Menu

كتاب موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور للمفكر غازي الصوراني (ح 86)

غازي الصوراني

موجز الفلاسفة.jpg

خاص بوابة الهدف الاخبارية

(تنفرد بوابة الهدف، بنشر كتاب المفكر غازي الصوراني، المعنون: موجز الفلسفة والفلاسفة عبر العصور، الصادر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع، في يونيو/ حزيران 2020، على حلقات متتابعة.. قراءة مثمرة ومفيدة نتمناها لكم).

الباب الرابع

الفصل الثاني عشر

أبرز فلاسفة القرن الحادي والعشرين

فريدريك جيمسون (1934 - ):

ناقد أدبي أمريكي ومنظر سياسي ماركسي، يعتبر من أفضل المعروفين في مجال تحليل الاتجاهات الثقافية المعاصرة؛ فقد قام بوصف ما بعد الحداثةعلى أنها مكانيّة الثقافة تحت ضغط الرأسمالية المنظّمة، إن أفضل كتب جيمسون المعروفة هي "ما بعد الحداثة: المنطق الثقافي للرأسمالية المـتأخرة"، "اللاوعي السياسي "، "الماركسية والشكل"([1]).

تأثر جيمسون بالعديد من الفلاسفة، أبرزهم ماركس، أدورنو، هيجل، وفيورباخ، لكنه يتبنى أفكار ماركس حول "المادية الجدلية".

ينطلق فريدريك جيمسون –كما تقول الباحثة أماني أبو رحمة- "من مرجعية معرفية ذات جذور ماركسية وهيغلية، رغم تأثره المبكر بفلسفة فيورباخ، في فهمه للتاريخ وللتطور الحضاري والثقافي، ويتبنى جيمسون المادية الجدلية في دراساته القيمة عن تحولات وتغيرات المجتمعات الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وأثرها على الأعمال الأدبية والفنية والثقافية، ولذلك يجد جيمسون علاقة جدلية وثيقة بين التحولات الجذرية الشاملة التي طرأت على الرأسمالية الصناعية أو التنافسية في النصف الثاني من القرن الماضي، وظهور وتطور حالة ما بعد الحداثة. ويصنف جيمسون هذه المرحلة بوصفها رحلة الرأسمالية المتأخرة، في نوع من المحاكاة لتوصيف لينين للرأسمالية في بدايات القرن الماضي بالرأسمالية الإمبريالية.

ففي كتابه الأهم (ما بعد الحداثة، أو المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة والصادر عام 1991، يؤكد جيمسون على أن ما بعد الحداثة هي مرحلة انتقالية بين مرحلتين من المراحل التاريخية للرأسمالية. ويذهب إلى أن كل القوى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية المناهضة للرأسمالية المتأخرة ولهيمنتها قد أصبحت محيدة وغير فاعلة، تتخبط وسط نوع من الفوضى على صعيد الايدولوجيا والممارسة. فقد نجحت الرأسمالية أخيرا في تحييد وإقصاء كل معارضة أو ممانعة ممكنة لها"([2]).

وبالتالي، "يعتبر جيمسون أن ما بعد الحداثة نوعا من أنواع الهيمنة الثقافية المتزامنة مع الرأسمالية المتعددة الجنسيات والتوسع غير المسبوق في السوق العالمية،واختراق وسائل الإعلام كل جوانب الوجود الإنساني ومستوياته، ويرصد جملة من المتغيرات التي طرأت على بنية المجتمعات الغربية في النصف الثاني من القرن العشرين، ولعل أهمها التحول إلى مجتمع ما بعد صناعي قائم على نشاط الشركات الضخمة المتعددة الجنسيات، وسيطرة الصورة على الواقع بسبب وسائل الإعلام واستراتيجيات الإعلانات الترويجية التجارية التي تعتمد على الإبهار البصري، وتراجع الإنتاجية والتصنيع مقابل التضخم في معدلات الإنفاق الاستهلاكي، والخضوع لتيارات الموضة المتغيرة والمتبدلة بسرعة، وزوال التوتر بين المدينة والقرية ليحل محلها التوتر بين المحلي والعالمي، ونمو شبكات الطرق الضخمة وحلول ثقافة السيارات، وزوال الإحساس بالتاريخ والعيش في حاضر سرمدي وطمس التراث أو تشويهه"([3]).

"حين سُئل فريدريك جيمسون عن إبراز "مظاهر الإرث النظري الماركسي التي أصبحت تنتمي إلى الماضي، وتلك التي لا تزال حاضرة حتى اليوم بإلحاح"؛ أجاب قائلا: "إنني لا أنظر إلى الأمر على هذا النحو الذي يميز كما قال كروتشه بين ما هو حي في الماركسية وما هو ميت، يلوح لي أن الماركسية يُعاد تأويلها في كل لحظة أو مرحلة من مراحل الرأسمالية، ويبدو لي أننا الآن في اللحظة الثالثة من لحظات تأويل الماركسية، بعد لحظة لينين وبعد اللحظة الأولى الأصلية. وأعتقد أن الماركسية يُعاد تأويلها في هذه اللحظة الثالثة في إطار أرحب وأكثر اتساعا مما حصل في الحقبة اللينينية السابقة. إنني لا أفهم الماركسية بوصفها ماركسية لينينية، بل أفهمها من حيث إنها تحليل للرأسمالية. وأبتسم دائما عندما أسمع الناس يقولون إن الرأسمالية انتصرت في حين أن الماركسية ماتت، أبتسم لأن الماركسية تحليل للرأسمالية. الاقتصاديون الماركسيون هم وحدهم اليوم الذين ينظرون إلى النسق ككل"([4]).

