(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).
الباب الرابع
الفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى
الفصل العاشر
أبرز فلاسفة القرن التاسع عشر
سورين كيركيغارد (1813 - 1855):
مفكر وفيلسوف وجودي بروتستانتي دانماركي، ولد في مدينة كوبنهاغن في زمن الركود الاقتصادي الذي أعقب الحروب النابوليونية، ولم يعان سورين في حياته من أية صعوبات مالية، فقد عاش على ما ورثه خلال حياته القصيرة. إلا أن طفولته مرت بأزمات روحية، فقد نزلت الوفيات في الأسرة وضربتها الحوادث. وتعلم سورين منذ صغره ما تعنيه المعاناة الروحية، "وكان يبشر باليأس الكامل والخوف وكراهية الجماهير""([1])، أما من الوجهة الخارجية، فقد كانت حياته حياة بسيطة: فقد درس اللاهوت والفلسفة، وحصل على درجة جامعية عند أطروحة عنوانها حول مفهوم السخرية (On the Concept of Irony)([2]).
تواصل مباشر ووجودي:
"تميز كيركيغارد، شخصاً وكاتباً، بالتوترات، نعني التوتر بين موقف الميل إلى التفكير الكئيب والاستبطان المتمركز في الشعور بالإثم والكرب، والموقف المسيطر ذي الوعي الذاتي الذي علامته الافتقار إلى الحرية الفردية والاستقلال.
ويرجع الموقفان إلى نشأة كيركيغارد وبيئته، نعني: التقوية البروتستانتية من جهة، وإرادة تأكيد الذات والميل إلى ذلك في وسط البورجوازية الناشئة من جهة أخرى، وقد "عبَّرت آراؤه عن بداية إنحطاط الفلسفة البورجوازية، فقد نادى – مثل شوبنهاور- بالأفكار اللاعقلانية، فالفكر في رأيه، لن يستطيع أبداً إدراك الواقع، لإن ما نفكر به ليس موجوداً في الواقع، انه فقط موضوع للفكر، أو إمكانية لا أكثر، ويمضي "كيركيغارد" في آرائه هذه ليؤكد استحالة وضع مذهب أو علم فلسفي يستوعب الواقع بأسره، وينير لنا طريق المستقبل.
الديمقراطية والسلطة/ الدولة عند كيركيغارد:
كيركيغارد، وبمعنى من المعاني، كان مضاداً للديمقراطية، وقد كان معجباً بالمَلَكية المطلقة المتنورة التي كانت في الدانمارك، حيث كان النظام المطلق الدانماركي، في الجزء الأول من القرن التاسع عشر، وحكماً متنوراً ومعتدلاً.
لكن كيركيغارد، "خشي أن تصير الديمقراطية في الممارسة ديماغوجية، أي مجتمعاً يهدد الضغط فيه التمسك بآراء "صائبة" والانسجام باستقامة الفرد الشخصية، وهذا سيؤدي إلى اغتراب متزايد أو إلى قنوط وجودي، فالبورجوازي المنهمك بالعمل والذي لا يهدأ، وكذلك السياسي الهاوي المشغول والفارغ العقل سيسيطران –كما يقول كيركيغارد- على المجتمع ويزيحان المواقف الوجودية الحقيقية تجاه الحياة، لذا فإن نقد كيركيغارد لظهور الحكم الديمقراطي هو جزء من نقده العام للاغتراب والفقر الوجودي، فقد يخسر الإنسان نفسه في ما ليس جوهرياً، وضحلاً، ولا يكون ذلك في السوق وفي مكان العمل وحدهما، وإنما في السياسة والحياة الاجتماعية أيضاً. وسوف تزاح علاقات الحياة الأعمق، وستصير الحياة فقيرة من الوجهة الوجودية"([3]).
لم تكن آراء "كيركغارد" مجرد غلطة نظرية، بل أفكاراً مغالية في رجعيتها، لإنه ينكر واقعية الاجتماعي، فالواقعية التي يعترف بها هي "الذوات الفردية التي عليها أن تعتمد على نفسها فقط"، فلا فائدة –عنده- من الكلام عن الحياة الاجتماعية، لإن الدولة –كما يقول- هي المعنية بكل ما يهم المجتمع ككل، وليس على الفرد إلا أن يوكل اليها مهمة العناية بالمجتمع، وأن يحترم قدسية السلطة الحكومية، حيث يرى "كيركيغارد" في عصاة (كرباج) رجل البوليس رمزاً لهذه القدس ية المطلقة"([4]).
