Menu

الإمارة المديونة والحاكم المأفون

موسى جرادات

خاص بوابة الهدف

المتتبع لخط سير دولة الإمارات العربية المتحدة على الصعيد السياسي، يظن للوهلة الأولى أن هذه الدولة تتجه صعودًا في علاقاتها الدولية والإقليمية، وإنها تلعب دورًا مهمًا ومحوريًا في السياسات الدولية، هذا الظن المخادع أخذ طريقه مع نهاية الألفية الثانية، عندما بدأت تشق طريقها نحو بناء مسار سياسي خاص بها بعيدًا عن هيمنة المملكة العربية السعودية، فاختارت أن تكون الدولة النموذج في المنطقة المنسجمة مع متطلبات العولمة والقادرة على جذب الاستثمارات الدولية، بعد أن طورت قوانينها المحلية.

وفي سبيل هذا المسعى عملت دولة الإمارات على أكثر من محور، لبناء اقتصاد قوي عبر تنويع مصادر دخلها؛ فتحولت إلى وجهة سياحية تستقبل ملايين السياح، وتؤمن لهم كل مستلزمات هذا القطاع، وفي مسار آخر بنت منصات إعلامية تحمل رسائل أيديولوجية تستجيب لتلك التطلعات، بالإضافة إلى هذا قامت بالاستفادة من فائض عائدات النفط بالاستثمار في أكثر من مجال، وبالتحديد في مجال الموانئ البحرية. وفي كل تلك المسارات التي قطعت فيها أشواطًا بعيدة، اعتقد العقل السياسي في هذا البلد؛ أنه قادر على توظيف تلك الانجازات في حقل السياسة؛ من خلال لعب أدوار سياسية تعبر عن هذا النفوذ الجديد، فقامت بلعب أدوار تخريبية في محيطها العربي والإقليمي؛ أدوار مكملة لمتطلبات السيد الغربي الذي يريد تفتيت المنطقة، وعبر تلك الأدوار التخريبية المتسارعة اعتقد حكام الإمارات أن وظيفتهم في هذا المجال تؤمن لهم سبل الصعود، لكن هل تمكنت الإمارات وعبر تلك الوظائف التي تقوم بها، من التحول إلى دولة إقليمية ذات نفوذ حقيقي في المنطقة؟ وهل هي قادرة بالفعل على الاستمرار في لعب تلك الأدوار الموكلة بها من قبل السيد الغربي؟ ففي الظاهر يبدو إنها بالفعل استطاعت أن تجتاز الكثير من العقبات التي كانت تقف عائقًا أمامها، عبر مجالها الخليجي، حيث استفادت من حصار قطر ، وانكفاء عُمان والكويت، والصراع على السلطة داخل المملكة العربية السعودية، والذي بدوره أمن لها في البداية شراكة معها، حيث تسعى جاهدة اليوم للقفز عن تلك الشراكة والاستحواذ على الدور الأول خليجيًا، والمتتبع لمسار التناقض مع السعودية في الكثير من الملفات؛ يرى بوضوح الصراع الناعم معها، ففي ملف اليمن، حيث تظهر التباينات جلية بينها وبين السعودية، وكذلك الأمر في ملف المصالحة الخليجية، والذي عادت عجلاته تدور في الأسابيع الأخيرة، حيث وقفت سدًا منيعًا أمام عودة تلك العلاقات إلى مسارها الطبيعي.

وأمام هذا المشهد الكاريكاتوري، تظهر الحقيقة الساطعة التي ترسم حقيقة إمكانيات هذا البلد؛ فالدولة القادرة على لعب أدوار كبرى والقادرة على بناء نفوذ لها خارج حدودها السيادية، لا تمتلك كل شروط اللعبة، لأسباب كثيرة،؛ أهمها أن العقل السياسي في هذا البلد عقل مؤامراتي تخريبي هدام، غير قادر على البناء، وهو بالأصل يفهم بشكل مغلوط ومعكوس معنى النفوذ، والذي يشترط المساعدة في البناء، وليس الهدم كما تفعل الإمارات اليوم، إضافة إلى هذا كله، فإن مشاريعها الاقتصادية العملاقة، ذات الطابع الاستثماري ذوت وتبخرت بفعل عوامل عديدة؛ أهمها لحظة الكساد التي يمر بها الاقتصاد الدولي، حيث يعاني اقتصادها أزمات بنيوية انعكست بوضوح على أكثر من مسار؛ فالبطالة وطرد العمالة الأجنبية صورة مصغرة عن هذا الأداء السلبي للاقتصاد الإماراتي ولاقتصاد إمارة دبي بشكل خاص، بالإضافة إلى توقف الإمارات عن سداد ديونها لآلاف الشركات العاملة لديها، وكذلك الأمر انخفاض أسعار النفط على الصعيد العالمي.

وللهروب من الاستحقاق الرئيسي في فشل هذا المسار وانكشاف عوراته، لجأ الحاكم المأفون للعب الورقة الأخيرة في جعبته للحفاظ على الدور الموهوم، عبر مسار التطبيع مع دولة الاحتلال، فهو من جهة يجدد شرعيته من السيد الغربي، ومن جهة أخرى يتحلل من كل التزام عربي مع القضية الفلسطينية، بل وأخطر من ذلك هو أن يتحالف مع دولة الاحتلال للحفاظ على هذا الدور، مهما كانت النتائج المترتبة على هذا التحالف المرضي، والذي لا يمكن قراءته؛ إلا ضمن هذا السياق، وكل حديث عن تعاون اقتصادي وسياسي وأمني بين الإمارات ودولة الاحتلال، لا يمكن أن نجد له تفسيرًا مقنعًا خارج دائرة التحالف المرضي، والذي سيؤدي في النهاية إلى غياب تلك الدويلة عن الخريطة الدولية، بفعل خطأ آخر قد يرتكبه بن زايد في لحظة غفوة، أو العودة بالإمارات إلى محمية غربية محروسة بالعسكر الغربي؛ فالإمارات دولة قليلة العدد وصغيرة المساحة وقربها من دول إقليمية كبرى ذات نفوذ حقيقي، يجعلها وأمام ألعابها الصبيانية أمام أخطار حقيقية محدقة بها لا محالة، وقد يقودها إلى انتحار فعلي بفعل سياساتها الحمقاء؛ فنحن على أبواب نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة على الصعيد الدولي، وكل خطوات الإمارات في السنوات الأخيرة؛ ستدفع ثمنها من لحمها الحي؛ فسياساتها في سنواتها الأخيرة تسببت بالكثير من الآلام لشعوب المنطقة الراسخة قدم التاريخ؛ فإمارات الرمل تتجه لتسديد فاتورة سلوكها الطائش الذي بنته على الوهم والرمل، وكل مسعاها اليوم لن يعفيها من دفع تلك الضريبة التي ألزمت نفسها بها.