إذا أنت ألقيت نظرة على ما يكتبه الاقتصاديون البورجوازيون ستجدهم يهتمون بالمشاكل الخاصة والمحلية للرأسمالية، أعني مشاكل مثل التضخم أو الاستثمار وما إلى ذلك، ولا يلتفتون إلى النسق في عمومه. الاقتصاد الماركسي هو وحده الذي ينظر إلى النسق؛ لهذا السبب لا أنظر إلى الأمر من الزاوية التي تقول إن شيئا مما قاله ماركس أصبح منتميا إلى الماضي. يبدو لي أن ماركس بنى نموذجا للرأسمالية بوصفها نسقا، وهذا النموذج لا يزال صالحا، الاستثناء الوحيد هو أن الرأسمالية أصبحت اليوم أكثر توسعا مما كانت عليه أيام ماركس"([5]).

تميز "جيمسون" بتواصله السياسي مع قوى اليسار المحدث والحركات السلمية، حيث ركز أبحاثه على مفكرين من أمثال، جورج لوكاتش، إرنست بلوخ، تيودور أدورنو، ولتر بنجامين، هربرت ماركيوز، لويس ألتوسير، وسارتر، الذين فحصوا النقد الثقافي باعتباره الميزة المتممة في النظرية الماركسية، وقد مثلت هذه الحالة انفصال أكثر عن الماركسية - اللينينية الأرثوذكسية التي تبنت رؤية ضيقة للمادية التاريخية.

وفي نواحٍ أخرى كان جيمسون مشغولاً مع نقاد ثقافيين ماركسيين مثل تيري إيغيلتون في توضيح الترابط الماركسي فيما يتعلق بالاتجاهات الفلسفية الأدبية. بينما قامت الماركسية العاميّة بالإمساك بالبنية الفوقية الثقافية التي تحددت كلياً بـ"القاعدة" الاقتصادية، فإن الماركسيين الغربيين حللوا الثقافة تاريخياً كظاهرة تاريخية – اجتماعية جنباً إلى جنب مع الإنتاج الاقتصادي والتوزيع أو علاقات القوة السياسية؛ لقد حددوا أن الثقافة يجب أن تُدرس باستخدام المفهوم الهيجيلي في النقد الأدبي: النظرية التي تلائم الوصف والمذهب النقدي للنصوص الفلسفية أو الثقافية يجب أن تُنجز (=النظرية) في الفترات نفسها التي تكون فيها هذه النصوص موظفة (فعالة) بنتيجة تطور تناقضاتها الذاتية بطريقة تسمح بالتقدم العقلاني.

أعماله الأولى:

لقد كان واضحاً من خلال أطروحة الدكتوراة التي قدمها جيمسون والمنشورة في عام 1961م بعنوان "سارتر: أصول الأسلوب"، حيث رّكَّز "جيمسون" على العلاقة بين أسلوب كتابة سارتر والمواضيع السياسية والأخلاقية في فلسفته الوجودية.

اهتمام جيمسون بسارتر قاده إلى دراسة مكثفة للنظرية الماركسية في الأدب، حتى أيقن بأن كارل ماركس كان قد أصبح ذو تأثير كبير في العلم الاجتماعي الأمريكي من خلال التأثير في العديد من المثقفين الأوروبيين الذين قصدوا الولايات المتحدة كملجأ في الحرب العالمية الثانية، مثل تيودور أدورنو.

نقد ما بعد الحداثة:

دافع "جيمسون" عن الحداثة وسيروتها، رافضاً طروحات "ما بعد الحداثة" كما ورد في مقاله "ما بعد الحداثة، أو، المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة" المنشور عام 1984م، خلال توليه منصب أستاذ الأدب وتاريخ الوعي في جامعة كاليفورنيا، هذه المقالة المثيرة للجدل، كانت جزءاً من سلسلة من التحليلات حول ما بعد الحداثة اعتماداً على الرؤية الجدلية التي كان جيمسون قد طورها في أعماله المبكرة بشكل سردي/ قصصي.

ثم أكمل "جيمسون" نقده لما بعد الحداثة بمادة إضافية نشرت بشكل كتاب حمل عنوان "ما بعد الحداثة، أو، المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة" في العام 1991م، إلى جانب كتابيه "الماركسية والشكل" و "اللاوعي السياسي".

جياني فاتيمو (1936 -  ):

جياني فاتيمو واسمه الحقيقي جيانتيريزو فاتّيمو، هو فيلسوف وسياسي إيطالي، درس الفلسفة الوجودية في جامعة تورينو، وفي عام 1982 أصبح أستاذاً في الفلسفة النظرية، كما كان أستاذاً زائراً في عدد من الجامعات الأمريكية والألمانية.

انضم إلى الحزب الشيوعي الإيطالي وانتخب عضواً في البرلمان الأوروبي لأول مرة في عام 1999، ولولاية ثانية في عام 2009، لا يتردد عن الافصاح عن هويته المثلية والدينية باعتباره كاثوليكيًا يرحب بموت الله([6]).

