Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح44)

غازي الصوراني

موجز الفلاسفة.jpg

خاص بوابة الهدف

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح44)

(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الرابع

الفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى

الفصل التاسع

عصر التنوير والحداثة في القرن الثامن عشر

أولاً: عصر التنوير العقل والتقدم

أبرز فلاسفة عصر التنوير والحداثة

ديني ديدرو ( 1713 - 1784 ):

من عظماء عصر الانوار في فرنسا وأوروبا، ولد ديدرو في 5 أكتوبر 1713 في أسرة فقيرة حيث عانى كثيراً من الفقر في شبابه مما اضطره إلى العمل في العديد من المهن، في سن الخامسة عشر من عمره التحق بمدرسة يسوعية، وفي الثانية عشر حلق شعر رأسه وارتدى غفارة سوداء (لباس الكاهن في الكنيسة)، وعقد العزم على أن يكون يسوعياً، وفسر هو هذا فيما بعد، بأنه فيض من حماسته.

بعد أن ارتدى لباس الكاهن، "اكتشف ديدرو أن باريس عبارة عن مواخير أكثر منها كنائس، فخلع غفارته وتخلى عن ورعه وتقواه، وانصرف إلى التدريب عند أحد المحامين، وسرعان مانبذ القانون، وقضى عشر سنين يتنقل من مهنة إلى مهنة، وعانى آلام الفقر في حجرة فوق السطح، واشتغل كاتباً عند بائع كتب، وفي نفس الوقت تابع دراسته في الرياضيات واللاتينية واليونانية والإنجليزية، وأَلَمَّ إلماماً جيداً بالإيطالية. وكان متمرداً على القانون ولكنه كان تواقاً شديد التوق إلى المعرفة والحياة"([1]).

"وكان منذ وقت طويل قد استسلم لفتنة الفلسفة التي تجتذبنا دائماً، لأنها لا تجيب أبداً عن الأسئلة التي لانكف مطلقاً عن إلقائها، وكان هو نفس "الفيلسوف الساخر" في عصره، فليسوفا مادياً يتدفق حيوية ونشاطاً – ولم تتيسر له نفقات زيارة إنجلترا مثل فولتير ومونتسكيو، ولكنه تعلم أن يقرأ الإنجليزية في سهولة ويسر، وتأثر بدعوة فرانسيس بيكون إلى قهر الطبيعة وطريق البحث العلمي المنظم، وانتقل إلى تمجيد التجربة أداة عظيمة للعقل، واستمع في سنى تكوينه وتشكيله هذه، إلى محاضرات في البيولوجيا والفسيولوجيا والطب. ودرس التشريح والفيزياء، وتمشى مع رياضيات زمانه، وتابع الأبحاث من بيكون إلى هوبز ولوك والربوبيين الإنجليز، واستمر طوال التقلبات يؤمن بأن الخير والحقيقة والجمال كلها مؤتلفة تقريباً، وأن قانوناً اخلاقياً مؤسساً على العقل، لا على الدين، يفيد النظام الاجتماعي بدرجة كافية"([2]).

أصدر "في عام 1746، مدفوعاً بكل هذه الحوافز، وبخياله الواسع الخصيب، كتابه "أفكار فلسفية" بدون توقيع إسمه، فقد أدانته الكنيسة، بسبب دعوته في كتابه هذا إلى التسامح بين كافة المعتقدات، ودعوته إلى حرية الايمان أو الالحاد، وعلى إثر إدانة الكنيسة، أصدر البرلمان الفرنسي أمراً بإحراق الكتاب، ولما كان إحراق الكتاب الصغير (7 يوليو 1746) بمثابة إعلان عنه، فوجد له عدداً غير متوقع من القراء، وتُرجِمَ إلى الألمانية والإيطالية، ولما تهامس الناس بأن ديدرو هو مؤلفه، ارتفع إلى مرتبة تداني فولتير، وتسلم من الناشر 50 جنيهاً ذهباً، أعطاها لعشيقته التي كانت في حاجة إلى ملابس جديدة"([3]).