في هذا السياق، يقول إميل برهييه: " يفضي الفكر الديني، لدى كيركغارد إلى ضرب من مذهب فردي وانطباعي لا يقل معاداة لمذهب هيجل عن فوضوية شتيرنر؛ فقد كان بَرِماً بكل ما يتلبس لبوساً موضوعياً، كلياً، لاشخصياً، وبالتالي هداماً للوجود الشخصي الذي يشغل، وفاقاً لمزاجه الاكتئابي، مكانة الصدارة من واقع الاشياء؛ فالموضوعية هي الخطأ، وإنما في الذاتية تكمن الحقيقة، فالحس أو الشعور الديني عند كييركغارد هو حس بِهُوَّة لا قرار لها بين الطبيعة والروح، بين الزمان والأبدية؛ ومثله مثل الايمانيين في فرنسا، أَبى التسليم بإمكانية التطلع إلى تعقيل الإيمان.
وفي خلاصة القول، كان لدى كيركيغارد ضرباً من لاهوت سلبي يضع النفس، على نحو ما رأينا لدى أفلوطين، في حضرة الله في عزلة مطلقة"([5])، فقد "كان يعتقد أن الوجود الديني أعلى الأنواع بين الأنواع الثلاثة "للوجود" الإنساني (الجمالي والأخلاقي والديني)، وانتقد الكنيسة الرسمية بسبب "نقص التقوى" لديها"([6]).
لم يكن كيركيغارد ضد فلاسفة الفكر في زمانه فحسب، وهم الذين اتهمهم بنسيانهم وجودهم، لكنه تحول أيضاً ضد أسلوب معين من الحياة عن طريق تأكيده أهمية تحمل المسؤولية الوجودية عن حياتنا ذاتها.
في هذا الجانب، "يتلقف "كيركيغارد" آراء اللاهوتي المسيحي المتعصب "ترتوليان" عن علاقة الدين بالمعرفة، أو علاقة الإيمان بالعقل، وهي تتلخص في "ان الإيمان بالله أمر غريب ومغلوط، إذا ما نظرنا اليه من وجهة العقل، لأن الله لا يمكن أبداً أن يكون موضوعاً للبحث المنطقي، فالله مسلمة بديهية، بدونها لا يستطيع الفرد ان يتحمل تناقضات الحياة ومآسيها، ومن هذا المنظار الديني ينتقد "كركيغارد" آراء الفلاسفة عن المعرفة الحقة، فالمعرفة الحقة عنده، ليست تحصيلاً يقوم به العقل، بل هي نتاجاً للإرادة التي تحدث عنها "شوبنهاور"، ومثل هذه المعرفة تأتي من الدين فقط، ولكن ليس أي دين، بل من الدين المسيحي وحده، فالمسحيية – كما يقول "كيركيغارد" هي الدين الوحيد الذي ينير الطريق القويم للبشر، والمسيحية كما يفهمها "كيركيغارد" تقوم على التشاؤم، انها مسيحية التشاؤم، مسيحية لا عقلية، غايتها، إنكار المعرفة، وإلغاء دور العقل، فلا عجب أن نرى اليوم رجال الكنيسة البروتستانتيه يعتزون بسلفهم "كيركيغارد" ويحنون هاماتهم إجلالاً لذكراه"([7]).
"وكشكل من أشكال البروتستانتية لم تكن مسيحية كيركيغارد مسيحية سعيدة وتحريرية، ولا مسيحية زهد وتهذيب أخلاقي، بل كانت مسيحية ألم وجودي عبر الصراع مع الإثم والخوف الذي تكون لنا فيه علاقة عاطفية وتأملية – ساخرة مع أنفسنا ومع الرب التاريخي "([8]).
الذاتية هي الصدق:
"اعتقد كيركيغارد بوجود مفهومين للصدق أو الحقيقة (Truth): أحدهما هو الصدق "الموضوعي"، ويفيد هذا المفهوم أن القضايا تكون صادقة، عندما تكون متطابقة مع الوقائع، وغالباً ما كانت تُدعى هذه النظرية بنظرية التطابق الخاصة بالصدق، أي: تكون القضايا صادقة عندما تتفق مع (تطابق لـ) الوقائع، أما المفهوم الثاني للصدق، فينطبق على نوعية علاقتنا بالعالم، وذلك هو الصدق "الذاتي"، فعندما نكون صادقين وباطنيين في علاقتنا فإننا نكون معبرين عن صدق. ولا توجد هنا مسألة تطابق قضايا مع الوقائع، بل مسألة شدة علاقتنا الذاتية ووجودنا الخاص، ويمكن، بهذا المعنى، أن نتكلم عن "الحب الصادق"، على سبيل المثال. والنقطة المهمة ليست في الحصول على قضايا صائبة عن شيء، بل في الحصول على نوعية معينة من العلاقة الإنسانية ذاتها، فالنقطة المهمة في المسائل الأخلاقية والدينية هي نوعية علاقتنا الوجودية بالحياة وبالرب الحي، والمقصود من عبارة "الصدق الذاتي" المحافظة على الفكرة المفيدة أن العلاقة الإنسانية، أي الذاتية، هي العلاقة الحاسمة في مثل تلك الحالات، وليس سواها، لأنه في مثل هذه الحالات لا يوجد وقائع موضوعية يمكن الاستفادة منها لحل المسألة، ولأن التركيز هو على الموقف العاطفي والباطني من الحياة، تحديداً"([9]).
