Menu

الانتفاضة الكبرى: دعوة لإعادة القراءة والاعتبار

موسى جرادات

نشر هذا المقال في العدد 21 من مجلة الهدف الرقمية

لا يستقيم الحديث عن الانتفاضة الفلسطينية (انتفاضة كانون أو الانتفاضة الكبرى) باعتبارها ذكرى، فلا تزال فصولها ممتدة حتى هذا الوقت، على الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود على انطلاقتها المجيدة، فتداعياتها ما تزال راهنة، وفصولها لم تنتهِ بعد، فهي الأيقونة التي لمع بريقها في عتمة الهزائم التي حلت بنا منذ نكسة حزيران وما تلاها من هزائم متلاحقة؛ فانخراط كل شرائح المجتمع الفلسطيني بها وإن بدرجات متفاوتة، أمدها بالخصوصية وأعطاها مزيدًا من قوة الدفع، فهي التي أعادت للقضية الفلسطينية رونقها وحيويتها، وأمدتها بكل أشكال الزخم المادي والمعنوي، فهذا الشعب أصبح وجهًا لوجه أمام المحتل الغاصب؛ معبرًا عن هويته الحقيقية والأصلية؛ رافضًا لإملاءات المحتل وكل محاولاته التي بناها لتثبيت الأمر الواقع الذي أحدثه على الأرض والشعب.

ففي لحظات زمنية فارقة، أثبتت الإرادة الفلسطينية الكامنة قدرتها على التغلب على آلة الحديد وتفوقها المادي، واجتازت الصعاب، لتفك أسرار معادلة الهزيمة الحزيرانية في العام 67، وتثبت للعالم أجمع العدو قبل الصديق: أن إرادة الشعوب قادرة على صنع المعجزات في غفلة من العقل الغربي الحسابي.

وقد يذهب البعض لقراءة الانتفاضة بنتائجها على الأرض، للوصول إلى حقائق موهومة، تقول إنها قادت بالنهاية لاتفاق أسلو المشؤوم وكل ما ترتب عليه من نتائج وانتكاسات كبرى؛ طبعت مسار القضية الفلسطينية، لكن من السخف التوقف عند هذا التحليل؛ فمعادلات انتفاضة كانون التي أرستها على الأرض أكبر من ذلك بكثير، فقد اجتازت أبعادًا ومديات لم تكن قابلة للتحقق؛ إلا بفعل هذا النضال والكفاح اليومي التراكمي. فالحقيقة الأولى التي أرستها منذ انطلاقتها وحتى هذا الوقت تتمحور حول بدء المواجهة المفتوحة على الأرض مع المحتل، والتي ما تزال مفاعيلها واضحة ومعلنة حتى هذا الوقت، بعد أن فتحت أبواب الممكن في مواجهة المستحيل الصهيوني التوراتي المتعجرف والصلف، وجعلته أمام تحديات الحقيقة الفلسطينية الساطعة، وطرحت سؤال النهاية على العقل الصهيوني القلق والمتوجس.

بالمقابل أعادت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى سرد الرواية الفلسطينية، وفق إيقاعها الخاص والمنفصل عن كل متطلبات النظام الدولي ومراسيمه وتشريعاته التي أعطت الشرعية لدولة الاحتلال، وفرضت الانتفاضة نفسها على كل الأصعدة، وأعادت سؤال الضحية للمربع الأول، باعتباره السؤال الأول الواجب على الآخرين تقديم جواب حوله، ومن خلال الإجابة المقدمة اتضح المشهد وبان الفرز، وبعد أن فرضت نفسها على كل مُدّعي التحضر الإنساني وبلاغتهم اللغوية، ووضعتهم في مأزق وامتحان أخلاقي، لم يستطيعوا الإجابة عليه بوضوح حتى هذه اللحظة؛ فثنائية مدح الجلاد والضحية في آن معًا لم تعد تصمد أمام سيلان الدم في مخيمات وقرى ومدن فلسطين طولًا وعرضًا، فكل المواقف التصالحية مع تلك الثنائية سقطت بفعل المواجهة المفتوحة لناس الانتفاضة.

