"من يكرم الشهيد يتبع خطاه"،
من القصيدة الغنائية شوارع المخيم للشاعر الكبير أحمد دحبور التي غنتها فرقة أغاني العاشقين الفلسطينية.
في الذكرى 13 لحكيم الثورة الفلسطينية، وأبرز مؤسسي حركة القوميين العرب، الدكتور جورج حبش ، أعتقد أن إحدى صيغ التعبير عن الوفاء له، ولشهداء الشعب الفلسطيني والأمة العربية، التشبث بمشروعه الوحدوي والثوري خاصة في هذا الظرف العصيب المطبوع بجائحتين، جائحة كورونا وجائحة تطبيع الأنظمة العربية الرجعية مع الكيان الصهيوني. قد يتساءل السفهاء من الأعراب عن الجدوى من محاولة إحياء المشروع القومي الوحدوي، بعدما أصبحت سيادة الأقطار العربية نفسها في خبر كان وبعدما تحول جل القادة العرب إلى مجرد وكلاء لدى المراكز الإمبريالية؟ جوابا على هذا السؤال، نقول، أن بالعكس في هذا الظرف بالذات تبرز الحاجة لحركة قومية وحدوية تقدمية تحافظ على الثوابت، وتفتح أفقا واعدا لاستئناف مسيرة الشعوب العربية نحور التحرر والوحدة والتقدم بعدما تأكد إفلاس المشاريع القطرية المنغلقة على نفسها والعاجزة على مواكبة الإيقاع السريع لتطور البشرية نحو عالم جديد، يطبعه التوازن والتنافس بين المجموعات القارية الكبرى. لمعاينة هذه الحقيقة تكفي نظرة بسيطة للخريطة الجيو- إستراتيجية لعالم اليوم وتوقع آفاق تطورها الحتمي في القرن الواحد والعشرين.
استجابة لهذا التحدي التاريخي، تأسست منذ خمس سنوات الجبهة العربية التقدمية بتونس أيام 2-3 و4 كانون الأول سنة 2015 في لقاء لعدد من القوى والأحزاب اليسارية والقومية والشخصيات القومية التقدمية، بعد مشاورات دامت ستة أشهر، أي منذ "إعلان تونس" ل25 تموز/يوليو 2015. وقد تمكّنت هذه الجبهة من المساهمة الفعالة في تنظيم ملتقى دمشق للتصدي للمخطط الصهيوني الإمبريالي الرجعي في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وعقد مؤتمرها العام الأول بمدينة طنجة المغربية في استضافة حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي في نهاية شهر أكتوبر تشرين الأول 2019.
في هذا المقال، سنحاول بقدر ما يسمح به المجال استحضار التحديات التي تواجه هذه الجبهة، بعد التذكير بمنطلقات وبرهانات التأسيس، وتشخيص طبيعة المرحلة الراهنة.
أولا، ماذا يجري في العالم، والى أين نسير؟
من مقدمات التشخيص الإستراتيجي، تحديد نقط القوة ونقط الضعف للمنظمة أو الإطار المعني، وتحليل ما يحبل به محيطها العام من مخاطر محدقة، وإمكانيات وفرص متاحة. من هذا المنطلق، ينبغي التذكير، أن اللحظة الراهنة هي نتاج لكل ما سبقها من تطورات وتراكمات عبر العقود الماضية، وأدت إلى ما نلاحظه من مواقف وقرارات صادمة لعدد من الدول العربية، لدرجة تدفع المراقبين للتساؤل، أي دولة عربية يمكنها أن تصمد في مقاومة الإعصار الامبريالي الصهيو- أمريكي الذي يضرب المنطقة في السنوات الأخيرة، وبالتحديد منذ انفجار ما عرف بالربيع العربي؟ الحقيقة التي تناساها الكثيرون، أنه بعد أول هزيمة حقيقة للعدو الصهيوني على يد المقاومة اللبنانية سنة 2006، واندلاع أزمة مالية واقتصادية غير مسبوقة في الولايات المتحدة الأمريكية، وباقي البلدان الغربية سنة 2008، سعى التحالف الصهيوني الإمبريالي الرجعي إلى وضع خطط لتجاوز حالة الاختناق التي أصبحت تواجهها قوى الرأسمال الامبريالي المعولم بتوظيف واستنزاف ما تتوفر عليه المنطقة العربية من إمكانيات وثروات ضخمة، وأسواق كبيرة لبيع الأسلحة وباقي المنتجات الصناعية والتي (الأسواق) أصبحت تغزوها الصين تدريجيا. في هذا السياق غيرت الإدارة الأمريكية تكتيكاتها تحت إدارة باراك أوباما، وذلك بالمراهنة على دور قوى الإسلام السياسي التي دفعت بها لاحتلال مقدمة المشهد السياسي في عدة بلدان عربية، خاصة بعدما أتيحت لها فرصة الحراكات الشعبية الفاقدة لقيادة قومية تحررية، وما تبعها من حراكات 2011 في تونس والمغرب، وليبيا، وسوريا واليمن، و مصر كاف لكشف وإسقاط كل الأوهام والمغالطات التي روجتها قنوات البترودولار الخليجية، وظللت بها الشعوب العربية خلال السنوات الماضية، ولم يعمل ترامب وإدارته الفاشية والعنصرية سوى الاستفادة بأكبر قدر ممكن من أوضاع المنطقة، واستغلال مشاكلها وتناقضاتها للإجهاز على القضية المركزية الوحيدة التي لا زالت تجمع الشعوب العربية، وهي القضية الفلسطينية، لفتح كل البلدان العربية أمام الرأسمال الصهيو- أمريكي لاستنزاف ثرواتها، وقطع الطريق على دول آسيا الصاعدة وخاصة الصين.
في سياق هذا التحليل نستنتج أننا نمر بمرحلة تحول كبرى ونوعية، شبيهة بما مر العالم والمنطقة منذ حوالي قرن، بعد انهيار ثلاث إمبراطوريات كبرى في نهاية الحرب العالمية الأولى، هي الإمبراطورية الروسية، والإمبراطورية النمساوية/الهنغارية، والإمبراطورية العثمانية. تداعيات انهيار هذه الأخيرة على الوطن العربي أصبحت معروفة، وبنتائج متناقضة، إذ بقدر ما ساعدت على انطلاق وتطور حركة التحرر الوطني العربية بفصائلها القطرية، بقدر ما أدى تنفيذ اتفاقية سايس بيكو الاستعمارية إلى زرع ألغام وبذور تفتيت وتشتيت الأمة العربية، وغرس الكيان الصهيوني العنصري، لإدامة الانقسام والاستغلال الإمبريالي لها.
لقد شهدنا في العقدين الأخيرين تحولات كبرى ومذهلة في مجالات كبرى مثل البيوتكنولوجيا، والهندسة الوراثية، والطاقات المتجددة، وخاصة ما أصبح يعرف بالثورة الرقمية. هذه الثورة تذكرنا أيضا بتداعيات الثورة الصناعية الثانية التي اعتمدت الكهرباء والبترول والغاز، ووسائل التنقل الجديدة، والتجهيزات المنزلية إلى غير ذلك من الاختراعات والابتكارات التي غيرت بشكل جذري طبيعة الحياة البشرية. وأخيرا جاءت جائحة كورونا لتعطي لهذه الثورة أبعادا جديدة وغير مألوفة كالعمل عن بعد، وعقد الاجتماعات والأنشطة، والمؤتمرات عن بعد، وتحويل المطبوعات من ورقية إلى رقمية، بل أن حتى العملات الرقمية مثل البتكوين أصبحت تعوض العملات الورقية في المعاملات التجارية. وفي إطار تدبير القوى العظمى لجائحة كورونا والسباق نحو صنع لقاح فعال لها، فرضت دول آسيا تميزها، وسجلت سبقا في مجال الذكاء الاصطناعي، مما أصاب القوى الغربية بالذعر من فقدان زمام المبادرة على المستوى الدولي، ودفع إدارة ترامب إلى تصعيد حدة المنافسة والتوتر مع الصين وروسيا فيما يشبه حربا باردة جديدة. للأسف تبقى المنطقة العربية بتخلفها وتمزقها، منطقة تنافس وصراع القوى العظمى الكبرى، ولذلك يبرز المشروع القومي الوحدوي ليس فقط البديل الأفضل من بين البدائل القطرية، والجهوية، بل البديل الوحيد الذي سيمكن شعوبنا إلى العودة إلى التاريخ الحضاري، بعد خروجها منه منذ قرون.
