Menu

 ​​​​​​​كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح 73)

غازي الصوراني

موجز الفلاسفة.jpg

خاص بوابة الهدف الاخبارية

(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الرابع

الفصل الحادي عشر

الفلسفة في القرن العشرين

نظرة على فلسفة القرن العشرين:

رابعاً: الفلسفة الماركسية

مدخل:

لم تكن أفكار ماركس أبداً أكثر راهنية مما هي عليه اليوم، إذ أنها في ظل بشاعة الاستغلال الرأسمالي المعولم ضد الشعوب الفقيرة، فقد بانت الماركسية أكثر الحاحاً من أي وقت مضى في التاريخ الحديث والمعاصر.

وإذا ما عدنا إلى ماركس، فالماركسية كعلم هي وعي الضرورة، أي وعي القوانين والظروف الموضوعية في تطابقها الجدلي مع العامل الذاتي (الحزب)، بما يوفر القدرة على التوسع التنظيمي والجماهيري من أجل تحقيق الأهداف الوطنية والمجتمعية، وبالتالي فإننا مدعوون للتعامل مع هذه القوانين الموضوعية، ومنهجها المادي الجدلي، بوعي عميق، يتجاور بالضرورة مع وعينا لكل المكونات السياسية والاقتصادية والطبقية لواقعنا، وبناء على ذلك، فإن الماركسية هي علم القوانين الطبيعية التي تتحكم في سير وتطور المجتمع الإنساني، وهي بهذه الصفة علم متجدد ومتطور لا يقل دقة عن سائر العلوم الطبيعية، فهي علم تطبيق المادية الجدلية على تاريخ المجتمع البشري، بجميع مراحله وأنماطه المختلفة، وهي أيضاً علم عن قوانين علاقة الوعي بالعالم الموضوعي، وعن القوانين العامة للحركة في الطبيعة والمجتمع والفكر البشري، وقد كان ظهور الماركسية في أربعينيات القرن التاسع عشر قد ترافق مع تطور الرأسمالية وتَكَشُّف طبيعتها التناحرية وجوهرها القائم على الاستغلال والقهر.

في هذا الجانب، يقول المفكر الراحل د. صادق العظم، "لا تتميز الماركسية، بأي شيء فريد يخصها دون غيرها، انها استمرار لتقليد علمي – ثوري- تحرري، طويل، عريق، وتتويج له في الوقت ذاته في حقبتنا الحاضرة، علينا أن نؤكد هذه النقطة حتى لا نفقد ذاكرتنا التاريخية، وحتى لا تفقد الماركسية عمقها التاريخي، كذلك علينا ألا ننسى أبداً حكم سارتر الدقيق في مقدمة نقد العقل الجدلي": "الماركسية هي الفلسفة المعاصرة التي لا يمكن تجاوزها"، كي لا نقع في سطحية الموضات الفلسفية اللماعة والرائجة كثيراً في زمننا، بعبارة أخرى، تبقى الماركسية هي فلسفة العصر النقدية بامتياز طالما بقيت التشكيلة الرأسمالية هي العصر بامتياز"([1]).

الماركسية إذن، هي مجموع هذا المنهج مع هذه القوانين التي تفعل فعلها إلى يومنا هذا، لأن موضوعها مازال موجوداً ألا وهو الرأسمالية، وكل اشكال الاستعمار والاحتلال والاضطهاد والاستغلال الطبقي والسياسي، ما يعني ان الماركسية هي نظام للحياة، يطال البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والروحية، وهي ايضاً – وقبل كل شيء – فلسفة ورؤية فكرية لها نظامها وآلياتها ومن ثم لها تصورها عن المجتمع والحياة، وفق قوانينها، ومنهجها الجدلي، أو ديالكتيكها العلمي المختلف تماماً عن الجدل المثالي الهيغلي، فالماركسي هو من تبنى الماركسية وعياً وممارسة بصورة خلاقة ، وانطلاقاً من المقولة الخالدة "لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية.

