Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح48)

غازي الصوراني

موجز الفلاسفة.jpg

خاص بوابة الهدف

(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الرابع

الفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى

الفصل التاسع

عصر التنوير والحداثة في القرن الثامن عشر

أولاً: عصر التنوير العقل والتقدم

أبرز فلاسفة عصر التنوير والحداثة

جوتهولد ايفرايم ليسنغ (1729 - 1781):

فيلسوف ألماني، ومن أبرز رجال التنوير، "كان ليسنغ كاتباً مشهوراً، ومسرحياً، وناقداً، وفيلسوفاً، في وقت واحد، وعرف مناضلاً عنيداً ضد قوى الرجعية، ضد الايديولوجية الاقطاعية، والتعصب الديني، حتى كاد يختنق في جو بروسيا الفكري آنذاك.

ناضل ليسنغ، في مقالاته حول المسرح، من أجل فن مسرحي واقعي تقدمي، وفي "لاوكوون"، حيث درس الفرق بين وسائل التعبير في الشعر والرسم، نراه يطمح إلى فن يتجاوز أعمال الكلاسيكيين والنماذج الساكنة، فن يعكس، بوسائله الفنية، ديناميكية العصر، وصراع الناس.

في الفلسفة وقف ليسنغ ضد اللاهوت الرسمي المحافظ، حتى ذاعت في ألمانيا كلها أخبار الصراع، الذي خاضه ليسنغ ضد كبير أساقفة هامبورج، وله، بعد سبينوزا، يعود الفضل في اعتماده وجهة النظر التاريخية في دراسة الكتب المقدسة- العهدين القديم والجديد، حيث رَفضَ ليسنغ جميع التصورات الأرثوذكسية عن الألوهية، والقول بذات إلهية، موجودة خارج العالم، ويُسلِّم فقط بإله، هو "روح العالم"، إن قيمة الدين، عند ليسنغ، هي – في نهاية المطاف- قيمة اخلاقية فقط"([1]).

"عمل ليسينغ من اجل التطور الديمقراطي للشعب الالماني وثقافته، وقد بَشَّر في كتابه "تربية الجنس البشري" (1780) بمستقبل قادم متحرر من الميتافيزيق، فيه يتيح الدين مكانة للعقل المستنير، كما دعا في مسرحيته الفلسفية "ناثان الأبيض" إلى فكرة التسامح الديني، ودعا أيضاً إلى حق التفكير الحر مؤكداً على المساواة بين الامم، وداعياً إلى الصداقة بينها.

عبر ليسنغ عن التناقضات في الحركة الألمانية الخاصة بالتنوير، وظلت نظرته الكلية للعالم مثالية، رغم انها تحتوي على بعض الملامح المادية، وهو في كتابيه "اللاوكون" (1766) و "دراما هامبورغية" (1767 – 1769)، اللذين يعدان علامة بارزة في تطور الفكر الجَمَالي العالمي، نادى بمبادئ الواقعية في الشعر والدراما والتمثيل، وهدم ما لدى طبقة النبلاء من نظرية وممارسة كلاسيكيتين، وفي مجال الفنون الجميلة سعى ليسينغ إلى تعريف القوانين الموضوعية للتآلف في الأنماط والأجناس المختلفة للفن، غير أنه لم يستطع أن يتبين الطبيعة التاريخية لهذه القوانين، فعلى الرغم من معارضته للاخلاقيات المصطنعة الا أنه نسب أهمية كبيرة للوظيفة الاخلاقية والتربوية للفن وخاصة في المسرح، وقد بَشَّرت كتاباته للمسرح بظهور الأدب الكلاسيكي الألماني، ومارست آراؤه الجمالية تأثيراً نافعاً على تطور ذلك الأدب"([2]).