في كتابه "أفكار فلسفة"، لم يعترف ديدرو بأي وحي إلهي سوى الطبيعة نفسها، وناشد قُرَّاؤه أن يرتفعوا إلى مفهوم رب جدير بالكون الذي كشف عنه العلم، وطالب "بتكبير الإله وتحريره"([4]ويُضيف في موقفه من المسيحية قائلاً: "من رأيي أن العقيدة المسيحية أسخف وأشنع ما تكون في تعاليمها ومبادئها، كما أنها مستعصية على الفهم، ميتافيزيقية مربكة غامضة إلى أبعد الحدود، ومن ثم كانت أكثر تعرضاً للانقسامات والشيع والانشقاقات والهرطقات، وأكثرها إيذاءًا وإزعاجاً للهدوء العام، وخطراً على الملوك والحكام في تسلسل مراتبها الكهنوتية وأضطهاداتها ونظامها العام، وهي أشد العقائد فتوراً وكآبة وبعداً عن المدنية، وعبوساً في طقوسها، وأشد صبيانية وأنطوائية وبعداً عن الروح الأجتماعية في أخلاقياتها.

في هذا الجانب، ينطلق ديدرو، كغيره من الماديين الفرنسيين، من القول بأزلية الطبيعة وخلودها، ولانهائيتها، فليست الطبيعة مخلوقة لاحد، ولا يوجد سواها، أو خارجها، شيء مطلقاً، ومهما يكن من أمر فإن "ديدرو نبذ في ازدراء، الإله الذي جاء به الكتاب المقدس، حيث بدأ له هذا الرب جباراً قاسياً غاية الجبروت والقسوة، واتهم الكنيسة التي نشرت هذا المفهوم بأنها منبع الجهل والتعصب والاضطهاد"([5]).

" ألف ديدرو "الخواطر الفلسفية"، فأدين الكتاب حالاً من قبل محكمة باريس العليا، وفي العام التالي ألفَّ كتاب "نزهة الشَكِّي" أو "جولة متشكك""([6]) الذي تناول فيه بصراحة شديدة، موقفاً نقدياً للديانة المسيحية، مما أثار عليه رجال الكنيسة والشرطة، فتم القبض عليه ومنعه من نشر الكتاب الذي لم ينشر إلا بعد وفاته، وفي كتابه هذا يقول ديدرو: "ان اللادينيين يحترمون حرية الرأي والتفكير على النقيض من رجال الكنيسية، كما اعتبر أن العقل والايمان متناقضان، فإما العقل وإما الايمان.

في كتابه "حوار بين القس وديدرو" يركز على مسألة المعجزات وتناقضها مع العقل بما في ذلك رفضه لعودة المسيح إلى الحياة، مؤكداً على أن زمن المعجزات والوحي قد انتهى بانتهاء عصر الاساطير، كما ان التعصب الديني كلف البشر آلاف الأرواح، وطالب بضرورة صياغة دساتير وقوانين وضعية علمانية ديمقراطية من واقع حياة الناس بعيداً عن الدين وبالقطيعة معه، مع احترام خصوصية المتدينين وكنائسهم.

ويضيف ديدرو قائلاً: "إن الايمان بالله مرتبط بالتسليم بحكم الفرد أو الحكم المطلق، كلاهما ينهضان ويسقطان معاً، ولن يتحرر الناس إطلاقاً إلى ان يُشْنَقْ آخر ملك بأمعاء ومصارين آخر قسيس، وتصحو الأرض على نفسها عند تدمير السماء، وقد تكون المادية تسهيلاً كبيراً للعالم وقد تكون كل انواع المادة حية بالغريزة، ومن المستحيل تقليل وحدة الوعي والشعور للمادة والحركة، ولكن المادية سلاح ماض ضد الكنيسة، ويجب ان نستخدمها إلى أن نجد شيئاً أفضل منها، وفي الوقت ذاته يجب على الإنسان ان يعمل على نشر المعرفة وتشجيع الصناعة، اذ ان الصناعة ستحقق السلام، والمعرفة ستخلق اخلاقاً طبيعية جديدة، هذه هي الآراء التي اجتهد ديدرو والعالم الرياضي دلامبرت في بذر بذورها ونشرها في الموسوعة الكبيرة التي اصدراها جزءاً فجزءاً من عام 1752 -1772، فقد أوقفت الكنيسة الأجزاء الأولى، وعندما زادت المعارضة، تخلى اصدقاء ديدرو عنه، ولكنه واصل عمله بنشاط وحيوية يدفعه غضبه وسخطه، وقال "انا لا اعرف شيئاً فاحشاً وشائناً، اكثر من تحمس رجال الدين ضد العقل"([7]).