لم يعتبر الإيمان المسيحي مسألة "صدق ذاتي" وحسب، أي إنه علاقة إيمانية باطنية وعاطفية، فقد اعتقد كيركيغارد أن المسيح عاش ومات "كصدق موضوعي". وما ذلك بنظرية، وإنما هو حدث تاريخي يدركه الإيمان، غير أن المسألة أكثر تعقيداً: فقد رأى كيركيغارد الحياة الإنسانية محاطة بالمفارقات والتناقضات، وليس الإيمان المسيحي بأقلها، الذي يظل مفارقة، وفي نهاية المطاف يصير الإيمان أُحجية – لعقلنا. لذلك من المهم التأكيد أن الحياة تتميز بقفزات تعجز الحجج وعملية النضج عن التغلب عليها، فالإيمان العاطفي التاريخي أعظم المفارقات والقفزات جميعها، وأهمها.
على أي حال، "لم يقدم كيركجارد نظاماً فلسفياً بالمعنى المعروف –كما يقول بوشنسكي-، إنما هو يهاجم أعنف هجوم فلسفة هيجل، وذلك بسبب طابعها "العمومي" وبسبب اتجاهها الموضوعي، وهو ينكر إمكان التوفيق والمصالحة، أي إمكان هدم المعارضة بين القضية ونقيضها في تركيب جديد عقلاني ومنظم. ويؤكد كيركجارد أولوية الوجود على الماهية، وربما كان هو أول من أعطى كلمة "وجود" معناها "الوجودي".
وكيركجارد –كما يضيف بوشنسكي- "معارض للعقل إلى أقصى درجة، فهو يرى انه لايمكن أن نصل إلى الإله بوسيلة طرائق الفكر، لأن العقيدة المسيحية مليئة بالتناقضات، ويعتبر أن كل محاولة من أجل إضفاء طابع عقلي عليها هي تجديف وكفر"([10]).
غالباً ما يقال إن سارتر وجودي، غير أن الوجودية، ليست مدرسة فلسفية بمعنى دقيق، فالمصطلح يطبق على مفكرين متعارضين مثل الكاثوليكي غبريالي مارسيل، والملحد جان بول سارتر، والنسوية سيمون دو بوفوار، والدائي كارل ياسبرز، وفيلسوف الوجود مارتن هايدغر، غير أننا نستطيع باستعمالنا عبارة فتغنشتاين أن نقول بوجود تشابه أسروي معين. اما جذور هذه الطريقة في التفكير فتعود إلى كيركيغارد وباسكال واوغسطين وسقراط.
كان كيركيغارد مؤلفاً مجداً، وغالباً ما كان يستعمل أسماء مستعارة في ما ينشره، وغالباً ما تميزت كتاباته بالسخرية والهجوم الجدلي العنيف، لكنه لم يحظ في أثناء حياته بأي تأثير يذكر، لكنه عُرفَ بعد وفاته، في بداية القرن العشرين.
ومن بين أفضل أعماله المشهورة نذكر "إما / أو" (Either / or) و"الخوف والارتجاف" (Fear and Trembling) و"مفهوم الرهبة" (The Concept of Dread) و"شذرات فلسفية" والملحق الاختتامي اللاعلمي، وجميعها نشر في أعوام 1843 – 1846 .