" عندما يُذكر جاني فاتيمو الفيلسوف والسياسي الإيطالي، تذكُر معه مباشرة فكرة نهاية الحداثة؛ ذلك لأن كتابه الذي نشره تحت هذا العنوان “نهاية الحداثة” بالإيطالية في 1985 -وترجم إلى الإنجليزية في 1991- يُعتبر واحدا من أهم كتبه، والذي نبَّه العالم إلى هذا الفيلسوف، وواحدا من أهم الإضافات الفلسفية لموضوع ما بعد الحداثة الذي ظلَّ يشغل العقل الأوروبي بُعيد وفاة نيتشه بقليل.

اهتمام فاتيمو بالفلسفة الألمانية جاء مبكرا؛ وذلك عندما حصل على زمالة دراسية لمدة سنتين في هايدلبرج؛ حيث درس هناك فلسفة هيدجر، ليعود في العام 1964 ليصبح أستاذا مساعدا للجماليات في جامعة تورينو؛ مدينته التي ولد وترعرع فيها. وفي هذه السنة أعلن توقفه عن كونه كاثوليكيا بعد عودته من ألمانيا. وهو وإن كان أصبح مرحِّبا بفكرة موت الإله، غير أنه ظل داعيًا لاحترام كاثوليكية أكثر تسامحا ومحبة، خصوصا مع حقوق الأقليات والمهاجرين والمثليين. وهذه صفحة أخرى من حياته التي لم يكن يُخفيها، وهو كونه من أنصار حقوق المثليين"([7]).

وفي العام 1978، "انضم الحزب الشيوعي الايطالي إلى صفِّ الحكومة التي تحارب المنظمات الإرهابية المتطرفة، حيث أن الممارسات الإرهابية جعلته يقفز قفزة مُهمَّة في اهتماماته الفلسفية باتجاه موضوع ما بعد الحداثة؛ ففي خِضَّم تلك الأحداث والعنف الضاغط على إيطاليا، أدخل فاتيمو مفهوم التفكّر الضعيف الذي لاحظه في التبريرات الميتافيزيقية التي يقدمها المتطرفون؛ ومنهم يساريون من طلابه؛ ومن هذا المفهوم “ضعف التفكر” دخل على تحليل الميتافيزيقيا الغربية كتاريخ مُتراكم من الضعف في بُنى معرفية وقيمية قوية، وليتبنَّى من خلال ذلك موت الميتافيزيقيا وإعادة بناء القيم الأوروبية، وبشكل عام، دخل عالم التنظير لما بعد الحداثة من خلال مفهوم الانعتاق النيتشوي من عنف الميتافيزيقيا عبر تأصيل الاختلاف التأويلي الهيدجري للتاريخ؛ بما يُؤسِّس لفلسفة مُتجددة تمثل عُمدة تصوره لنهاية الحداثة.

لفهم فلسفة فاتيمو يلزم بالضرورة إدراك السياق التاريخي لأوروبا ما بعد الحرب؛ والصراع بين المعسكريْن الشرقي الماركسي والغربي الرأسمالي، كما يجب فهم التطورات المخيفة التي أحدثتها التكنولوجيا في المجتمعات الأوروبية من حيث تمكينها المجتمع من السيطرة الهائلة على الفرد، والتغيرات غير المسبوقة في القيم الأوروبية والتي تتوجَّت بمظاهرات الطلاب في 1968 للمطالبة بإصلاح النظام الرأسمالي، وصعود التيارات اليسارية في السبعينيات. كلُّ ذلك في ظلِّ نموٍّ غير مسبوق للأصوليات وعودة للدين كلاعب جوهري في رسم السياسات الدولية تجلى بشكل أوضح بعد سقوط جدار برلين وانتهاء حقبة الحرب الباردة، وفي ظل تشكيك حقيقي في قدرة العلم التجريبي على الإجابة عن التساؤلات الملحة، وفشل مشروعات الحداثة في اجتثاث الميتافيزيقا القديمة القادمة من القرون الوسطى؛ بل واستبدالها بميتافيزيقا لا تقل سُوءًا في إبعاد الإنسان عن ذاته"([8]).

"وكذلك يجب رَبْط هذا السياق التاريخي بالظروف الاجتماعية والشخصية والضغوطات التي كان يُواجهها فاتيمو نتيجة انخراطه في السياسة كيساري غير ثوري وثم كشيوعي ليبرالي، وتعرُّضه لتهديدات عديدة؛ أبرزها في العام 1978، عندما اضطَّر لترك مدينته تورينو بسبب تهديدات بالقتل من قبل منظمة الألوية الحمراء، وبسبب يساريته المعتدلة ووقوفه إلى جانب حقوق الشعب الفلسطيني وتصريحاته ضد إسرائيل والتي جعلته أمام فوهة مدافع معاداة السامية وقوتها الإعلامية الهائلة في أوروبا.

كلُّ هذه المواقف السياسية والإنسانية المتشابكة والحياة غير المستقرة لفاتيمو يجب أن تترابط مع رؤاه ومشاريعه المدنية والأكاديمية لفهم فلسفته، وبدون ذلك فإنَّ أي قراءة لفاتيمو ستكون قراءة مرتبكة إلى حدٍّ كبير"([9]).