يقول ديدرو: "إنى أضع أفكارى على الورق ولتكن ما تكون". "إنى لا أهتم بتشكيل السحب أكثر منى بتبديدها، وتعطيل القرار أو الحكم، لا باتخاذه.. أنا لا أقرر، بل أتساءل أنا أترك ذهنى يهيم إلى حد السرف، وأُطلق العنان لمتابعة أية فكرة سليمة كانت أو طائشة، تأتي أو تقفز إلى ذهنى أولا، وأتعقبها كما يتعقب الشباب الداعر محظية بائسة وهي تبتسم، وتتلألأ عيناها وتنظر بازدراء.. إن أفكاري هي محظياتى"([8]).

ديدرو لم يهدأ قط في حملاته على المسيحية، وثمة فقرة مثيرة من رسالة خاصة تلخص موقفه منها: "من رأيى أن العقيدة المسيحية أسخف وأشنع ما تكون في تعاليمها ومبادئها، كما أنها مستعصية على الفهم، ميتافيزيقية مربكة غامضة إلى أبعد الحدود ومن ثم كانت أكثر تعرضاً للانقسامات والشيع والانشقاقات والهرطقات، وأكثرها إيذاء وإزعاجاً للهدوء العام، وخطراً على الملوك والحكام في تسلسل مراتبها الكهنوتية واضطهاداتها ونظامها العام، وهي أشد العقائد فتوراً وكآبة وبعداً عن المدنية، وعبوساً في طقوسها، وأشدها صبيانية وانطوائية وبعداً عن الروح الاجتماعية في أخلاقياتها .. وهي متعصبة لا تحتمل، وكانت أفكاره السياسية مثل آرائه في الأخلاق، ولم يتفق مع فولتير في أن الملك المستنير هو أفضل أداة ممكنة للإصلاح، فقد حَلِمَ ديدرو بمجتمع كريم تتحقق فيه للجميع الحرية والمساواة كلتاهما (وهما العدوان الطبيعيان)، ولكنه ارتاب في جدوى أية إصلاحات، حتى يرفع انتشار التعليم من مستوى تفكير الناس وعقولهم"([9]).

بتاريخ "16 تشرين الأول 1748 كُلِّفَ ديدرو، مع دالمبير، برئاسة تحرير الموسوعة، وفي كانون الثاني صدرت له رواية "المجوهرات المفشية للسر" مغفلة من التوقيع، وبعد بضعة أشهر أصدر ديدرو "مفكرات في موضوعات مختلفة في الرياضيات"، ثم صدر "العصفور الأبيض" و "حكاية زرقاء" (ولن ينشر إلا عام 1798)، وتأَدَّى وضع "الرسالة حول العميان برسم الذين يبصرون" في حزيران 1749 إلى اعتقال ديدرو وحبسه في برج فنسين لمدة شهرين وعشرة أيام، وبعد إطلاق سراحه، وقطعه صلاته بالسيدة دي بويزيو التي كان أصبح منذ عام 1745 عشيقها، عكف على إعداد المجلد الأول من الموسوعة، لكن ما كاد يصدر المجلدان الأول والثاني من الموسوعة (تموز 1751، وكانون الثاني 1752) حتى صدر أمر ملكي في 7 شباط 1752 بإلغاء مشروع المعجم العقلاني للعلوم والفنون والمهن، أي الموسوعة. لكن مداخلة مدام دي بومبادور وبعض الوزراء أفلحت في إبطال القرار ضمنياً، وفي أواخر عام 1753 صدر كتاب ديدرو "خواطر في تأويل الطبيعة"([10]).

