دعونا ننبش في التاريخ مرة وثانية وثالثة كي لا ننسى المسكوت عنه الأكبر والأخطر في هذا الزمن التطبيعي العربي، إذ يبدو أننا في هذا الوقت في زمن اللامعقول واللا منطق، بل وفي زمن الأعراب الذين انقلبوا وينقلبون على ثوابت الأمة والعروبة، بل ويذهبون أبعد من ذلك بالتحالف مع العدو ضد الشعب العربي الفلسطيني والهدف: تصفية قضية الأمة مرة واحدة، وإلى الأبد بعدأن أعلن الكثيرون منهم: لقد تعبنا ويئسنا…خلصونا من هالقضية…متناسين عمدًا كيف أقيمت وأنشئت دولة الكيان على الإرهاب…بل إن المسكوت عنه الأكبر في هذا الزمن العربي الرديء هو السطو والإرهاب الصهيوني والمجازر الدموية التي اقترفتها التنظيمات الإرهابية الصهيونية قبل إقامة الكيان، والتي اقترفها جيش الاحتلال بعد إقامته، وتواصلها سلطات الاحتلال على مدار الساعة وحتى الساعة...!
فإذا كان الرأي العام العالمي والغربي منه على وجه التحديد، وإذا كان بعض العرب أيضًا قد نسوا أو تناسوا ويتناسون الحقيقة الراسخة الموثقة: أن “دولة إسرائيل” قامت على أسنة الحروب والإرهاب الدموي وسياسة التهديم والترحيل والإلغاء الشامل للشعب الفلسطيني، وإن كانت ماكينة الإعلام الغربية/المتصهينة عملت في السنوات الأخيرة على “خلق إرهاب يرتدي ثوبًا فلسطينيًا وعربيًا وإسلاميًا”، وإن كان”الإعلام الغربي لعب ويلعب دورًا مذهلًا في قلب الحقائق والأمور وتحويل المجرم إلى ضحية والضحية إلى مجرم”، وإن كانت دولة “إسرائيل” وظفت وتوظف عددًا هائلًا من العاملين في قطاعات الإعلام والسياسة والمؤسسات الأكاديمية في العالم لتسويق فكرتها حول الإرهاب"، فإن الحقيقة الدامغة الموثقة المدعمة بالمعطيات والحقائق هي أن منطقتنا العربية لم تعرف الإرهاب إلا بعد إنشاء “دولة إسرائيل” فهم أساتذة الإرهاب؛ فالإرهاب ارتبط بالحركة الصهيونية وما قامت به في فلسطين، وإن”قافلة الإرهاب انطلقت من مستنبتات الفكر الديني العنصري اليهودي”، و”إن سجل الإرهاب الصهيوني حافل وزاخر ومليء بوقائع الممارسات الإرهابية، وإن الفكر العنصري الإرهابي الإسرائيلي يدرس في الأدبيات والمناهج التعليمية ويطبق على مستوى السياسة الرسمية الإسرائيلية”.
فوفق كم هائل من المعطيات والحقائق الموثقة المتعلقة بقافلة الإرهاب الصهيوني التي انطلقت منذ مطلع القرن العشرين بملامحها وأعراضها الواضحة الملموسة، فإنه يمكن القول بدءًا؛ أن التاريخ البشري لم يشهد إرهابًا سياسيًا/فكريًا/عقائديًا/عنصريًا/دمويًا/منهجيًا/مروعًا، مع سبق النوايا والتخطيط والإصرار على التنفيذ بأبشع الصور والاشكال، كالإرهاب الذي مارسته الحركة الصهيونية بمنظماتها وأجهزتها الإرهابية السرية ما قبل قيام الكيان الإسرائيلي، وكالإرهاب الرسمي وغير الرسمي والعلني والسري الذي مارسته وما تزال الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على مدى العقود السبعة الماضية التي أعقبت قيام الكيان الإسرائيلي.
كذلك،وإن شهد التاريخ البشري ظواهر إرهابية، ترجمت بمذابح جماعية؛ أدت أحيانًا إلى اختفاء أو انتهاء شعوب أو دول، فلم يسجل التاريخ حالات مثل هذه الحالات لها منطلقات سياسية/فكرية/عقائدية برامجية موثقة في أدبيات من نفذها ومارسها مثلما هو الحال عليه مع الحركة الصهيونية و"إسرائيل".
