مع بدء صدور النتائج النهائية للانتخابات الأميركية بدأ المسرح العالمي برمته في عملية تموضع جديد، حيث أفرزت تلك النتائج تأثيرات متعددة داخل منظومة العلاقات الدولية. وفي مسارات العلاقات الأميركية الإيرانية كانت الأنظار تتجه نحو سيناريو سوداوي صدامي في حال فاز ترامب بالرئاسة من جديد، لكن فوز جو بايدن أعاد وبسرعة تبريد مسرح الصراع بين الطرفين، وحينها صدرت تصريحات متبادلة؛ تشير بمجملها إلى تبريد أجواء العلاقة بينهما.
والسؤال المهم هنا والذي يطرح نفسه كبديهة: هل سيكمل بايدن ما بدأه أوباما في رسم تلك العلاقة والتي أنتجت الاتفاق النووي؟ أم أن ما فعلته إدارة ترامب ستجعله أمام معضلة، وبالتالي ربما يسير نحو بناء سيناريو خاص به لبناء العلاقة مع طهران؟ قد تبدو الإدارة الجديدة وعبر وزير خارجيتها الجديد أنتوني بلينكن أكثر قربًا للتسوية من الإدارة السابقة، وقد تبدو أكثر نعومة، لكنها تأتي في أجواء صعبة، ربما تجعل كل المنطقة أمام استحقاقات ليست بالحسبان. والمعروف عن بلينكن أنه كان مساعدًا سابقًا للرئيس الجديد للسياسة الخارجية ومستشار الأمن القومي قبل وصوله إلى الرئاسة، حين كان نائبًا للرئيس باراك أوباما وهو منحاز جدًا للكيان الصهيوني، ويريد في الوقت ذاته الوصول إلى صفقة دبلوماسية مع الإيرانيين. وبكل الأحوال، فإن طهران قد تلقفت فوز بايدن باعتباره هدية ثمينة، لأن العلاقة مع ترامب وصلت قمتها في التوتر، ولم يعد ينقصها سوى الضغط على الزناد.
وأمام هذا المشهد لا بد من القول إن الإدارة الإيرانية قادرة هي الأخرى على التموضع والالتقاء مع إدارة بايدن في منتصف الطريق، فهي ما زالت تمتلك أوراق قوة متعددة أبرزها: يتعلق بالداخل الإيراني، والذي يظهر للعيان وحتى هذه اللحظة أنه متماسك ولا يوجد معارضة فعلية قادرة على التأثير سلبًا أو إيجابًا في مسألة صنع القرار داخل إيران، فهذا القرار ما زال بيد المرشد الأعلى للثورة وهو القادر على تفعيله سواء كان في جيب الصقور أو الحمائم.
ويعود الضجيج الإعلامي الديبلوماسي من جديد بقوة إلى الواجهة ويتحين الفريقين التقاط الرسائل من الأطراف الدولية المعنية لكسر حالة الجمود التي فرضها ترامب، منذ خمس سنوات، وذلك تمهيدًا للوصول إلى نقطة البدء والانطلاق بالحوارات؛ إلا أنه في السنوات الخمس الماضية رفعت طهران من وتيرة أدائها التقني على مستوى برنامج التسليح الصاروخي وتطوير القدرات النووية، ولم تتقيد بالاتفاق بعد أن انسحبت منه إدارة ترامب في ال2015، وأصبح لكلا الطرفين طموحات ومطالب تجاوزت سقف حقبة الرئيس باراك أوباما الذي أبرم الاتفاق النووي مع إيران.
ف إيران لن تسلم أي منجز من منجزاتها النووية الذي حققته خلال الفترة الماضية بدون الحصول على مقابل مجزي من بايدن؛ أقله رفع العقوبات، والذي تحدث بشأنها مرشد الثورة الإيرانية، قائلًا: "لو أتيح رفع العقوبات لما تأخر ساعة واحدة واستفاد منها الجميع". بينما بايدن يريد إضافة بنود جديدة على الاتفاق القديم تتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية، ولا تتناقض بذات الوقت مع سياسة "العقوبات القصوى" التي أقرها سلفه ترامب، ولذلك من المرجح أن بايدن لن يستطيع العودة إلى الاتفاق بسهولة، خاصة أنه لم تتجسد راهنًا معالم حقيقية للالتقاء بينهما سوى تصريحات ديبلوماسية صادرة بنغمة إيجابية يبنى عليها فيما بعد، مما يؤكد أن عملية التفاوض ستكون شاقة ومتعبة، بالإضافة إلى قناعة الإدارة الأميركية الجديدة؛ بعدم جدوى استمرار فرض سياسة العقوبات القصوى على استقرار النظام الإيراني في الداخل، فهي لم تؤثر على شعبيته بالمستوى المتخيل بقدر أنها ضيقت الخناق المالي على الشرايين الاقتصادية، مما ترتب عليه تفاقم أزمة اقتصادية أحاطت بإيران وحلفائها في المنطقة. كما أدت سياسة العقوبات إلى تراجع الصادرات النفطية الإيرانية إلى نحو 20% من الكمية المعتادة للتصدير قبل أيار (مايو) 2018؛ تاريخ انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، مما حرم الاقتصاد الإيراني من نحو خمسين مليار دولار من الإيرادات السنوية.