أما عن رؤيته وقناعاته الفلسفيه، فقد "صرح ليسينغ بالتزامه برأي سبينوزا في أن الجسم والعقل هما الظاهر والباطن لحقيقة واحدة، وصفتان لجوهر واحد متطابق مع الله. وقال "إن المفاهيم التقليدية عن الإله لم يعد لها وجود عندي، وأنا لا أطيقها، لا أطيقها كلها! لا أعرف غير هذا"؛ وفي 1780 طلب إليه أحد أصدقاؤه أن يساعده في الرد على سبينوزا وتفنيد آرائه، فصدمه جواب ليسنج: "ليس هناك فلسفة غير فلسفة سبينوزا... ولو خُيِّرتُ في أن أتسمى اسم آخر لما عرفت غير اسمه".

لقد كان ليسينغ البشير بأعظم عصور ألمانيا الأدبية. ففي عام موته نشر كانط كتابه الخطير "نقد العقل الخالص" ونشر شيلر أول تمثيلياته. وكان جوته يرى في ليسنج المحرر العظيم، وأبا التنوير الألماني. قال جوته موجهاً الخطاب إلى طيف ليسنج "في الحياة كرمناك إلهاً من الآلهة؛ أما الآن وقد مت فإن روحك تسيطر على جميع النفوس.

وفي 3 فبراير 1781 أصابته نوبة ربو شديدة، وبصق دماً. وأوصى أصحابه قائلاً: حين ترونني مشرفاً على الموت، استدعوا موثقاً، وسأعلن أمامه أنني أموت على غير دين من الأديان السائدة، وفي 15 فبراير بينما كان راقداً في فراشه اجتمع نفر من أصحابه في الحجرة المجاورة، وفجأة فتح باب حجرته، وظهر ليسنج منحني الظهر مهزولاً، ورفع قلنسوته محيياً، ثم خر على الأرض صريعاً بسكتة دماغية، وأذاعت إحدى المجلات الدينية الحاقدة على ليسينغ وأفكاره، خبر موته قائلة: أن الشيطان حمله عند موته إلى الجحيم كأنه فاوست آخر باع روحه"([3])، لكنه ووري التراب باحترام وتقدير من كل المفكرين والمثقفين الذين التزموا بتنفيذ وصيته الأخيرة.

 

توماس بين‏ (1737 - 1809):

فيلسوف مادي، ومفكر تقدمي ومثقف ثوري، ولد وترعرع في إنجلترا، وقضى كثيراً من حياته في أمريكا وفرنسا، حيث كان له دور فعال، عن طريق مؤلفاته، في الثورتين العظيمتين اللتين نشبتا في هذين البلدين في اواخر القرن الثامن عشر.لقد كانت ثورات عصره، بالنسبة له، صنوفاً من الصراع بين خير وشر مطلقين([4]).

بواكر حياته:

ولد بين في ثيتفورد بإنجلترا لأسرة فقيرة، مما جعل حظه في الدراسة محدودًا. بدأ عمله في الثالثة عشرة من عمره. وفي التاسعة عشرة من عمره، ارتاد البحر لفترة وجيزة. وفيما بعد اشتغل محصلاً جمركيًا في لندن، غير أنه فُصل من العمل. تزوج بعد وفاة زوجته الأولى، ولكنه فُصل قانونيًا من زوجته الثانية. وفي عام 1774م، كان "توماس بين" وحيدًا وفقيرًا. غير أنه حظي بصداقة بنجامين فرانكلين الذي كان حينها في لندن، ونصحه بالذهاب إلى أمريكا.

توماس بين "ثوري وناشط ومنظّر سياسي ومفكر أمريكي من أبرز فلاسفة عصر التنوير في الولايات المتحدة ومن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة. ولد في بريطانيا وهاجر إلى أمريكا عام 1774 عندما كان عمره 37، حيث اشتغل في الصحافة. شارك في الثورة الأمريكية. ألّف مطوية مؤثرة مشهورة تُحَرِّض على استقلال المستعمرات الأمريكية من مملكة بريطانيا، كان لمؤلفه "الحس العام" سنة 1776 أثر كبير في التعجيل بإعلان الاستقلال، وكذلك فعل عمله الآخر "الأزمنة الأمريكية".

