Menu

حرب تحرير شعبية: من المقاومة الوطنية إلى المقاومة القومية

سركيس أبو زيد

المقاومة الفلسطينية.jpg

خاص بوابة الهدف

نشهد تحولات دولية وإقليمية لها انعكاسات على المسألة الفلسطينية تتراوح بين مشاريع وهمية لتسوية مرفوضة أو مواجهة شاملة للاستعمار الإسرائيلي المدعوم من الإمبريالية، هذه الحالة تستوجب دراسة واقع حركة التحرر الوطني ومناقشة وتقييم تجارب المقاومة، من بدايات حركات الاستقلالات العربية حتى الآن؛ تشمل كافة أشكالها، خاصة تلك التي شهدتها بعض الدول العربية للتخلص من الاستعمار؛ سواء الفرنسي في سوريا والجزائر أو البريطاني في العراق واليمن و السودان أو الايطالي في ليبيا.

شعوب هذه الدول العربية وغيرها خاضت حروبًا، وأشكالًا من المقاومة التي أدرجت في مسار "حركات التحرر" في ظروف غير الظروف القائمة الآن في المنطقة العربية، وفي ظل أوضاع إقليمية ودولية غير تلك السائدة في هذا الزمن؛ المقاومة التي شهدتها بعض الدول العربية في مرحلة "حروب الاستقلال" تعرضت لانتكاسات، إلا أنها وصلت في نهاية المطاف إلى تحقيق شكل من أشكال الاستقلال. كل مقاومة لها دورها وظروفها وموقعها وعمقها وحلفاؤها، والمناخ الإقليمي والدولي المحيط بها.. لكل مقاومة خصوصية، فأهدافها واحدة متشابهة، لكن طريقها وتكتيكها متنوع؛ فمسار الثورة الجزائرية الطويل للتخلص من الاستعمار الفرنسي، يختلف بالتأكيد عن مسار الثورة في جنوب اليمن للتخلص من الاستعمار البريطاني. التكتيكات العسكرية كانت أيضًا مختلفة.

وما ينطبق على المنطقة العربية، ينطبق أيضًا على كل أشكال المقاومة المسلحة التي شهدها العالم للخلاص من الاستعمار، في إفريقيا وأميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا. كل مقاومة كانت لها خصوصيتها، وإن كانت معنية بهدف واحد وهو طرد الاستعمار من أرضها... وكلها كان يطلق عليها "حركات تحرر من الاستعمار" من دون أي وصف مرافق، كما يقال الآن هذه مقاومة وطنية أو إسلامية أو قومية أو جهادية. وفي بعض الحالات كان المرتكز الايديولوجي لهذه المقاومة أو تلك يضاف إلى تسمية حركة التحرر، كأن يقال أنها حركة قومية او يسارية أو ماركسية – لينين ية، لكن في الغالب الأعم لم يلغِ هذا المرتكز كون هذه المقاومة وطنية، تتشكل من جبهة عريضة من أبناء الوطن بكافة فئاته وطبقاته.

التمعن في كل حالة على حدة من حركات التحرر، يبين، وهذا أمر طبيعي، أن لكل حالة نظريتها الخاصة في الصراع مع المُستعمر، ما يدل على خصوصية الظرف والمحيط الذي تقاتل فيه.

في هذه الأيام، وبعد اندحار الاستعمار التقليدي، وأيضًا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي – الحليف القوي لحركات التحرر في العالم- لم تتبدل أشكال المقاومة ولا خصوصيتها؛ فالكفاح المسلح بقي الوسيلة المثلى لطرد "الغزاة" – التعبير الذي استبدل بالاستعمار مثل حالة العراق – أو الاستعمار الاستيطاني، مثل حالة فلسطين، أو الاستعمار التوسعي، مثل حال لبنان الذي واجه الزحف الصهيوني؛ تدرجًا من الجنوب إلى بيروت.

والمقاومة المتربصة بالعدو في لبنان، والناشطة في العراق، والمتأججة في فلسطين، لها جوانب متقاربة، ولكن ليست متطابقة.. لكن مع مرور الزمن، وانتصار هنا وانتصار هناك، سوف تظهر الصلة بين المقاومة في الدول الثلاث.