ولم تقتصر سياسة العقوبات على المجالات الاقتصادية، بل تجاوزت ذلك لتمنح الضوء الأخضر للكيان الصهيوني لشن هجمات عدوانية عسكرية على التواجد الإيراني في سوريا والعراق، حتى وصلت إلى اختراق العمق الإيراني وتنفيذ عمليات أمنية كان آخرها اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة، بالقرب من العاصمة طهران في (27/11/2020). وتم تناول هذه الحادثة على مستوى دولي وتعددت الروايات والتوقعات، واتهمت الرئاسة الإيرانية إسرائيل بمقتل فخري زادة مؤكدة أنّ العملية "لن تبطئ مسار إيران النووي"، وبما أن مسار الحرب لم يتوقف منذ سنوات بين تل أبيب وطهران؛ أشارت أغلب التحليلات الأمنية إلى ضلوع الموساد الإسرائيلي بالوقوف خلف هذه العملية، والذي كان يسعى في السنوات الماضية إلى جر إيران لمواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة ودول خليجية، حيث تم استهداف منشآت حيوية إيرانية منتصف العام 2020 من بينها منشأة نطنز النووية، وشن هجوم سيبراني لاختراق الشبكة التكنولوجية الإيرانية والتشويش عليها وقرصنة المعلومات وسرقة الأرشيف، ولم تتوقف سياسة اغتيال العلماء الإيرانيين منذ عشر سنوات، ويعد فخري زادة الخبير النووي الخامس الذي تتم تصفيته خلال هذا الفترة.
ولا تكمن قيمة اغتيال زادة لدى إسرائيل بإلحاق الأذى والخسائر بالمشروع النووي الإيراني فحسب، بل بتوقيتها الذي جاء على ايقاع نتائج الانتخابات الأميركية وفوز بايدن والقلق بتغيير حقيقي في الأسلوب الأميركي للتفاهم مع إيران، حيث أرادت إسرائيل توجيه رسالة للإدارة الجديدة؛ مفادها أن ثمة أمور ثابتة لا يمكن لإسرائيل أن تتنازل عنها سواء كان الرئيس الأميركي الجديد ديمقراطيًا أو جمهوريًا.
لا شك بأن هذه الحادثة قد أعادت مصير الدور الإيراني إلى الواجهة، والتي كانت مسبوقة بجملة من الأحداث المتتالية طوال العام 2020، أبرزها اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ورفيقه أبو مهدي المهندس في العراق، ووضعت طهران أمام حقيقة وحرج تحجيم قوتها الإقليمية في الوقت الذي يرى فيه البعض أنها باتت على مسافة الخطوة الأخيرة من امتلاك القنبلة النووية، وفقًا لما تروجه الآلة الرسمية الإيرانية، وما تبثه إعلاميًا يشهد على تطوير قدراتها العلمية والتكنولوجية والصناعة التسليحية والسيطرة والتمدد خارج الحدود؛ إلا أن ما يجري من اختراق الجبهة الداخلية الإيرانية والوصول إلى العاصمة طهران يثير الريبة والشك بهذا الترويج الإعلامي، ويستدعي التساؤل من الجميع حول متانة القدرات الأمنية وانحسار قوة الردع لديها في مقابل التقنيات العالية والأداء الاحترافي بالتخطيط والتنفيذ من خصومها، مما يضع هيبة الدولة الإيرانية على المحك أمام شعبها وحلفائها في حال عدم الرد سيما أن مرشد الثورة قد "توعد بالثأر" لمقتل العالم الإيراني، مضيفًا أن "ما كان يقوم به سيستمر"، والبعض يرجح بأنها لن تراهن على مصداقيتها وستقوم بالرد، ولكن بعد مغادرة ترامب للبيت الأبيض حتى لا تمنح الآخرين ذريعة لجرها إلى حرب غير محسوبة العواقب، في وقت تنشط فيه التحركات والمناورات العسكرية الأميركية في المنطقة وبالقرب منها، لذلك يرجح الخبراء السياسيين أن تنحوا إيران باتجاه اللغة الديبلوماسية بدلًا من لغة التصعيد والمواجهة العسكرية.
بكل الأحوال من المبكر الحكم على شكل العلاقة الثنائية بين الجمهورية الإيرانية والولايات المتحدة في هذه الفترة المبكرة؛ فالرجل الجديد لم يتخطَ عتبة البيت الأبيض ويلج إلى مكتبه بعد، وكما نعلم فإن السياسة لديها محفزاتها ومتغيراتها غير المنظورة، وبكل الأحوال يمكننا قراءة المشهد من خلال الصورة التي رسمها بايدن عن نفسه وإدارته، فهو بالدرجة الأولى سيسير معًا في خطين متوازيين الأول متعلق بالداخل الأميركي وإعادة ترتيب الأوراق التي مزقها ترامب، والثاني متعلق بالخارج ومحاولات التبريد مع القوى الدولية، فهذا الليبرالي ما زال يؤمن بالعولمة والحدود المفتوحة التي تحتاج إلى إنهاء كل الملفات الساخنة والحروب المندلعة حول آبار النفط وحقول الغاز.