لم يقتصر دفاعه عن الثوار في الولايات المتحدة فحسب، بل دافع أيضا عن الثورة الفرنسية في كتابه "حقوق الإنسان" الذي انقسم إلى جزأين (1791-1792)، الذي هاجم فيه الحكومة الإنكليزية وساسة الإنكليز المناوئين للثورة الفرنسية، مما أدى إلى محاكمته، فهرب إلى فرنسا سنة 1792 ،و انضم إلى المؤتمر الوطني ولكنه لم يلبث أن سُجن في باريس وكاد يعدم بالمقصلة لاعتراضه على إعدام الملك، ولم يفرج عنه إلا بوساطة السلطات الأمريكية"([5]).

" كان لكتابه "حقوق الإنسان" تأثيره الملحوظ فى الثورة الفرنسية. فكتب أن: "العديد من الكُتاب يخلط بين المجتمع والدولة، وكأن هناك فرقاً صغيراً أو لا قيمة لها بينهما. إلا أنه ليس فحسب بينهما تباين، بل اختلاف فى أصل كل منهما. فالمجتمع، هو محصلة لاحتياجاتنا، بينما الحكومة، هى نتيجة مساوئنا، الأول يحقق سعادتنا بصورة إيجابية، بتوحيد مشاعرنا، والأخرى تسهم فيها بصورة سلبية، لقيامها بضبط خطايانا، فأحدهما يشجع على التواصل المشترك، بينما الأخرى تظهر الفوارق، وأن الحكومة فى أفضل أحوالها شر ضرورى، وفى أسوأ أحوالها لا تحتمل"([6]).

الثائر الأمريكي:

وصل توماس بين إلى أمريكا ومعه رسائل توصية من فرانكلين، وسرعان ما أصبح–حسب العديد من المصادر- محررًا مشاركًا في مجلة بنسلفانيا، ثم بدأ يعمل من أجل قضية الاستقلال. وفي عام 1776م، نشر مذكرته "الفطرة السوية"Commonsense  (يناير 1776) وهي طرح ذكي لقضية المستوطنين الأوائل، وقد طالبت هذه المذكرة بالاستقلال الكامل عن بريطانيا وبإنشاء اتحاد فدرالي قوي، كما احتوت المذكرة أيضًا على هجوم بارع على فكرة الملكية والمكانة الموروثة. وأكد بين أن الثورة الأمريكية سوف تمثل بداية عهد جديد في تاريخ العالم. وقد قرأ تلك المذكرة جورج واشنطن وتوماس جفرسون وآخرون من القادة المستعمرين ونالت استحسانهم، كما قرأها مئات الآلاف من المواطنين الأمريكيين العاديين.

وفي عام 1793 انتهى في باريس من اعداد مخطوطة كتابه "عصر العقل" وأرسل المخطوطة إلى أمريكا مشفوعة بالاهداء التالي:

"إلى رفاقي أهل بلدي في الولايات المتحدة الأمريكية: إنني أضع العمل التالي تحت حمايتكم• إنه يضم آرائي في الدين• إنكم ستسدون إليَّ عدلاً إن تذكرتم أنني كنت دائما أؤيد بشدة حق كل إنسان في إبداء رأيه مهما كان مختلفا مع ما قد يكون رأيي• إن من ينكر على الآخرين حقهم في إبداء رأيهم إنما هو عبد لرأيه الحالي لأنه يسلب نفسه حق تغيير هذا الرأي• إن العقل هو أمضى سلاح ضد كل أنواع الخطأ ولم يحدث أبداً أن استخدمت سواه وإنني واثق أنني لن أثق - مستقبلاً - في سواه • صديقكم المخلص ومواطنكم

توماس بين

باريس، 72 يناير 1974

 

ويقدم لنا "توماس بين" في مستهل كتابه هذا سببا غير متوقع لتأليف كتابه فيقول: إنه لا يهدف إلى تدمير الدين، وإنما يهدف إلى منع الفساد الناتج عن أشكاله(أشكال الدين) غير العقلية(اللاعقلانية) من أن يقوض النظام الاجتماعي، ويدمره خوفا من الخراب العام الذي تسببه الخرافة، والذي تسببه النظم الحكومية الزائفة واللاهوت الزائف، فهذه النظم الزائفة تُفقدنا الأخلاق والإنسانية واللاهوت الحق، ويضيف قائلاً ومؤكداً مجدداً: إنني أومن بالله الواحد الأحد لا رب سواه One and no more، وإنني آمل في تحقيق السعادة بعد هذه الحياة أي بعد الموت.

