ربما تضع الإشارات التي أطلقها الرئيس الأمريكي، جو بايدن، إبان حملته الانتخابية، تصورًا عامًا لما يمكن أن يشهده فضاء العلاقات الأمريكية الروسية من متغيرات، حيث أكّد بايدن، أنّه يعتبر روسيا العدو الرئيسي لأمريكا، بينما وصف الصين بالمنافس؛ إلا أنّ الأمر بالطبع لا يمكن مقاربته بالحقبة السوفياتية، نظرًا لاختلاف الأيديولوجات، والتغير الحاد في موازين القوى الدولية، لكن العلاقات بين الطرفين قد تشهد نوعًا من المد والجزر، وفقًا لاستراتيجية كل طرف، وتحركاته على خارطة التنافس الدولي، وهو الأمر الذي تؤطره عدة حسابات معقدة، لا تطرح افتراضية المواجهة الخشنة، وإن لم تستبعد العديد من المناورات والمواجهات السياسية الحادة.
معاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية
ربما كانت المعاهدة المعروفة بـــ ستارت-3، والتي وقعها في براغ الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، مع نظيره الروسي ديمتري مدفيديف، في نيسان (أبريل) العام 2010، وقت أن كان جو بايدن، نائبًا للرئيس، نقطة الاتفاق التي يمكن البناء عليها بين الطرفين، باعتبارها المعاهدة الوحيدة النافذة بين واشنطن وموسكو، ورغم توقف مفاوضات تمديد المعاهدة، التي تنتهي في شباط (فبراير) القادم، لكن يبدو أنّ كلا الطرفين يدفع في اتجاه التمديد، فموسكو من جانبها عرضت على إدارة ترامب، تمديد المعاهدة دون شروط مسبقة لمدة عام، والديموقراطيون من جانبهم لا يمانعون ذلك، على اعتبار أنّ إدارتهم هي من وقع المعاهدة منذ عقد من الزمان، ما يتفق مع قناعات بايدن نفسه، والذي وعد بالتوقيع على معاهدة ستارت الجديدة، لمدة خمسة أعوام، باعتباره، أي الرئيس، من المناصرين للحد من انتشار الأسلحة النووية.
من جانبه أشار فلاديمير باتيوك، كبير الباحثين في معهد الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، إلى أنّ "بايدن يدعو إلى تمديد معاهدة "ستارت-3"، ويدعو من جانب آخر إلى إجراء حوار مع روسيا حول مشاكل الأسلحة النووية الاستراتيجية"، لافتاً إلى أنّه "في مجال الاستقرار النووي الاستراتيجي، قد تكون رئاسة بايدن، هي الخيار الأفضل، من بقاء دونالد ترامب في السلطة".
المسألة السورية ومآلات الصراع السياسي
ربما كانت المسألة السورية من أبرز القضايا، التي يفترض أن تشهد صراعًا بين موسكو وواشنطن، إلا أنّ معطيات الراهن تشير إلى أنّه ليس محتملاً أن يحتل الشرق الاوسط الأولوية في سياسة بايدن، الذي يفترض أن يقضي فترته الأولى في معالجة أثر سياسات ترامب، وإرثه الثقيل، خاصّة ما يتعلق بالانقسام الداخلي، وتداعيات جائحة كوفيد – 19، وقد فتح الاتفاق النووي مع إيران آفقًا جديدًا للمضي قدمًا نحو تسوية شاملة للملف السوري، ما يحتم على موسكو انتهاج سياسات ربما كانت انتهازية، لاقتسام الكعكة مع طهران وأنقرة، وهو الأمر الذي يتصل بالأزمة الليبية بطبيعة الحال.
وعلى الرغم من اتباع واشنطن لاستراتيجية عدم التورط المباشر، لكنها قد تضغط من أجل السماح لها بنشر وحدات عسكرية محدودة، فى شمال شرق سوريا، ربما يكون الهدف منها الحد من التغول الروسي، وعلى الرغم من انتقادات بايدن للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلا أنّ الدور الوظيفي التركي سوف يستمر، بالتعاون مع إسرائيل، في ضوء الاستراتيجية الأمريكية الجديدة.
