Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح 83)

غازي الصوراني

موجز الفلاسفة.jpg

خاص بوابة الهدف

(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الرابع

الفصل الثاني عشر

أبرز فلاسفة القرن الحادي والعشرين

زيجمونت بومان (1925 - 2017):

ولد زيجمونت باومان في بوزنان، بولندا عام 1925 لأبوين بولنديين، يهوديين، واتجهت عائلته شرقًا إلى الاتحاد السوفييتي بعد الاحتلال النازي لبولندا في عام 1939م. خدم باومان في الجيش البولندي الأول الذي كان بقيادة سوفيتية كمدرس في العلوم السياسة.

اعتنق "باومان" الشيوعية أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية، وخلال عمله في فيلق الأمن الداخلي، درس باومان بدايةً علم الاجتماع في أكاديميّة وارسو للعلوم الإجتماعية، ثم ترك علم الاجتماع ودرس الفلسفة في جامعة وارسو.

تمّت ترقية باومان إلى مرتبة رائد عندما تم تسريحه من العمل بشكلٍ مفاجئ في عام 1953م بعدما توجه والده إلى "السفارة الإسرائيلية" في وارسو طلباً للهجرة إلى "إسرائيل"، لكن باومان لم يشاطر والده توجهه وميله الصهيوني، بل كان معادي له وبشدة، وسبّب نفوره ابتعادًا جادًّا -بالرغم من كونه مؤقتًا- عن والده.

كان بومان قريباً من المذهب الماركسي الأرثوذكسي، ولكن كان أيضاً متأثراً بأنطونيو جرامشي وجورج سيمل، حيث عُرف بعد ذلك بشكل واسع بأنه ناقد للحكومة الشيوعية البولندية.

كان على بومان أن يتخلى عن جنسيته البولندية حتى يستطيع الخروج من بلده، فذهب أولًا إلى "إسرائيل" ليُدرّس في جامعة تل أبيب، لكنه غادر "إسرائيل" إلى بريطانيا، حيث عمل استاذاً في قسم علم الاجتماع في جامعة ليدز وأصبح في ما بعد رئيسًا للقسم.

في نهاية التسعينيات، كان باومان عاملاً مؤثراً في حركة مضادة للعولمة، والسيطرة الإمبرياليه، ففي مقابلة له عام 2011م مع مجلة بولندية "بوليتكا"، انتقد باومان "إسرائيل" بقوله "إن "إسرائيل" لم تكن مهتمه إطلاقًا بالسلام، بل كانت تستخدم الهولوكوست كعذر لشرعنة أفعالها المتوحشة، وشَبَّه بومان الحاجز الذي تضعه "إسرائيل" في الضفة الغربية مع الجدران التي كانت تضعها النازية في وارسو غيتو عندما قتل آلاف اليهود في الهولوكوست".

وبناءً على دراسات حنّة أرندت ثيودور أدورنو عن الاستبداد والتنوير، يرى بومان بأن الهولوكوست لا يجب أن يُعتبر جزء من تاريخ اليهود، ولا نوع من الرجوع إلى بربرية ما قبل الحداثة، وبشكل ما يرى بومان بأن الهولوكوست لها علاقة عميقة بالحداثة.

ففي تحليلات بومان يذكر "أن اليهود أصبحوا "غرباء" بشكل أكبر في أوروبا، بسبب محاولات المجتمعات الأوروبية لتجاوز الطبيعة السيئة الغير مريحة لهم والتي هي مزروعة في أصل اليهود كعنصر أساسي في طبيعتهم"([1]).

نشر بومان العديد من الكتب والدراسات، أهمها: "الحركة الاشتراكية البريطانية" و"علم الاجتماع للحياة اليومية" و "العولمة" و"الحداثة وما بعد الحداثة" و "المادية (الاستهلاكية)" و "النظام الأخلاقي".

أفرام نعوم تشومسكي (1928 - ) :

ولد أفرام نعوم تشومسكي في فيلادلفيا بالولايات المتحدة الأمريكية، فيلسوف وعالم لسانيات ومنطق، إضافة إلى كونه من النقاد الرافضين لسياسة الولايات المتحدة.

