قبل أن يحمل أمتعته ويرحل عنا عام 2020، أبى أن يغادرنا قبل أن ياخذ معه قامات وطنية ومناضلين أشداء؛ فقبل مدة قصيرة رحل أبو كفاح والدكتور طارق الحجاوي كما رحل بالأمس محمود مراغة وغيرهم، وكما رحل في بداية هذا العام القادة سليماني وأبو مهدي المهندس أثر عملبة غادرة قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتنفيذها.
ها هو يرحل عنا في نهاية هذا العام الرفيق القائد عبد الرحيم ملوح نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين سابقًا، وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية السابق، بعد صراع طويل مع المرض الذي نجح في النيل منه، بعد أن عجزت المعارك العسكرية التي خاضها وقادها بشرف في الأردن ولبنان، ومؤمرات تصفية القضية من النيل منه وبقي صامدًا يقاتل دفاعًا عن شعبه وقضيته ووطنه. ولا ندري ماذا يخبيء لنا هذا العام من مصائب قبل أن يطوي ساعاته الأخيرة.
ترجل الفارس الشجاع والقائد الكبير أبو شريف بعد أن أنهكه المرض، وغادرنا بصمت وهو من كان يشغل الساحة بحركته المتواصلة ومواقفه الجدلية ولم يعرف السكون. غادرنا وهو يرى ما حل بالثورة الفلسطينية من انقسام استعصى على الحل ووحدة وطنية لم تعد قائمة ومؤامرات شرسة لم يسبق لها مثيل منذ وعد بلفور (صفقة القرن، قرار الضم، التطببع) التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية.
غادرنا بعد ان ضاق ذرعًا بكل هذا، غادرنا ليلتقي مع رفاق دربه، الحكيم، أبوعلي مصطفي، وديع وغسان، أبو ماهر اليماني وصابر محي الدين وأبو نضال مسلمي وتيسير قبعة وعمر قطيش وغيرهم العديد من رفاق الدرب والمسيرة.
غادرنا وهو يحمل رسالة لهم باسم الشعب الفلسطيني والجبهة الشعبية وكل الوطنيين المخلصين لقضيتهم؛ تقول: أننا لا زلنا على العهد نواصل المسيرة التي ناضلتم من أجلها واستشهدتم في سبيلها ولن نخذلكم وسوف نستمر في كفاحنا حتى تتحقق آمال شعبنا في تحرير فلسطين كل فلسطين.
نعم لقد رحل عن عالمنا يوم أمس الرفيق ملوح بعد مسيرة حافلة بالعطاء، حيث كان رمزًا من رموز الجبهة الشعبية وواحد من قادتها الكبار وكان قائدًا فلسطينيًا بامتياز.. ترك بصماته في مسيرة الجبهة والعمل الوطني الفلسطيني على مختلف المجالات.
كان الرفيق الراحل أبو شريف، كما عرفته وعملت معه فترة من الوقت، وارتبطنا بعلاقات رفاقية وعائلية في مراحل النضال المختلفة والمواقع الجغرافية المتعددة التي جمعتنا في بيروت وبغداد ودمشق.
أستطيع أن أقول أن الرفيق الراحل كان صاحب رؤية سياسية وتنظيمية وصاحب أفكارًا كثيرًا ما كانت تثير الجدل. لديه وجهة نظر مقتنع بها يطرحها ويدافع عنها بصلابة، ليس من موقع التمترس خلفها وإنما من موقع فتح حوار حولها، وأشهد أنه كان في سلوكه وممارسته ديمقراطيًا إلى أبعد الحدود وكان يحترم الرأي والرأي الآخر.. ويؤكد دومًا أنه لا أحد يملك الحقيقة المطلقة وكان يردد أنا أجتهد.. أخطئ وأصيب، ولكن لكل مجتهد نصيب.