أما على الصعيد الداخلي، فقد أعادت الانتفاضة الكبرى ترتيب الأولويات، ووضعت في أعلى سلّمها مفردات الحرية والاستقلال وبناء الدولة، وأعادت توطين الشخصية الفلسطينية ونقلها من مرحلة الحلم والأمل إلى مربع الواقع والإمكانية للتنفيذ في نموذج عملي واقعي إبداعي ملحمي، لديه إمكانية التحقق رغم كل الصعاب؛ ففي النضال اليومي وتقديم التضحيات في مواجهة المحتل، جعلت الانهزاميين والمشككين وأسرى الواقع الصهيوني أمام مأزق فعلي، فلا هم قادرين على الإبقاء على لحظة الهزيمة التي اعتاشوا عليها لعقود خلت، ولا هم قادرين على الانخراط في البنية القيمية الجديدة التي أحدثتها الانتفاضة، لهذا انصب جهدهم منذ اليوم الأول على ابتلاع الانتفاضة وتوهجها ومخرجاتها، عبر إنتاج خطاب سياسي يتوسم "العقلانية" الغربية، ويطلب مودتها على حساب الأهل والديرة، للفوز بجائزة البقاء. وعلى هذا بدأت عجلات المسار الذي خطته النخبة السياسية الفلسطينية النافذة والمتنفذة دورانها المتسارع الهادف لاقتناص اللحظة الملحمية والقفز عليها لقيادتها وفق إيقاعها الخاص، الذي يفترض استكمال مهمة الانتفاضة، وهي الإبقاء على تلك النخبة كمهمة قصوى وأساسية لها، عبر الانتقال من الكفاح الميداني إلى طاولة التفاوض التي أنتجت أوسلو ومتفرعاته وقنواته، وأغلق الباب أمام أي إمكانية فعلية للشعب لمواصلة طريقه وكفاحه العادل والمشروع والممكن.

وما بين الصعيدين الداخلي والخارجي، عاشت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى انتكاسات لا يمكن تجميلها، فهي تجربة شعب بكل مكوناته، ولا يمكن القفز عن تلك الانتكاسات، فهي ربما أفضت في النهاية لولادة الحالة الراهنة، وكل كتابة عن الانتفاضة الكبرى بوصفها لحظة من لحظات الزمن الجميل فقط، تغامر بإدخالنا في تصورات أسطورية غير ممكنة التحقق، وربما تهدف تلك الكتابات إلى إحالة الانتفاضة الكبرى إلى مجرد ذكرى لا يمكن استعادتها كتجربة فعلية أو الاستفادة من إنجازاتها الحقيقية، عبر طي صفحتها نهائيًا، وقد لفت انتباهي أن مجمل الكتابات التي وثقت الانتفاضة، قد تحدثت عنها بوصفها أرقام ومقاربات نظرية، أحالت فيها الانتفاضة إلى منصة بحث وتقصي، ومعادلات رقمية تحاول إقامة روابط منطقية بينها، أما الكتابات الأكثر رصانة ذهبت بعيدًا في اختزالها لصالح التصورات النظرية التي يلتزم بها صاحب النص فكرًا ومعنى؛ فجاءت التحليلات والتفسيرات امتدادًا لتلك التصورات النظرية، ولم تقدم إضافات نوعية، وبقيت الانتفاضة حبيسة تلك التصورات المسبقة، ولم تستطع أن تتحرر منها، فهي معلم حضاري إنساني، وتجربة غير مسبوقة في تاريخ الشعوب قاطبة، حيث أن استخدام السلاح البدائي كالحجر في مواجهة دولة نووية مزودة بكل أشكال السلاح الحديث، أعطى للانتفاضة وأهلها فرادة في التجربة، وأعطاها مساحة جديدة في تجارب الشعوب التي قاومت المحتل وانتصرت، فما يميز الانتفاضة عن التجارب الأخرى خصوصيتها بكل ما حملته من زخم، ومن معنى، ومن أدوات، والتي بدورها أدهشت أصحابها، وبثت القوة في شرايين أصدقائها المدافعين عنها، وأخرست المشككين، ودفعت المستبدين إلى اختبار إنسانيتهم من جديد فاختاروا شيئا آخر.

لذلك أخيرًا، فإنها دعوة مفتوحة لإعادة قراءة الانتفاضة بمضامينها وظرفها الخاص، ليس فقط من أجل فهمها أكثر، بل أيضًا لإعادة موضعتها بشكل صحيح في مسار حركة التحرر الفلسطينية؛ فبدون فهم أعمق لدروس الانتفاضة وسلبيات مسارها وطرق استثمارها، أو التشبث بها مع انتهاء جدواها التاريخية، لا يمكن لنا أن نستفيد وأن نراكم، وهذا لا ينطبق فقط على انتفاضة كانون المجيدة، بل كل تجارب الحركة الوطنية الفلسطينية.