Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح52)

غازي الصوراني

خاص بوابة الهدف

(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الرابع

الفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى

الفصل التاسع

عصر التنوير والحداثة في القرن الثامن عشر

أولاً: عصر التنوير – العقل والتقدم

أبرز فلاسفة عصر التنوير والحداثة

الأسرة والمجتمع المدني والدولة عند هيجل:

تحت هذا العنوان، يمكن للقارئ، أن يتعرف على فلسفة هيجل السياسية، وفي هذا الجانب أشير إلى أن أكثر كتابات هيجل السياسية اهمية –كما يقول بيير هاسنر- "هو كتابه "فلسفة الحق" وترتبط فلسفته عن الحق، أو بالأحرى فلسفته عن الدولة، بطريقة غير عادية بتعاليمه الفلسفية كلها؛ لأن مذهبه أكثر "نسقية" من مذاهب معظم المفكرين الآخرين، كما أن الدولة التي يصفها هيجل هي عمل عقل أزلي كما يقدمه في كتابه "علم المنطق" بيد انها نتاج التاريخ الكلي أيضاً كما يتعقبه هيجل في كتابه "محاضرات في فلسفة التاريخ، وفي التحليل الأخير، لا يمكن أن ينفصل العقل والتاريخ، كما يرى هيجل إذ أن فرض العقل لنفسه يوازي مسيرة التاريخ الكلي، أو أن العملية التاريخية هي عقلية أساساً، ولذلك، لا يريد هيجل أن يؤسس دولة مثالية، وإنما يريد ان يرد اعتبار الدولة الحقيقية بان يبين أنها عقلية"([1]).

صحيح أن الدولة، إلى حد كبير تشكل، عند هيجل "غاية نهائية" للفرد الذي يجد فيها حقيقة وجوده، وواجبه، ورضاه، وصحيح أن الدولة تشكل التحقق الفعلي، أو ظهور ما هو إلهى في العالم الخارجي، فإنها ليست إلا غاية نهائية للفرد إلى الحد الذي تكون غايتها الخاصة هي حريته ورضاه. وفضلاً عن ذلك، فإن أخلاق النفس الفردية، أو الدين، لها قيمة لا نهائية مستقلة عن الدولة، إذ أنه عن طريق الدولة وحدها يأخذ الفرد مكانته في العالم؛ أي انه يتعلم بوصفه مواطناً ما هو معقول في رغباته.

ولذلك، لابد أن يدافع هيجل عن عقلانية الدولة الواقعية ضد الرومانسيين الذين انصرفوا عن السياسة ببساطة، وضد اليوتوبيين والمصلحين كذلك الذين انصرفوا عن الدولة الواقعية (أي الموجودة في عالم الواقع) مفضلين دولة مثالية"([2]).

لكن على الرغم من أن الكائنات البشرية والدولة –عند هيجل- مترابطان داخلياً، حيث تحقق الكائنات البشرية الإدراك الذاتي في مجتمع أخلاقي، وهذا يعني الدولة عند هيجل، غير أنه لا بد من أن نعيش في جماعات أصغر، مثل الأسر، وفئات اجتماعية أخرى قبل أن نصير جزءاً عضوياً من الدولة.

والدولة بدورها لا تنشأ من عقد وإنما تنشأ من التاريخ، وهي بالمعنى الهيغلي التي تصوغ الروابط الحقيقية التي تربط الكائنات البشرية، وبفضل هذه الروابط، فإن الدولة هي مجتمع أخلاقي، وبها تتمكن الكائنات البشرية من أن تدرك أنفسها ككائنات بشرية، والحاصل هو الحرية، والحرية بالضرورة هي الحرية الإيجابية عند هيجل، الحرية هي فهم المجتمع التاريخي، وبالتالي إدراك دورنا في ذلك المجتمع.

فالدولة هي المجتمع الأخلاقي الذي تُكَوِّن فيه الكائنات البشرية أجزاءه العضوية، لذا فإن إرادة الدولة هي أجزاؤه العضوية، وعليه، فإن إرادة الدولة هي إرادة الكائن البشري، والقمع لا يمت بصلة لهذه المسألة، إلا إذا حل سوء ما بالفرد الإنساني أو بالدولة.