فكرة ما بعد الحداثة عند جياني فاتيمو هي فكرة التعافي من الحداثة. وبرغم كل الجنون الذي يُمكن أن تسقطه الحداثة على من يُريد أن يتخلَّص من سلطانها؛ فإنَّ هذا يظل هو الخيار الأفضل، تمامًا كجنون نيتشه الانعتاقي، والذي عاشه في سنواته الأخيرة وهو في نفس مدينة فاتيمو؛ تورينو"([10])، وهو موقف يتناقض كلياً -من وجهة نظري- مع الرؤية الماركسية التي ترى في سيرورة الحداثة والتقدم البشري في إطار الحداثة، سيرورة متصلة حداثية لا نهائية.

كتاب فاتيمو "نهاية الحداثة" (ترجم إلى العربية 2014) "يؤسّس للقول إن ما بعد الحداثة لم تعد فقط دعوة لتجاوز أزمة الحداثة، ووضع طرائق كما هو الحال من هايدغر إلى ليوتار ودريدا، بل إنه يقول إن مرحلة الحداثة انتهت بالفعل، أو هكذا ينبغي النظر إليها قصد تصفيتها، ليجري الانتقال إلى حقبة فكرية جديدة –كما يَزْعُم فاتيمو- فالانتقال من الحداثة إلى ما بعدها، هو بحسب فاتيمو، انتقال في فهم التطوّر التاريخي، ففي الأولى هو عملية تراكم تنوير تصاعدية، وفي الثانية بتنا نعرف أن هذا التصاعد لم يعد حامياً من الارتطامات والأزمات الحادة ومن العدمية!! "([11]).

آراؤه السياسية بخصوص القضية الفلسطينية:

كان فاتيمو أحد الموقعين على عريضة نشرت يوم 28 فبراير 2009، داعياً الاتحاد الأوروبي إلى إزالة حماس من قائمة المنظمات الإرهابية، ومنحها الاعتراف الكامل كصوت مشروع للشعب الفلسطيني، وفي 22 يوليو 2014 ورَّداً على غزة 2014">الحرب الإسرائيلية على غزة، قال: "يجب "اطلاق النار على أولئك الصهاينة الأنذال" وقال "لو كان الأمر بيدي لدعوت لاكتتاب عالمي لشراء أسلحة للفلسطينيين لوقف الإسرائيليين الذين يقومون بذبح جماعي لهم" وعندما سُئِلَ عما إذا كان يود أن يرى المزيد من الإسرائيليين القتلى، أجاب: "بالطبع"، وأضاف أن إسرائيل "أسوأ قليلا من النازيين".

جيانّي فاتّيمو" حظي في بداية القرن 21 بشهرة فلسفية تعزّزتْ بعد نشره لكتابه "نهاية الحداثة"، فبفضل هذا النصّ أصبح الرجل يُحاضر في المنابر الفلسفية في أمريكا وأوروبا وفي العالم بأسره، ويتمّ دعوته للكثير من حلقات النقاش للاستماع إلى أفكاره ومقارباته الفكريّة الجديدة"([12])، وهي عندي مقاربة فكرية نقيضة للرؤية الموضوعية لصيرورة الحداثة وتطورها الدائم.

آلان باديو (1937 -  ):

"ولد آلان باديو بالرباط (المغرب) في 17 يناير 1937، ويعتبر اليوم أحد أشهر الفلاسفة الفرنسيين وأبرزهم، وقد كتب أيضا روايات ومسرحيات عديدة، وهو إضافة إلى ذلك مناضل سياسي، عُرف بموقفه الصريح ضد الاحتلال الصهيوني، يصنّف ضمن أقصى اليسار، وقد درّس الفلسفة بالجامعات الفرنسية وبعدّة معاهد وكليات.

من أعماله الفلسفية: "نظرية التناقض" 1975- "الكائن والحدث" 1982 – "بيان الفلسفة" 1989 – "العدد والأعداد" 1990 – "بيان الفلسفة الثاني" 2009-02-15 وله عدّة أنشطة في مجال البحث الفلسفيّ والأدبيّ"([13]).

برز "آلان باديو" في المشهد الفلسفي الأوروبي، "بعد أن قدّم إنجازين مرِموِقين هما "الكائن والحدث" (1988) و"منطق العوالم" (2006)، وزاد من شهرته، قبل سنوات، كتاب سياسي نقد فيه حالة ساركوزي، رئيس جمهورية فرنسا الأسبق، ونقد فيه الليبرالية الجديدة، التي انتهت إلى غير ما وعدت به، غير أن ما جعل من "باديو" حالة خاصة بين الفلاسفة، يتمثل في مساره الفكري وأشكال الكتابة المختلفة التي تعامل معها.

حاول هذا الأستاذ الجامعي، الذي دخل إلى الحياة الثقافية لامعاً ومشاكساً، أن يؤسس حزباً ثورياً، بعد ثورة الطلبة عام 1968، مستلهماً القائد الصيني ماو تسي تونج، وأشرف على سلسلة كتب فلسفية منحها عنواناً مستجلباً من الصين: يينان. لكن لغته النظرية الصعبة، كما مزاجه الشخصي، عطّلا مشروعه قبل ولادته"([14]).