فلسفته المادية وآراؤه الثورية:

"أضفى ديدرو على آرائه الطبيعية بعض الملامح الديالكتيكية، فمن خلال آرائه الطبيعية العضوية تلوح فكرة التطور والترابط بين العمليات، التي تجري في الطبيعة، كما تمكن ديدرو في عدد من القضايا، من الانفلات من أسر الميتافيزيقا الميكانيكية الضيقة، كل شيء، عنده، يتغير، يختفي ويزول، ولا يبقى الا الكُلِّي، وعالمنا الذي نعيش فيه، يُولَدُ ويفنى باستمرار في كل لحظة، إنه عالم وحيد، لم يكن ولا يمكن أن يكون، عالم آخر سواه"([11]).

يرى ديدرو، أن الطريق إلى الخلاص من عيوب أشكال الحكم القائم لا يمر عبر الثورة بل من خلال إشاعة التنوير في المجتمع، وبسبب آراؤه تعرض للسجن في "الباستيل".

كان "ديدرو" الزعيم الحقيقي للاتجاه المادي، وقد آمن دوماً بحتمية الانتصار النهائي للحقيقة والتنوير، وقد برز دوره الكبير لتحقيق هذا الهدف في مشروعه العظيم "الإنسكلوبيديا" الذي شاركه فيه (دالامبير وفولتير وروسو)، وقد انسحب الجميع من المشروع وبقي "ديدرو" ثابتاً حتى أنجز الموسوعة المكونة من سبعة عشر مجلًداً، ظهر أولها في عام 1751، وآخرها في 1772.

كان الهدف العظيم وراء إنجاز "الأنسكلوبيديا" يكمن في أن تصبح هذه الموسوعة أداة هامة لترويج الأفكار المادية الفلسفية والتنوير؛ كما تضمنت الحديث عن كل جوانب المعرفة الإنسانية في ميادين العلم والأدب والفن.. بل وفي التكنيك والإنتاج الصناعي والحرفي؛ وإلى جانب ذلك نشر الأفكار التقدمية. كان على الموسوعة أن تحارب الآراء الروتينية والأباطيل والخرافات والأوهام والعقائد المسيطرة.

في سنى الشيخوخة –يقول ديورانت- "تُعَلَّقَ ديدرو بشيوعية فوضوية، مثلاً أعلى له فيقول: "إنى مقتنع بأنه لن يتيسر للجنس البشري أية سعادة حقيقية إلا في دولة اشتراكية ليس فيها مَلِكْ ولا قاضي ولا قسيس ولا قوانين، ولا يكون فيها هذا لك، وهذا لي، وليس فيها حق تملك، وليس فيها رذائل أو فضائل، ولكنه اعترف بان هذه النظرية "مثالية إلى حد شيطاني"، وأدرك ديدرو في ساعات العسرة أن عدم المساواة في التملك سيبقى ببقاء عدم المساواة أو التكافؤ في القدرات، وطرح فكرة الاشتراكية لأنها غير عملية، حيث لم يوجد آنذاك إلا بروليتاريا صغيرة غير منظمة لا تكاد تكون واعية، ولما انتهى الأمر إلى الإصلاحات العملية، أيد ديدرو الفيزيوقراطيين ووقف إلى جانب الرأسمالية الناشئة وأعلن أن حق التملك يجب أن يكون مقدساً مطلقاً، واستنكر أي اعتداء على هذا الحق من جانب الدولة. وانضم إلى كنى وترجو وفولتير في الدعوة إلى تحرير الصناعة والتجارة من أية قيود حكومية"([12]).

أخيراً، يقول ديورانت: "إننا إذا ألقينا بنظرة إلى الوراء في العرض غير المرتب الذي أوردناه لذهن ديدرو المشوش، نغفر له اضطرابه وسط هذا العدد الوفير من الأفكار والآراء ومجالات اهتماماته، ولم يكن شيء من الانسانيات غريباً عليه بعيداً عنه، اللهم إلا الدين.

كَتَبَ ديدرو في الفلسفة، ولكنه لم يكتب لغة غامضة للأبراج العاجية، وإنما كتب مناقشة في موضوعات حية بين أناس اندفعوا إلى معترك الحياة أو إلى خضم العالم راضين طائعين، والواقع أن ديدرو تحلى بمعظم الفضائل التي نسبها لنفسه، لقد كان أميناً بمعنى صريح، ولم يكن يتكلف أو يتظاهر، وكان وديعاً رفيعاً، اللهم إلا في الحديث، حيث كثيراً ما كان متهوراً، وفي بعض الاحياء خشناً جافاً، إنه يقيناً كان شجاعاً لأنه استمر يناضل حين تخلى عنه الكثير من أصدقائه، بل حتى نصحه فولتير بأن يكف. وكان كريماً بلا منازع مستعداً لمعونة من يلجأون إليه، اكثر ثناء وإطراء للناس منه لنفسه. وساعد نفراً كبيراً من الفقراء بمنح قدمها إليهم من دخله المتواضع"([13]).