ثم يقول: إنني لا أومن بعقائد اليهود ولا عقائد كنيسة روما ولا كنيسة الأورثوذكسية الشرقية (الكنيسة اليونانية) ولا عقائد المسلمين ولا الكنيسة البروتستنطية ولا أي كنيسة (مؤسسة دينية) أعرفها، فعقلي هو كنيستي، فكل الكنائس كمؤسسات وطنية،لاتبدو لي أكثر من كونها بدع بشرية أقيمت لإرهاب البشر واسترقاقهم ولاحتكار السلطة وتحقيق المكاسب.

وكان معجبا بالمسيح كرجل فاضل ودود، وكان مقتنعا أن الأخلاق والقيم اللتين بَشَّر بهما وطبقهما كانتا خَيِّرَتين إلى أقصى، حد لكن حكاية كونه ابن الله ليست سوى خرافة مشتقة من خرافة شائعة بين الوثنيين.

ثم راح بين Paine يلقي أضواءه البحثية مستخدما العقل في سفر التكوين (السفر الأول في التوراة) ولم يطق صبرا على حكاياته الرمزية وأمثاله فهوى بمعوله على حواء والتفاحة.

وفي عام 1794 ألف الجزء الثاني من كتابه (عصر العقل) وكرسه لتوجيه نقد حاد للكتاب المقدس، وعندماعاد في سنة 1802 إلى نيويورك (التي سبق لها أن قدرت خدماته لجمهور الأمريكيين بمنحه 300 أكر (فدان) في نيوروشل New Rochelle) ) ووجه باستقبال بارد،  وأدمن الشرب في السنوات السبع الأخيرة من عمره ومات في نيويورك سنة 1809، وبعد موته بعشرة أعوام عمل وليم كوبت William Cobbett على نقل رفاته إلى إنجلترا، حيث لعبت روحه غير الواهنة - من خلال كتبه - دورا في المعارك الطوال التي تمخض عنها صدور مرسوم الإصلاح Reform Act في بريطانيا سنة 1832.

الدولة والحياة الاجتماعية والديمقراطية عند "توماس بين":

إن مشكلة الحياة الاجتماعية، كما يراها "بين" هي، أساساً، مشكلة تأسيس حكومة على مبادئ صحيحة، إذ إن أساس فلسفة "بين" السياسية يكمن في نظرية الانسجام الطبيعي للمصالح الفردية يقول إن "المجتمع" ينشأ بسبب حاجاتنا أما الحكومة فهي تنشأ بسبب شرورنا"، والواقع "إن الإنسان مخلوق اجتماعي بطبيعته، وهو مخلق من أجل المجتمع؛ أعنى أنه من المستحيل تقريباً أن نخرجه منه". إن المبدأ الذي يشكل المجتمع، ويربط أفراده معاً، هو، من ثم، المصلحة العامة"([7]).

تتضمن حقوق الإنسان كلاً من الحقوق الطبيعية والحقوق المدنية، ويشرح "بين" في كتابه "حقوق الإنسان" التمييز بينها بهذه الكلمات:

"الحقوق الطبيعية هي تلك الحقوق التي تخص الإنسان في حق وجوده، ومن هذا النوع كل الحقوق العقلية، أو حقوق الفكر، وكل حقوق الفعل من حيث إنه فرد بالنسبة لراحته وسعادته، ولا تضر الحقوق الطبيعية للآخرين، أماالحقوق المدنية فهي تلك التي تخص الإنسان في حق وجوده من حيث إنه عضو في المجتمع. وكل حق مدني يمتلك بالنسبة لأساسه حقاً طبيعياً موجوداً من قبل في الفرد، ولكن لا تكون سلطته الفردية، في كل الحالات، أهلاً للتمتع به بصورة تكفى، ومن هذا النوع كل تلك الحقوق التي ترتبط بالامن والحماية.