المقدمات الأيديولوجية لظهور الماركسية:

كان ديكارت وبابيف وديدرو وفولتير من أبرز أسلاف الفلسفة الماركسية، باعتبارهم من أهم رموز عصر النهضة الذين مهدوا أيديولوجياً للثورات البرجوازية في أوروبا في القرنين 17 و 18 ، كذلك فإن المفكرين الاجتماعيين مثل هوبز / لوك / مونتسكيو / وروسو ، كانوا جميعاً من هؤلاء الأسلاف العظام، فقد كانوا رموز عصر التنوير وأنصار العقلانية الذين وجهوا نقداً عنيفاً للأنظمة الإقطاعية ، وأعلنوا ضرورة إشاعة الحريات المدنية والمساواة بين الناس .. لقد زرعوا بذور التغيير وساهموا في إنضاجها.

مصادر الفلسفة الماركسية :

أولاً : الفلسفة الألمانية :

هيجل (1770 – 1831) أبرز رجالات الفلسفة الكلاسيكية الألمانية ، وقد بلغت هذه الفلسفة ذروتها في مذهبه الذي تكمن مأثرته التاريخية في أنه كان أول من نظر إلى العالم ، الطبيعي والتاريخي والروحي بوصفه عملية ، أي في حركة دائمة ، في تغير وتطور ، إنها عملية ديالكتيكية ، وهو أول من أعطى صياغة دقيقة لقوانين الديالكتيك الأساسية ، لكنه رغم ذلك وقف على أرضية المثالية الفلسفية الخاطئة .

لودفيج فيورباخ ( 1804 – 1872 ) لعبت فلسفته المادية دوراً هاماً في وضع ماركس وانجلز للرؤية المادية ، لقد وجه فيورباخ نقداً عنيفاً للمثالية الهيجلية ، لكنه عموماً ظل مادياً ميتافيزيقياً ، بسبب أن ماديته لم تتفهم القيمة العلمية لديالكتيك هيجل، كذلك لم يدرك حق الإدراك ماهية الإنسان ، فاعتبره كائناً بيولوجياً فقط ، ولم يتبين الجانب المادي من العلاقات الاجتماعية .

ثانياً: الاقتصاد السياسي الانجليزي:

من المصادر أيضاً، النظريات الاقتصادية التي وضعها كل من آدم سميث (1723 – 1790 ) وديفيد ريكاردو (1772 – 1823 ) وخاصة نظرية القيمة – العمل، التي كان لها أهمية بالغة في تكون المذهب الفلسفي الماركسي ، إن نظريتهما أوضحت ولأول مرة أهمية الأساس الاقتصادي لنشاط الناس ، كما بينا أن تطور المجتمع يرتكز إلى التفاعل الاقتصادي بين الناس، لكنهما (سميث وريكاردو) كونهما من المدافعين عن الرأسمالية ، عملا على تبرير استغلال الرأسماليين للعمال ، وصورا هذا الاستغلال تفاعلاً بين شريكين متكافئين في إطار علاقات السوق ، أما الربح، فاعتبراه مكافأة للرأسمالي على تنظيم الانتاج وإدارته ، المهم أن مذهبهما الاقتصادي كان منطلقاً للبحث اللاحق للعلاقات الاقتصادية وللكشف عن التناقض بين العمل والرأسمال من حيث هو التناقض الأساسي في المجتمع البرجوازي، أما القيمة البارزة لنظريات سميث وريكاردو، فتكمن في انها أرست بداية نظرية القيمة – العمل.

لقد برهن هذان المفكران على ان قيمة السلعة لا تتوقف على خصائصها الفيزيائية، أو على درجة نفعيتها، أو على العرض والطلب، وإنما تتحدد بكمية العمل الاجتماعي، الضروري لانتاجها، بيد أن سميث وريكاردو اعتبرا قانون القمية هذا قانوناً طبيعياً خالداً للعدالة الاقتصادية، حتى ولم تخطر ببالهما فكرة الطابع التاريخي العابر لهذا القانون الاقتصادي.

لقد صورا النظام الرأسمالي على أنه النظام الوحيد الممكن، نظام "طبيعي"، أبدي، يستجيب لمصالح كافة أعضاء المجتمع، وفي معرض برهانهما على قانون القيمة لم يتطرق سميث وريكاردو إلى مسألة أصل فضل القيمة، برغم إقرارهما بأن ربح الرأسمالي يأتي من الإنتاج وليس من تصريف السلع.