نخلص مما تقدم، إلى أن مفهوم الدولة لدى هيجل، يتلخص فيما يلي:

" إن جماعة من الناس لا يمكن أن تسمى دولة إلا إذا التزمت بالدفاع عن مجموع أملاكها. وهذا أمر مفهوم من تلقاء نفسه، لكن ينبغي أن يلاحظ أن هذا الدفاع ليس الغرض منه الدفاع عن النفس فقط، بل وأيضاً الرغبة في ان تدافع دفاعاً حقيقياً عما تريد من قوة ونجاح"([3]).

وفضلاً عن ذلك، تجدر الملاحظة أن هيجل يدافع عن الملكية الخاصة على أساس أنه لابد من أن تملك الكائنات البشرية شيئاً به يمكنهم أن يُعَبِّروا عن أنفسهم، فالكائنات البشرية لا تستطيع أن تعيش "داخل نفوسها" وحسب، فلا بد من أن تملك شيئاً تُعَبِّر فيه عن نفوسها.

في هذا السياق، اعتقد هيجل بأن لا غضاضة في أن يملك أحد الناس كثيراً والآخرون قليلاً – مادامت حالة عدم المساواة لا تؤدي إلى عدم رضى واضطراب سياسي.

أما الأسرة، فهي عند هيجل البيئة المحلية التي فيها يصير الفرد اجتماعياً وفردياً، أي يدخل بها إلى المجتمع والتقاليد، وقد رأى هيجل أن مسألة التوفيق بين حرية الفرد والتماسك الاجتماعي هي المسألة الأساسية التي تواجهها الحداثة.

"لذا، يجب فهم فلسفة الأسرة عند هيجل في هذا الضوء، أي: الأسرة الصغيرة المقتصرة على الأم والأطفال والوالد، والتي تعتمد في عيشها على ثروة العائلة، هي، في نظر هيغل، الثقل الوازن لفردية المجتمع البورجوازي، لأن الحب والتماسك قيمتان أساسيتان للأسرة، فالحب المتبادل بين الرجل والمرأة هو أساس الأسرة الحديثة، وعبر الحب يتبادل الإثنان التعارف، وتتحدد هوية كل شخص تحديداً مشتركاً مع تحديد هوية الشخص الآخر.

فالاعتراف المتبادل بين الرجل والمرأة في داخل مؤسسة الزواج المعترف بها اجتماعياً يقيم تسوية للحرية على شكل حب وعاطفة غرامية مع الهوية المتبادلة والاعتراف الاجتماعي، واعتقد هيجل أن المرأة تكسب الاعتراف الكامل داخل الأسرة، زوجة وأُمَّاً "([4]).

في هذا الجانب، ينسب هيجل إلى الرجل دوراً مزدوجاً مؤلفاً من كونه أباً للأسرة، وكونه عاملاً في ميدان الإنتاج، ومن جهة أخرى نجد المرأة مرتبطة بميدان الأسرة بكل أعمالها، وتكشف هذه النقطة كيف كانت نظرة هيجل إلى الأسرة مبنية على مفهوم الأسرة البورجوازية في زمانه، وقد رأى النساء والرجال مختلفين وأعمالهما مختلفة، فهو لم يناصر المساواة بين الجنسين.

"ويمضي هيجل من الأسرة بوصفها المتحد الاجتماعي المحلي الأوَّلي إلى ما يسميه المجتمع المدني الذي أساسه "نظام الحاجات"، وهذا هو بشكل رئيسي نظام اقتصاد السوق، كما عَرَفَهُ هيجل من كتابات الاقتصاديين السياسين البريطانيين، ومما كان في عصره عموماً.

فقد أكد هيجل المنطق الديناميكي الداخلي لذلك النظام. فالأعمال تتبادل التكيف والتكييف، ومع أن الأفراد يعملون على أساس رؤية منحازة فإن النظام ككل يعمل على أساس منطقه الخاص، وهو منطق نظام أعلى، فللنظام منطق واتجاه تطور لا يحتاج العاملون أن يعرفوهما، وهذا هو الذي يدعوه هيجل "مكر العقل البارع".