الأزمة الأوكرانية
من أبرز الملفات التي تنتظر الإدارة الأمريكية الجديدة، وتشتبك فيها مع التطلعات الروسية، هو ملف ضم موسكو لشبه جزيرة القرم، في العام 2014، حيث تدفع كييف باتجاه العودة إلى مذكرة بودابست، الموقعة في العام 1994، بين أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة وبريطانيا، والتي تنص على أنّ "الدول الموقعة على الوثيقة، مدعوة إلى أن تؤكد من جديد التزاماتها لأوكرانيا، باحترامها لاستقلالها وسيادتها ووحدة أراضيها وحدودها القائمة، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة".
وترى موسكو أنّ مذكرة بودابست، مجرد إعلان سياسي لم يتم التصديق عليه، وأنّ ما جرى في القرم ثورة، وليس ضمًا بقوة السلاح، كما أكّد، سيرجي لافروف، وزير الخارجية الروسي، أنّ مذكرة بودابست لا تلزم روسيا بشيء حول وحدة أراضى أوكرانيا.
وتعلق القيادة الأوكرانية آمالها على جو بايدن، الذي كثيرًا ما اتهم دونالد ترامب، بالتساهل مع بوتين، واتهمه بالصمت حيال تجاوزات الأخير على الساحة الأوروبية، كما حدث في قضية تسميم المعارض الروسي أليكس نافالني، وجاء ترشيح انطوني بلينكين، لحقيبة الخارجية، مؤشرًا على التوجهات التي ربما تنتهجها واشنطن حيال الازمة الأوكرانية، باعتبار بلينكين يمتلك مواقف متشددة تجاه التمدد الروسي على حساب أوكرانيا، بحكم جذوره الأوكرانية.لكن الأمر بالطبع يبدو أكثر تعقيداً من ذلك، حيث إنّه يبدو دومًا من الصعب منافسة روسيا في محيط مجالها الجغرافي الحيوي، لاعتبارات الجغرافيا السياسية، وقرب خطوط الإمداد في حال حدوث مواجهة عسكرية، مع التفاوت الكبير في القدرات العسكرية بين موسكو وكييف، واستبعاد التورط الأمريكي المباشر.
وعليه، قد تبدو المناورات السياسية هي عنوان الفترة الأولى لبايدن، فيما يتعلق بعلاقته بروسيا، وربما لن يمدّ الرئيس الأمريكي يده لنظيره الروسي، بحسب توصيف، ديفيد كرامر، مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق، والذي يستبعد قدرة بايدن على إعادة ضبط العلاقات مع موسكو، التي ربما لم تكن تحبذ وصوله إلى الحكم.
لكن المدقق في شبكة التشكيلات الأيديولوجية المعقدة، ربما يدرك أنّ عملية إعادة الضبط قد تتم من تلقاء نفسها، أو على الأقل قد نصل إلى نوع من التكيف البنائي في العلاقات بين الخصمين اللدودين، نظراً لتشابك المصالح على إمتداد بؤر الصراع، فمن شرق المتوسط إلى القوقاز، ومن القرم إلى سوريا، نجد جملة من المصالح والأهداف التي تفرض تنافسًا حيويًا، يحتم فيما بعد الوصول إلى تسوية سياسية، لعدم قدرة أيّ طرف من أطراف المعادلة، على حسم الصراع بشكل مطلق، كما يظل الاتفاق النووي مع إيران نقطة مركزية، تتحدّد من خلالها الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، والتي ترتبط جملة وتفصيلاً بواقع الفراغ السياسي في المنطقة، وتطلعات القوى الإقليمية تجاه تحقيق مكاسب نوعية، ربما لم تتضح معالمها بعد.