ثانيا: لطي صفحة الماضي، لا بد من قراءتها جيدا
يعتبر الكاتب اللبناني الشهير وعضو الأكاديمية الفرنسية، أمين معلوف، في كتابه "غرق الحضارات" أن مأساة العرب الكبرى، بدأت مع نكسة 1967، والتي مثلت تحولا حاسما على طريق طويل من الهزائم والخسارات، ولكنها وحدها لا تفسر كل ما حصل من انجراف متواصل، وتراجعات خطيرة، ويؤكد أن هذا المسار المأساوي لن يتوقف إلا إذا تمكن العرب من التخلص من عار الهزيمة في صراعهم مع الكيان الصهيوني، واستعادة كرامتهم المهدورة كما حدث للأمم التي تعرضت لهزائم كبرى ومذلة مع عدوها التاريخي، مثل فرنسا والاتحاد السوفياتي في الحرب العالمية الثانية في مواجهة النازية، والصين مع الامبريالية اليابانية في نفس الفترة. هذه حقيقة أكدتها تجارب شعوب أخرى عبر العصور، حيث لا يمكن لأمة أن تنهض وتستعيد مسيرتها الحضارية إلا بعد إلحاق الهزيمة بأعدائها الذين يجمعها معهم صراع وجودي؛ ومن سوء حظ العرب أن هزيمتهم تزامنت مع زحف "الثورة المحافظة" في نهاية سبعينات القرن الماضي في معظم البلدان الغربية، بداية مع تاتشر في بريطانيا، ومرورا بإدارة المحافظين الجدد مع ريغان في الولايات المتحدة الأمريكية، وانتهاء بانهيار جدار برلين والاتحاد السوفياتي. هذا الزلزال السياسي والإيديولوجي غيّر الخريطة الجيو-إستراتيجية في العالم، وحرم القوى التقدمية العربية من سندها القوي، الذي طالما وفّر لها الدعم والحماية منذ حرب السويس سنة 1956 إلى منتصف الثمانينات.
إضافة لهذا العامل الخارجي المؤثر، دشنت اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة بداية مسلسل الاستسلام المذل والمهين للنظام الرسمي العربي، بما في ذلك قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من هذا النظام، بعد إخراجها من بيروت سنة 1982، وقبولها مرغمة بمشروع الملك فهد للتسوية مع الكيان الصهيوني، والذي تبنته القمة العربية المنعقدة بمدينة فاس المغربية بين 6 و9 أيلول 1982. وكان تبني تلك الخطة بمثابة إلغاء رسمي لقرارات مؤتمر الخرطوم المعروفة باللاءات الثلاث، "لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف". هكذا وطيلة عقد من الزمن، توالت الكوارث: اتفاقية كامب ديفيد، والاجتياح الإسرائيلي للبنان، والحرب العراقية الإيرانية، وانقلاب عمر البشير على الثورة السودان ية، والحرب على العراق لإخراجه من الكويت سنة1991، وانهيار الحليف الدولي، المتمثل في المعسكر الاشتراكي؛ تلك كانت العوامل الحاسمة في المسار الاستسلامي التراجعي الذي أدى إلى اقبار المشروع القومي التقدمي، وبالتزامن، الصعود الموازي لحركات الإسلام السياسي التي لقيت الدعم المالي القوي من الأنظمة الخليجية بتوجيه من المخابرات الغربية والأمريكية على الخصوص.
