Menu

تداعيات الترامبية على البايدينية

حاتم استانبولي

خاص بوابة الهدف


 الانتقال السلمي للسلطة تم تحت حماية 25 ألفًا من الحرس الوطني وسبعة آلاف شرطي والمئات من الأجهزة الأمنية المختلفة وبلا جمهور، أي هذه الأجواء ردد الرئيس الأمريكي ال46 جو بايدن ونائبته قسمهما، بالرغم من أنهما حصلا على ما يفوق ال 80 مليون صوت في سابقة تاريخية، لم تسجل من قبل في أي سباق رئاسي؛ استعيض عن الجمهور بآلات الإعلام الامريكية لإضفاء طابع احتفالي وطني على أداء القسم.
الأجواء الحربية التي تخيم على العاصمة واشنطن والحواجز والسواتر التي بنيت حول البيت الأبيض ومقر البرلمان (الكابيتول)، والشكوك التي تحيط في ولاء الحرس الوطني، بعد أن تسربت معلومات من ال ف ب؛ تشكك في ولاء بعض أفراده، مما استدعى إبعاد  الفرقة 12 من المشاركة في حماية حفل أداء القسم، هذه الأجواء تضفي طابعًا يعكس مدى الانقسام وعدم اليقين من ولاء بعض الاتجاهات في المؤسسات الأمنية، خاصة بعد ما شهدته العاصمة في ال6 من هذا الشهر  من أحداث أدت إلى اقتحام مبنى الكابيتول.
اليوم 20-01-2021 أطلقت المدافع احتفالًا بمغادرة الرئيس ال45 للولايات المتحدة الذي ترك بصماته المثيرة للجدل حول مستقبل السياسة الأمريكية ورسم ملامح دوره المستقبلي الذي أشار إلى أن خروجه من البيت الأبيض هو بداية لعمل جديد، يهدف إلى تحقيق أهداف الوطنيين الأمريكيين في إشارة إلى إمكانية تشكيل حزب جديد؛ إعلانه عن الحزب الجديد على ما يبدو هو إعلان موجه للحزب الجمهوري لوضعه أمام خيار واحد إما الاصطفاف وراء سياساته أو سحب البساط من تحته، والذهاب إلى إعلان حزب جديد تحت شعارات الوطنية الأمريكية التي تندرج تحت شعار أمريكا أولًا الذي حصد ما يقارب ال75 مليون صوت.
ألقى ترامب كلمة وداعية لثلة من جمهوره؛ حرص فيها أن يبرز إنجازات إدارته، وكيف أعاد الهيبة الأمريكية وطوع الخصوم واستنزف الاتباع وابتز الأصدقاء، وأبرز أنه رئيسًا؛ حقق كل ذلك بلا حروب، في إشارة إلى أسلافه المعاصرين من جمهوريين وديمقراطيين. أما بايدن فقد حرص في خطابه ما بعد القسم أن يتحدث بلغة تحمل سمات أيديولوجية حول الديمقراطية وأهميتها، وأن هذا اليوم هو الفاصل بين عقلية الرعاع الذين هاجموا مبنى الكابيتول، وبين عقلية حماية الدستور، وبذات الوقت طلب أن يكون هذا اليوم يومُا لإعادة الوحدة لأمريكا.
اليوم يوقع الرئيس بايدن عدة قرارات تلغي بعضًا من قرارات سلفه ترامب، بما يخص اتفاقية المناخ والخروج من منظمة الصحة العالمية والهجرة وبعض القرارات الإدارية والاقتصادية تخص ضخ 1,9 ترليون دولار كمساعدة للعائلات والشركات الصغيرة.
لكن السؤال الأهم: كيف سيقوم بايدن بإعادة الوحدة لأمريكا؟
إعادة الوحدة تتطلب عقد مساومة مع بعض الجمهوريين هذه المساومة تتطلب أولًا؛ اقناع الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي الذي يقف ضد هذه المساومة بشكل صارم، بل يطالب بأن يذهب الديمقراطيون لمحاسبة الرئيس السابق ترامب برلمانيًا وجنائيًا. أما عن الحزب الجمهوري؛ شرط إعادة الوحدة يتطلب أن يعلن الحزب تخليه عن الترامبية التي أصبح من الصعب عليه تجاوزها بدون عملية جراحية؛ ستكون ارتداداتها كارثية على مستقبله إذا ما قام بها الحزب. هذه العملية من الممكن أن يقوم بها طرف ثالث مستغلًا التهديدات التي أطلقت من قبل بعض القادة العسكريين الإيرانيين من أن الرد على اغتيال الجنرال سليماني والمهندس ستكون من الداخل الأمريكي وحدد أن الرئيس ترامب هو أحد المتهمين، وهنا يحضر سؤال: ماذا لو قام طرف داخلي أو خارجي بالتخلص من ترامب واتهم طهران؟ لو حصل هذا سيكون ضرب عدة عصافير بحجر واحد؛ تخلص من ترامب وأدخل عنصر ضاغط لا تستطيع طهران؛ إلا أن ترضخ لشروطه وسينهي ظاهرة الترامبية ويجيرها إلى الحزب الجمهوري؛ وإذا ما ذهب ترامب في تأسيس حزبه الذي أعلن عنه، فإن هذا الحزب الجديد سيكون له تداعيات على وزن الحزب الجمهوري وتأثيره وتمثيله وسيغير المشهد السياسي الأمريكي.