ميخائيل باكونين (1814 – 1876 ):
"ثوري روسي، أرستقراطي المولد، مؤسس أيديولوجية المذهب الفوضوي"([11])، المُنَظِّر الرئيسي للشعبية الفوضوية، شارك في عامي 1848 و 1849 في الانتفاضات الشعبية في براغ ودرسدن، وبعد تسليمه إلى حكومة روسيا سُجِنَ في قلعتي بتروبافلوفسكايا وشيليسبور غسكايا، حيث كتب "الاعتراف"، الموجه إلى نيكولاي الأول، والذي يُعَبِّر فيه عن "توبته" عن ضلالاته، وكتب بعد ذلك رسالة إلى الكساندر الثاني من سبيريا (حيث نفي مدى الحياة) يتوسل فيها الرحمة، لكنه هرب عام 1861 من المنفى السيبيري، وعمل في مجلة غير تسين "كولوكول" (الجرس) ثم انتقل عام 1864 إلى إيطاليا، حيث أخذ في تشكيل المنظمات الفوضوية، التي جمعها، عام 1868، في "التحالف الدولي للديمقراطية الاشتراكية".
بدأ باكونين بعد انضمامه إلى الأممية الأولى، صراعا قاسياً ضد ماركس وانجلس وأنصارهما، معارضا الماركسية بالفوضوية مما كان سبباً في فصله من الأممية عام 1872 "([12])، كما انتقده ورفض أفكاره ماركس وانجلز ثم من بعدهما لينين .
كان "باكونين من أبرز إيديولوجيي الفوضوية الدولية، عرض أفكاره الفوضوية، بشكل رئيسي، في مؤلفيه "الدولة والفوضى" (1873)، و"الفيدرالية والاشتراكية والالحاد"، كانت الفوضوية كتيار اجتماعي، إيديولوجية الطبقات البرجوازية الصغيرة وحثالة البروليتاريا التي كانت تعاني من تعزز سلطة الرأسمالية الكبير، وتبحث عن مخرج من وضعها المتردي في التمردات العفوية وتحطيم الدولة، لم يدرك باكونين وأتباعه في روسيا وفي الغرب، القيمة التاريخية للصناعة الضخمة، وللبروليتاريا الصناعية، في تهيئة الظروف للثورة الاشتراكية المظفرة، وهو، في هجومه على الدولة البرجوازية ومطالبته بتحطيمها، ينفي، بشكل قاطع، امكانية اقامة البروليتاريا لدولتها الخاصة، وامكانية استخدام هذه الدولة، والمحافظة عليها، من أجل سحق مقاومة الطبقات المخلوعة، وبناء الاشتراكية".
رفض باكونين فكرة الدولة من حيث المبدأ، "فالدولة عنده -مهما كان نظامها السياسي– هي دولة لحراسة الرجعية، تقمع الفرد وتضطهد الجماهير الشعبية، وتعادي الكادحين، ولذا كان لابد من تحطيم آلة الدولة اذا أردنا تحرير الجماهير من الاستغلال والاستعباد والعنف، كما يطابق باكونين بين دكتاتورية البروليتاريا وبين سيطرة الاقلية المثقفة وتَحَكُّمها بمجمل الكادحين، فقد كان باكونين "يتصور الثورة الاجتماعية على شكل تمرد عالمي، تقوم به الجماهير المسحوقة من الفلاحين واللومبن – بروليتاريا، هذه الثورة يجب أن تبدأ، أولاً، في أقطار مثل روسيا وايطاليا واسبانيا وبلدان أمريكااللاتينية، حيث لا تغلب البروليتاريا الصناعية، بل أفقر الجماهير الفلاحية والعمال اليدويين، وقد ترافقت لديه الدعوة إلى الثورة الاجتماعية مع الغض من قيمة الثورات السياسية والتحريض السياسي، كان يرى أن الشعب قد نضج للانتفاضة، وبالتالي، فإن مهمة الثوري ليست في الدعاية، بل في "تنظيم تمرد شعبي عام" وبث "التيار الحي للفكرة الثورية، والإرادة والعمل" في المشاعيات، وكان باكونين يرى أن المشاعيات المتحررة يجب أن تنظم على أساس الفيدرالية والتسيير الذاتي"([13]).
لقد "سار تطور باكونين الفلسفي في منحى بالغ التعقيد، ففي الثلاثينيات كان هيجلياً متعصباً، وفي الأربعينيات أصبح هيجليا يساريا، وفي الستينيات والسبعينيات ظهر – ولو ببعض التردد – كداعية للمادة والالحاد، عرض أفكاره الفلسفية، في المرحلة الأخيرة، في مؤلفاته "الامبراطورية الكنوتية – الألمانية" و "معارضة اللاهوت" و "الله والدولة". في هذه المؤلفات ينتقد باكونين بحدة المذاهب المثالية واللاهوتية، والكنيسة والصوفية والغيبية، ويعتبر الاله "فراغا مطلقا"، و"تجريدا ميتا"، و "عدما" ، ويعتبر الكنيسة خادمة لدولة المستبدين العالم، عنده، ازلي، غير مخلوق لاحد، وكل ما فيه من أحياء – من أبسط النباتات وحتى الانسان وعالمه الروحي – إنما هي وليدة العالم المادي، خلال عملية الارتقاء الطويلة""([14]).