يعتبر " أحد أكبر علماء اللغة (اللغويات) المعاصرين، ومن أبرز مؤسسي التيار العلمي في الفكر الغربي المعاصر، بالنسبة لتحويل علم النحو، من مجرد علم لغوي شكلى إلى "مركز" رئيسي لكل من البحث الفلسفي، والنفسي والبيولوجي – الفسيولوجي، كما أَثَّر بقوة في علم المعرفة، على أساس مقولته الشهيرة – التي أصبحت الآن أشبه بالعقيدة العلمية – التي كشف فيها أن العقل الإنساني (المخ أو الدماغ) لا يولد مثل الصفحة البيضاء – كما تخيل الفيلسوف العقلاني البريطاني جون لوك – وإنما يولد، بعد أن تطور عبر ملايين السنين – مزوداً بقدرات خاصة هي قدرات "اللغة" من اختزان الأصوات اللغوية ومعانيها، إلى اختزان "القواعد" أي التراكيب والتصريفات والعلاقات بين المفردات"([2]).

إضافة إلى عمله في مجال اللسانيات، كتب تشومسكي عن الحروب والسياسة ووسائل الإعلام، وهو مُؤلِّف لأكثر من 100 كتاب، ولأهمية أطروحاته، فقد تم الاستشهاد بكتاباته كمرجع أكثر من أي عاِلم حي خلال الفترة من 1980 حتى 1992، كما صُنف بالمرتبة الثامنة لأكثر المراجع التي يتم الاستشهاد بها على الإطلاق في قائمة تضم الإنجيل وكارل ماركس وغيرهم، وقد وُصِفَ تشومسكي بالشخصية الثقافية البارزة، حيث صُوت له كـ "أبرز مثقفي العالم" في استطلاع للرأي عام 2005.

ولأنه نشأ كيهودي، فقد عانى تشومسكي من معاداة السامية، حين كان طفلاً، وخاصة من المجتمعات الأيرلندية الألمانية التي كانت تعيش في فيلادلفيا، وفي عام 1953 –حسب العديد من المصادر- ذهب إلى "إسرائيل" وعاش فيها فترة قصيرة مع زوجته في أحد الكيبوتسات حيث كان في تلك المرحلة من حياته –كما أرى- متأثراً بالمعنى الايجابي مع الافكار الصهيونية، فحين سُئل اذا ماكان قد أصيب بالخيبة خلال بقائه في "إسرائيل" نفى ذلك، وأجاب "كلا، فقد أحببتها!!، ولكني لم أستطع تحمل الجو الأيدولوجي هناك والحماسة القومية"، كما ذكر أنه رأى العديد من العناصر الإيجابية في مجتمع كيبوتس الصهيوني، حيث كان الآباء والأطفال يعيشون سوية في منازل منفصلة، وحين سُئل فيما إذا كان هناك "دروس من الممكن لنا أن نتعلمها من تاريخ إقامته في الكيبوتس أجاب تشومسكي قائلاً:"في بعض النواحي سنجد أن سكان الكيبوتسهم أقرب للأناركية المثالية أكثر من أي محاولة أخرى لم تستمر، فقد كانوا جذابين وناجحين للغاية، ولو صرفنا النظر عن الحوادث الشخصية فلربما كنت سأعيش هناك .. إلى متى؟ من الصعب تخمين ذلك."

على أي حال، بعد مغادرته "إسرائيل"، شارك تشومسكي عضواً في حملة الدعوة للسلام والديموقراطية وعضواً في اللجنة الاستشارية الانتقالية في المنظمة الدولية من أجل مجتمع تشاركي والذي وصفه بأنه مجتمع يملك القدرة على "السير بنا نحو لطريق طويل لتحقيق وحدة المبادرات العديدة هنا وحول العالم وتشكيلها كسلطة قوية ومؤثرة، ونشر كتاب له حول الأناركيه بعنوان "تشومسكي حول الأناركية" ونشرته مطبعة اي كي للكتب الأناركية في عام 2006.

يصف تشومسكي آراءه السياسية والفكرية بأنها "تقليدية أناركية([3]) إلى حد ما تعود أصولها لعصر التنوير والليبرالية الكلاسيكية، كما يُعتبر كذلك منظراً رئيسياً للجناح اليساري في السياسة الأمريكية، ووصف لاحقاً اكتشافه للأناركية "كحادثة محظوظة" بشكل أتيح له ليصبح ناقداً للأيدولوجيات اليسارية الراديكالية الأخرى وخصوصاً لينين ة">الماركسية اللينينة والتي تؤمن بأن الطريق إلى مجتمع قائم على المساواة تكمن في السيطرة على حزب الطليعة.

يقول المفكر الراحل صادق العظم "لقد طبقت شهرة نعوم تشومسكي الآفاق نتيجة إنجازاته الثورية الكبيرة في ميدان دراسة اللغة وإسهاماته اللالمعية في تطوير الألسنية البنيوية علمياً وتقنياً، أضف إلى ذلك التقدير الكبير الذي يحظى به كإنسان وكمناضل دؤوب، في الأوساط الثقافية والأكاديمية الأميركية، ذد السياسات العدوانية الخارجية لحكومة بلاده وكنصير قوي وفعال ومسموع الصوت دوماً لقضية الشعب الفلسطيني"([4]).