على المستوى الشعبي، عبرت الشعوب العربية عن رفضها وغضبها لعجز الأنظمة القائمة وفشلها الذريع، سواء في حماية سيادة بلدانها أو في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتحسين الأوضاع المعيشية. وهكذا اندلعت على التوالي، انتفاضات عارمة في المغرب، والسودان، والجزائر، وكانت أبرزها وأقواها انتفاضة الشعب الفلسطيني الكبرى، والتي دفعت الكيان الصهيوني للبحث عن مخرج من المأزق التاريخي الذي وجد نفسه فيه، في مواجهة أطفال الحجارة. والمفارقة أن تلك الانتفاضة بالذات هي التي غيرت نسبيا ميزان القوى لصالح منظمة التحرير الفلسطينية، وشجعت قيادتها على المخاطرة بالتفاوض السري مع العدو الصهيوني، والتوصل بوساطة أمريكية وضغوط عربية إلى اتفاق أوسلو، الذي استغلته بعض الأنظمة العربية كمبرر للشروع في تطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني بدعوى انه لا يمكن أن نكون فلسطينيين أكثر من منظمة التحرير الفلسطينية نفسها.
بعدما بدى أن الأحادية القطبية فرضت الخضوع على الجميع، وقبل مرور أقل من سنة على عودة المحافظين الجدد إلى قيادة الولايات المتحدة الأمريكية مع جورج دبليو بوش، وقعت أحداث 11 شتنبر 2001، التي أرعبت الغرب، وأذهلت العالم، فوجدت فيها إدارة بوش الذريعة المثلى لاحتلال أفغانستان، في إطار ما سمته الحرب على الإرهاب، ثم غزو العراق بمبرر توفره على أسلحة الدمار الشامل رغم رفض المنتظم الدولي تزكية تلك الحرب. في هذا السياق وجد الكيان الصهيوني بزعامة الفاشي والعنصري شارون الفرصة سانحة للتنصل من كل تعهدات الكيان الصهيوني السابقة، ومواجهة انتفاضة 2000 للشعب الفلسطيني بعنف شرس، بل وتدبير اغتيال الشهيد ياسر عرفات في تجاوز سافر لكل للأعراف والقوانين الدولية. وزاد من تدهور الأوضاع، حدوث الانقسام في الساحة الفلسطينية بين فتح وحماس وتحولت السلطة الفلسطينية إلى سلطتين عمليا، الأولى في الضفة الغربية، والثانية في غزة، مما شجع العدو الصهيوني على شن أربعة حروب على غزة في 2008 / 2012 / 2014 و2019 في محاولاته المتكررة للقضاء على المقاومة الفلسطينية المسلحة التي استفادت من المقاومة اللبنانية، وطورت أسلحة الدفاع والردع، وتمكنت من الصمود، وصد هجمات العدو الصهيوني وإفشال مخططاته. هكذا وفي تطور مفارق تزامن انهيار النظام الرسمي العربي بصمود وانتصارات أطراف محور المقاومة في سوريا على أخطر حرب دولية استهدفت تفتيتها أرضا وشعبا ودولة، وفي العراق، وفي اليمن وفي فلسطين، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ردا على تلك الانتصارات، ألغت إدارة ترامب الاتفاق النووي بين إيران والدول الغربية لأنها انتصرت لوجهة نظر نتنياهو، واعتبرت أن إيران مستفيدة منه، وشددت من حصارها عليها، محملة إياها مسؤولية فشل مخططاتها في منطقة الشرق الأوسط بسبب دعمها لقوى المقاومة. ولجأت في الأخير إلى اغتيال اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس ، مع أبو مهدي المهندس، نائب رئيس الحشد الشعبي العراقي، لاعتقادها أنها بذلك توجه ضربة قاضية للمقاومة، سيرا على النهج الصهيو- أمريكي باغتيال قادة فصائل المقاومة الفلسطينية والحركات الثورية في القارات الثلاث، آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
القراءة الموضوعية لهذا المسار الحافل بالمواجهات، بالهزائم وبالانتصارات بين قوى التحرر والمقاومة من جهة، وبين قوى المحور الصهيوني الإمبريالي الرجعي من جهة أخرى، هي التي دفعت وحفزت الأحزاب والقوى والشخصيات العربية على اتخاذ مبادرة تأسيس الجبهة العربية التقدمية في دجنبر/كانون الأول 2015.
