مقدمة:
مما لا شك فيه أن المعرفة المستدامة اصبحت في القرن الحادي والعشرين هي الأساس في التنمية بكل ما تتيحه من توسيع لخيارات وفرص وتنمية لقدرات وتقنيات ومهارات وكفايات تمكن طالب المعرفة من بناء حياة افضل له ولمجتمعه.
وقد بدأ الاستثمار في التعليم باعتباره الكنز الأمثل منذ ستينيات القرن الماضي، فقد اشارت دراسة بعنوان: "التعليم ذلك الكنز المكنون"Learning the Treasure Within"
إلى أبرز ملامح التربية الدولية في القرن الحادي والعشرين وفق أربعة مبادئ وهي:
- التعليم للعيش المشترك
- التعليم للكينونة العالمية
- التعليم للمعرفة المستدامة
- التعليم لأجل فرصة العمل
وتعتبر مواكبة التطورات المتسارعة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتعامل معها بكفاءة أحد اهم عوامل ولوج عالم المعرفة وتحقيق التنمية المستدامة لا سيما الهدف الرابع من أجندة التنمية العالمية 2030.
ماهية التعليم الالكتروني؟
التعليم الإلكتروني: هو أسلوب داعم للعملية التعليمية التعلمية يتواصل فيه المتعلمون مع المعلمين وجهاً لوجه (التعليم الوجاهي) أو عبر الإنترنت (التعليم عن بعد). وقد لا يحدث أي تواصل بين الطرفين، كما في حالات التعلم المجاني الذاتي المحض الذي يُبحر فيه المتعلمون عبر الإنترنت باحثين بأنفسهم عن المعارف.
يعتمد التعليم الالكتروني على استخدام التقنيات والوسائط الالكترونية المتعددة في تقديمه للمحتوى التعليمي للمتعلمين بطريقة تفاعلية ومحفزة ومرنة. وتتضمن تلك التقنيات المؤثرات المقروءة والمسموعة والمرئية، كالكتب الإلكترونية والتسجيلات الصوتية والعروض التقديمية والصور الثابتة والمتحركة مثل أفلام الفيديو و"اليوتيوب". وتوظف هذه التقنيات في تنظيم الدورات القصيرة وبعض البرامج والمساقات. ويتطلب التعليم الإلكتروني توفر معلمين مؤهلين ومدربين على استخدامه بكفاءة، كما يتطلب توفر أجهزة حاسوب وشبكة إنترنت متطورة وكهرباء متصلة باستمرار، بالإضافة إلى وجود المنصّات الإلكترونية، وتطبيقات التواصل الفاعلة، مثل "فرق مايكروسوفت" و"غوتومييتنغ" و"زووم" و"ويبكس". ، ويعرف باسم E-\learning
وللتعليم الالكتروني أنواع منها:
- التعلم الممزوج: ويتم فيه دمج استراتيجيات التعلم المباشر داخل الفصول التقليدية مع أدوات التعليم الالكتروني عبر شبكة الإنترنت.
- التعليم التزامني: يدمج المعلم والمتعلم في الوقت نفسه المتواجدين على الشبكة باستخدام أدوات التعليم كالفصول الافتراضية ،أو المحادثة الفورية، ونظام بلاك بورد كولا بورات، أو الدردشة النصية.
- التعليم المتنقل: هو نظام يستخدم الأجهزة اللاسلكية الصغيرة والمحمولة كالحاسبات الشخصية الصغيرة والهواتف النقالة والهواتف الذكية.
- التعليم غير التزامني: ويستخدم المحتوى التعليمي الرقمي، والموسوعات الخاصة، والبريد الإلكتروني، والشبكات الاجتماعية، والمنتديات التعليمية، والمدونات.
