Menu

إجراء الانتخابات محطة لتعميق الانقسام..!

عليان عليان

منذ أن أصدر رئيس السلطة محمود عباس مرسومه الرئاسي بإجراء الانتخابات العامة بالتتابع  على ثلاث مراحل، بحيث تجرى الانتخابات التشريعية بتاريخ 2021/5/22، والرئاسية بتاريخ 2021/7/31، على أن تعتبر نتائج انتخابات المجلس التشريعي المرحلة الأولى في تشكيل المجلس الوطني وكذلك ترحيب حركة حماس بهذا المرسوم  وتخليها عن مطلب إجراء الانتخابات العامة  بالتوازي؛ انقسمت الفصائل الفلسطينية والرأي العام الفلسطيني بين مؤيد ومعارض. والمبرر الذي تستند إليه الرئاسة وحركة فتح، يتمثل في ضرورة تجديد النظام السياسي الفلسطيني بعد مرور  أربعة عشر عاماً، على إجراء آخر انتخابات وفازت فيها حركة حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، وبهدف  مواجهة العديد من التحديات والمتغيرات الدولية.

وتتجاهل رئاسة السلطة ومن لف لفها، بأن الانتخابات ليست مجرد إجراء إداري، بل أنها إجراء سياسي بامتياز، من زاوية أن تجديد النظام السياسي من منظور السلطة وتوقعها بالفوز، إنما يستهدف المضي قدماً في الالتزام باتفاقيات أوسلو ومشتقاتها ومخرجاتها من تنسيق أمني وتبعية اقتصادية للاحتلال، بعد أن داست قيادة السلطة على مخرجات مؤتمر الأمناء العامين  للفصائل، ومن ضمنها  تشكيل  لجان لإنجاز المصالحة وتشكيل قيادة موحدة للمقاومة الشعبية، ومغادرة اتفاقات أوسلو والاعتراف بالكيان الصهيوني، غير آبهة بمناشدات الفصائل بشأن الدعوة مجدداً لانعقاد مؤتمر الأمناء العامين والالتزام بما تم التوافق عليه في المؤتمر المذكور.

يضاف إلى ما تقدم، فإن المبررات التي تسوقها قيادة السلطة، إضافة ً إلى المبرر الإجرائي الإداري، ممثلةً بمواجهة التحديات والتحديات التي عصفت بالقضية الفلسطينية وعلى رأسها صفقة القرن، وما تضمنتها من إجراءات خطيرة ممثلةً باعتبار القدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني، وبالضم الزاحف وزيادة وتيرة الاستيطان...الخ، إنما هي مبررات واهية في ضوء أن الرئيس الأمريكي الجديد، سيرث العناوين الرئيسية لصفقة القرن المتعلقة بالقدس والاستيطان، وإن كان سيلطف الأجواء مع السلطة الفلسطينية عبر جوائز ترضية، إن على صعيد  إعادة فتح مكتب المنظمة في واشنطن ، وإعادة  الالتزام بالدعم  المالي للسلطة،  وتكرار نغمة حل الدولتين، الذي جرى تجاوزه من قبل الكيان الصهيوني عبر ما تم إنجازه على الأرض من تهويد واستيطان، وفصل شمال الضفة عن جنوبها بوقائع استيطانية جديدة ومتراكمة.

 ومن الضروري التذكير هنا أن مرسوم الانتخابات، جاء بعد أن غادرت قيادة السلطة مخرجات مؤتمر الأمناء العامين للفصائل، لحظة صدور النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية الأمريكية التي أشارت إلى فوز المرشح الديمقراطي جوزف بايدن، حين تراجعت رئاسة السلطة الفلسطينية، عن قرارها الصادر في 19 مايو / أيار 2020 بشأن وقف العمل باتفاقات أوسلو والتنسيق الأمني، تحت مبرر مكشوف، بأنها تلقت رسالة من الحكومة الإسرائيلية، تفيد بالتزامها بالاتفاقات الموقعة معها، وهي بذلك تمارس عملية خداع "واستهبال" للشعب الذي تدعي تمثيلها له. وتعتقد أوساط سياسية ومجتمعية فلسطينية عديدة، بأن مرسوم الانتخابات، ما هو إلا محاولة مكشوفة لكسب ود الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، وجلب انتباهه بأن السلطة بصدد تجديد النظام السياسي، بهدف التأكيد مجدداً على خيار السلام الأوسلوي، الذي تخلى عنه الرئيس السابق دونالد ترامب، واستبدله بصفقة القرن التصفوية.