إن "عدم الاكتراث بمسألة أصل فضل القيمة أمر مميز للاقتصاديين البرجوازيين عموما، ففيه – كما أشار ماركس- تتجلى الغريزة الطبقية لهؤلاء الاقتصاديين، التي لا تسمح لهم بالتعمق في مشكلات، سيؤدي مجرد طرحها إلى فضح الاستغلال الراسمالي البشع"([2]).

لقد قدر ماركس وانجلز تقديراً عالياً فكرة سميث وريكاردو عن القيمة كتجسيد للعمل الاجتماعي الضروري، لكن مؤسسي الماركسية، مع موافقتهما على صحة هذا الرأي، رفضا الطابع السرمدي للقيمة؛ فليست القيمة، في نظرهما، سوى علاقة اجتماعية تاريخية، عابرة، تتخذ شكل علاقة بين الأشياء، بين منتجات العمل البشري.

وهذا يعني أن الاشياء المصنوعة، لاتتخذ شكل السلعة إلا في ظروف اقتصادية – تاريخية معينة، ذلك إن الإنتاج السلعي ليس سرمدياً، كما أنه ليس الصيغة الممكنة الوحيدة لتبادل النشاط الإنتاجي بين الناس، ومن دراسة قوانين ظهور أسلوب الإنتاج الرأسمالي وتطوره، خلص ماركس وانجلز إلى نظرية فائض القيمة، ومنها – إلى البرهنة على حتمية الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية"([3]).

لقد كان لولادة الاقتصاد السياسي قيمته البالغة الاهمية في وضع الفلسفة الماركسية، ولا سيما الفهم المادي للتاريخ.

 

ثالثا: الاشتراكية الطوباوية :

أهم الرموز: سان سيمون (1760 1825) وفورييه (1772 1837) وروبرت أوين (1771 1858)، وقد لعبت أفكارهم الاشتراكية دوراً هاماً في التمهيد لظهور الفلسفة الماركسية، وخاصة المادية التاريخية، فقد ارتكزت أفكار هؤلاء الرواد على مطالبتهم بضرورة انتشار الملكية العامة ( الجماعية ) والعمل الجماعي، بما يسمح بالقضاء على بؤس الجماهير، لكنهم لم يروا السبل المؤدية إلى التحول الاشتراكي، وأنكروا دور الثورة والصراع الطبقي، أو لم يفهموه، واعتبروا أن الطريق إلى الاشتراكية يمر عبر التنوير وتعاون الطبقات، وهو أمر مستحيل، تلك هي مثاليتهم.

لقد تميز الاشتراكيون الطوباويون عن أسلافهم – طوباويي القرنين السادس عشر والسابع عشر، بأنهم عاصروا رأسمالية أكثر نضجا، ولذلك كان نقدهم للرأسمالية أحد الجوانب القوية في آرائهم.

لقد أشاد ماركس وانجلز بالأفكار العقلانية القَيِّمَة لدى سان سيمون وفورييه وغيرهما من الاشتراكيين الطوباويين، لكن مؤسسي الماركسية أشارا، في الوقت ذاته، إلى تهافت التصورات الطوباوية حول طرق الانتقال إلى الاشتراكية، وانتقدا الأسس المثالية لآراء الاشتراكيين الطوباويين، ونفيهم للدور التقدمي، الذي يلعبه الصراع الطبقي، وانعزالهم عن الحركة العمالية، وميلهم للمساومة مع الطبقات المسيطرة.

وحين "صاغ ماركس وانجلز شكلاً جديداً متقدماً من الفلسفة المادية، لم يكتفيا بالمعالجة النقدية الثورية للمذاهب الاجتماعية السابقة، بل قاما، أيضاً، بالتعميم النظري للاكتشافات العظمى في علوم الطبيعة في القرن التاسع عشر، التي كانت قد شارفت على طرح ضرورة الفهم المادي –الديالكتيكي للطبقة، وهكذا جاء ظهور الماركسية استجابة لمتطلبات الواقع الاجتماعي الجديد، ونتيجة لمجمل التطور السالف للمعرفة البشرية"([4]).

أخيراً، على ضوء الإنجازات النظرية لأبرز رجالات الفلسفة والاقتصاد السياسي، والاشتراكية الطوباوية، وضع ماركس وانجلز نظرية فلسفية جديدة، كل الجدة، تجمع لأول مرة في تاريخ العلم بين المادية الفلسفية والمنهج الديالكتيكي، وتعطي تفسيراً علمياً لحياة المجتمع البشري، وبفضلهما تحول العلم الفلسفي ليصبح أداة بيد الطلائع المثقفة والقوى الكادحة والبروليتاريا في نضالها لتغيير العالم.