وهناك فرق بين التعليم الالكتروني والتعليم عن بعد حيث يتم استخدامهما بطريقة مترادفة مما يستوجب التوضيح:
التعليم عن بُعد: هو نظام تعليمي متكامل ينفصل فيه المتعلمون عن المعلمين جغرافياً. ويقوم هذا النظام على أساس إيصال المحتوى التعليمي للمتعلمين في مواقع إقاماتهم أو عملهم عبر وسائل الاتصال المتاحة كالبريد العادي والبريد الإلكتروني والإنترنت. فالتعلم هنا هو تعلم ذاتي نشط يستند إلى أساليب متعددة، وقد يستخدم تقنيات التعليم الإلكتروني، ولكنه غير مرتبط بها ولا يشترط الاعتماد عليها.
الجائحة تستدعي المسار:
لقد سارعت جائحة كوفيد 19 باستدعاء العمل على مسار التعليم الالكتروني كممر إجباري تطلبته ضرورات الخروج من الأزمة بأقل الخسائر، فقد أحدثت جائحة كورونا اضطرابات فورية وحادة في قطاع التعليم على مستوى العالم. وفي محاولة للسيطرة على حِدّة انتشار الجائحة، سارعت الدول إلى فرض إجراءات لعزل الناس عن بعضها البعض، وكان من بينها إغلاق المدارس والجامعات، ما تسبب في أزمة تعليمية غير مسبوقة تأثر بها سلباً أكثر من 1.57 مليار طفل وشاب في العالم. أثارت الأزمة تساؤلات كثيرة حول جدوى التعليم بصيغته الحالية، وسَرّعت في إعلاء الأصوات المطالبة بضرورة إدخال تعديلات عليه ليصبح أكثر مرونة واستجابة لمتطلبات المستقبل
ولضمان استمرار العملية التعليمية، وفي ظل عدم وجود بدائل، اضطرت المؤسسات التعليمية لتبني التعليم الالكتروني بغضّ النظر عن مدى جاهزيتها لتوظيفه، ما أثار جدلاً حول عميقاً بين المختصين، حيث انقسموا إلى مؤيدين ومعارضين للتعليم الالكتروني، المؤيدون المختصون في التقنيات والحاسوب يدفعون باتجاه تبني هذا الأسلوب مستندين إلى الأثر الملموس لثورة المعلوماتية، التي تفجرت في ظل التطور المتسارع في التكنولوجيا الرقمية، على تفاصيل حياتنا اليومية بما فيها طرق تواصلنا وتعلمنا وتفكيرنا. بينما ينصح المعارضون من المختصين التربويين وعلماء الاجتماع والإنسانيات، بالتروي وضرورة أخذ الحيطة بإجراء الدراسات وتحليلات البيئة، بما فيها الثوابت والمتغيرات، قبل أخذ القرارات حول جدوى تبني أسلوب التعليم الإلكتروني ومدى توظيفه وكيفية استخداماته.
فرص الاستثمار بهذا المسار:
- يتيح الفرصة للمتعلمين من جميع أنحاء العالم للوصول إلى المواد التعليمية دون مغادرة بلادهم. كما يوفر للمتعلمين درجه عالية من المرونة، خاصة في حالة التعلم الإلكتروني غير المتزامن، في الرجوع لتلك المواد عدة مرات والتفاعل معها في الوقت والمكان والسرعة المناسبة لهم، ويمكنهم من الاستفادة القصوى منها كونها منظمة بطريقة سهلة.
- يسمح التعليم الإلكتروني بتحديث المحتوى التعليمي ووسائل التقييم بسهولة ويسر، ويمكّن المعلمين من الاستعانة بخبراء من كل العالم للمشاركة في التعليم وإثراء المحتوى التعليمي، خاصة في حالات التعليم الإلكتروني المتزامن.
- يوفر التعليم الإلكتروني الجهد والوقت فهو يمكّن المتعلمين، في حالة توفّر البنية التحتية الضرورية، من الوصول للمصادر التعليمية، بأشكالها المقروءة والمسموعة والمرئية.
- كما يساهم التعليم الإلكتروني في الحفاظ على البيئة، فلكونه لا يعتمد على استخدام الورق، فإن هذا النوع من التعليم يساعد في خفض درجة انبعاث ثاني أكسيد الكربون والمواد الكيماوية المصاحبة له، وبالتالي التخفيف من درجة تلوث الهواء والحفاظ على البيئة.