لقد وضع هيجل المجتمع المدني في منطقة تقع بين الأسرة والدولة. وكان أحد المنظرين الأوائل الذين أثاروا موضوع المنظمات الخصوصية والطوعية المتنوعة التي ظهرت في العالم الحديث ولها وظائف لا تتمكن من القيام بها الأسرة أو الدولة، إذ ان المعنى الواسع لفكرة المجتمع المدني يشمل الحياة المهنية واقتصاد السوق، غير ان هيجل ركز أيضاً، في المصطلح، على مسائل تدرس اليوم في مقابل الدولة والسوق.

" وفضلاً عن ذلك فإن اللافت أن هيجل ألمح إلى نظرية أزمة في رأسمالية دعه – يعمل، أي: إنه إذا تُرِكَ ذلك النظام لذاته فإنه عبر التوسع وتركز الرأسمال والإفقار والاستقطاب بين الطبقات سيؤدي إلى توترات وعدم استقرار، وعند هذه النقطة تتدخل منظمات وسيطة ومعها النظام والتماسك والمؤسسات والمجتمع، أي الدولة وفقاً لمصطلحات هيغل"([5]).

وبكلمات أخرى نقول إن هيجل ميز نفسه عن الليبراليين الذين يقولون دعه – يعمل، وعن الماركسيين، ووضع صورة مجملة لخط ثالث، فرأى أن: النظام الرأسمالي مُدَمِّر لذاته، وهو لن يبقى إذا ترك لذاته بعكس ما زعم الليبراليون، غير ان هيجل –كما يقول غنارسكيربك و غيلجي- "لم يعتقد بان الرأسمالية ستزال بثورة كما يقول الماركسيون، وإذا جاز لنا أن نطبق مصطلحات زمننا السياسية تطبيقاً يشبه المفارقة التاريخية، يمكننا أن نعتبر هيجل في هذه المناسبة ديمقراطياً اجتماعياً، مع مقاربته النظرية الخاصة، ومن دون شك، فقد دعم هيجل فكرة حكم قوي دستوري، ورفض فكرة دكتاتور حاكم وفقاً لنزواته، وما أراده هيجل هو دولة محكومة بالقانون والحق، وازدرى اللاعقلانية – في حين أن الفاشيين امتدحوا اللاعقلانية والحكم غير الدستوري"([6]).

ديورانت وتحليله النقدي لفلسفة هيجل:

يقول ديورانت : كتب هيجل كتابه "المنطق" (1812-16) الذي اثار المانيا بغموضه، وجعله يفوز بمنصب استاذ الفلسفة في جامعة هايدلبرج، حيث كتب هناك "موسوعة العلوم الفلسفية"، وقد رَفَعَت هذه الموسوعة من ذكره وشأنه، وعين استاذاً في جامعة برلين، ومنذ ذلك الوقت إلى نهاية حياته ساد هيجل عالم الفلسفة بلا منازع، كما ساد جوته عالم الأدب، وبيتهوفن عالم الموسيقى. لقد ولد بعد جوته بيوم واحد، وتحتفل المانيا الفخورة بهما بعيديهما كل سنة.

كتابيه "المنطق" "وعلم تجسد الروح" في غاية الغموض والابهام، فهو يضيف كتاباته بكونها "محاولة لتعليم الفلسفة النطق والتحدث باللغة الالمانية" وقد افلح هيجل في ذلك كما يقول ديورانت، إذ أن "كتابه المنطق لا يحتوي على وسائل التفكير، ولكن على النظريات المتبعة في التفكير، وهي الكيف والكم، والصلة وغيرها، إذ أن مهمة الفلسفة الأولى هي تشريح هذه الأفكار المرتبطة في جميع تفكيرنا، وأكثرها شمولاً وانتشاراً هي الصلة أو العلاقة"([7]).