ويضيف "بين": اعنى أن هناك حقوقاً طبيعية "تكون في الفرد القدرة على تنفيذها كاملة مثل الحق نفسه". "فالدين، مثلاً، هو أحد هذه الحقوق". ويكون الفرد مكتفياً بذاته في ممارسة هذه الحقوق، ولا يحتاج إلى الحكومة، بيد أن هناك حقوقاً أخرى، طبيعية على حد سواء، "تكون فيها القدرة على تنفيذها ناقصة، على الرغم من أن الحق كامل في الفرد"، في هذه الحقوق "يودع الإنسان في المخزون العام للمجتمع". أعنى أنه يتخلى عن التنفيذ الشخصي لبعض حقوقه الطبيعية، ويستبدلها بحقوق مدنية، حتى إن المجتمع قد يحميه في ممارسة حقوقه بصورة أكثر فاعلية. ولذلك، فإن السلطة المدنية هي نوع من رأس المال المشترك "الذي يتكون من مجموع تلك الفئة من حقوق الإنسان الطبيعية، التي تصبح ناقصة في الفرد بسبب افتقاره إلى السلطة" إن الناس يشتركون في الحق في أن يكونوا حكاماً في قضيتهم الخاصة، ويؤسسون حكومة لكي تمارس الحكم بين قضاياهم المتصارعة.

بيد ان سلطة الحكومة ليست سوى سلطة الأفراد مجتمعة، ولا يمكن أن تستخدم لانتهاك الحقوق الطبيعية التي يبقون عليها لأنفسهم. ولأن الحقوق الطبيعية هي الحقوق التي منحها الله للإنسان من حيث هو إنسان في خلقه، فإنها لا تنتهك، بالتالي، ولا يمكن إبطالها"([8]).

يقول "بين": "إن الحكومة النيابية هي، الشكل المشروع الوحيد من الحكومة؛ لأنها هي الوحيدة التي تؤسس على حق الأمة في ان تحكم نفسها، وإن التمثيل النيابي لابد أن يمنح لكل شخص على أساس شخص واحد؛ أي صوت واحد، وبهذه الطريقة نحمى حقوق كل شخص على حد سواء، وهذا هو، فضلاً عن ذلك، غرض الحكومة الكلي، أما الشر العظيم الآخر الذي يندد به "بين" هو الفقر، الذي عزاه إلى فرض الضرائب الباهظة، والسياسات الجائرة للملكية والأرستقراطية، ويفترض "بين" أنه إذا سارت الحكومة بدون إسراف مدنى أو حربي (كما هي الحال في الجمهورية النيابية)، سيكون هناك فائض كبير ينشأ من فرض الضرائب على المعدلات السائدة، أو المنخفضة، ويمكن التخلص من جزء من هذا الفائض عن طريق إلغاء المعدلات الفقيرة؛ أعنى الضريبة على أرباب البيوت من أجل إعانة الفقراء ويمكن استخدام باقي الفائض لمنع الفقر الذي يحتاج إلى إعانة، ويتحقق ذلك عن طريق إعطاء الفقراء ما يسمى اليو منحة الزواج، والولادة، والجنازة، وعلاوة الأسرة، ومعاشات كبار السن([9]).

جان انطوان كوندورسيه (1743 - 1794):

فيلسوف ومفكر موسوعي فرنسي تعاطف مع مذهب الجيروند (التيار اليميني في الثورة الفرنسية)، وعضو أكاديمية العلوم في فرنسا، ولد مركيز كوندورسيه في أسرة عريقة، في بيكار دى (1743)، وتلقى تعليمه على اليسوعيين في رامس وباريس، وحين بلغ السادسة والعشرين أنتخب عضواً في اكاديمية العلوم، وكان أحد الرعيل الأول ممن انضموا للحملة التي شنت على تجارة الرقيق(1781)([10]).