أما الحزب الديمقراطي، فإن المساومة التي حدثت بين بايدن وساندرز التي قامت على أساس عدة محاور تتعلق بالنقابات العمالية والاهتمام بالفئات المهمشة والتنوع العرقي في الإدارة الأمريكية  وتعيين وزيرًا للعمل محسوبًا على الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي ورفع الضرائب على الأغنياء.. كل هذه المؤشرات التزم بها جو بايدن، وأي تراجع عن أيًا منها سيشعل معركة داخلية في الحزب الديمقراطي لا تقل أهمية عن المعركة داخل الحزب الجمهوري. 
من الواضح أن خريطة القوى السياسية الأمريكية؛ ستشهد تغييرًا عميقًا في السنوات القادمة وسيتعمق الخلاف داخل المنظومة الحزبية وداخل المجتمع الذي يشعر قسمًا واسعًا منه بالغبن، خاصة إذا ما استمرت الخسائر البشرية نتيجة جائحة كورونا التي وصلت إلى 400 ألف ضحية ومرجح للازدياد التصاعدي وتعمقت الأزمة الاقتصادية نتيجة توقف عجلة الاقتصاد، وإذا ما قامت الإدارة الجديدة بعملية إغلاق تام كما وعدت ل100 يوم، فإنها ستدخل الاقتصاد بحالة ركود لن تكفيه  التريليونات التي ستضخ، وإذا لم تنجح بوقف مسلسل الموت ستكون تحت نيران الترامبية التي تعاملت مع الجائحة بعقلية المصلحة الاقتصادية ولم تغلق الاقتصاد.
تنصيب بايدن انعكس ايجابًا في أوروبا، حيث رحبت رئاسة الاتحاد الاوروبي عن ارتياحها واعتبرت أن صديقًا لها يسكن البيت الأبيض الآن. أما موسكو فقد أبدت عدم ارتياح لبعض التصريحات حول مستقبل العلاقة وكذلك في بعض التعيينات التي لها علاقة بالملفات الأوكرانية والبيلاروسية والسورية، هذه الملفات التي ستكون مدخلًا ومسرحًا للضغط السياسي على موسكو. أما بكين، فإنها ترى بإدارة بايدن أهون الشرين وستكون مشكلتها القادمة مع العسكريين في البنتاغون الذين سيضغطون على الرئيس بايدن لاتخاذ خطوات تصعيدية بما يخص تايوان وبحر الصين.
البايدينية ستعمل على دعم التوجهات الاستقلالية الكردية وستستخدم العنوان الكردي للضغط الثلاثي على كل من العراق وسورية وتركيا وستظهره من البوابة السورية وستستثمره في التلاعب بالمكونات الداخلية للدول الثلاث. أما بشأن الملف الإيراني؛ فإن إدارة بايدن ستستثمر في ما أنجز من عقوبات وضغط ترامبي على طهران لإعادة الحوار لإبرام اتفاق جديد، يتضمن الشروط الإسرائيلية بشأن الصواريخ البالستية ووجودها ودعمها لسورية والمقاومة.
فلسطينيًا أكدت إدارة بايدن (ووزير خارجيته المعين) تثمينها لما توصلت له إدارة ترامب من خطوات تطبيعية ونقل السفارة إلى القدس ، واعتبرت أن حل الدولتين هو الطريق لإنهاء النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، على الرغم من إدراكها أن هذا الحل لن يكون قريبًا، أي أن إدارة بايدن ستدخل الفلسطينيون في دويخة جديدة لن تسفر عن أي استحقاقات ملموسة، خاصة أنها أكدت ولاءها التام لتأمين الأمن والتفوق لإسرائيل، وترى أي خطوات لحل الدولتين من على قاعدة المنظور الأمني الإسرائيلي.
من الواضح أن البايدينية لن يكون لها هامش واسع للحركة، خاصة أن الترامبية وضعت لها ممرات اجبارية فيما يخص السياسات الخارجية وكبلتها بأطر من الصعب تجاوزها، خاصة فيما يتعلق "بمحور الشر": الصيني الروسي الإيراني الفنزويلي الكوري الشمالي وستناور في إطار الهامش الذي وضعته الترامبية، ولكنها ستموه حركتها من خلال الضغط الداخلي للدول باستخدام لعبة الحريات والديمقراطية؛ من خلال أدواتها المحلية السياسية والدينية والمذهبية ومراكز الدراسات والأمريكان أيدز التي استخدمتها في تغيير النظم.  
الصراع بين البايدينية والترامبية سيأخذ تعبيرات حادة في العناوين الداخلية التي تتعلق بالاقتصاد والهجرة والصحة والعسكر وستكون القرارات البايدينية التي ستتخذ بسهولة نتيجة سيطرة الديمقراطيون على كل أركان السلطة التنفيذية والتشريعية، هذه السيطرة التي ستسهل تنفيذ الرؤية البايدينية على المستوى الداخلي وستشعر القاعدة الاجتماعية للترامبية أنها مهملة هذا الشعور، سيكون له ارتدادات سلوكية لا يستطيع أحد التحكم بمكانها أو زمانها أو مستوى حجمها.
 المائة يوم الاولى التي ستمنح للادارة الجديدة بدون انتقادات ستحدد شكل الصراع القادم ومستواه وحيزه ان كان في اطار المؤسسات القانونية او سيخرج للشارع كما حدث في السادس من هذا الشهر .