ويضيف ديورانت: "ان كل فكرة عند هيجل تتألف من مجموعة من الصلات والعلاقات، حيث أننا لا نستطيع التفكير بالشيء الا إذا قارناه بشيء آخر، وأدركنا أوجه الشبه والخلاف فيه، والفكرة تكون فكرة فارغة إذا تجردت عن العلاقات، ولا يمكن لشيء أن يوجد أو يكون له معنى إذا كان مجرداً عن العلاقات والصلات، وأكثر هذه الصلات والعلاقات شمولاً هي صلة التعارض أو التناقض.

يقول هيجل: "ان كل حالة لفكرة أو شيء، وكل رأي وكل موقف في العالم، يؤدي إلى موقف معارض له، وبعدئذ يتحد هذا المعارض أو المضاد معه لتشكيل كل اعلى". ان هيجل يُدْخِلْ هذه "الحركة المنطقية" في كل ما كتبه من كتب والقاه من محاضرات، وبالتالي فإننا نجد حركة التطور، هي حركة دائمة للتطور بين الاضداد، والتوفيق بينها ودمجها، وهو يقول ان شلنج على صواب في قوله بوجود تماثل بين الاضداد، كما أن فخته على صواب في ان الموضوع وضده وتوحيدهما معاً يشكل سر التطور وكل الحقيقة، فليست الأفكار وحدها خاضعة لهذا التطور الذي يتحدث عنه هيجل، اذ أن الاشياء أيضاً خاضعة لذلك، فكل قضية تحتوي على تناقض وتَعارُضْ ينتهي به النمو والتطور إلى وحدة وانسجام وتوفيق بين هذه الامور المتعارضة"([8]).

المسألة الأخرى لدى هيجل، ترتبط بحديثه عن العقل والأخلاق والمطلق والتاريخ، يقول ديورانت: "ان عمل العقل ومهمة الفلسفة –عند هيجل- هي اكتشاف الوحدة الكامنة في التعارض أو التغاير، ومهمة علم الاخلاق هي توحيد السلوك والاخلاق، ومهمة السياسة هي توحيد الافراد في داخل الدولة، ومهمة الدين هي بلوغ المطلق وهو الله والشعور بانه ذلك الذي تحللت فيه جميع المتناقضات في وحدة، ذلك المقدار الكبير للكون الذي اتحدت فيه المادة والعقل، والفاعل والمفعول، والخير والشر في واحد، ان الله هو نظام الصلات الذي تتحرك به جميع الاشياء وتعيش، وتوجد وتجد فيه اهميتها.

ان المطلق ينهض في الإنسان إلى وعي ذاتي، ويصبح الفكرة المطلقة، وذلك ان الفكرة تدرك نفسها كجزء من المطلق، متجاوزة حدود الفرد وأغراضه ممسكة تحت الصراع العام، الانسجام المستتر لجميع الاشياء، ان العقل هو جوهر الكون،  وإن تصميم الكون عقلي اطلاقاً، فليس الصراع والشر مجرد تصورين سلبيين، انهما حقيقة، ولكنهما في نظر الحكمة مراحل لبلوغ الخير وتحقيقه، ان الصراع قانون النمو، كما أن الاخلاق تتشكل في الشدائد في هذا العالم، والانسان يصل إلى سموه الكامل عن طريق الإلزام والحاجة والمسئوليات والشدة والألم، وحتى الألم فيه تعليل عقلي، انه علامة الحياة والحافز لاعادة البناء، والعاطفة ايضاً لها مكان في عقل الاشياء، اذ لم يتم انجاز شيء عظيم في هذا العالم من غير ان يكون مقروناً بعمل عاطفي، وحتى طموح نابليون الاناني، يساهم بغير قصد في تطور الامم، إن الحياة لم توجد للسعادة بل لتحقيق الاعمال وانجازها. "ان تاريخ العالم ليس مسرحاً للسعادة، وفترات السعادة صفحات بيضاء فيه، لانها فترات انسجام خالية من الصراع". وهذا الرضى البليد غير جدير بالانسان.

