ليست هناك دولة في العالم العربي تتمتع بعلاقة تاريخية مع اليهود أكثر من المغرب ونظامها الملكي العلوي؛ فبعد سقوط الأندلس بزوال الحكم الإسلامي عام 1492 قام الفرنجة بتشكيل محاكم التفتيش التي شرعت بطرد اليهود من شبه جزيرة الوندال التي تضم الآن: إسبانيا والبرتغال، وكانت وجهتهم بعد الطرد نحو المغرب على شكل هجرة جماعية، وهكذا تميزت العلاقة التاريخية بين المغرب واليهود بطابع ديموغرافي، وذلك على خلاف علاقة اليهود الجغرافية بشبه الجزيرة العربية، حيث تواجدوا فيها قبل الإسلام في اليمن ويثرب وخيبر وفدك وتبوك، كما تواجدوا أيضًا في مصر القبطية وفلسطين في إطار العلاقة الدينية. وعلى إثر هذه الهجرة الجماعية اليهودية، تشكلت في المغرب جالية يهودية كبيرة؛ أصبحت بمرور الزمن جزءًا من النسيج الاجتماعي المغربي يتمتع أفرادها بالحقوق المدنية، وكان منهم وزراء ومعلمين لأبناء الملوك وموظفين في البلاط الملكي، وفي عام 48 عام قيام الكيان الصهيوني والأعوام التي توالت بعده؛ هاجر الكثيرون منها إليه، وكان ذلك بتشجيع من الدولة المغربية نفسها ليشكلوا في الكيان الصهيوني أيضًا جالية مغربية كبيرة؛ تصنف في التنوع الديموغرافي "الإسرائيلي" الحكومي باليهود الشرقيين (السفارديم) الذين منهم أيضًا يهود اليمن والعراق ومصر وتونس وليبيا، أي اليهود العرب؛ تمييزًا لهم عن اليهود الغربيين الاشكناز الذين لهم النفوذ الأكبر في إطار سياسة التمييز العنصري في الدولة العبرية. لم تنقطع الاتصالات الرسمية والشعبية بين المغرب والعدو الصهيوني، حيث كثير من اليهود المغاربة، يزورون المغرب للقاء بعض أقاربهم، وفي عام سابق قام وزير خارجية الكيان ديفيد ليفي وهو مغربي الأصل بزيارة المغرب لرؤية أخيه وأبناء عمومته وعلى هامش الزيارة؛ قام الملك محمد السادس باستقباله في القصر الملكي ووفق بروتوكول البلاط؛ أشيع وقتها في وسائل الإعلام بصرف النظر عن صحة الخبر من عدمه، أن ديفيد ليفي قام بتقبيل يد الملك، بصفته أحد مواطني المملكة، وليس بصفته وزيرًا لخارجية الكيان الصهيوني.
أما والده الراحل الملك الحسن الثاني، فقد كانت تربطه علاقة صداقة مع شيمون بيريز الذي زار أيضًا المملكة المغربية أكثر من مرة، كما رتب اجتماعًا سياسيًا في الرباط بين موشيه ديان وحسن التهامي مندوبًا عن مصر، وكان ذلك خلال المساعي السياسية التي بدأت تقودها واشنطن في عهد الرئيس نيكسون بعد حرب أكتوبر عام 73، وكانت برئاسة وزير الخارجية آنذاك؛ هنري كيسنجر، حسب نظريته: خطوة خطوة، وقد توجت هذه المساعي بإبرام اتفاقية كامب ديفيد التي شكلت باعتراف مصر بالكيان الصهيوني أول تراجع قومي عربي أمام المشروع الصهيوني. هكذا يتضح بعد هذا السجل التاريخي الطويل من العلاقة بين المغرب واليهود، وكذلك بينه وبين العدو الصهيوني بعد نشأته؛ أنه لا غرابة البتة في أن يوافق المغرب على تطبيع العلاقات رسميًا مع العدو الصهيوني؛ "تحقيقًا" لمصالحه القطرية في اعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء التي تطالب جبهة البوليساريو الصحراوية بتحريرها من عملية الضم المغربية التي بدأت بالمسيرة الخضراء التي قادها الملك الحسن الثاني، وقد سبق أن أعلنت الجبهة عن قيام الجمهورية العربية الصحراوية التي اعترفت بها بعض الدول الأفريقية، وكذلك يأتي الإعلان عن هذا التطبيع المغربي أيضًا لحاقا بقطار التطبيع الذي يقوده المهزوم ترامب المتصهين، قبل مغادرته للبيت الأبيض في إطار إنجازاته السياسية لدولة الكيان الصهيوني، بدافع المعتقد المذهبي الانجيلي الذي ينتمي إليه، والذي يتوافق هذا الاتجاه الديني مع الأصولية اليهودية.. وكان قد استقلت هذا القطار قبل ذلك كل من دولتي الإمارات والسودان ومملكة البحرين، ومما لا شك فيه أن الفرص ما زالت معروضة لجر دولًا عربية أخرى، وربما أيضًا في عهد بايدن بدافع المصلحة القطرية وسياسة الانحياز الأمريكي المتواصل، وذلك ما دام الوضع العربي البائس باقيًا على حاله من الانحدار السياسي والأخلاقي؛ مفتقدًا للموقف القومي العربي الرسمي الفاعل.