المادية الجدلية:

تعرف المادية الجدلية في معظم المراجع على النحو التالي:انها قوانين ومبادئ ومقولات تعمل في جانبين، جانب المعرفة العلمية (العلوم المختلفة)، والجانب الآخر هو الحركة المجتمعية وتطور المجتمع تبعا لهذه القوانين، أي أنها تُطَبَّق في العلوم المعرفية وعلم الاجتماع على حد سواء، إذن يمكننا القول، إن المادية الجدلية هي ذلك العلم الفلسفي الذي ينطلق من أولوية المادة مستخدما قوانين الجدل المادي (الديالكتيك) لفهم الوجود وتطوره.طبعا ليس بمقدورنا أن نقف على المعنى المراد في التعريف المتقدم إلا عندما نقف على قوانين الجدل المادي ونفهمها جيدا.

لا شك أن الاكتشافات العلمية المذهلة في أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، قد أكدت على انتصار وتغلب المفاهيم العلمية المادية الجدلية على كافة المفاهيم الغيبية ، إذ أن العلم الحديث (في علوم الهندسة الوراثية والاستنساخ والجينات والفيزياء والليزر، وتكنولوجيا النانو([5]) والفامتو Famto Second  والكومبيوتر وعلوم الفضاء والاتصال...إلخ) أكد على استبدال مفهوم المادة الضيق بمفهومها الديالكتيكي الواسع، بما يكرس مصداقية الفلسفة المادية الجدلية التي تُعرّف المادة بأنها " واقع موضوعي قائم بغض النظر عن الوعي البشري الذي يعكسه" .

ان التعريف العلمي للمادة يتضمن ثلاثة جوانب: 1) المادة هي ما يوجد خارج الوعي وبغض النظر عنه. 2) المادة هي ما يُولّد الأحاسيس لدينا؛ وهي ما تعتبر أحاسيسناً ووعيناً على العموم انعكاساً لها، وهذا يفتح على مسألة هامة، هي أن الفكر جزء من الواقع المادي أيضاً. فهو نتاج الإنسان الواعي، أي الإنسان الساعي إلى صوغ واقعه في تصورات وأفكار. والفارق بين الواقع والمادة هو هنا، حيث تخضع المادة لفعل الإنسان ولكن لـ "عقله " أيضاً. هذا الفعل وذاك العقل يسهمان في وعي المادة، وبالتالي، في السيطرة عليها وتطويرها كذلك.

 

المنهج الديالكتيكي الماركسي:

يتميز هذا المنهج عن المنهج الميتافيزيقي بميزات أربع هي تباعاً:

        • النظر إلى الطبيعة بوصفها كلاً موحداً ومتماسكاً ترتبط فيه الموضوعات والظاهرات ارتباطاً عضوياً فيما بينها ويشترط بعضها بعضاً.
        • النظر إلى الطبيعة بوصفها في حالة حركة وتبدل مستمرين، وتجدد ونمو لا ينقطعان إذ ثمة دائماً شيء ما يولد وينموا وآخر ينحل ويزول.
        • النظر إلى سيرورة النمو بوصفها إنتقالاً من التبدل الكمي الخفي إلى التبدل الجذري الكيفي، والنظر إلى التبدل الكيفي بوصفه تبدلاً ضرورياً يحصل بقفزات ويسير أبداً إلى أمام من القديم إلى الجديد ومن البسيط إلى المركب ومن الأدنى إلى الأعلى.
        • النظر إلى موضوعات الطبيعة وظاهراتها من زاوية تناقضها الداخلي، أي النظر إلى جانبها السالب وجانبها الموجب، إلى ماضيها ومستقبلها، إلى ما يختفي فيها ويظهر، لأن مضمون النمو الداخلي هو صراع الأضداد ولأن كل شيء يخضع للظروف والزمان والمكان.