ان "التاريخ –عند هيجل كما يقول ديورانت- يُصْنَعْ فقط في الفترات التي يقرر فيها النمو والتطور اضداد الحقيقة والوجود، فالتاريخ حركة منطقية، وهو في الغالب سلسلة من الثورات، يَستَخْدِم فيها المطلق الشعوب أثر الشعوب والعباقرة اثر العباقرة أدوات في تحقيق النمو والتطور، ذلك إن اعاظم الرجال ليسوا الخالقين للمستقبل ولكنهم وسطاء في تحقيق هذا المستقبل وما يقومون بفعله ليس سوى تحقيق لما ترسمه روح العصر، كما أن العبقري لا يضع سوى حجرا آخر في كوم البناء كما يفعل الآخرون، "ولكن لحسن حظ العبقري انه يجئ اخيراً، وعندما يقوم بوضع حجره يقف البناء على دعائمه "ان مثل هؤلاء الافراد لا يشعرون بالفكرة العامة التي يقومون بكشفها.. ولكن لديهم بصيرة في حاجات الزمن، وما هي الامور التي تم نضجها وآن حصادها"([9]).

يبدو أن مثل هذه الفلسفة عن التاريخ تؤدي إلى نتائج ثورية، لأن هذه العملية المنطقية في سير التاريخ تجعل من التغيير مبدأ الحياة الأساسي، اذ لا شيء خالد، وفي كل مرحلة من مراحل الأشياء يوجد تناقض وتعارض لا يقوى على حله سوى صراع الاضداد، لذلك فان الحرية هي قانون السياسة، وهي طريق مفتوحة للتغيير، والتاريخ هو نمو الحرية وتطورها، وعلى الدولة أن تجسد او تكون حرية منظمة، وكما ان الوحدة هي هدف التطور فإن النظام هو اللازم الأول للحرية.

واذا كان هيجل –كما يستطرد ديورانت- قد "مال في السنوات الاخيرة من حياته إلى وجهة النظر المحافظة بدلاً من التوريطات المتطرفة في فلسفته، فذلك لان روح العصر كانت قد مَلَّت التغيير، فقد كتب بعد ثورة 1830: "اخيراً بعد حروب واضطرابات استمرت اربعين سنة، يَسُرْ الإنسان ان يرى نهاية لهذا الصراع، ويرى بداية سلام يسوده الرضى، ويعلق ديورانت قائلاً: "من غير الطبيعي ان يتحول هذا الفيلسوف الداعي إلى الصراع كوسيلة للنمو والتطور والرقي إلى مؤيد – للقناعة والرضى، ولكن الإنسان في سن الستين له الحق في ان يطلب الهدوء، ومع ذلك فإن التناقض في افكاره كان اعمق بكثير من ان يحقق السلام" ([10]).

رفض هجيل المتطرفين واتهمهم بالخيال، -كما يؤكد ديورانت- واخفى كتاباته الأولى المتطرفة بحرص وحالف الحكومة البروسية وربط نفسه بها، وباركها بكونها التعبير الاخير عن المطلق"، أو نهاية التاريخ.

لقد انقسم اتباعه من بعده إلى يمين ويسار، حيث قام كارل ماركس بتطوير فلسفة التاريخ الهيجليه إلى نظرية صراع الطبقات التي تؤدي حسب الضرورة الهجلية إلى اشتراكية لا مفر منها، فقد قدم ماركس بدلاً من المطلق الذي يقرر التاريخ عن طريق روح العصر، الحركات الجماهيرية والقوى الاقتصادية كأسباب أساسية لكل تغيير أساسي سواء في عالم الاشياء أو في حياة الفكر، لقد فقس هجل الاستاذ الامبراطوري بيض الاشتراكية.

وفاة هيجل:

يصف ديورانت خاتمة حياة هيجل، بقوله: "اخذت إمارات الكبر والهرم تبدو عليه بسرعة منذ عام 1830، وبدا عليه شرود الذهن حتى انه مرة دخل إلى غرفة المحاضرات بفردة حذاء واحدة في قدمه، حيث ترك الفردة الثانية من غير ان يشعر في الطين، وهو في طريقه للجامعة، وعندما تفشي مرض الكوليرا وطرق ابواب برلين في عام 1831 كان هيجل بجسمه المضنى الضعيف من أولى ضحاياها، ومات بعد مرض استمر يوماً واحد فقط.