كتب باكونين، في معرض دفاعه عن المادية يقول: "المادية تنطلق من الحيوانية لتقيم الانسانية؛ أما المثالية فتنطلق من الالوهية لكي تقيم العبودية، وتحكم على الجماهير بالحيوانية، التي لا مخرج منها، المادية تنفي الإرادة الحرة وتصل إلى إقامة الحرية؛ أما المثالية فتدعو، باسم الكرامة الإنسانية، إلى الإرادة الحرة وتقيم سلطتها على أنقاض كل حرية، المادية ترفض مبدأ السلطة، لأنها تعتبرها، ومعها كل الحق، نتاجا للحيوانية، ولأن سيادة الانسانية – التي تشكل عند الماديين هدف التاريخي ومغزاه الرئيسي – لا تتحقق إلا في ظل الحرية، وبكلمة واحدة، نستطيع، في أية قضية، تكذيب المثاليين في التحقيق العملي للمادية، في حين نرى الماديين، على العكس من ذلك، يتبنون، ويحققون، اعمق وأنبل التطلعات والأفكار"([15]).
"انتشرت آراء باكونين الفوضوية في سبعينات القرن التاسع عشر بين الشعبويين الثوريين في روسيا وايطاليا واسبانيا""([16]).
وعن نفسه قال باكونين بأنه "يؤمن بـ"المادية الاقتصادية" لدى ماركس وانجلس، وبموضوعتهما القائلة بأن الوجود الاجتماعي يحدد الوعي الاجتماعي.
إلا أن "من الخطأ اعتبار باكونين فيلسوفا ماديا تاريخياً، لأنه فهم هذه الموضوعة بروح الاقتصادية العامية، إذ استخلص الأفكار، مباشرة، من اقتصاد المجتمع، كما أنه لا يعتبر الإنسان جملة من العلاقات الاجتماعية، بل "تجلياً أسمى للبداية الحيوانية"، وكان باكونين، في كثير من الحالات، ينسى "المادية الاقتصادية" ليعطي الدور المحدد في التقدم التاريخي لـ"الحيوانية الإنسانية"، و"الفكر"، و"التمرد"، ولم يتخذ موقفا انتقاديا من تعاليم الماديين العاميين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبالغ في تقدير الفلسفة الوضعية، دون أن يلاحظ طابعها المثالي"([17]).
([1]) لجنة من العلماء والاكاديميين السوفياتيين – مرجع سبق ذكره – الموسوعة الفلسفية – ص400
([2])غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفكر الغربي - ص 699
([3]) المرجع نفسه - ص 715
([4]) جماعة من الأساتذة السوفيات – مرجع سبق ذكره – موجز تاريخ الفلسفة – ص594
([5]) اميل برهييه – تاريخ الفلسفة – الجزء الأول: الفلسفة اليونانية– ترجمة: جورج طرابيشي – دار الطليعة – بيروت - الطبعة الأولى، يونيو 1982 – الطبعة الثانية 1987- ص 303
([6]) لجنة من العلماء والاكاديميين السوفياتيين – مرجع سبق ذكره – الموسوعة الفلسفية – ص400
([7]) جماعة من الأساتذة السوفيات – مرجع سبق ذكره - موجز تاريخ الفلسفة – ص595
([8]) غنارسكيربك و نلز غيلجي – مرجع سبق ذكره - تاريخ الفكر الغربي - ص 711
([9]) المرجع نفسه - ص 713
([10]) بوشنسكي – الفلسفة المعاصره في أوروبا – ترجمة د. عزت قرني – عالم المعرفة 165 – سبتمبر 1992.
([11]) م. روزنتال و ب. يودين - الموسوعة الفلسفية – دار الطليعة – بيروت – ط1 اكتوبر 1974 – ص 75
([12])جماعة من الأساتذة السوفيات – موجز تاريخ الفلسفة - تعريب: توفيق ابراهيم سلوم –دار الفارابي – طبعة ثالثة (1979 م)– ص 544
([13]) المرجع نفسه - ص 545 / 546
([14]) المرجع نفسه - ص 547
([15]) المرجع نفسه - ص 547
([16]) م. روزنتال و ب. يودين - مرجع سبق ذكره - الموسوعة الفلسفية – ص75
([17]) جماعة من الأساتذة السوفيات - مرجع سبق ذكره - موجز تاريخ الفلسفة - ص 548