فقد تمركزت إسهامات تشومسكي العلمية -كما يضيف د. العظم- " حول تمييزه المعروف بين البراعة اللغوية والاداء اللغوي وهو التمييز الذي يوازي إلى حد ما التفريق الشهير الذي اقامه دوسوسور بين اللسان والعبارة، كما تشير البراعة عند تشومسكي إلى المقدرة التي يبديها الطفل الصغير الذي يتعلم لغته الأم على فهم عبارات وجمل جديدة تماماً لم تطرق اسماعه سابقاً وعلى إنشاء جمل وتعابير جديدة أيضاً لم يسبق أن سمعها قبلاً، فقد اكتشف تشومسكي ظاهرة البراعة الإنشائية في استخدام الطفل المبتدئ اللغة وجعلها ركيزة أساسية من ركائز الألسنية البنيوية التي طورها، باعتبارها ظاهرة الإبداع اللغوي كما يسميها في مواضع أخرى، وهنا تبدأ المشكلة مع تشومسكي، حين يؤكد أن البراعة اللغوية واقعة لا تقبل أي نوع من أنواع التفسير العلمي أو التعليل السببي أو ما يشبهه لأنها من خصائص الروح الإنساني الغامض والخلاق، أي تبدأ المشكلة حين يعمل عالم الألسنية الكبير على تحويل الواقعة التي اكتشفها إلى ظاهرة ميتافيزقية فريدة وإلى سر روحي غامض وملغز، لهذا يعود تشومسكي إلى إحياء الجانب الأكثر تخلفاً وقروسطية في فلسفة ديكارت، أي عقيدة الأفكار الفطرية في دراسة معروفة له بعنوان "الألسنية الديكارتية" وهي جزءمن كتاب له يحمل عنواناً ذي مغزى خاص: "اللغة والروح".

هنا – كما يستطرد د. العظم- " يعمل تشومسكي أولا، على إحياء فكرة الفصل الحاد بين المادة والروح، بين الآلية الخارجية الرتيبة والعفوية الجوانية الخلافة على طريقة الفلسفة الحيوية عموماً وبحيث تنتمي البراعة الإنشائية في استخدام اللغة إلى مملكة الروح والابداع والبنى الفطرية للعقل البشري على حد تعبيره، في حين لا ينتمي الإداء اللغوي إلا إلى مملكة المادة والسلوك الآلي والبنى المصطنعة للحياة الاجتامعية من ناحية ثانية، وهذا الموقف الميتافيزيقي، يعين "الرفض المسبق لأية محاولة حاضرة أو مستقبلية لتفسير ظاهرة البراعة اللغوية لدى الطفل الصغير علمياً واستناداً إلى اشياء مثل البيولوجيا التطورية أواكتشافات بافلوف ثورته العلمية المعروفة أو تشريح الدماغ البشري أو فيزيولوجيا لاجهاز العصبي أو السيبرناطيقا أو التطور الاجتماعي أو التركيب والتحليل النفسي إلخ"([5]).

في فبراير عام 1967، أصبح تشومسكي واحداً من من المعارضين الرئيسيين للحرب الفيتنامية حين نشر مقاله "مسؤولية المثقفين"، وأتبعه بعدها في عام 1969 بكتابه "سلطة أمريكا والبيروقراطيين الجدد" وهو مجموعة من مقالاته التي جعلته في مقدمة المعارضة الأمريكية، على الرغم من قناعته بأن الولايات المتحدة مازالت "القوة العظمى في العالم"، وهو تعليق وضحه لاحقاً بقوله "إن تطور أمريكا مثير للإعجاب، خاصة في مجال حرية التعبير التي تحققت من خلال قرون من الصراع الشعبي."كما قال أيضاً "ومن نواحي عديدة، فإن الولايات المتحدة هي أكثر الدول حرية، ولا أقصد فقط من حيث حدود قدرة الدولة على الإكراه، رغم أن ذلك صحيحاً أيضاً- ولكن أيضاً من حيث العلاقات الفردية، حيث اقتربت الولايات المتحدة من انعدام الطبقية من حيث العلاقات الشخصية أكثر من أي مجتمع آخر".