لقد خرجت روحه بهدوء وهو في نومه، وكما شاهدت أوروبا مولد ثلاثة من العباقرة وهم نابليون وبيتهوفن وهيجل في سنة واحدة فقد فقدت المانيا بين عامي 1827-1832 جوته، وهيجل وبيتهوفن"([11]).

" تمت مراسم دفن جثمانه، فاجتمع الأساتذة والطلاب من جميع الكليات، وتلاميذه المحدثون والقدماء، أولا في القاعة الكبرى للمدرج، وألقى صديقه الحميم، مدير الجامعة "مارهينكه"، خطبة تأبين أمام الجمهور البالغ التأثر. وتلا ذلك مسار موكب لا تحصره العين من الطلاب اللذين حملوا المشاعل المزودة بعلامات الحداد، لأنه لم يسمح لهم بحمل مشاعل مشتعلة، وتبعتهم سلسلة لا حصر لها من العربات إلى دار العزاء، حيث انضموا إلى عربة حمل الموتى التي كان يقودها أربعة خيول، وعند قبره ألقى مستشار البلاط "فيرستر" كلمة تأبين في مقبرة دوروتيه"([12]).

لقد كانت وفاة الفيلسوف هيجل خاتمة عهد لآخر مرحلة عظيمة من عصر المانيا الذهبي العظيم.

قالوا عنه([13]):