يعتبر كوندورسيه خاتم الفلاسفة الفرنسيين، وقد رحب بالثورة فاتحة لمستقبل التعليم الجامعي، والعدالة، والرخاء. وفي 1790 اختير للمجلس البلدي الذي كان قد تسلم إدارة باريس، ثم انتخب عضواً في الجمعية التشريعية التي حكمت فرنسا من أول أكتوبر 1791 إلى 20 سبتمبر 1792، ووضع بوصفه رئيساً للجنة التعليم العام تقريراً يدعو إلى نظام قومي للتعليم الابتدائي والثانوي، العام، المجاني، الشامل للجنسين على السواء، والبعيد عن النفوذ الكنسى، وقد وضع مبدأ "دولة الرفاهية" قال: "يجب أن يكون هدف جميع المؤسسات الاجتماعية تحسين الأحوال البدنية والفكرية والأخلاقية لأكثر طبقات السكان عدداً وأشدها فقراً، وقدم التقرير إلى الجمعية في 21 ابريل 1792، ثم عطلت حروب الثورة اتخاذ إجراءات تنفيذه. ولكن حين وطد نابليون سلطته جعل تقرير كوندورسيه الأساس الذي أرسى فوقه تنظيمه للتعليم من جديد في فرنسا تنظيماً بدأ به عهداً حاسماً"([11]).

صَوَّتَ كوندرسيه في صف الذين أدانوا لويس السادس مذنباً بالخيانة، ولكنه صَوَّتَ ضد إعدامه، فلما تبنى المؤتمر الذي سيطر عليه اليعاقبة دستوراً أكثر تطرفاً، كتب كوندورسيه نشرة ينصح فيها المواطنين أن يرفضوه. وفي 8 يوليو 1793 امر المؤتمر بالقبض عليه، فهرب وظل تسعة أشهر مختبئاً في منزل إحدى صديقاته، ولكي يصرف ذهنه عن خوف القبض عليه ألف كتيباً يصلح تلخيصاً لحركة التنوير، و"كتاباً أزرق" (أي مخططاً) للمجتمع المثالي القادم، وعنوانه: "نشرة تمهيدية لجدول تاريخي بمراحل تقدم العقل البشري"، وفي هذا قَسَّمَ كوندورسيه التاريخ إلى عشر مراحل: (1) اتحاد الأسر في قبائل. (2) الرعى والزراعة؛ (3) اختراع الكتابة؛ (4) ازدهار الثقافة اليونانية حتى عهد الإسكندر؛ (5) تطور المعرفة خلال صعود روما واضمحلالها؛ (6) العصور المظلمة، من 476م. إلى الحروب الصليبية؛ (7) نمو العلم بين الحروب الصليبية واختراع الطباعة؛ (8) من جوتنبرج إلى بيكون، وجاليليو، وديكارت، "الذين خلعوا نير السلطة؛ (9) من ديكارت حتى تأسيس الجمهوريتين الأمريكية والفرنسية؛ (10) عصر الفكر المحرر.

كان كوندورسيه لا يعترف للعصور الوسطى بقدر، شأنه في ذلك شأن فولتير، فقد تمثل فيها تسلط الكنيسة على الفكر الأوروبي، وتَخَدَّرَ الشعب بسحر القداس، "قام نقده للدين على أساس الربوبية وحركة التنوير ودعا إلى طرح الخرافات، كما دعا إلى تطور المعرفة العلمية"([12]).

على الرغم من أن كوندرسيه، أخذ على عاتقه البرهنة على أن الرأسمالية تضمن تقدماً لانهائياً والنظام البورجوازي هو قمة المعقوليه، إلا أنه حارب من أجل المساواة السياسية، ودعا إلى استئصال الحكم الديكتاتوري، ودعا إلى التطور الحر للفرد، وفي الوقت نفسه اعتبر عدم المساواة فيما يتعلق بالملكية مفيداً للمجتمع، وكانت آراؤه وأوهامه من النوع المميز لمفكري البورجوازية الناشئة"([13]).

