Menu

عباس مهدي... رمز وطني من العراق

كاظم الموسوي

عباس مهدي، ( 1961-1898) من رموز الاعتدال الوطني في السياسة العراقية، عنوان دراسة تاريخية أكاديمية، للباحث محمد عبود الساعدي، بمراجعة ا. د علي ناصر حسين وتقديم ا. د عادل تقي البلداوي. صدرت ببغداد، طبعة اولى/2018 وفي 344 صفحة من القطع الكبير. وهي الدراسة الأولى عن هذه الشخصية العراقية التي أجمع الباحث وأساتذته الذين ناقشوه أو قدموا بحثه/ كتابه، وما استند إليه من مصادر، على إنها رمز من رموز الاعتدال الوطني في السياسة العراقية، وهذا عنوان جديد في البحث التاريخي في مرحلته وفي الدراسات الأكاديمية في العراق.

يحسب للجامعة وأقسام العلوم الإنسانية؛ التاريخ والعلوم السياسية والفلسفة والآداب واللغات المختلفة وغيرها، اهتمامها الأكاديمي في قراءة ودراسة الشخصيات العامة التي لعبت أدوارها في الدولة العراقية، ويبين مكان الجامعة وأهمية البحث والدراسة لبناء ثقافة أكاديمية جديرة بها من طرفيها، الجامعة وأقسامها وأهميتها ودور الأفراد في التاريخ الوطني. وهم أعداد كبيرة، وتسليط الأضواء عليهم، بحثا وقراءة، مهمة جليلة، في وضعهم في "ميزان التاريخ"، كما كتب أ.د البلداوي في عنوان تقديمه، وكذلك في تقديمهم أمثلة ونماذج في كل الجوانب التي أسهموا فيها، ورد اعتبار لأدوارهم ونشاطهم وتقديرهم بما لعبوه في حياتهم العملية والسياسية، والأهم في احترام شخصياتهم واعتبارهم التاريخي، ومعلوم لم يجرِ العمل على البحث فيهم وتقييم تجاربهم ومكانتهم التاريخية، بشكل كامل، إذ ما زالت اعداد منهم طي مخازن الارشيفات أو النسيان، كأغلب قيادات وكوادر التيارات والأحزاب السياسية، والحكومات والقوات المسلحة، ورجال الصحافة والإعلام، والعلماء والكتاب والادباء، والشخصيات المستقلة والفاعلة في الحياة الوطنية في العراق، على الأقل في التاريخ المعاصر. وما تم لحد الآن يقدر ويثمن، ولكن ماز الت الحاجة مطلوبة للبحث في صفحات وسجلات التاريخ الوطني. وبلا شك أن مثل هذه الجهود الاكاديمية خصوصا تعبر عن فعاليتها الأكاديمية من جهة وارتباطها بالدروس والعبر للأجيال الحاضرة والقادمة، ولما يخدم التاريخ والاعتبار منه، وما يوفر خلفيات ثقافية للباحث والدارس الأكاديمي والقارئ الاعتيادي والمواطن المهموم بالراهن وتجارب الماضي القريب..

ويضاف إلى ما كتب أو بحث أو نشر عن تلك الشخصيات الوطنية، ما نشر من مذكرات شخصية لعدد منهم، من العاملين في الشؤون العامة، ويتطلب حث كل من أسهم بدور ما على كتابة مذكراته الشخصية، لمن لم يكتبها أو ينشرها، من الأحياء منهم، كي تكتمل بها الدراسات في الأطاريح والرسائل الأكاديمية، وإغناء سجل التاريخ والذاكرة والثقافة الوطنية. وبالتأكيد تسجل للباحثين والكتاب والمعاهد والأقسام المختصة خطوات في توثيق كفاح الشعب والوطن ونقل الصورة الصادقة والموضوعية عن المراحل والتحولات والأدوار الفردية والجماعية، وفي اختبار الروح الوطنية وتجسيدها العملي.