أما الزعم بأن الانتخابات ستخلق انفراجاً فلسطينياً، على صعيد المصالحة بين فتح وحماس فهو زعم كاذب، فإذا كانت مؤتمرات المصالحة في القاهرة 2012 والدوحة 2013 ومخيم  الشاطئ 2014 وبيروت 2017 وما نجم عنها من تشكيل لجان أمنية ومجتمعية وسياسية لم تؤدِ إلى المصالحة، فكيف ستشكل الانتخابات - وما يعتريها من تنافس وصراع على  السلطة وخلاف حاد في البرنامج السياسي – مدخلاً للمصالحة؟! إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنه في حال فوز حماس  بالانتخابات، فإنه من المتوقع أن ترفضها قيادة السلطة وفتح عبر الطعن في مخرجات صناديق قطاع غزة  الخاضع لسلطة حماس، وفي حال فوز حركة فتح ، فإنه من المتوقع أن تطعن حركة حماس في مخرجات صناديق الضفة الخاضعة لسلطة فتح، ما يؤدي إلى إذكاء نار الانقسام وتعميق الهوة بينهما. وما يعزز هذه التوقعات استطلاع الرأي، الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في ديسمبر كانون الأول الماضي، الذي  بين أن (52) في المئة من الفلسطينيين يعتقدون أن الانتخابات في ظل الظروف الحالية لن تكون حرة ولا نزيهة، وأظهر أيضاً أنه في حالة فوز حماس فإن (76) في المئة يعتقدون أن فتح التي يرأسها عباس لن تقبل النتيجة في حين قال (58) في المئة إن حماس سترفض فوز فتح.

واللافت للنظر أن حركتي حماس وفتح في الصراع الانتخابي، تتصرفان وكأن الدولة الفلسطينية قائمة، وأن الحزب الفائز في الانتخابات سيطبق برنامجه السياسي، بمعنى أن فوز "فتح" على قاعدة برنامجها السياسي، يطلق يد السلطة في المضي قدماً في الرهان على المفاوضات وفق اتفاقات أوسلو ومخرجاتها، بغض النظر عن الدمار الذي لحق بالقضية الفلسطينية جرائها، وكذلك الحال بالنسبة لحركة حماس وبرنامجها شبه النقيض لبرنامج حركة فتح، والتي تعتبر أن فوزها في الانتخابات سيمكنها من تطبيق برنامجها الخاص.

نجرؤ على القول بأعلى صوتنا: كفى عبثاً بالقضية الفلسطينية؛ فإجراء الانتخابات دون الاتفاق على برنامج سياسي جامع لجميع فصائل الشعب الفلسطيني وقواه المجتمعية  سيؤدي إلى إلحاق أكبر الضرر بالقضية الفلسطينية، ومن  الخطأ، بل ومن الخطيئة التي ترتقي لمستوى الجريمة السياسية، أن يخوض طرف الانتخابات على قاعدة الاستمرار في المفاوضات العبثية الأوسلوية وغيرها، لأن في ذلك تجاهل لحقيقة أننا نعيش في مرحلة تحرر وطني، تستوجب أن تستند الانتخابات إلى الوحدة والشراكة الوطنية وبرنامج المقاومة بكل أشكالها، وإلى مغادرة اتفاقيات أوسلو بشكل نهائي لا رجعة فيه. كما أن حركة حماس تورط نفسها في ذات الخطيئة السياسية، عبر دعمها للانتخابات بأبعادها الثلاثية، دون الاستناد إلى البرنامج السياسي الملزم للجميع قبل خوض الانتخابات، وهذا البرنامج يقتضي بالضرورة أن يكون محصلة للحوار الوطني الشامل، أما دعوة  الدكتور "حنا ناصر" -رئيس لجنة الانتخابات المركزية- لحوار فصائلي شامل في القاهرة للتداول في آلية الانتخابات وتحقيق إجماع حولها، فإنما ينطوي على تجاهل مطلق لحقائق الأزمة الراهنة، وهروب للأمام بها باتجاه تعميقها.