ثالثا: المشروع المجتمعي، الرؤية الإستراتيجية والمهام المرحلية للجبهة
وقفت الورقة السياسية الصادرة عن اللقاء التأسيسي للجبهة العربية التقدمية على تحليل الأوضاع السائدة في الوطن العربي "والتي تؤشر لبداية مرحلة جديدة أخطر من كل ما سبقها منذ اتفاقية سايس بيكو الاستعمارية، والمطبوعة بتصادم قوي بين إرادة الشعوب العربية الطامحة إلى التحرر الوطني والإنعتاق الاجتماعي، عبر انتفاضات وحراكات اجتماعية غير مسبوقة ضد أنظمة مستبدة وفاسدة وتابعة، ومن جهة أخرى، إرادة القوى الاستعمارية والرجعية، التي عملت وتعمل على إعادة تقسيم الوطن العربي على أسس عرقية وطائفية ومذهبية مقيتة، باستخدام العنف والإرهاب والحروب الأهلية المدمرة، بتمويل وتسليح القوى الاستعمارية الغربية والكيان الصهيوني والأنظمة الخليجية، وتوظف فيها إلى جانب التدخل العسكري المباشر، حركات وجماعات ظلامية إجرامية متعددة التسميات تكريسا لمشروع الشرق الأوسط الجديد، وأن الهدف من هذه الحملات والأعمال الإجرامية، والحروب الأهلية هو إجهاض المسارات الثورية، وتدمير الدولة الوطنية وتفكيكها وضرب وحدة المجتمعات وبعث كيانات طائفية وعرقية مكانها، وتخريب كل المكتسبات العلمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية المحققة في إطارها، وتدمير الذاكرة الحضارية للأمة، والزج بالشعوب العربية في أنفاق مظلمة منعا لنهوضها وتحقيق طموحها إلى الوحدة وبناء ذاتها على أسس الحرية والمساواة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني، وتهميشا لقضية العرب الأولى والمركزية، القضية الفلسطينية بهدف قبرها، وفتح المجال للصهاينة لتحقيق مشروعهم التاريخي في بناء دولة دينية وعنصرية، وتسهيلا لمواصلة السيطرة على مقدرات العرب الاقتصادية وثرواتهم النفطية."
وتخلص الورقة بعد هذا التشخيص لطبيعة التناقض الرئيسي في هذه المرحلة، إلى أن "الطريق الوحيد الفعال والناجح لمواجهة التحديات الخطيرة للمرحلة الجديدة، هو طريق النضال والمقاومة الوطنية والقومية، التي تمثل وحدة القوى الوطنية والثورية والديمقراطية العربية وتكتلها ضمن جبهة عربية شعبية تقدمية واسعة، أكبر ضمان للسير فيها بنجاح، والشرط الأول والأساسي لتعبئة الشعوب العربية حول مشروع نهوض جديد يحقق أحلامها وطموحاتها، وتؤكد الورقة "أن غياب هذا المشروع القومي التقدمي إلى حد الآن، واستمرار تشتت القوى الوطنية والتقدمية، هما العائقان الأساسيان أمام بروز البديل الذي يفتح آفاق التغيير للشعوب العربية، ويحدد لنضالها الوطني والديمقراطي والاجتماعي هدفا واضحا"..
من القراءة المتأنية لأوراق المؤتمر الأول للجبهة العربية التقدمية أن الخطوط العريضة لمشروعها المجتمعي هي:
- اعتماد الحرية والديمقراطية، صمام أمان لبلوغ الأوطان غايتها في التقدم والنهوض الحضاري، ونبذ كل أشكال التمييز على أساس ديني أو عرقي أو جنسي أو ثقافي، وضمان التعددية الفكرية والسياسية والتداول السلمي على السلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة وشفافة وذات مصداقية، وفصل حقيقي السلط، وضمان توازنها، واستقلال القضاء وتكريس الحريات العامة والخاصة وحقوق الإنسان، كمكتسبات حققتها الشعوب في البلدان المتقدمة بعد قرون من محاربة الاستبداد والاستغلال والاستلاب.
- تحقيق العدالة الاجتماعية بأفق اشتراكي عبر ضمان سيادة الشعوب على ثرواتها، وانتزاع حقها في إقرار الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تضمن الحياة الكريمة لكافة أفراد المجتمع. في هذا الأفق يتم نهج التنمية المستدامة والشاملة في احترام وحفاظ على البيئة كبعد جديد فرض نفسه على المستوى العالمي.