جاء الكتاب، في إطار المنهج التقليدي في الدراسات الأكاديمية، فبعد التقديمات، ثلاثة فصول، الأول بعنوان: الجذور الاجتماعية لعباس مهدي وانعكاساتها على نشاطاته الفكرية والإدارية، 1931- 1898 والفصل الثاني: دور عباس مهدي في مجلس النواب والمناصب الإدارية، 1941-1932 والثالث: دور عباس مهدي الدبلوماسي ومواقفه في مجلس الأعيان 1957-1942 ونشاطه في العهد الجمهوري حتى وفاته عام1961، وخاتمة وملاحق وثائق عنه وصور له وأخيرا قائمة المصادر. ويلاحظ التنسيق والتسلسل في ترتيب البحث وإغناء المحتوى بتوازن وقدرة في القراءة التاريخية والدراسة الأكاديمية، بما تتطلبه من موضوعية واقتناع بقيمة موضوعها، وتنوع المصادر والمراجع واللقاءات المباشرة بمن لهم صلة أو معرفة بالموضوع.

قدم الباحث في دراسته/ كتابه صورة عن شخصية عراقية عدها رمزا من رموز الاعتدال الوطني في زمن تختلف عليه الأقوال، ولكن ما استطاع من توثيق وشهادات أن يعطي للدور الذي قام به عباس مهدي في كل المواقع التي عمل فيها موقفا آخر، يحمل فعلا معنى الرمز والاعتدال والوطنية، وهذا ما افتقد في ظروفه ويفتقد من بعدها في الكثير من صفحات التاريخ السياسي. وتلك الملاحظة وحدها شهادة إيجابية للبحث/ الكتاب واختياره والجامعة التي اعتنت به واعتمدته مثل غيره من البحوث التي سلطت الأضواء على شخصيات وطنية يقدر لها ما قامت به من أدوار، ومواقف تسجل لها وينبغي تكريمها بشتى الوسائل والسبل وتذكرها وعرضها في سجلات التاريخ الوطني. كرموز وأمثلة يفتخر بها لما عملته ومارسته من قيم ومثل واعتبارات وصفحات مشرفة في عهود لم تكن في سياقها أو مختلفة عنها في الطابع العام.

لم يكتب عباس مهدي مذكراته الشخصية، فقام الباحث محمد عبود الساعدي في دراسة تاريخه، ونشر روايته عنه، مستندا إلى وقائع وشهادات تثبت مكانة الرجل ودوره واعتباره في الوصف المشترك لأستاذته في التقديم للكتاب، في الاعتدال الوطني والفخر برمزيته لهذه الحالة الوطنية في تلك الظروف المعقدة. (ويثار سؤال عن أهمية ما تركه من وثائق مكتوبة ومواقف مسجلة في ملفات النصوص الرسمية أو الأرشيف الإداري، ولا بد من جمعها ونشرها، لأهميتها التاريخية وميزان التاريخ وسؤال الحقيقة عن الاعتدال والوطنية في التاريخ السياسي في العراق).

حفل الكتاب بمقدمات لخصت جوهره، وأشادت بواقعية عن أهمية موضوعه وما امتاز به عن غيره، وما اتصف به. كما سجل الباحث في فصوله الثلاث وخاتمته وما ألحقه من وثائق وصور، ما أعطى الموضوع قيمة بحثية واعتبارية وتقييما لما أطلق عليه بالاعتدال والوطنية ولعل اعتماده على النصوص المنقولة شهادة ودليل. فشخصية البحث والكتاب خاضت في مسيرتها التاريخية، في الإدارة والوزارة والدبلوماسية والتشريع والبرلمان صراعات أثبتت فيها مواقف وطنية مشهود لها ومثالا يحتذى بالصدق والإخلاص للدور والمنصب والموقع والتعبير عنه بوضوح ومسؤولية ومصداقية تسجل له وتحسب إليه.