احتفظ كوندرسيه – كفولتير أيضاً- بإيمان ربوبي بالله، لكنه اعتمد على تقدم المعرفة وانتشارها لتقويض سلطان الكنيسة، وتوسيع الديمقراطية، بل والارتقاء بالأخلاق، فقد شعر بأن الخطيئة والجريمة هما إلى حد كبير نتيجة للجهل، يقول: "سيأتي الوقت الذي تشرق فيه الشمس فقط على أحرار الرجال الذين لا يعرفون لهم سيداً غير عقلهم". وقد أثنى على فولتير لإطلاقه الفكر من عقاله، وعلى روسو لإلهامه الناس بأن يقيموا نظاماً اجتماعياً عادلاً "([14]).

"ولم يمكن تفاؤل كوندورسيه تفاؤلاً أعمى تماماً، يقول: "مازلنا نرى قوى التنوير لا تملك أكثر من جزء صغير جداً من العالم، والمتنورين حقاً وصدقاً تطغى عليهم كثرة جماهير الناس الذين مازالت تسيطر عليهم الجهالة والتعصب"([15]).

"وبعد انتهائه من إعداد كتابه "مشروع جدول تاريخي لتقدم الانسانية" وهو في مخبئه، خشى كوندورسيه أن يلحق الضرر بصديقته "مدام فرنيه" إذا اكتشف البوليس أنها تأويه، فأودعها مخطوطه وغادر بيتها متنكراً رغم اعتراضاتها، وبعد أن تشرد أياماً على أطراف باريس طلب طعاماً في فندق، وأثار الشبهة مظهره وعدم وجود أوراق تُعَرِّف بهويته، وسرعان ما تبينه القوم أرستقراطياً، وقُبضَ عليه، وزج في سجن بمدينة بور – لا- رين (7 أبريل 1794)، وفي صبيحة الغد وجد ميتاً في زنزانته، وقد ذهب تقرير الطبيب الذي فحص الجثة إلى أن  موته بسبب جلطة في احد عروقه.. تكريماً له، قررت الحكومة الفرنسية طباعة ثلاثة آلاف نسخة من كتابه وتوزعها في جميع أرجاء فرنسا"([16]).

 

جيرمي بنتام (1748 – 1832 ):

فيلسوف سياسي واجتماعي، ورجل قانون بريطاني، أحد الفلاسفة الجذريين التغييريين الذين ضغطوا طلباً لإصلاحات قانونية في المجتمع البريطاني، وهو أيضاً مؤسس "المذهب النفعي"، الذي يشير إلى "وجهة النظر التي تقول إن الفعل إذا كان صواباً، او خاطئاً فإن ذلك يعتمد على ما إذا كان المرء يعتقد أن نتائجه خَيِّرَة أو شريرة، ويشير "الخير" و"الشر" عند بنتام إلى اللذات، أو الآلام التي تظهر في خبرات الموجودات البشرية الفردية.

اعتقد بنتام، مثل "فلاسفة التنوير"، أن الحالة الإنسانية لابد ان تتطور، لا محالة، عن طريق التزايد المحض للمعرفة بمعنى المعرفة الموسوعية، التي ترتبط بمبادئ مجردة لتصنيف المعلومات، ووضعها لكي تعمل من أجل إصلاح المجتمع"([17]).

لذا، فقد انتقد "بنتام" مظاهر معينة من ذلك المجتمع، غير أن النقد لا بد من أن يكون له مقياس معياري ينطلق منه. وانسجاماً مع التقليد التجريبي – الحسي – النفعي، لم يقبل بنتام فكرة الحقوق الطبيعية ولا نظرية العقد الاجتماعي، واعبتر التسويغ الوحيد للسلطة وللتغيير الاجتماعي يمثل في الحاجات الإنسانية، نعني المنفعة واللذة. وهنا كان بنتام متبعاً هلفيتيوس:

  1. اللذة والألم هما سببا العمل الإنساني، لذا يمكننا أن نؤثر في السلوك الإنساني بتغيير العلاقة بين اللذة والألم.
  2. اللذة هي ما يسوغ التشريع والسلطة السياسية([18]).

وتبع بنتام هلفيتيوس باتخاذه مبدأ المنفعة الذي يقول بأعظم سعادة (منفعة) ممكنة لاوسع عدد من البشر، مقياساً معيارياً أساسياً.