أما المادية الفلسفية الماركسية فتنطلق من مبادئ ثلاثة:

  • المبدأ القائل أن العالم مادي بطبيعته، وأن مختلف ظاهراته ليست سوى أوجه مختلفة من أوجه المادة المتحركة وذلك على عكس المثالية التي تنظر إلى العالم بوصفه تجسيداً للفكرة المطلقة أو الروح الكلي.
  • المبدأ القائل أن العالم المادي هو واقع موضوعي قائم خارج وعينا به وبمعزل عنه. وأن المادة او الكون أو الطبيعة، هي المعطى الأول في حين ان الوعي أو الفكر هو المعطى الثاني المشتق لانه  نتاج للمادة ولدرجة عليا من درجات تطورها وكمالها.
  • المبدأ القائل إن العالم، وقوانينه، قابل لأن يُعْرَف معرفة كاملة. وإن معرفتنا بقوانينه هي معرفة مقبولة عندما تؤكدها التجربة والممارسة([6]).

أيهما أسبق الوعي أم المادة؟

يعتبر السؤال عن أولوية الوعي أو المادة سؤالا مركزيا في الفلسفة ، ولو أردنا ان نصوغه بطريقة سلسة ومبسطة لقلنا : أيهما يسبق الآخر هل يسبق الوعي المادة أم تسبق المادة الوعي؟ في واقع الامر أهمية هذا السؤال تنبع من التركيب الأكثر وضوحا وأهمية وهو : هل يوجد تفكير أو وعي خارج المادة وهل توجد مادة خارج الوعي وبدونه؟

للوهلة الاولى قد نتسرع بوضع إجابات اعتباطية تنزع إلى طبيعة التكوين الذاتي الثقافي لكل منا ، ولذا فنحن نحتاج لشيء من الصبر للحكم على الموضوعة أو اختيار إجابة.

قبل أن نتعرف على الخلاف في جذوره، حول أولوية المادة أو الوعي، علينا أولا أن نعي مقصود المادة، ومقصود الوعي، في ضوء دراستنا ونقاشنا وفهمنا للماركسية وفلسفتها، فبالنسبة للمادة هي الموجود المادي بكل ابعاده مستقلا عن الروح ومستغن عنها ، أو المادة هي الوجود الموضوعي القائم بذاته خارج وعينا.

أما كيف هي المادة؟ فهذا سؤال يجيبنا عليه العلم عن طبيعة المادة وخواصها..الخ. إذن ما هو الوعي الآن؟يتلخص الوعي فهماً بكونه الإدراك، والإدراك الموضوعي تحديداً ، لأن الإدراك الحسي المباشر ظاهرة توجد لدى الإنسان والحيوان على السواء بينما يتميز الإنسان بإدراك موضوعي يؤهله للتفكير المنطقي أي القدرة على ربط الأسباب بالمسببات ، أو التفكير المنتظم بلغة مهما بلغت درجة بدائية هذه اللغة.

اتخذت المادية إذن كفلسفة موقفا مبدئيا علميا من مسألة أولوية المادة ؛ ذلك أن عمليات الإدراك والتفكير وتكوين الوعي لا يمكن أن تتحقق إلا في بيئة مادية ، وبالتالي فوجود المادة شرط أساسي لا غنى عنه في عملية الوعي ، حيث تدلنا القوانين العلمية الناظمة للوجود المادي على استحالة تكوين وعي بدون مادة ، أي أن الفرض القائل بإمكانية تحقق وعي بدون زمان أو مكان أو حركة، فَرَض غير ممكن التحقق، فالوعي هو مظهر من مظاهر وجود المادة.

أن القول بأولوية المادة معناه رفض كل أطروحات الفلسفة المثالية التي تحاول تفسير العالم والوجود الانساني انطلاقا من ما ورائيات أو أي وعي سبق المادة، وبالتالي فهي دعوة لفهم واقع الانسان ووجوده إنطلاقا من وعي ما هو مادي ، ووعي ما هو مادي إنما يستند للعلم ، فالعلم هو الذي يجيبنا عن ماهية المادة، وبالتالي فإن الفلسفة المادية إنما تبني مقولاتها كلها منطلقة من الوعي العلمي الذي يكون موضوعه الأساسي الوجود المادي للكون والإنسان والمجتمع، وقد إتخذ ماركس  موقفا أبعد من ذلك عندما طالب بإنتقال الفلسفة من تفسير العالم إلى تغييره ، جوهر هذا الكلام المطالبة بتوظيف القوانين المادية التي تحكم الوجود في تغيير الوجود نفسه، وبالتالي إخضاع الوجود الموضوعي للإنسان وتمكينه من خلال فهمه المادي للوجود من تغيير هذا الوجود في مصلحته نحو واقع أكثر تطورا.