وقياسًا على التجربة الطويلة للمقاومة الفلسطينية، والتجربة الناشئة في العراق، والمنتصرة في لبنان؛ تظهر خصوصيات في كل مرحلة من مراحل المقاومة، وفي كل موقع من مواقعها. في لبنان، في البدء، كانت المقاومة توصف بالوطنية، حتى أن فصائل المقاومة المختلفة في سندها الأيديولوجي، تجمعت تحت تسمية واحدة وهي "المقاومة الوطنية اللبنانية"، قبل أن يخوض حزب الله غمار القتال لتصبح المقاومة إسلامية أو جهادية وهي الأبرز... مقاومة إسلامية في بلد تعقيداته ومشاكله الطائفية والسياسية يصعب حصرها.

وفي مرات عدة انزلق لبنان إلى فتن طائفية، ورغم ذلك تماسكت المقاومة فيه حتى حققت الانتصار، بعمق سوري شكل في نهاية المطاف أحد أهم عوامل الانتصار على التوسع الصهيوني؛ المفارقة هنا أن الطائفية التي تكاد، أو هي بالفعل، تشل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لم تستطع شل المقاومة أو حرفها عن مسارها.

والسؤال المتداول في بعض الأوساط من دون إجابة حاسمة حوله هو التالي: هل انتصرت المقاومة لأن لبنان كان يتمتع بميزة السلم الأهلي؟

وطن قائم على توازنات طائفية ضعيفة؛ تنتصر فيه مقاومة ذات شعارات دينية أحيانا. وجه الغرابة في هذا قد يزول إذا ما جرى التذكير بالبعد المحلي والإقليمي الذي ساهم في انتصار المقاومة الإسلامية، وهو دور الحكم اللبناني، وخاصة سلطة الرئاسة اللبنانية -لا سيما في عهد الرئيس اميل لحود – التي لها أبعاد وطنية وقومية – فوق الطائفية – والعناية التي أولتها سوريا لهذه المقاومة التي أصبحت قضية وطنية؛ تلتف حولها فئات شعبية لبنانية واسعة، رغم الشعارات الدينية التي كانت ترفعها.  

المقاومة والحكم اللبناني وسوريا وظفوا بنجاح التناقضات الداخلية اللبنانية، لحشد الطاقات الوطنية من أجل تحقيق انتصار ذي بعد وطني.

في فلسطين لا شيء يشبه أو يماثل خصوصية المقاومة اللبنانية؛ هناك الاستعمار استيطاني طرد شعبًا من أرضه، وتوسعي غزا كل الدول العربية المحيطة به. المقاومة الفلسطينية محاطة بدولتين وقعتا اتفاقات تسوية منفردة مع "إسرائيل"، وهما تعاقبان بشدة كل من يقدم دعمًا للفلسطينيين، أو حتى من يحرض على مقاومة "إسرائيل".

الفلسطينيون محاطون بنهر الأردن- وهناك اتفاق وادي عربة، وبصحراء سيناء – وهناك اتفاق كمب ديفيد، والبحر الأبيض المتوسط الذي تفرض عليه "إسرائيل" حصارًا ضاغطًا حتى على لقمة عيش الفلسطينيين. وفي فلسطين أيضًا سلطة أبرمت اتفاقات تسوية ملزمة مع "إسرائيل"، وهذه السلطة على تناقض مع المقاومة، ويمكن القول أن التناقض بين المقاومة والسلطة؛ يطال تفاصيل الصراع، حتى في ظل اتفاقيات هدنة توافق عليها بعض فصائل المقاومة على مضض من أجل الابتعاد عن خطر حرب أهلية.

إضافة إلى ذلك، لا انقسامات طائفية في فلسطين، ولكن هناك انقسامات حول الهدف والوسيلة؛ مقاومون فلسطينيون يريدون كامل التراب الوطني الفلسطيني بقوة السلاح، وفلسطينيو السلطة الذين يقبلون بأقل من 22% من التراب الفلسطيني بالوسائل السياسية. إذًا، كيف تحقق المقاومة الفلسطينية نجاحات في هذه المناخات الأكثر ارباكًا مما كان عليه وضع المقاومة في لبنان؟