لقد كان الرفيق ملوح مناضلًا صلبًا وهذا ما قالته التجربة عنه في الأردن ولبنان، عندما قاد ببطولة وشرف معارك التصدي ضد مؤامرات تصفية المقاومة الفلسطينية.. وبمقدار صلابته كان أولًا وقبل كل شيء إنسانًا متواضعًا في مسلكه وتصرفاته، بعيدًا عن التكبر والغرور، مرتبطًا بشعبه يقدم كل ما يستطيع دفاعًا عنه.
تميز ملوح بعلاقاته الجيدة ليس مع رفاقه وفي صفوف حزبه فقط، وإنما مع بقية الفصائل الفلسطينية. آمن بالوحدة الوطنية إيمانا لا يتزعزع وكرس الكثير من الجهود في سبيل تحقيقها، وأذكر أنه لعب دورًا كبيرًا إلى جانب الراحلين الكبيرين جورج حبش وأبوعلي مصطفي في إنجاز الوحدة الوطنية والوصول إلى اتفاق عدن الجزائر، حيث ترأس بعض جلسات الحوار مع فتح عندما كان يترأس وفدها المرحوم هاني الحسن. واستمر يناضل من أجل الوحدة، خاصة في السنوات الأخيرة عندما تكرس الانقسام دون تعب أو ملل.
كما ناضل الرفيق ملوح وبذل جهدًا كبيرًا من أجل وحدة القوى الديمقراطية، وذلك انطلاقًا من قناعاته أن وحدة هذه القوى سيلعب دور الرافعة في العمل الوحدوي الفلسطيني وتحقيق البرنامج الوطني بشكل عام. ولعب دورًا كبيرًا في سبيل ذلك عبر الحوارات مع الفصائل، وكان دوره واضحًا في تجربة القيادة المشتركة والتحالف الديمقراطي.
كما قدم الرفيق ملوح نموذجًا قياديًا عندما سار على نهج الحكيم ورفض الترشيح، لأي منصب في الهيئات القيادية للجبهة، مفسحًا المجال للجيل الجديد كي يحتل موقعه، وذلك قناعة بأهمية التجديد ودور الجيل الجديد.
الرفيق ملوح له سيرة نضالية عطرة.. معمدة بالتضحيات والعطاء؛ من الاعتقال في الاردن الى الاعتقال في فلسطين ومن القتال في الأردن الى القتال في لبنان.. مسيرة مشرقة، ومشرفة وتكتب في سجلات التاريخ بأحرف من ذهب. ولا شك أن الكتابة عن الرفيق ملوح في هذه المناسبة، ومن خلال هذه المقالة المتواضعة، لن تفيه حقه.. حقه علينا كبير وواجبنا نحوه أكبر.
برحيل الرفيق ملوح تكون الجبهة الشعبية والثورة الفلسطينية خسرت قائداً كببرًا، كما خسر الشعب الفلسطيني والعربي قامة فلسطينية عربية أمضي حياته في الدفاع عن قضيته وقضايا أمته من أجل التحرير والحرية والعدالة والديمقراطية.
وفي الختام أتقدم باسمي وعائلتي بأحر التعازي لأسرة الراحل الكبير والعزيزة أم شريف (أمل) زوجة الرفيق وأولاده شريف وإخوته وأختهم.
كما أتقدم بخالص التعازي لقيادة الجبهة الشعبية وعموم رفاقها وأنصارها ممن عرفوا الرفيق ملوح، والتعزية موصولة لشعبنا الفلسطيني وكل من عرف الرفيق أبو شريف.
غادرنا أبو شريف وترك لنا وللشعب إرثًا نضاليًا كبيرًا نستمد منه العزيمة والصمود.. ونقول للرفيق ملوح: عهدًا علينا أن نواصل السير على طريقكم.. حتى تحقيق أهداف شعبنا بتحرير فلسطين كل فلسطين.
لا نقول لك وداعًا: نقول إلى اللقاء.. إلى اللقاء .. إلى اللقاء.