 المادة وأشكال وجودها([7]):

إن نقطة انطلاق المادية الديالكتيكية هي الإعتراف بالوجود الموضوعي للمادة، للطبيعة، المتطورة، المتحركة، بشكل خالد. لهذا لابد، في البداءة، من دراسة المادة وأشكال وجودها.

- المادة:

يحيط بنا عدد لا حصر له من الكائنات المتباينة أعظم تباين في خصائصها، بعضها يُحْشَر في عداد الكائنات الحية، وبعضها لا يتوفر فيه أي دليل على الحياة، بعضها قاسٍ وبعضها طري أو سائل، بعضها متناه في الصغر وخفيف، وبعضها ذو أجسام هائلة وثقيلة جداً، بعض الأجسام مشحونة بالكهرباء، وبعضها غير مشحون بها... إلخ. كل هذا بمجموعه يشكل ما يدعى بالطبيعة.

ومهما تباينت أجسام الطبيعة وتمايزت عن بعضها، فالخاصة الجامعة بينها، هي إنها موجودة خارج وعي الإنسان واحساسه ونفسه وبشكل مستقل عنه. ولم ينشـأ الإنسان ووعيه إلا في درجة معينة من تطور الطبيعة كنتاج رفيع لها، في حين وجدت الطبيعة ذاتها بشكل خالد، ولم يوجد ولا يمكن أن يوجد أي "وعي ما فوق الإنسان" أو "وعي مطلق"، وعلى هذا فالفلسفة المادية تُعَلِّم أن الطبيعة، أن المادة، هي السابقة؛ وأن الروح، أن الوعي هو اللاحق، وعلى الصعيد الاجتماعي، فإن الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي بالنسبة للفرد وبالنسبة للمجتمع.

لقد لاقى مفهوم المادة هجوماً أعنف من أي هجوم تعرضت له الفلسفة المادية، ولا عجب في ذلك لأن هذا المفهوم، هو حجر الزاوية في المفهوم المادي عن العالم، لذا يهاجمه أعداء المادية باستمرار، لقد أكد المثاليون مراراً وتكراراً أن مفهوم المادة الذي يعني الواقع الموضوعي إنما دُحِضَ أو شاخ؛ غير أن تطور العلم، ومعطيات ممارسة النشاط العملي أثبتا، بشكل لا يُدحَض، عكس ما ذهبوا إليه.

- الحركة شكل لوجود المادة([8]):

المادية الجدلية لا تحصر تعدد أشكال الحركة في شكل واحد منها، ميكانيكي، مثلاً أو أي شكل واحد آخر، بل تربط الحركة بالتغير، بتطور الاجسام، بمولد الجديد واندثار القديم ، لا توجد المادة إلا في حركة وهكذا فإن الحركة شكل من أشكال وجود المادة وهي خاصية ملازمة لها. "إن الحركة هي أسلوب لوجود المادة . ولم توجد في أي مكان مادة دون حركة ولا يمكن أن توجد".

- الحركة مطلقة والسكون نسبي:

حركة المادة مطلقة وابدية ، وخلافاً لكون الحركة مطلقة فإن السكون نسبي. ولكنه لا يجوز تصوره حالة جامدة متحجرة، فالجسم لا يمكن أن يكون ساكناً إلا بالنسبة لجسم آخر، لكنه بالضرورة يشترك في الحركة العامة للمادة. وفوق ذلك فحتى حين يكون الجسم في حالة سكون، فإن عمليات فيزيائية أو كيميائية أو عمليات أخرى تجري فيه طيلة الوقت، ذلك إن حركة المادة ابدية مطلقة ، في حين أن السكون وقتي نسبي، أنه مجرد لحظة من لحظات الحركة.