"الفلسفة عند "آلان باديو"، هي كما كان يقول به أستاذه لوي آلتوسير: "الفلسفة صراع طبقي داخل النظرية"، يقول باديو: "الفلسفة هي الفعل الذي يعيد تنظيم جميع التجارب النظرية والعملية، اعتماداً على منظور قوامه قسمة الظواهر، يقلب النظام الفكري القائم ويوقظ قيماً جديدة تتجاوز القيم السارية، فالفيلسوف يعلم تماماً أن لمعشر الشباب الحق في التصرف بحياتهم وأنهم مؤهلون غالباً لقبول مخاطر التمرّد المنطقي".

 استعار باديو مفهوم الفصل الباتر بين الظواهر الاجتماعية من مرحلة الشباب الفلسفية، القائلة إن كل ما هو قائم في المجتمع والحياة عرضة للانقسام، وانجذب إلى منظومة القيم خلال صحبته الطويلة للفلسفة الأفلاطونية، التي أقنعته بتماثل الشعر والثورة، وبقي وفياً لذاته وهو يتحدث عن "تمرّد منطقي" لازمه من أيام الشباب إلى سبعيناته المطمئنة.

فبعد مرحلة رفع فيها راية التمرد والثورة، وصل إلى مرحلة تمزج التمرد بالشعر، وتضع الحب والثورة في مرتبة واحدة، وهو في الحالات جميعها رهين المحتمل، الذي تدعو الفلسفة إليه، من دون أن تعرف عن طبيعة "المحتمل" المرغوب الشيء الكثير، لذا يلجأ باديو، الذي يجمع خياره الأخلاقي بين آلتوسير وجان بول سارتر، إلى كلمة "الرواية المتخيّلة"، التي تحتضن فعلاً نقدياً وأملاً فاعلاً وإجابة فلسفية مؤجلة، لم يستطع الفيلسوف العثور عليها"([15]).

"لا غرابة أن تكون "البطولة" من مواضيعه الأثيرة، وأن يكون مفتوناً ببطولة القرن العشرين، قرن الثورات المتنوعة الكبيرة، وأن يضع عنه كتاباً عنوانه: "القرن"، ترجم إلى لغات كثيرة. فعلى خلاف "فلاسفة" اختصروا القرن العشرين إلى الهتلرية والستالينية وما يقبل بالاشتقاق منهما، بحق وبغير حق، رأى باديو فيه الثورة الروسية والصينية والفيتنامية، وثورات كاندينسكي في الرسم وإيزنشتاين وتشابلن في السينما، وفرويد في التحليل النفسي وأينشتاين في الفيزياء، وكافكا في الرواية، الأمر الذي عيّن "القرن" سيّداً على الأزمنة.

ينطلق الفيلسوف الفرنسي ألان باديو، في حواره مع البطولة، من زمن مأزوم، كما يقول، ذلك أن الزمن الذي نعيش ضل اتجاهه، ملغزاً المسافة بين القيم والهدف، فلا ثورات ولا ما يشبه الثورات، بل أن في "الزمن التقني" المسيطر ما يعطّل الأمل، التي تنتظر تفتّح الإمكانية الإنسانية المشبعة بالبطولة في كل مكان من هذه الأرض، ولعل فكرة الأمل التي تعطف الحاضر على مستقبل لا ظلم فيه، هي التي جعلت باديو يحتفل بالربيع العربي في كتاب صدر باللغة الإنكليزية، يضمّ دراسات عدة وعنوانه "التاريخ يولد من جديد".

نثر باديو فوق صفحات كتابه السؤال التالي: "إذا كان زمننا، الذي يعطّل البطولة، بحاجة إلى جندي مجهول جديد يصوّب مساره، فما هي ملامح بطل الزمان المنتظر؟ الجواب ماثل، ربما، في "ميدان التحرير"، كما يقول، والجواب ماثل في ملامح الفقراء، الذين يخرجون إلى التظاهرات رافعين "النعوش"، قبل أن يضمهم نعش جديد، والبطولة ماثلة في إسقاط الخوف، ذلك أن من يقتل الخوف يفعل ما يريد. بطل هذا الزمان إنسان بسيط، يعي مصالحه قافزاً فوق رجال الأمن والتضليل الإعلامي وفوق البلاغة الورعة، التي تتحدّث عن جميع الأزمنة ولا تعترف بالرغيف"([16]).

تميز بمواقفه الثورية الراديكاليه، وفي هذا السياق يقول ألان باديو في مقابله حواريه أجرتها صحيفة ليبيراسيونLiberation بتاريخ 27 يناير 2009 :

"أنا لم أتغيّر منذ السبعينات، تلك الفترة التي كانت فيها الراديكالية السياسية تحمل صورة الثورية في حالة جيّدة، وفي الثمانينات كثيرون تخلّوا، وأنا بقيت وفيّا، لماذا أصبح هذا الوفاء شيئا ملموسا (مرئيا) وإعلاميا، تفسير ذلك يجب البحث عنه بداهة في فراغ اللعبة السياسية. هناك أزمة سياسية، هناك أزمة دولية، الهوّة بين حياة الناس وما يفعله الحكم، أو ما لا يريد أن يفعله، تكبر شيئا فشيئا، هذه الأزمة السياسية، وهي أزمة أيديولوجية أيضا تساعد على تنامي الأفكار التي تحاول المضيّ إلى أصل الأشياء.