لقد مثلت المادية الفرنسية قمة الفكر الفلسفي المادي في القرن الثامن عشر ولقد كان عصرها هو عصر الإعداد للثورة البرجوازية الفرنسية.

وفاة ديدرو([14]):

وفي 1784 مرض مرضاً خطيراً، وحاول كاهن سان –سولبيس الذي فشل من قبل مع فولتير أن يُكَفِّر عن تقصيره برد ديدرو إلى حظيرة الإيمان، فزاره، وتوسل إليه أن يرجع إلى الكنيسة، وأنذره بأنه ما لم يتناول الأسرار المقدسة فإنه لن يحظى بدفنه في جبانة عامة. وأجابه ديدرو، "إنى أفهمك ياسيدي الكاهن. فلقد رفضتم دفن فولتير لأنه لم يؤمن بلاهوت الإبن، حسناً، إنهم يستطيعون دفنى حين أموت في أي مكان يشاءون، ولكني أُعلن أنني لا أؤمن لا بالآب ولا بالروح القدس ولا بأي واحد في الأسرة".

وفي 31 يوليو 1784 تناول وجبة شهية، فأصابته جلطة تاجية، ومات وهو على المائدة بالغاً الحادية والسبعين. وأقنعت زوجته وصهره كاهناً محلياً بالصلاة في الكنيسة على جثمانه رغم إلحاده المشهور. ودفن في كنيسة سان – روش، ثم اختفى منها على نحو غامض في تاريخ غير معروف.

قالوا عنه:

  • "إن ديدرو أُتون (فرن) شديد الحرارة إلى درجة يحترق معها كل ما يُخْبَزْ فيه، ومع ذلك خرجت منه أشياء كثيرة لم يكتمل نضجها ولا خبزها، وكان شديد الحساسية مثل روسو رقيق العاطفة مثله، وربما كانت صداقته مع روسو قائمة على التماثل في المشاعر ونفس قوة الوجدان، ونفس حب الطبيعة ونفس المفهوم الرومانتيكي للعبقرية على أنها غريزة وانفعال وخيال (فولتير).
  • وافتتن جيته وشيللر ولسنج بكتابات ديدرو وشارك ستندال وبلزاك ودلا كروا في الإعجاب به واعتبره كومت أسمى عبقرية في ذاك العصر المثير وأسماه ميشيليه "برومثيوس الحقيقي (في الأساطير اليونانية هو الشيطان المعبود الذي سرق النار من السماء وعملها لأهل الأرض"([15]).
  • "إن الزمان والمكان ممتدان أمامه كما أمام الله : وهو يعتقد أنه في كل مكان وأنه أزلي". (الأباتي غالياني) ([16]).

كلود هلفتيوس (1715 – 1771) :

فيلسوف مادي فرنسي، من أنصار مادية القرن الثامن عشر، تلقى تعليمه على يد الجزويت في كلية لويس العظيم، وتتلمذ على يد أحد جباة الضرائب، وبعد تخرجه "تولى منصب الملتزم العام للضرائب، وسرعان ما أثرى، وفي سن الثالثة والعشرين بلغ دخله نحو 360 ألف جنيه في السنة.

ولكنه في 1738 التقى بفولتير فَرَوَّعَهُ عقله وشهرته، وراوده حلم الكتابة والتأليف، ثم تعرَّف على مونتسكيو، وهولباخ الذي كان الزعيم المادي في ذلك العصر، ثم التقى بديدرو وروسو، ومن ثم تحولت اتجاهاته، فتخلى عن منصبه الوفير الكَسْب، وتفرغ لتأليف كتاب يهز العالم"([17]).