إن هذا الفهم للمادة يتسم بأهمية كبرى، وتؤكده كلياً الاكتشافات العلمية الحديثة والمعاصرة. وعلى ضوء التصورات العلمية الحديثة يمكن أن نشير إلى المجموعات التالية لأشكال حركة المادة([9]):

  1. الأشكال الميكانيكية: وهي تنقل الأجسام مكانياً بالنسبة إلى بعضها البعض.
  2. الأشكال الفيزيائية: وهي التغيرات في الواقع المكاني والسرعة والكتلة والطاقة والشحنة الكهربائية ودرجة الحرارة والحجم وغير ذلك من صفات الأشياء المادية، وهي أيضاً مجموعة أشكال الحركة التي تدرسها الفيزياء كالعمليات الحرارية والكهرطيسية بما فيها الظواهر الضوئية والتجاذب المتبادل وكافة العمليات التي تجري داخل الذرة وداخل النواة.
  3. الأشكال الكيميائية: وهي تحول بعض المواد إلى بعضها الآخر، وتكوين تراكيب الذرات وإعادة تكوينها (اتحادها وانفصالها).
  4. الأشكال البيولوجية: وهي كافة التغيرات أو الحركة في الحياة العضوية.
  5. الأشكال الاجتماعية: وهي التغيرات الجارية موضوعياً في المجتمع البشري وحدهُ والملازمة له دون غيره، أو هي العمليات الاجتماعية (التناقضات والصراعات الطبقية ...إلخ) وتاريخ المجتمع الإنساني.

إن أي شكل من أشكال الحركة المذكورة أعلاه، إنما هو موجود موضوعياً بغض النظر عن وعي البشر، وهو يمثل عملية مادية، أما حركة أحاسيسنا وأمزجتنا وأفكارنا فهي موجودة في أذهان البشر فقط، وبديهي أن الأحاسيس والأفكار لا يمكن أن توجد بدون حاملها المادي، نعني الدماغ.

 

 


([1]) د. صادق جلال العظم – دفاعاً عن المادية والتاريخ – دار الفكر الجديد – بيروت – الطبعة الأولى 1990 –ص 164

([2])جماعة من الأساتذة السوفيات – مرجع سبق ذكره - موجز تاريخ الفلسفة – ص 611

([3]) المرجع نفسه - ص 612

([4]) المرجع نفسه - ص 613

([5]) النانو تكنولوجي هو “العلم الذي يهتم بدراسة ومعالجة المواد على المستوى الذري والجزيئي”. والنانومتر هو جزء من مليار من المتر، ولتوضيح مقياس النانومتر نقارنه قياسا بسمك ورقة الصحيفة الذي يصل إلى 100,000 نانومتر، وفي هذا الجانب تعتبر وحدة قياس النانو تكنولوجي في الذرة والجزيئات هي النانو متر التي تساوي – كوحدة قياس – جزء من المليون من الملليمتر... وفي هذا السياق نشير الى تعدد وتنوع تطبيقات النانو تكنولوجي – كعلم مستقبلي - فى مجالات الحياة المختلفة كالطاقة والطب والزراعة والإلكترونيات والبيئة والصناعات الحديثة ومجال البصريات وتطوير الجزيئات النووية وغير ذلك من علوم التكنولوجيا الالكترونية ، ففى مجال الإلكترونيات كمثال: تساعد النانو تكنولوجي فى زيادة كفاءة الأجهزة الإلكترونية وفى نفس الوقت تصغير حجمها والحد من الطاقة المستهلكة لتشغيل تلك الأجهزة. وما زالت تقنية النانو تكنولوجى في البلدان الصناعية المتقدمة خاصة في اوروبا والولايات المتحدة وروسيا واليابان والصين وبعض دول العام الاخرى ما عدا الدول العربية التي ما زالت غارقة في حالة عميقة من التخلف العلمي والتكنولوجي عموما وتقنية النانو خصوصا ،على الرغم من ان تقتية تكنولوجيا النانو تنتشر في العديد من المجالات المختلفة لتطبيقات تلك التقنية فى مجالات حياة البلدان الصناعية المشار اليها .

([6])  موسى وهبه - الموسوعة الفلسفية العربية-معهد الإنماء العربي- المجلد الثاني–  الطبعة الأولى–ص1193/1194.

([7])  مجموعة من المفكرين السوفييت – ترجمة فؤاد مرعي/ عدنان جاموس/ بدر الدين السباعي - المادية الديالكتيكية –  دار الجماهير –دمشق – 1973 – ط3 – ص74.

([8]) افاناسييف - كتاب: أسس المعارف الفلسفية –  دار التقدم – موسكو – 1979 – ص42

([9])  المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية – مجموعة من المؤلفين – دار التقدم – موسكو – 1975- ص82.