- صيانة الهوية الثقافية والحضارية للأمة العربية وتعزيزها وتطويرها في إطار التفاعل الخلاق والمتكافئ مع مختلف مكونات الحضارة الإنسانية في قيمها المشتركة ضد الكراهية والعنصرية والتعصب وكل أنواع التمييز.
إن الوصول لتكريس هذه الأهداف الكبرى يقتضي وضوحا في الرؤية الإستراتيجية، وابتكار البرامج النضالية الكفيلة بتوعية الجماهير الشعبية وتعبئتها على المستويين الوطني والقومي، في إطار سياسي مشترك موحد للقوى الوطنية الديمقراطية والتقدمية، يتجاوز الطابع الشكلي والمناسباتي لمجموعات الخطابة المنبرية التي لم تعد متجاوزة فحسب، بل معرقلة لخلق ديناميكية نضالية جديدة كفيلة بتحقيق تراكمات ايجابية في أفق إنجاز التحول النوعي المنشود في ميزان القوى لصالح قوى التحرر الوطني والتغيير الديمقراطي.
وفي هذا السياق، يجب على الجبهة العربية التقدمية ومكوناتها إنجاز المهام المستعجلة الآتية:
- دعم المقاومة الوطنية والقومية، وفي مقدمتها مقاومة الشعب الفلسطيني بكل الوسائل الممكنة حتى استرجاع حقوقه التاريخية والمشروعة في التحرير وعودة اللاجئين وبناء دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس.
- محاربة كل المشاريع التكفيرية والطائفية بمختلف أشكالها وعناوينها باعتبارها الوجه الآخر للاستعمار والصهيونية لما تمارسه من تخريب للأوطان وتفتيت للشعوب وتدميرا للطاقات، وإحياء للعبودية والاستبداد.
- محاربة العولمة الليبرالية المتوحشة وكافة أشكال السيطرة والنهب والاستغلال التي تمارسه الدول الامبريالية، والشركات المتعددة الجنسية والمؤسسات المالية الدولية ووكلاؤها المحليون.
- محاربة التطبيع مع العدو الصهيوني ودعم مقاطعته الاقتصادية (BDS)، ونشر ثقافة مقاومة الصهيونية والامبريالية والرجعية.
- إقامة تحالفات، ونسج علاقات مع القوى التقدمية المعادية للإمبريالية والصهيونية والرجعية في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك قوى لاهوت التحرير في صيغتها العربية والإسلامية، وبناء علاقات تعاون مع البلدان والدول التي تساند القضايا الأساسية لشعوبنا، وتلتقي مصالحها مع المصالح العليا للأمة العربية.
خاتمة
استحضارا للمقاربة الصينية للأزمة، التي تعتبر أن كل أزمة في طيها فرصة، نرى أنه رغم ما يحبل به الواقع الراهن من عوامل ومعطيات تدفع لليأس والتشاؤم، فإن مؤشرات دخول العالم مرحلة جديدة، يطبعها الانتقال الحتمي من الأحادية القطبية إلى تعددية قطبية، بما يعني ذلك من تراجع ملحوظ للسيطرة الغربية وتحكمها في القرارات والمؤسسات الدولية، قد أصبحت واضحة ومؤكدة، وهذا ما يفسر الهجمة الصهيو- أمريكية على المنطقة العربية بفرض علاقات التطبيع مع العدو الصهيوني على الأنظمة الخاضعة والتابعة للإمبريالية الأمريكية، لأنها تسعى لتأمين مستقبل الكيان الغاصب لأطول مدة ممكنة، وجعل المنطقة بما تتوفر عليه من ثروات، وأسواق احتياطا استراتيجيا لأمريكا في مواجهة القوى العظمى الصاعدة في آسيا وخاصة الصين وتحييد القوى الإقليمية مثل إيران.
هناك إذن في تقديرنا فرصة تاريخية لإحياء وتطوير المشروع القومي التقدمي بالاستفادة طبعا من دروس الماضي، وتجنب السقوط مجددا في أخطائه القاتلة، ومنها تضخيم التناقضات الثانوية، واستبدال التعاون بالصراع على الريادة بين مكونات الصف الوطني والتقدمي. فهل ستكون مكونات الجبهة العربية التقدمية في مستوى تحديات اللحظة؟
ذلك ما نتمناه.