كما لم يشهد التاريخ من جهة أخرى أن تعرض شعب لمثل هذا الإرهاب الممنهج والمنفذ على كل المستويات وبشتى وسائل وأدوات الإرهاب وبأبشع الأشكال والصور على مدى زمني متصل لأكثر من سبعة عقود من الزمن، مثل ما شهده الشعب العربي الفلسطيني على أرض فلسطين.
لا حصر لكم الوثائق الاسرائيلية والبريطانية وغيرها المكتنزة وغير المسموح بالإفراج عنها؛إلا بالقطارة وبعد مضي عقود من الزمن عليها، وقد أفرجت السلطات البريطانية في الآونة الأخيرة عن مثل هذه الوثائق التي توثق لنا ذلك الإرهاب الصهيوني المؤسسي المنهجي الراسخ، منذ بدايات نشوء الحركة الصهيونية، مرورًا بجرائمها المقترفة قبيل وخلال وبعد حرب /48 وصولًا إلى الراهن الفلسطيني.
وفي هذا السياق، ومن سجل الارهاب الصهيوني الذي يجب أن نستحضره في كل مناسبة وعلى كل المنابر، كشفت وثيقة في بريطانيا تعود الأربعينيات من القرن الماضي معلومات جديدة عن العمليات الارهابية التي كانت تنفذها العصابات الصهيونية، بما فيها ضد قوات الانتداب البريطاني في فلسطين، لكن الأمر المثير هو تعاطي الصحافة البريطانية مع نشر الوثيقة، إذ وصفت الصهاينة الذين قاموا بتلك العمليات ب"رجال المقاومة" ضد الاحتلال البريطاني، الأمر الذي دفع خبيرًا بريطانيًا للقول: "إن هذه الوثيقة تثير السؤال حول الإرهاب والمقاومة والاحتلال"، مشيرًا إلى ما يجري في فلسطين والشرق الأوسط عمومًا، وما جرى في ايرلندا الشمالية سابقًا.
وجاء في الخبر البريطاني إنه: "من خلال الوثيقة يمكن للعالم أن يتأكد من حقائق الإرهاب الذي شنته العصابات والمنظمات الإرهابية الصهيونية في فلسطين أثناء فترة الانتداب البريطاني، وعلى رأسها عصابةأرجون التي كان يرأسها مناحيم بيغن الذي أصبح عام 1977 رئيسًا للوزراء في إسرائيل"، وذكرت صحيفة التايمز البريطانية: "أن الوثيقة كانت عبارة عن كتيب يتضمن منشورات تحذيرية من العصابات الإرهابية الصهيونية إلى البريطانيين، لكي ينسحبوا من فلسطين، وإلا فإنهم سيواجهون الموت والدمار"، وتنوه المطبوعة بأن هذه المنشورات: "ليست جزءًا من حملة دعائية لتنظيم القاعدةأو لجيش المهدي في العراق"، ولكنها ترجع الى فترة الأربعينيات من القرن الماضي، خلال تصاعد العمليات الإرهابية الصهيونية في فلسطين، وتم العثور على هذه الوثيقة في إحدى صالات المزادات.
وتعيد المطبوعة إلى الأذهان الفظائع والأعمال الإرهابية التي ارتكبتها المنظمات الإرهابية الصهيونية آنذاك، إلا أن هناك نبرة تحيز واضحة، حيث إن "التايمز" تطلق عليهم اسم "رجال المقاومة اليهود".ومن بين تلك الهجمات الإرهابية كما تذكر الصحيفة؛ استهداف مقر الاحتلال البريطاني في القدس ، وهو فندق الملك داود، مما أدى إلى مصرع 91 شخصًا وجرح المئات.
وقبل ذلك بشهور قليلة"أطلقت السلطات البريطانية سراح مئات الوثائق السرية من ملفات الاستخبارات المتعلقة ب :الإرهابي الفلسطيني- كما أسموه في ذلك الوقت - رقم-1- وكان آنذاك مناحيم بيغن الذي حمل اسم يعقوب حيروتي"، وجاء في الوثائق: "أن بيغن الإرهابي رقم -1- مطلوب للعدالة بتهمة التآمرلاغتيال وزير الخارجية البريطاني أرنست بوين"، والأهم أن الوثائق أكدت:"أن الخروج الجماعي لمئات آلاف اللاجئين العرب كان بالأساس؛ بسبب الإرهاب المنهجي لمنظمة اتسل بزعامة بيغن بالتعاون مع منظمة ليحي –التي كان يتزعمها شامير "...!!