أكد المؤلف في كتابه على قدرات الشخصية العراقية موضوعة البحث ونجاحاتها في الحياة العملية والمهمات التي التزمت بها، عمليا ورسميا، وإمكانياتها في خدمة شعبها ووطنها أو بما يثبت ذلك، في كل الوظائف التي تكلفت بها، سواء الدبلوماسية أو الادارية أو التشريعية، ونقل عنها مواقف مسجلة في وثائق تلك الإدارات، أو السفارات، أو الوزارات أو البرلمان. وعرّف بمساهماته في تأسيس الجمعيات الثقافية والسياسية، ودعمه لحرية الرأي والتنظيم وتشجيعه للتعليم "وكان يرى أن خدمة البلاد تأتي من اي موقع، لذا نجده في بعض الأوقات وزيرا أو دبلوماسيا، ثم يصبح مديرا عاما في دائرة من دوائر الحكومة" (ص45 وهوامشها). وهو في كل هذا أسهم في إصلاح كل مؤسسة أو دائرة خدم فيها، وأدارها بما يخدم المصالح الوطنية ويثبت دور الشخصية الوطنية فيها. واستعرض المؤلف تلك النشاطات والاسهامات المتميزة التي "انعكست هذه المواقف في آراء الرجل وملاحظاته ومداخلاته في مجلس الأعيان، فكان جريئا في دعوته إلى الإصلاح السياسي ويرى أن الحكومة لا تستمد سلطتها؛ إلا من خلال الشعب، بل كان عباس مهدي أول من قال بإلغاء المركزية الشديدة، كما دعا إلى نشر الملكية الصغيرة والتشجيع عليها وإلغاء الملكية الكبيرة التي كانت سائدة آنذاك (ص275). وحظي باحترام كبير من داخل الحكومات وخارجها، ومن أبناء الشعب عامة ومن كل العاملين معه في المؤسسات التي عمل فيها. ووقف مدافعا عن حقوق الفقراء والعمال ومختلف العاملين العراقيين في شتى مجالات ومؤسسات الدولة (راجع صفحة 102و 223 وهوامشهما)، كما كانت له مواقف متميزة في القضايا السياسية العربية والدولية، وأبرزها القضية الفلسطينية التي انشغل فيها في نقاشاته مع الخارجية السوفييتية حين كان يمثل العراق في موسكو، وفي سجاله مع الحكومة العراقية ومجلس الأعيان (راجع صفحة 58 وما بعدها) وأدرك مبكرا مسؤولية الحكومات العربية، "وفي الحقيقة، أن عباس مهدي أراد طرح هذا الموضوع وذلك من أجل وضع النقاط على الحروف؛ إذ يجب على الحكومات أن لا تشرع القوانين فقط، بل يجب أن يكون هناك عمل جدي من قبل  المسؤولين نابع من إيمانهم بالقضية الفلسطينية، لنقرأ معا هذه الكلمات التي عبر ها عباس مهدي: سادتي حقيقة إذا أردنا أن نسد الباب على أعدائنا الصهاينة في مقاطعتهم يجب علينا أن نرجع إلى ضمائرنا لا إلى القانون فقط، نفكر قبل كل شيء أن هناك ثلاثة أرباع المليون من اخواننا ساكنين في الخيم...، أقول يجب أن نغرس في أفكارنا هذه القضية الدامية ونضع أيدينا على ضمائرنا ثم نفكر بالعمل" (ص 63)، وكذا كان موقفه من القضايا العربية الأخرى، سواء في لقاءاته مع المسؤولين الأجانب أو مع العرب.

أورد المؤلف في كتابه ما يمكن اعتباره نموذجا لشخصية وطنية يسارية عروبية، مارست دورها بإخلاص وصدق وأمانة، وقدمت مثالا سياسيا نزيها ومعبرا عن وعي مسؤول لمهماتها في ظروف سياسية مربكة ونظام اسمه برلماني وتديره قوى أجنبية ومتخادمون معها، "ولم يستوعب عمق الهوة بين السلطة والقطاعات الشعبية الواسعة""؛ فأعطى المؤلف في دراسة سيرة الرجل شهادة له وللأجيال ولكل من تهمه مصالح الشعب والوطن وقضايا الأمة والمصير الإنساني المشترك.