"وظل هلفتيوس يعمل في إعداد الكتاب سبع سنين دأباً، حتى خرج الكتاب المرموق في 15 يوليه 1758 بعنوان "الذكاء"، ولكن المحامي العام في برلمان باريس، قال إن الكتاب محشو بالهرطقة والكفر، وطالب باعتقال هلفتيوس ومحاكمته وسجنه.

وقصدت مدام هلفتيوس إلى فرساي لتشفع لزوجها، ورضيت الحكومة بأن يأوى هلفتيوس إلى ضيعته لمدة عامين، وفي 3 يناير اتهم البابا كليمنت الثالث عشر الكتاب بأنه مُخزٍ فاسق لا يلتزم قواعد الدين، وفي فبراير أُحرق الكتاب علناً بأمر من البرلمان، وبكل هذا الإعلان الواسع النطاق عن كتاب "الذكاء" تهافت الناس على قراءته أكثر مما أقبلوا على أي كتاب، وظهرت منه عشرون طبعة بالفرنسية على مدى ستة أشهر. وسرعان ما ترجم إلى الانجليزية والألمانية واليوم –كما يقول ديورانت- لا يعرف عنه شيئاً إلا القليل من العلماء والباحثين ويكاد يكون من المتعذر الحصول على نسخة منه.

استمر هلفتيوس في الكتابه بعد حرق كتابه الأول، وأصدر كتابه الثاني في شرح وجهات نظره بعنوان "رسالة عن الإنسان" (1773) وهي التي هاجم فيها رجال الدين بوصفهم باعة متجولين يتجرون في الرجاء والخوف وينشرون الجهل ويقتلون الفكر"([18]).

تناول هلفتيوس في كتابه عن الإنسان أخلاق الإلحاد، فهو يقول ان جميع الاعمال تمليها الانانية الذاتية أي حب النفس، وحتى البطل يتبع الشعور الذي يرتبط مع اللذة الكبرى فيه، والفضيلة هي الانانية مزودة بنظارة، والضمير، ليس صوت الله ولكنه الخوف من الشرطة، انه الرواسب الباقية في داخلنا من سيل المحرمات والممنوعات التي تنصب على نفوسنا النامية من ابائنا ومعلمينا وصحفنا وكتبنا، يقول هلفتيوس: "يجب أن لا تقوم الاخلاق على الدين واللاهوت بل على علم الاجتماع كما ان حاجات المجتمع المتغيرة، لا وحي العقيدة الثابتة التي لا تتغير، هي التي ينبغي ان تقرر الخير"([19]).

وفي هذين الكتابين نجد كل مثله العليا في هذا العصر الطموح، الحرية والمساواة والأخوة: حرية الكلام والصحافة والاجتماع والعبارة، والمساواة بين الجنسين كليهما، وبين كل الطبقات في فرص التعليم وأمام القانون، وتأييد يكاد يكون اشتراكياً لدولة الخير العام، حمايةً وتعويضاً للفقراء السذج ضد الأغنياء الأذكياء" وهنا أيضاً –يقول ديورانت- "إذا أصغينا جيداً لسمعنا صوت الثورة".

فلسفته:

"من أنصار مادية القرن الثامن عشر الفرنسية، تقوم فلسفته على الحسية عند لوك الذي طهره هيلفتيوس من عنصره المثالي، وعند هيلفتيوس أن المادة الموجودة وجوداً موضوعياً تُدْرَكْ بواسطة الحواس، وقد وَصَفَ الذاكرة بأنها "إحساس دائم، ولكنه آخذ في الضعف"، ووصَفَهَا بأنها أداة أخرى للمعرفة، وقد وضع رأياً مبسطاً في الفكر، وكان يتصوره على أنه مجموع إحساسات، وكان يؤكد على الدور الذي تلعبه البيئة الاجتماعية في تطوير الشخصية الانسانية، واستدل – من ثم- على ضرورة إحلال العلاقات الرأسمالية محل العلاقات الاقطاعية، وكان يعتقد ان الوعي الإنساني والعاطفة الانسانية هما الدافعان للتطور الاجتماعي"([20])، وبهذه الأفكار مهد هلفتيوس الطريق للاشتراكية الطوباوية.