وفي السياق لعل من أهم الوثائق والشهادات التي تفضح سجل إرهابهم هي تلك الصهيونية –الإسرائيلية التيأخذت تلك الدولة تفرج عنها أو عن بعضها، أو أخذ عدد من باحثيهم ومؤرخيهم أيضًا؛ يكشف النقاب عن بعضها.وفي هذا السياق كشفت مصادر إعلامية اسرائيلية عن مخططات إسرائيلية لارتكاب جرائم بحق البشرية؛ استعد لتنفيذها قادة إسرائيليون ضد الفلسطينيين والسوريين في الخمسينيات من القرن الماضي،واستند توم سيغف المحلل في صحيفة "هآرتس العبرية" في تقرير له بعنوان :"الخطط المريعة للافون: إرهاب في سوريا وغزة كي تكون أجواء احتفالية"، على مقتطفات من مذكرات رئيس الوزراء الأسبق موشي شاريت تفيد ب "أن زميله وزير الحرب بنحاس لافون أصدر أوامر بنشر بكتيريا سامة في قطاع غزة وسوريا"، إلا "أن مخططه رفض من جانب القادة العسكريين".وكان سيغف قد نبش فصلًا مطويًا من تاريخ الإرهاب الصهيوني الذي "يحبذون في إسرائيل نسيانه"... إنه الإرهاب الصهيوني في العراق منذ سنة 1951؛ فقد أكد سيغف بالوثائق "أن إسرائيل وقفت وراء الاعتداءات /التفجيرات/ ضد الكنس اليهودية في العراق؛ من أجل اجبار اليهود على الرحيل إلى إسرائيل".
وكشف رافي ايتان المسؤول الكبير في الموساد الإسرائيلي سابقًا؛ النقاب عن "أن إسرائيل نفذت عمليات اغتيال ضد علماء ألمان كانوا يساعدون مصر على تطوير صواريخ/عن صحيفة يديعوت".
وكشف رونين برغمان مراسل صحيفة يديعوت للشؤون الاستخبارية والاستراتيجية؛ النقاب أيضًا عن "أن إسرائيل كانت بادرت –في حينه- إلى إنشاء شركة طيران الكويت لإدخال جواسيسهاإلى مصر /يديعوت". و "أن العملية تمت بإشراف الوزير الاسرائيلي السابق وعالم الفيزياء النووية يوفال نئمان".
وبينما كشف كتاب إسرائيلي أصدره الصحافي "أهارون كلاين"؛ النقاب أيضًا عن "أن الموساد هو الذي اغتال وديع حداد في العراق عام 1978".فيما أكد الخبير الألماني في عالم الجريمة "يورغن كاين" "أن الموساد يقف أيضًا وراء اغتيال رفيق الحريري، كما وجاء ذلك في كتابه الجديد الأدلة المغيّبة في ملف التحقيق في جريمة اغتيال الحريري". ويضاف إلى ذلك طبعًا عشرات عمليات الاغتيال التي نفذتها أجهزة الاستخبارات الصهيونية على امتداد ساحات المنطقة في الآونة الأخيرة.
لا شك أن هذه الوثائق التي يفرج عنها تباعًا ولو متأخرًا جدًا...جدًا؛ منها ما هو بعد نحو ستين عامًا على مطاردة بيغن- ومنها ما هو بعد عقد أو عقدين أوثلاثة عقود من الزمن..ومنها ما يكشف النقاب عنه تباعًا حتى يومنا هذا، إنما تنطوي اليوم أيضًا على أهمية أخلاقية عالية جدًا، ذلك أنها تحاكم أولًا الإرهاب الصهيوني ضد عرب فلسطين بأثر رجعي، كما تفتح للعالم مجددًا ملف ذلك الإرهاب المستمر منذ ذلك الوقت حتى اليوم؛ متوجًا بالحروب المفتوحة التي تشنها دولة الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني.