وفي اجابته على السؤال: هل تتهم اليسار تحبيذه الإصلاح على الثورة؟ يقول: "لم نعد نعيش هذه الثنائية، الثورة أصبحت اليوم مفهوماً مفرغاً من محتواه، وحتى الحزب الجديد (ANP المعادي للرأسمالية لا يحضّر للثورة، ولكي نقيم مقارنة تاريخية أقول إنّنا في وضعية شبيهة بتلك التي كانت في سنوات 1840: الرأسمالية تركّزت، وهي في أوج اندفاعها وتوسعها، فكرة الثورة بدت وكأنها قُبِرت نهائيا، وتتحدث بالتالي عن روبسبيركما نتحدّث اليوم عن ماو ولينين، أمّا بالنسبة للجمهوريين الذين يمثلون اليسار، فهم تماما كاشتراكيي اليوم، منشغلون باللعبة البرلمانية، ونحن نعلم اليوم كيف سرق نابليون انتصارهم سنة 1848.

ولكنّ الأهمّ –كما يضيف ألان باديو- في تلك الفترة هو إعادة الهيكلية الثقافية مطعّمة بتجارب سياسية عمالية معزولة: الشيوعية الطوباوية، بيان ماركس، ولكنّ هذا التفاعل مرّ كالمعتاد دون انتباه يُذكر"([17]).

وعن سقوط الأنظمة الشيوعية والاتحاد السوفياتي، يقول ألان باديو:

"لنذكّر بدءاً أنّ هذه الأنظمة لم تسقط تحت تأثير انتفاضة شعبية، أو بثورة عارمة، وإنّما بقرارات من حكامها، إرادة الشعوب لم تكن محدّدة، كان من الأفضل لو حدثت انتفاضات شعبية: كان يمكن عندها أن تولد أفكار ما، وأن تظهر مطالب ناتجة عن تحوّلات داخلية من صلب الشيوعية، أمّا عن الحصيلة بحدّ ذاتها، إذا كانت تحاسب التجارب الشيوعية من خلال معياري: النجاعة الاقتصادية والحريات السياسية، فإنّ الخسارة مضمونة مسبقا، لأنّ هذين المعيارين هما بالتحديد معيارا العالم الغربيّ، المعيار الذي حدّدته هذه التجارب الشيوعية يختلف تماما وجوهريا، إنّه معيار خلق وإحياء واقع جماعيّ لا يرتكز بتاتا على الملكية الفردية، وكان واضحا أنّ الأساليب المتوخّاة كانت كارثية.

هل يعني ذلك أن نتخلّى عن المشروع في حدّ ذاته؟ بالعكس–يقول ألان باديو- يجب أن نتمسّك بشدّة بفكرة مجتمع لا يكون محرّكه الأساسيّ الملكية الفردية، والأنانية والشراسة، إننا نرى اليوم أنّ مديري البنوك وحرفاءهم الأساسيين هم رهائن الجشع والربح. هذا الربح كمحرّك للحياة الاجتماعية هو ما يريد المشروع الشيوعي تخليص البشرية منه"([18]).

بالنسبة لمواقفه تجاه الديمقراطية وحقوق الإنسان يقول ألان باديو:"أنا مع دولة الحقوق، ومع حقوق الإنسان، إذا لم يتمّ اتخاذها كذريعة إيديولوجية لتغطية التدخلات العسكرية أو الفوارق المجحفة أو الإقصاءات بتعلّة الدمقرطة الثقافية. والحقيقة أنّ الديمقراطية لم تستطع أن تخفّف حدّة العنف داخل المجتمعات الغربية إلا بواسطة تحويل هذا العنف إلى الخارج.

يقول أيضا: "الولايات المتحدة الأمريكية هي في حالة حرب شبه دائمة منذ قرن ونصف، حرب كوريا، حرب فيتنام، العراق، الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.. دون أن ننسى الحروب الثانوية حيث تتدخل الديمقراطيات كَيَدٍ ثانية (نحن نعرف حتى الآن ماذا فعلت فرنسا في رواندا) إنها لكذبة أن نقول انه بفضل الديمقراطيات نحن نعيش في عالم بلا عنف، فالديمقراطية لم تنه العنف بل صدّرته إلى الخارج لأنّه، إذا كانت ساحة ديمقراطية خاضعة للرأسمالية تريد البقاء، عليها أن تكون ساحة رخاء نسبيّ.

كما "إنّ مسارات الديمقراطية كما هي لا تكفي لاحتواء الصراعات والصدامات الطبقية الناجمة عن الفوارق الاجتماعية، ولكي لا يتحوّل ذلك إلى عنف، يجب إيجاد نوع من الرخاء يظهر وكأنه لا يوجد في أماكن أخرى. ويجب حماية هذا الرخاء.. هكذا يولد مفهوم الحماية، القوانين ضدّ المهاجرين الأجانب، التدخّلات العسكرية… إنّ العنف صاحب عملية تراكم الرأسمال البدائي وظهور الديمقراطيات، أمّا الازدهار الرأسمالي فقد كان على حساب شعوب، منها التي أفنيت تماما (شأن الكراييب…) وقد وقعت حروب ومجازر لا حصر لها، وهذا العنف مازال مستمرا، ولا يمكن له إلا أن ينمو ويتسع في ظروف كهذه…إذا لم يتمّ استخدام مبادرات جديدة سياسية وشعبية، فإننا نسير نحو حروب مروّعة"([19]).