يرى هلفتيوس أن "كل الناس عند مولدهم لديهم استعداد متساو للفهم والحكم، وليس هناك تفوق فطري أو طبيعي في الذهن، لقد وهب الجميع، قوة وقدرة، على الانتباه كافيتين للارتفاع بهم إلى مرتبة الرجال اللامعين المرموقين إذا كانت البيئة والتعليم والظروف ملائمة لهم، وعدم المساواة في القدرة والأهلية هو دائماً نتيجة الاختلاف في الموقف الذي تصادف أن وضعوا فيه، ويطبق هلفتيوس نظريته في المساواة الطبيعية على الاجناس والأفراد، فكان يمكن أن تصل كل الاجناس إلى نمو متساو إذا تساوت الفرص البيئية لديها.

وواضح –كما يقول ديورانت- على هذه الأسس أن طريق التقدم يتبع تحسين التعليم والمجتمع والحكومة، فيقول "إن التعليم قادر على التأثير في كل شيء". ألا يدرب التعليم الدب على الرقص؟ إن كل التقدم، حتى في الأخلاق يتوقف على انتشار المعرفة وتدريب الذكاء، إقضِ على الجهل وبذلك تقضى على كل بذور الشر"([21]).

في هذا الجانب، قال (هلفتيوس) إن سيطرة الكاثوليك على التعليم تعوق التقدم الفني والعلمي في الأمة، وذلك بسبب تجاهل العلوم والاستخفاف بها، كما أن هذه السيطرة تُمَكِّن رجال الدين من تشكيل ذهن الطفل لإخضاعه للسيطرة الكهنوتية، ويقول أيضاً " إن رغبة رجال الدين في كل العصور انصرفت إلى القوة والنفوذ والثراء، وبأية وسيلة يمكن إشباع هذه الرغبة؟ ببيع الرجاء (في التعليم) والخوف (من الجحيم)، ويضيف: إن الكهنة، وهم تجار جملة في هذه السلع، كانوا يحسون ويدركون أن هذا البيع سيكون مؤكداً رابحاً، حيث تتوقف قوة الكاهن وسلطانه على الخرافات، وعلى تصديق الناس في غباء وحمق لهم. وليس لتعليمهم قيمه لديه. وكلما قَلَّتْ المعرفة عندهم ازدادوا امثثالاً لأوامر الكنيسة، فليس ثمة شيء تعجز قوة الكهنوت بمساعدة الخرافة عن تنفيذه، لأنها –كما يقول هلفتيوس- تُخْضِع الناس وتحرز السيطرة عليهم. وغالباً ما تكون هذه أعلى من سيادة القوانين، ومن ثم تفسد في النهاية المبادئ الأخلاقية نفسها"([22]).

ومن هنا بدا لهلفتيوس –كما يقول ديورانت- "أن مهمة الفلسفة أن تبتكر وتنشر أخلاقيات مستقلة عن العقيدة الدينية، فهو "يعتنق صراحة مذهب المتعة (اللذة أو السعادة). وهي الخير الرئيسي أو الأوحد في الحياة. فالسعادة هي هدف الحياة هنا على الأرض، ذلك إن نشاط الذهن واكتساب المعرفة، هما أعظم اللذات إشباعا على الدوام ولكنهما ماديان أيضاً بصفة جوهرية، والزهد أو التقشف ضرب من الحمق، واللذة الجنسية مشروعة تماماً إذا لم تؤذ أحداً، كما أن الفضيلة ليست هي الأمتثال لشرائع الله بل هي السلوك الذي يوفر أعظم اللذة لأكبر عدد من الناس، و"لكي تكون فاضلاً يجب أن تجمع بين نبل النفس والعقل المستنير"([23]).