إن الجديد في تفكير بنتام متمثلاً في أنه، وبانسجام منطقي أكبر من سواه، وظف هذا المبدأ دليلاً للإصلاحات القانونية، وأنشأ نظاماً لاحتساب ما يوفر الأكثر من اللذات، وفي الممارسة، كان مذهب المنفعة والمذهب الليبرالي محاولة لتجنب ما هو سلبي أكثر منهما لتحقيق المثال الأعلى.

إن "توصية بنتام بحساب اللذة والألم تذكرنا، وبشكل بارز، بحساب الربح، وفي حين يحسب الربح بوحدات متشابهة، مثل الباوند والبنس أو المارك يصعب معرفة كيفية حساب تجارب لذة وألم، فكيف يمكننا أن نقارن قيمة اللذة في التمتع الهادئ بطعام جيد والابتهاج الغامر الصارخ بعد النجاح في الامتحان؟ لم ينجح بنتام قط في حل هذه المسألة، لذا، فإن حسابه الخاص باللذات يثير إشكالية"([19]).

ومثل أكثر الليبراليين، "افترض بنتام وجود انسجام بين مختلف المصالح المفردة، أي: عندما ينشد الكل زيادة لذتهم إلى أعظم ما يمكن، فإن ذلك يكون لخير جميع الأفراد. غير أن بنتام لم يرَ أن مثل ذلك الانسجام يظهر بصورة أوتوماتيكية، أي: المطلوب هو تشريع فعال قائم على مبدأ المنفعة، ويجب وضع هذا التشريع موضع التنفيذ بمعنى أن الهدف منه هو تغيير مقصود"([20]).

إن المقدمة الموحدة لعمله هي مبدأ المنفعة: أي "ذلك المبدأ الذي يستحسن أو يستهجن كل فعل أياً كان، بناء على الميل الذي يبدو أنه لابد أن يزيد، أو يقلل سعادة الجماعة التي تكون مصلحتها موضع الاهتمام.([21])

 

 


([1]) جماعة من الأساتذة السوفيات – مرجع سبق ذكره - موجز تاريخ الفلسفة –  – ص312

([2]) م. روزنتال و ب. يودين - الموسوعة الفلسفية – دار الطليعة – بيروت – ط1 اكتوبر 1974 – ص420

([3]) موقع المعرفة – الانترنت .

([4])فرنسيس كانافان س. ج. – مرجع سبق ذكره –  تاريخ الفلسفة السياسية – ص 302

([5]) موقع ويكيبيديا – الانترنت .

([6]) مصطفى نور الدين – الدولة ضد الديمقراطية – مجلة الديمقراطية – العدد 74 – ابريل 2019.

([7]) فرنسيس كانافان س. ج. – مرجع سبق ذكره – تاريخ الفلسفة السياسية –ص 302

([8])  المرجع نفسه – ص 304

([9])  المرجع نفسه – ص 306- 307

([10]) ول ديورانت - ترجمة: فؤاد أندراوس – قصة الحضارة "روسو والثورة" – المجلد الثاني والعشرون - ص  383

([11]) المرجع نفسه – ص  384

([12]) المرجع نفسه –ص  385

([13])م. روزنتال و ب. يودين - الموسوعة الفلسفية –دار الطليعة – بيروت – ط1 اكتوبر 1974 – ص 398

([14])ول ديورانت – مرجع سبق ذكره – قصة الحضارة – المجلد الثاني والعشرون -ص  385

([15]) المرجع نفسه – ص  387

([16]) المرجع نفسه – ص  388

([17]) تيموت بىفلر- مقال بعنوان: جيرمي بنتام وجيمس مل - تاريخ الفلسفة السياسية (مجموعة مؤلفين) – تحرير: ليو شتراوس وجوزيف كروبسي – ترجمة: محمود سيد أحمد – المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة – الجزء الثاني– 2005 – ص 343

([18])غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفكر الغربي - ص  553

([19]) المرجع نفسه -  ص 554

([20]) المرجع نفسه -  ص 558

([21]) تيموت بىفلر- مرجع سبق ذكره- مقال بعنوان: جيرمى بنتام وجيمس مل- تاريخ الفلسفة السياسية – ص 354