وأضاف قائلاً: "إنني عائد من إسرائيل و فلسطين حيث رأيت هذا الجدار الذي يمتدّ على طول الضفّة.. ما الذي لم نفعله تجاه حائط برلين؟ والآن نبني جدرانا في كلّ مكان، فلسطين، المكسيك… وبعدد من القتلى يضاهي قتلى الشيوعية.. إنّ الستار الحديديّ (نسبة للعالم الشيوعي السابق) كان يمنع الناس من الخروج.. والجدران الأمنية الحالية تمنعهم من الدخول.. الأنظمة الاشتراكية تورّد العنف للداخل، والديمقراطية تصدّره…أن تكون جلاد شعوب أخرى عوضاً عن شعبك بالتحديد، هل هذا أمر محبّذ فعلا؟؟"

وعن سؤال الافتراض الشيوعي، ماذا تقصد بما أنك تدافع عن هذا الافتراض؟

يجيب ألان باديو: "تقريبا ما يراه ماركس، إنّها خطوة للوراء ضرورية لفصل الشيوعية عن واجهة الحزب – الدولة، والرجوع بها إلى طبيعتها الأولى كفكرة فلسفية. مجتمع لا تكون فيه الملكية الفردية هي المحرك، ويكون قادرا على الالتزام بمسار مساواتي يوجِد مفهوماً جديداً للحقوق، الصعوبة الكبيرة التي نواجهها تظلّ سلطة الدولة، ماركس يتوقّع اضمحلالها. والأنظمة الشيوعية على العكس من ذلك، ركّزت دولاً خارقة القوّة، ما هي الحدود التي على الدولة أن لا تتجاوزها الآن؟ نحن لا نملك نظرية واضحة بهذا الصدد، لهذا على التجربة السياسية اليوم، أن تخضع الدولة لحقل عملها، لا أن تكون خاضعة لها"([20]).

أما عن برنامجه يقول ألان باديو: النقطة الأساسية هي المساواة وهذا يمرّ عبر إجراءات حيويّة ضدّ الرأسمالية، وإعادة تنشيط الخدمات العامّة كي تكون الدولة دولة الجميع بالفعل، وبناء علاقة جديدة بين التعليم والعمل وابتكار جديد للعالمية، ولكنّ كلّ هذا يتبلور في الميدان لا عبر برنامج تجريدي.

وعن رأيه في الحزب الجديد المناهض للرأسمالية في فرنسا([21])، يقول:

" أتمنّى أن يحقق 10% في الانتخابات القادمة، لأنّ ذلك يسبّب بعض الإرباك المضحك في اللعبة البرلمانية، ولكن سيكون بدون صوتي، لأنني لا أصوّت منذ ماي 1968. إنّ هذا المزج بين الشكل القديم للحزب (تحت مبرّرات ماركسية) واللعبة السياسية التقليدية (المشاركة في الانتخابات، إدارة السلط المحلية، التنويط داخل الانتخابات…) تذكر وبكلّ بساطة بالحزب الشيوعي العتيق منذ الأربعينات، اليوم العمل النضالي يجب أن يحترز من أمرين: بداية، يجب تحديد موقف من الدولة، لأننا حتما سنعود إلى (الشكل – الحزب) بعد ذلك الدخول في لعبة الانتخابات، ذلك أنه لا ينبغي علينا أن ندعم الديمقراطية بشكلها “الرأسمال – برلماني” لأنه منذ أن نترشّح لانتخابات ما فإننا نسعى أن ننتخب، ثم أن يعاد انتخابنا، ثم يصبح لنا كتلة برلمانية، ثم نتمتع بمنح وقروض رسمية… الآن المهمّ هو ممارسة التنظيم السياسي المباشر في أوساط الجماهير الشعبية، وتجربة أشكال جديدة من التنظيم.. يجب أخذ المسافة اللازمة في نفس الوقت عن الشكل –الحزب والدولة"([22]).

آلان باديو والموقف من العنف المستشري عالمياً ([23]):

ما الأطروحة التي يدافع عنها آلان باديو؟ وكيف يقارب موضوع العنف المستشري في كل بقاع العالم؟

بداية يقدم لنا الفيلسوف تصوره لبنية العالم المعاصر كالآتي:

لا نزاع حول الانتصار الهائل للرأسمالية المعولمة، فهي عادت إلى طاقتها الأولى وحيويتها التي توقفت جراء الكبح الشيوعي، وهذه الرأسمالية أصبحت كبنية ضخمة تشتغل بمنطق كاسح، وتتجاوز منطق الدول، لتدار بمنطق العصابات، فالعالم باتَ يَعُجُّ بالشركات العابرة للقارات التي أصبحت كوحوش ساحقة ورساميل بعضها يتفوق على الدول، وغدت في كثير من الأحيان عائقاً نحو الاستثمار، مما جعل البنية الرأسمالية تعمل على إضعاف وإهلاك الدول وإفشالها لترك سريان الاجتياح والالتهام يشتغل دونما قيود، بل والأكثر من ذلك، فهي أصبحت تسعى نحو التدمير المنهجي لكل التدابير ذات الأبعاد الاجتماعية وكل الإجراءات التي تصب في الخير العمومي.