وفي هذا الجانب أشير إلى أن تشومسكي كان معادياً للاتحاد السوفياتي، ويعتقد أن القيم الشيوعية تجسد الامتداد العقلاني والأخلاقي لليبرالية الكلاسيكية والأفكار الإنسانية الراديكالية للسياق الصناعي، كما يعتقد أن المجتمع ينبغي أن يكون منظم بشكل عالي ويُبنى على السيطرة الديموقراطية للجمعيات وأماكن العمل، ويقول في هذا السياق، إن الأفكار الإنسانية الراديكالية لأهم اثنان أثروا بهبرتراند راسل وجون ديوي "متجذرة في عصر التتنوير والليبرالية الكلاسيكية ومحتفظة بطابعها الثوري".

إلى جانب ما تقدم، فقد ندد تشومسكي بالسياسات العدوانية الخارجية للولايات المتحدة، وتميز بنضاله المتصل في دفاعه عن الحرية وحقوق الإنسان في فيتنام وأفريقيا وامريكا اللاتينية بما في ذلك الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والخلاص من الاحتلال والعدوان الصهيوني.

أما في قراءته لمشهد العملية السلمية بالنسبة للقضية الفلسطينية، يرى تشومسكي ان امريكا هي العائق الحقيقي لاي تسوية، فالاخيرة لا تقوم الا بالاملاء على المنطقة، واللافت في الأمر أن امريكا عندما تتحدث عن السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين تعني عملية بمقاييسها. ويقول 'انه خلال الثلاثين عاما الماضية وامريكا تتحدث عن العملية السلمية التي تعمل على تعويقها، فهل يعرف احد عن هذا؟، وفي تحليله للاحتلال الاسرائيلي "يرى انه مثل اي احتلال بشع، لكنه ليس من أجل إذلال الفلسطينيين بل من اجل اقتلاعهم من ارضهم"، وهنا نلاحظ التغير النوعي في موقف تشومسكي تجاه الاحتلال الصهيوني.

وعن قضية الإرهاب، اعتبر تشومسكي أن فكرة الارهاب لا تغادر أبداً النظام الامبريالي، ومن هنا يُذَكِر مستمعيه وقراؤه بأهمية الذاكرة التي تغييبها القوة الإمبريالية المهيمنة على الشعوب الفقيرة، وكيف ينسى او تتناسى الالة الدعائية من الإعلام المستقل المذابح التي ارتكبتها امريكا في العالم حماية لمصالحها، ويعيد المستمعين إلى جرائم الإمبريالية الأمريكية في فيتنام، وتدمير وحرق المدن.

وهنا بعض أشهر أقوال تشومسكي([6]):

  • بالنسبة للأقوياء الجرائم فقط هي التي يرتكبها غيرهم.
  • البروباغاندا تمثل للديمقراطية ما تمثله الهراوة للدكتاتوريات.
  • ليس الإسلام المتطرف ما يقلق أمريكا، إنها الحرية.
  • إذا كنا لا نؤمن بحرية التعبير لمن نحتقرهم، فإننا لا نؤمن بها على الإطلاق.
  • لا ينبغي أن نبحث عن الأبطال، نحن يجب أن نبحث عن القيم والأفكار الجيدة.

 

 

([1]) كان لأطروحات باومان بالغ الأثر في أعمال المفكر العربي عبد الوهاب المسيري، وقد تتبع هذا الأثر الباحث حجاج أبو جبر في أطروحة للدكتوراة بجامعة القاهرة عام 2008 تحت عنوان "رسم الخريطة المعرفية للحداثة وما بعد الحداثة: دراسة مقارنة لفكر زيجمونت باومان وعبد الوهاب المسيري"، كما ترجم حجاج أبو جبر كتاب "الحداثة والهولوكوست"، وصدر عن دار مدارات للأبحاث والنشر ب مصر عام 2014.

([2])سامى خشبة – مرجع سبق ذكره - مفكرون من عصرنا – ص 281-283

([3])الأناركية معناها الحرفي رفض السلطة أو اللاسلطويه، انجليزى: anarchism, هي فلسفة سياسيةحيث تعتبر أن الدولة غير مرغوب فيها وليست ذات أهمية و هي مضرّة للمجتمع, و في المقابل تروّج لمجتمع بلا دولة و تسعى لتحجيم أو إلغاء تدخل السُلطة فى سلوك العلاقات الانسانية. أفكار الأناركيين ليست موحدة، وعلى العموم فإنني أرى أن الأناركيين أقرب إلى الفوضويين والعدميين أو اليساريين المتطرفيين/ الطفوليين.

([4]) د. صادق جلال العظم – دفاعاً عن المادية والتاريخ – دار الفكر الجديد – بيروت – الطبعة الأولى 1990 –ص 491

([5]) المرجع نفسه – ص 491/ 492

([6]) موقع: المعرفة -  www.marefa.org .