إغلاق جريدة العلم سنة 1967 لمدة يومين؛ بسبب فضحها لوجود تأثير صهيوني في شركات التجارة الخارجية ودعت إلى مقاطعة بعض الشركات المغربية التي تتعامل مع الكيان الصهيوني .

وقد بلغ مجموع اليهود المغاربة الذين شملتهم عمليات التهجير منذ "الاستقلال" (210900) نسمة، وهو العدد الذي يفوق عدد المهاجرين من أي بلد، بما في ذلك الاتحاد السوفياتي سابقًا (197100)، وبذلك حققت الحركة الصهيونية أكبر نجاحاتها في هذا المجال، هذا فضلًا عن التعامل مع الاتحاد الإسرائيلي، وبالتحديد مع الفرع الذي أسسه في المغرب؛ تحت اسم (اتحاد المغرب) وإخضاع تعليم اليهود المغاربة للإيديولوجية الصهيونية والعمل على التشبع بها كمرحلة أولى قبل تجنيدهم لخدمة المشروع الصهيوني، كما بدا جليًا احتلال النخبة الاقتصادية منذ جلاء الاستعمار، لأدوار طلائعية في تسيير الأملاك التي تركها المعمرون وشركاتهم، وسيطرتها على التجارة الخارجية، كما نشط الرأسمال "اليهودي" في استثمار خيرات البلاد وتزويد الصهيونية بكل ما تحتاج إليه من موارد .

إن أول الاتصالات المباشرة بين النظام والعدو الصهيوني تعود إلى سنة 1969، إذ قام رئيس العدو الصهيوني "حاييم هرت سوغ"؛ بزيارة سرية للمغرب في "مهمة سرية" وكان "هرت سوغ"، في ذلك الوقت يحمل رتبة جنرال في الجيش الإسرائيلي ويشغل منصب رئيس المؤتمر اليهودي العالمي السابق.. ويسرد في مذكراته عن تفاصيل زيارته للمغرب عام 1970، حينما كتب: "لقد حاول ملك المغرب أن يقرب بين اليهود والعرب وشخصيًا؛ حاول أن يجمعني بعرفات مرتين على الأقل، في المرة الأولى كنت موجودًا في روما في بداية صيف 1970، حين اتصل بي رئيس تحرير "نوفيل أوبسرفاتور" الفرنسية "جان دانييل" وهو وثيق الصلة بزعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي "فرانسوا ميتران"، وهو صديق للملك، ليقول لي أن الحسن الثاني ينتظرك على وجه السرعة، لم أستطع أن أقطع زيارتي وفضلت أن يتم ذلك خلال أسبوعين.. وعندما ألح اتصلت "بموشي ديان" وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك في تل أبيب لأخبره بالزيارة. وجاءتني الموافقة من "ديان" للقاء بالمغرب، وحالما وصلت استقبلني الملك بحبور ثم طرح علي مباشرة اللقاء بعرفات، وكان ردي للملك، أنني لست متيقنًا من اللقاء، هل سينجح أم لا؟.. ثم طلبت أن أتصل بصديقي «ديان" لأستشيره، فجاء رده في الحين لست ضد اللقاء مبدئيًا، لكنه أضاف "هناك أزمة خطيرة بين عرفات والملك حسين ومن الأحسن أن تنتظر حتى تنتهي هذه الأزمة، ذلك أن عرفات ربما لن يكون موجودًا في المستقبل".. كان ذلك قبل مذبحة أيلول سنة  1970، وكان "دايان" يعلم مسبقًا بالمشروع الأردني لتصفية المقاومة الفلسطينية.