ويرى هلفتيوس أن المهمة الأساسية للاخلاق هي تحديد الشروط، التي تضمن الانسجام بين المصلحة الفردية، الموجهة لسلوك الانسان، وبين مصلحة الجماعة، وهكذا تحول في قمة فلسفته إلى دراسة التشريع والحكومة إنه من الناحية السياسية أشد الفلاسفة تطرفاً، حيث نلاحظ –كما يضيف ديورانت- أنه لا يشارك فولتير إيمانه "بالحاكم المطلق المستنير" فإن مثل هؤلاء الحكام –كما يقول هلفتيوس- قد ينزعون إلى إخماد أية آراء غير آرائهم هم أنفسهم، التي قد تكون خاطئة ضارة، فإذا كان فساد السلطة في الشعب أبرز ما يكون في عصور الترف والبذخ فما ذاك إلا لأن ثروة الأمة في تلك العصور كانت مركزة في أيدي أقل نفر من الناس، فلنعمد إلى إنقاص ثروة بعض الناس وزيادة ثروة آخرى ونهيئ للفقراء حالة من اليسر والرخاء حتى يتمكنوا بسبع أو ثمان ساعات من العمل في اليوم أن يوفروا لأنفسهم ولذويهم وسائل العيش ويسدوا حاجتهم، ومن ثم يصبح الشعب سعيداً بقدر ما تسمح به الطبيعة البشرية"([24]).

تأثير هلفتيوس:

يقول ول ديورانت: "في كتابين لرجل واحد نجد كل الأفكار التي صنعت الثورة الفرنسية، وكل الأفكار التي تعتلج في صدور الأمم وتحركها اليوم، فلا عجب أن وَضَعَتْ الفئات الفرنسية المتعلمة المثقفة في الربع الثالث من القرن الثامن عشر هلفتيوس في منزلة سواء تقريباً مع فولتير وروسو وديدرو".

وفي 1771 فارق هلفتيوس الحياة على فراشه مع دى هو لياخ وغيره من الأصدقاء. ووفاء لذكراه رفضت أرملته كل من طلب يدها للزواج، بما فيهم بنيمامين فرنكلين، وعَمَّرتْ بعد وفاة زوجها تسعاً وعشرين سنة. ومرت بعهد الثورة في سلام وأمان وقضت نحبها في عام 1800، في سن الواحدة والثمانين"([25]).

 

 

([1]) ول ديورانت - ترجمة: فؤاد أندراوس و محمد علي أبو درة – قصة الحضارة "أوروبا الوسطى" – المجلد التاسع عشر  (37/38) – الكتاب الخامس – مكتبة الأسرة – القاهرة 2001 - ص26+27

([2]) المرجع نفسه - ص  29

([3]) المرجع نفسه –ص  31

([4]) المرجع نفسه –ص  30

([5]) المرجع نفسه –ص  73

([6]) جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره – معجم الفلاسفة – ص295

([7]) ول ديورانت– قصة الفلسفة – ترجمة: د.فتح الله محمد المشعشع - مكتبة المعارف – بيروت – الطبعة الخامسة - ص289

([8]) ول ديورانت –  مرجع سبق ذكره – قصة الحضارة – المجلد التاسع عشر - الفصل العشرون - ص  65

([9]) المرجع نفسه –ص  88

([10]) جورج طرابيشي - معجم الفلاسفة –  دار الطليعة – بيروت – ط2 - ديسمبر 1997– ص295

([11])  جماعة من الأساتذة السوفيات –  مرجع سبق ذكره - موجز تاريخ الفلسفة – ص319

([12])ول ديورانت – مرجع سبق ذكره – قصة الحضارة – المجلد التاسع عشر – الفصل العشرون  –ص  89

([13]) المرجع نفسه –ص 101

([14]) ول ديورانت - ترجمة: فؤاد أندراوس – قصة الحضارة "روسو والثورة" – المجلد الثاني والعشرون -ص  383

([15]) المرجع نفسه –ص  109

([16])جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره – معجم الفلاسفة – ص 295

([17]) ول ديورانت - ترجمة: فؤاد أندراوس و محمد علي أبو درة – قصة الحضارة "أوروبا الوسطى" – المجلد التاسع عشر (37 / 38) – الكتاب الخامس -ص 110-111

([18]) المرجع نفسه –ص  112

([19])ول ديورانت – مرجع سبق ذكره – قصة الفلسفة - ص289

([20])م. روزنتال و ب. يودين - الموسوعة الفلسفية – دار الطليعة – بيروت – ط1 اكتوبر 1974 – ص 569

([21])ول ديورانت –  مرجع سبق ذكره – قصة الحضارة – المجلد التاسع عشر -ص  115

([22]) المرجع نفسه –ص  117

([23]) المرجع نفسه –ص 121

([24]) المرجع نفسه –ص 124

([25]) المرجع نفسه –ص 128