- يسمح هذا الأسلوب باستقبال التغذية الراجعة الفورية من المعلمين حول الاختبارات وأنشطة التقييم الإلكترونية التي يتقدم لها المتعلمون ويوفر المجال لتصحيح الأخطاء، ما يؤثر إيجابياً على مستويات إدراكهم وتحصيلهم.
- تكثيف الجهود الاعلامية تجاه المجتمع للمساهمة في بث الثقافة الالكترونية للتعليم الالكتروني، فالثقافة المجتمعية عامل حاسم في نجاح هذا المسار وولوجه بفعالية.
التحديات الماثلة أمام ولوج هذا المسار:
* عدم كفايته في تحقيق أهداف التنشئة الاجتماعية والسياسية مقارنة بالتعليم الوجاهي، حيث أن عملية تعميق الشعور بالهوية الوطنية تتطلب التفاعلات الوجاهية التي تحدث في مؤسسات التعليم النظامية كالمدرسة والجامعة، ويبقى أثر التعليم النظامي الوجاهي أوسع وأعمق، إذ يتيح الفرصة، بشكل منهجي ولمدة زمنية طويلة ومتواصلة، للمتعلمين التفاعل والحوار مع المعلمين والزملاء، في مواضيع تقع خارج حدود المعارف والمهارات المتخصصة بالموضوع الدراسي. نتيجة لهذا التفاعل، يكتسب المتعلمون معلومات ومهارات وقيماً ومُثُلاً تساعدهم على التأمل في قضايا ثقافية إنسانية ومجتمعية، محلية وعالمية، مثل قضايا المسؤولية المجتمعية والبيئة وأسباب الحروب والصراعات. وكل ذلك مهم وأساسي في تحديد المواقف والاتجاهات الفكرية التي تؤثر في سلوكهم وممارساتهم اليومية، ما يصقل شخصياتهم، ويحدد مستوى مساهماتهم كمواطنين صالحين في تطوير مجتمعاتهم.
* وقد يعمل على تعميق الميل إلى العزلة نتيجة للإدمان على الاستخدام المتواصل للتقنيات والتطبيقات المتوفرة عبر الإنترنت لأغراض التعلم والتسلية والمتعة، التي قد تصل حدّ الإدمان على ممارسة الألعاب ومشاهدة الأفلام. وقد تصل الآثار السلبية لهذه الظاهرة إلى التشتت وعدم التركيز، وإضعاف مستوى الدافعية نحو التعلم، خاصة إذا كانت المادة التعليمية جامدة ولا تستخدم المؤثرات المحفزة.
* قد يؤدي إلى تعميق الفجوة في تلقي هذا النوع من الخدمات التعليمية بين الأرياف والمدن والمخيمات داخل حدود الدولة، كما وبين بلدان العالم غير المتكافئة.
* يحتاج التعليم الإلكتروني إلى العديد من المتطلبات عالية الكلفة وبالغة الصعوبة، خصوصاً في طور التأسيس. فتوفير البنى التحتية والكوادر الخبيرة وتدريب المعلمين والمتعلمين وإعداد المناهج الإلكترونية يتطلّب ليس فقط الكثير من الجهد والمثابرة، وإنما تخصيص الكثير من الموارد المالية اللازمة.
* يؤدي أحياناً إلى التباعد الاجتماعي الذي يعزز الشعور بالعزلة والانطواء والبحث عن الخلاص الفردي وتعظيم الذات في مقابلة الذوات.
* أشار جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني لعام 2018م، أن 37% من العائلات الفلسطينية لديها جهاز حاسوب بواقع 41% في الضفة الغربية و 30% في قطاع غزة، كما أظهرت نتائج بيانات مسح الظروف الاجتماعية والاقتصادية أن حوالي 361 ألف مشترك فلسطيني في خدمة الانترنت، حتى نهاية عام 2018م، ما يعني عدم جاهزية أغلبية المجتمع الفلسطيني لولوج هذا المسار تقنياً.