  • "إنه يجتذب الدين المسيحي إلى الفلسفة مع أنه لا شان له بها.." (غوته).
  • "نحن لا نستطيع أن ننكر على هيجل فضل فهم الطبيعة المنطقية للفلسفة عندما جعل المطلب الأول من الفلسفة أن تنسحب إلى الفكر المحض وألا يكون لها من موضوع مباشر سوى التصور المحض، لكن هذا الانطواء على الفكر وحده، على التصور المحض، ارتبط لدى هيجل بدعوى أن التصور هو كل شيء وأنه لا مكان خارجه لأي شيء.. وينبغي أن يكون مفهوماً لنا أن التصور عنده ليس مجرد فكرة، وانما هو على العكس الشيء بالذات.. ونحن لن نكون إلا مخطئين فيما لو آخذنا هيجل على اعتباره الله مجرد تصور، فرأيه بالأحرى أن الخالق الحق هو التصور؛ فيه نتحصل على الخالق ولا نحتاج إلى خالق آخر". (شلينغ).
  • إن جدل هيجل هو الشكل الأساسي لكل جدل، وإنما فقط بعد أن يتم تجريده من صورته الصوفية، وذلك هو بالضبط ما يميز منهجي .. إن الجدل عنده يمشي على رأسه؛ ويكفي أن نوقفه على قدميه حتى نجد له سيماء معقولة تماماً" (كارل ماركس).
  • "لقد وجدت الفلسفة الألمانية الحديثة إنجازها في مذهب هيجل الذي مَثَّلَ لأول مرة – وتلك هي مأثرته الكبرى- عالم الطبيعة والتاريخ والروح قاطبة على أنه سيرورة، أي على أنه مستغرق في حركة، في تغير، في تحول، في تطور دائم، وحاول أن يبرهن على الترابط الداخلي لهذه الحركة ولهذا التطور .. ولئن لم يحل هيجل هذه المسألة (المنطق الداخلي لسيرورة التطور)، فليس لذلك من أهمية تُذكر، وإنما فضله، الذي أبقى ذكراً دائماً، هو أنه وضعها، فتلك المسألة هي بالتعيين من تلك المسائل التي لا يكون في مستطاع أي فرد أن يحلها بمفرده" (إنجلز).
  • "إن النتيجة الأخيرة لفلسفة هيجل تريد أن تثبت أن الإنسان مُكْرَه على أن يصنع التاريخ بدون تدبير إله وحمايته، وأن ليس الله من خلق العالم، وإنما الإنسان هو الذي تخيل الله، ولو ضَرَبَ هذا التعليم الثوري جذوره في الأدمغة الألمانية، لتبدد الهدوء الثقيل ولانتهت عبادة السلطة والسذاجة اللتان كانتا إلى يومنا من السمات المميزة للحياة الألمانية، وان الفلسفة الألمانية تمثل إعلان حرب على الواقع الألماني وتحوي وعوداً ثورية، لكن ما من شيء يثبت أن هذه الثورة ستكون كريمة وتحريرية وكلية بالقدر الذي كانته الثورة الفرنسية" (هاينريخ هاينه).
  • "إن منطق هيجل كما أفهمه يُرضي عقلي أكثر بما لا يقاس من كل تلك الحِكَمْ والأقوال المأثورة التي حشينا بها عقولنا منذ نعومة أظفارنا" (برودون).
  • "نحن الألمان ما كنا إلا لنكون هيغليين حتى ولو لم يوجد هيجل قط، وذلك بقدر ما اننا (بالتعارض مع اللاتين قاطبة) نعطي غريزياً معنى أعمق وقيمة أغنى للصيرورة وللتطور مما لما هو كائن " (نيتشه).
  • "كان ماركس وانجلز يريان في جدل هيجل المذهب الأوسع والأغنى والأعمق للتطور، وانجازاً هائلاً للفلسفة الكلاسيكية الألمانية" (لينين)
  • "لقد عارض العقلانية الميتافيزيقية بالجدل، وعارض المفاهيم المتجمدة بتحولها، وعارض التجريد الأجوف بالمفهوم المادي لغنى الجزئي والفردي (بوليتزر).
  • "إن هيجل هو في أصل كل عمل عظيم، عَمِلَ في مضمار الفلسفة منذ قرن ونيف، أول من حاول استكشاف اللامعقول ودمجه بعقل موسع لا يزال إنشاؤه من مهمة عصرنا، إنه هو مخترع ذلك العقل الأوسع شمولاً من الذهن، والقادر أن يحترم تنوع وفرادة النفسيات والحضارات ومناهج الفكر والطابع الاحتمالي للتاريخ، بدون أن يتخلى مع ذلك عن التصميم على السيطرة عليها ليقودها إلى حقيقتها الخاصة"، فقد استخلص هيجل كل المأثور الفلسفي عندما ماهى بين العقل والحرية: فالحرية هي الشكل الوحيد الممكن لوجود العقل، وإذا تَصَوَّرَتْ الفلسفة العقل على أنه حرية، بدت وكأنها أدركت حدها: فالشيء الذي لا يزال يتطلب أن يُفَعل، أي التحقيق الفعلي للعقل، ليس من اختصاص الفلسفة، وبالفعل، كان هيجل يعتبر أن تاريخ الفلسفة قد أغلق نهائياً بعد أن حققت تلك المماهاة، بيد أن هذه النتيجة ما كانت تعني مستقبلاً أفضل، وإنما فقط الحاضر المحزن للبشرية" (هربرت ماركيوزه).

 

 

 

 


[1]()  بيير هاسنر، مقال بعنوان: عمانوئيل كانط – تاريخ الفلسفة السياسية (مجموعة مؤلفين)  - تحرير: ليوشتراوس و جوزيف كروبسي – ترجمة: محمود سيد أحمد – المجلس الأعلى للثقافة – الجزء الثاني – القاهرة – 2005 – ص 373

[2]()  المرجع نفسه-  ص 374

[3]() د. عبد الرحمن بدوي – حياة هيجل – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – الطبعة 1 – 1980 – ص39

[4]() غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفكر الغربي - ص 657

[5]() المرجع نفسه - ص 659

[6]() المرجع نفسه - ص 660

[7]() ول ديورانت –  قصة الفلسفة – ترجمة: د.فتح الله محمد المشعشع - مكتبة المعارف – بيروت – الطبعة الخامسة 1985م - ص377

[8]() المرجع نفسه - ص378

[9]() المرجع نفسه - ص380

[10]()المرجع نفسه -  ص381

[11]()المرجع نفسه - ص383

[12]() د. عبد الرحمن بدوي – حياة هيجل – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – الطبعة 1 – 1980- ص156

[13]() جورج طرابيشي – مرجع سبق ذكره – معجم الفلاسفة – ص 721 - 725