كما يؤكد آلان باديو على أن: "منطق رأس المال أصبح منفلتاً" فـ"الليبرالية قد تحررت" خلال الثلاثين سنة الأخيرة، ونحن نتفرج ونقف مكتوفي الأيادي، فحتى الشيوعية التي كانت تُعَدُّ بديلا أصبحت من الهوان والمرض إلى درجة الخجل من ذكر اسمها، بل هي محرمة على المستوى العام.

ويضيف آلان باديو قائلاً: "إن الرأسمالية بمخالب شركاتها، أصبحت قادرة على تمزيق الدول وشل كل مقاومة محتملة، وجعل كل شيء سلعة وبيع وشراء، فحتى "داعش" كانت مجرد قوة تجارية بالنسبة لها، فهي تبيع في النفط والقطن، وبالتالي فإن هذه الرأسمالية المعولمة صنعت لنا بحسب الفيلسوف باديو تقسيمات طبقية عالمية جديدة وهي([24]):

أولاً: طبقة "أوليغارشية" قليلة العدد وتسيطر على النسبة الكبرى لثروات العالم وهي المحركة لبنية الاكتساح وهي جشعة ومتوحشة وتستعمل كل الوسائل للحفاظ على مصالحها.

وثانياً: طبقة متوسطة ينعتها بالذات الغربية وهي تتقاسم الفتات من ثروات العالم أي نسبة 14 في المائة وهي المتمركزة في أوروبا وبعض البلدان النامية وهي معتدة بنفسها وفي الوقت نفسه تعيش خوفا من ضياع ما لديها، إذ تقتطع منه الأوليغارشية كل مرة، ناهيك على تشبثها بآيديولوجيات تبريرية لضمان لقمة عيشها القليل ولكن الأمن، إلى حد أن الديمقراطية بحسب الآن باديو لم تعد سوى إدارة خوف هذه الطبقة.

وثالثاً: نجد الحشود الهائلة من البشر والتي لا مكان لها في العالم الرأسمالي الجديد، لأنها لا هي من فئة الإجراء ولا من فئة المستهلكين، فهي خارج السوق العالمية، هذه الحشود تنقسم بدورها إلى ذاتين هما: ذات راغبة في الغرب وتتوق إليه وتشتهي التملك والمشاركة في كل ما يعرض من مغريات وصور في كل الأمكنة للرخاء الرأسمالي، وذات عدمية انتقامية ومدمرة، عجزت عن الحصول على ما لدى الغرب فانقلب الحب كرهاً وحقداً وحسداً.

إذن بحسب الفيلسوف الآن باديو، -كما يقول محسن المهدي- "ليس الإسلام هو سبب العنف والتفجيرات والمذابح التي نراها في العالم، بل هي سلوكيات تعبر عن الرغبة في الانتقام من السيطرة الرأسمالية العاملة على الإقصاء ووضع الملايين من البشر خارج النعيم الاستهلاكي. أما الإطار المقدس والنزعة الماضوية فهو غطاء أيديولوجي يوظف لتبرير القتل، فما المخرج من هذه القبضة المحكمة للرأسمالية المعولمة؟ يقترح الآن باديو حلا يتمثل في ضرورة تشكيل بروليتاريا مترحلة تَجْمَع كل العاملين والمثقفين بالكون وتعمل بنفس منطق الرأسمالية الحالي وهو العبور في كل القارات، مجتهدة في خلق مقاومة وبدائل تصب في الخير العام ليستفيد كل البشر من ثروات المعمورة، وهو ما يوفر على البشرية الكثير من الألم والعذاب"([25]).

 

 


([1]) المرجع نفسه.  

([2]) أماني أبو رحمة - فريدريك جيمسون: المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة – الفيس بوك – 13 ابريل 2016

([3]) المرجع نفسه.

([4]) مصطفى الحداد – عن موت الماركسية/ فريدريك جيمسون – موقع: فلسفة  – 13/10/2014

([5]) المرجع نفسه.

([6]) موقع ويكيبيديا – الانترنت - https://ar.wikipedia.org

([7]) موقع: مجلة شرق غرب – شخصيات فلسفية: جياني فاتيمو – الانترنت – 15/7/2015.

([8]) المرجع نفسه

([9]) المرجع نفسه

([10]) المرجع نفسه

([11]) شوقي بن حسن – ما بعد الحداثة: استهلاك ثلاثة أزمنة – موقع: العربي الجديد – 16 مايو 2016.

([12]) د. خديجة زنتيلي – حوار مع فاطمة الفلاحي (بؤرة ضوء) – الحوار المتمدن – 21/10/2017

([13]) الأوان – الفيلسوف الفرنسي ألان باديو – بتاريخ 8 ديسمبر 2013

([14]) موقع المعرفة – الانترنت https://www.marefa.org .

([15])المرجع نفسه 

([16])المرجع نفسه 

([17]) الأوان – الفيلسوف الفرنسي ألان باديو – بتاريخ 8 ديسمبر 2013

([18]) المرجع نفسه.

([19]) المرجع نفسه.

([20]) المرجع نفسه.

([21]) حزب ماركسي فرنسي، تميز بنشاطه الواسع في أوساط العمال والمثقفين أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين.

([22]) الأوان – الفيلسوف الفرنسي ألان باديو – بتاريخ 8 ديسمبر 2013

([23]) محسن المهدي – جريدة الشرق الأوسط – 26 / 7/ 2018.

([24]) المرجع نفسه .

([25]) محسن المهدي – جريدة الشرق الأوسط – 26 / 7/ 2018.