الجواب، تبسيطًا، استخدمت المقاومة الفلسطينية "القنابل البشرية". صحيح أن المقاومة في لبنان مارست هذا النوع من القتال الاستشهادي إلى جانب أنواع أخرى من المواجهة والعمليات، لكن في فلسطين العمليات الاستشهادية هي القاعدة وليس الاستثناء؛ فالواقع الذي جرى ذكره أعلاه أجبر المقاومة الفلسطينية على اللجوء إلى هذا النوع من العمليات، إذ تبين أنها صعبة المكافحة، ولا تحتاج إلى "عمق استراتيجي"، ولا إلى تقنية متطورة، ولا إلى تدريب مضن ولا إلى تكاليف مادية – نسبة الفقر في الأراضي الفلسطينية المحتلة من أعلى النسب في العالم- وفوق كل ذلك فهي فعالة في تكبيد العدو خسائر مادية وبشرية جسيمة. بقليل من المعلومات الأمنية البسيطة ووسائل التمويه، تضرب المقاومة في عمق "إسرائيل"؛ فالمقاومة في فلسطين تحمي ذاتها بذاتها، من دون أي حماية أمنية.

في التجربتين اللبنانية والفلسطينية أوجه تشابه، فكلاهما خاضا حربًا ضد العدو نفسه، واللبنانيون والفلسطينيون قاوموا في ظروف يبدو فيها الانتصار على العدو الإسرائيلي مجرد وهم. والمقاومتان قاتلتا بينما أطراف أخرى معنية في الصراع مع هذا العدو؛ اختارت التسوية والمصالحة معه بعيدًا عن السلاح، وكلتاهما قاومت في ظل موازين قوى غير عادلة، وهما أيضًا أبقتا على مسار المقاومة حيًا وحيويًا في مواجهة مسار التسوية الذي يحتضر مرة ويتراجع مرات.

باختصار.. المقاومة اللبنانية والفلسطينية تدفعان بالمنطقة إلى الكفاح المسلح – المقاومة الشعبية – كحل للصراع مع االعدو... ومعظم دول المنطقة تدفع بالصراع إلى خندق التسوية ونفق المساومات، هذا التشابه في الظروف والمنطلقات لا يلغي الخصوصية التي ميزت المقاومة اللبنانية عن "شقيقتها" الفلسطينية. بعد المقاومة الفلسطينية واللبنانية؛ طلت مقاومة عراقية للاحتلال الأميركي.

لتشويه صورتها، يقال أن المقاومة العراقية غير منظمة وعشوائية، وعلى هذا النحو، يحاول الإعلام العربي منه والغربي، أن يصور المقاومة العراقية، لأن الجميع لا يريد أن يصدق أن في إمكان قوات الجيش النظامي التي تخلت عن بغداد من دون قتال سوف تستعيدها بالقتال، ورغم كل هذه التحفظات، فهي حتى الآن تمنع قوات الاحتلال من الاستقرار والاطمئنان، وتعطل خططه السياسية وتربك مشروعه الأصيل للسيطرة على النفط، لكنها مقاومة متصاعدة، باعتراف القادة الأميركيين أنفسهم، وهي بالتأكيد ليست من فعل أشباح، وهي تجربة مقاومة جديدة، والتدقيق في خصوصياتها ما زال مبكرًا، والحكم على نتائجها وما إذا كانت مضمونة، كما حدث في لبنان أو واعدة، كما يحدث في فلسطين أمر مبكر أيضًا.

في سوريا مقاومة ضد الاحتلال الخارجي؛ تتصاعد وفق وتيرة التحديات، وهي    تجربة لها خصوصيتها وبحاجة إلى الدرس المعمق. إن دعاة مقاومة الاحتلال والغزو والاستعمار بكل أشكاله، ليس لهم سوى خيار دعم المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق وسوريا. والدور المركزي والأساسي هو لأصحاب القضية أنفسهم انطلاقًا من خصوصية الظروف والواقع، وكل انتصار تحققه المقاومة على أرضها هو دعم وسند لنهج المقاومة في أرض شقيقة، والمسألة اليوم هي في توحيد هذه المقاومات رغم التفاوت في الظروف والجغرافيا الخصوصية، وفي توفير مناخات الانتصار من خلال استنهاض همم الشعوب العربية كي تتشبث بنهج المقاومة.

المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق وسوربا وغيرها من ساحات النضال، ومهما كانت أيديولوجيتها دينية أو يسارية، هي مقاومات وطنية موحدة في الأهداف القومية، لكنها مختلفة في الظروف وموازين القوى والواقع العملي.. بين المقاومة الوطنية والمقاومة القومية؛ ترابط في العلاقات وتأثير متبادل في النتائج، وذلك يتطلب دراسة خاصة مفصلة.