Menu

أشكال النضال في حرب الوجود الفلسطيني: مراجعة نقدية

د. وسام الفقعاوي

نشر هذا المقال في العدد 22 من مجلة الهدف الرقمية

تطال طبيعة المواجهة والصراع مع العدو الصهيوني، التي تكتسي طبيعة شمولية _ تاريخية، الوجود من خلال عمليات التهجير والقسر والإلغاء والتصفية التي نفذت سابقًا ولا زالت تنفذ، بحيث أن العدو الصهيوني يواجهنا بطاقة "مجتمعه" كاملةً، في إطار الدور الاستعماري والإمبريالي الذي يقوم به، وفي إطار علاقة التحالف والشراكة القائمة مع القوى الاستعمارية والإمبريالية عالميًا وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا يقتضي بالضرورة موضوعيًا، أن تكون المواجهة من قبلنا شاملة ومجتمعية أيضًا، ولكن هل واقع الحال الفلسطيني يُزكّي ذلك؟

إن هذا الواقع يفرض أن نعيد النظر بمجمل الممارسة السياسية والاقتصادية والتنظيمية والثقافية والكفاحية والمجتمعية، ووسائل وأدوات تلك الممارسة اتجاه الجماهير الفلسطينية أولًا، خاصة أن مجمل أحزاب الحركة الوطنية الفلسطينية تعاني من حالة انفصال بينها وبين الجماهير، ويعود ذلك لحالة الإقصاء والإرهاق والتجويف والتغييب لهذه الجماهير، وما تولد عن ذلك من مظاهر إحباط ويأس وفقدان ثقة والبحث عن الذات والاغتراب وعدم الانشداد للقضايا الوطنية والمجتمعية والميل نحو الاستسلام للواقع.

السؤال الذي يطرح ذاته هنا: كيف يمكن أن تتجاوز هذه الأحزاب هذا الحال، وخاصة من لا يزال يحمل رؤية ثورية منها، بما يُؤمن لطاقات الجماهير الفلسطينية/ المجتمع الفلسطيني أن توظف وتستثمر ايجابًا في ميدان المواجهة مع العدو الصهيوني؟

لن يتحقق هذا دون أن تعود هذه الأحزاب للاندماج مع هذه الجماهير ضمن بنى وممارسة وعقلية مرنة وفعَّالة تضمن تقديم النموذج الكفاحي – الاجتماعي لها، والبرهنة بممارسة – حزبها الثوري - أنه المعبر عن همومها ومصالحها وطموحاتها، وصولًا لأن تشعر بأنها مشارك فعَّال في صياغة المواقف ومشارك نشط في الكفاح والنضال بمختلف أشكاله. بمعنى أدق أن تتوفر الشرعية الجماهيرية للحزب/الحركة الذي يقنعها بجدارته، وهذا يتحقق في حال اقتنعت الجماهير بالممارسة أن كلمتها مسموعة، وبوجود نظام من المعايير والقيم والمؤسسات والبنى التنظيمية الكفيلة بتحويل دورها إلى دور مادي مباشر (إن القوة لا تصارعها إلا القوة المادية، والنظرية تصبح قوة مادية على – حد قول ماركس – حين تتغلغل في قلوب الجماهير). انطلاقًا من هذه النقطة المنهاجية الأولى (أولوية الجماهير)، أنتقل إلى نقطة منهاجية مرتبطة ارتباطًا لصيقًا بالأولى.

النقطة المنهاجية الثانية: هو سؤال البحث عن الشرعية الجماهيرية الذي يترتب عليه بالضرورة سؤال كيف تُكّسب الجماهير؟ خاصة وأن الجماهير هي عنصر الحسم وحماية الحقوق وانتزاع المكاسب والإنجازات والنصر، وعليه يجب الوعي بأن عملية كسب الجماهير عملية نضالية تركيمية، نجاحها يعتمد على القدرة والفعالية والتماسك الداخلي ووضوح البرامج والسياسات وترجماتها العملية والممارسة الديمقراطية والاستجابة الفاعلة لمصالح واحتياجات الجماهير.

يترتب على ما سبق سؤال مفصلي، هل يمكن أن نصل للجماهير الفلسطينية على طريق كسبها (كل طبقة وفئة وشريحة)، واشتقاق برامج خاصة في كل منها، دون وجود الحزب الثوري الفاعل والطليعي، الواضح فكريًا وسياسيًا والمتماسك تنظيميًا؟ أم أن واقع الحال واستمرار مفاعيل الأزمة الحزبية والوطنية سيبقينا في دوائر المراوحة ومن ثم التراجع والانحسار؟!

النقطة المنهاجية الثالثة: ومطلوب التوقف أمامها بتدقيق وعمق كبيرين، وهي ضرورة إيجاد الترابط الفعَّال والعميق ما بين البرنامج السياسي التحرري، والبرنامج الاجتماعي الديمقراطي، خاصة أننا قديمًا وحديثًا أكدنا على ترابط المهمتين، ولكن جاءت التجربة وواقع الحال ليقول بأننا لم نخلق توازن علمي وواقعي وعملي بينهما، حيث حضرت الرؤية الاجتماعية نظريًا في وثائق وأدبيات وبرامج العديد من الأحزاب، وخاصة اليسارية منها، وغابت إلى حد كبير في الممارسة، وعليه اتسعت الهوة بينها وبين الجماهير، وهنا اقتبس نصًا من وثيقة الكونفرنس الحزبي الأول للجبهة الشعبية المنعقد عام 1994، أي عمره الآن 27 عامًا وفيه نظرة استشرافية ثاقبة، وفيه أيضًا إبراز لحجم الكُلفة لغياب الممارسة الجدية المرتبطة بالرؤية النظرية: "إن ولادة هذه الإدارة – إدارة الحكم الذاتي - سيضيف إلى مهامنا وشعارنا الأساسي أي تحرير الأرض وإزالة الاحتلال، مهامًا ذات طبيعة مطلبية وديمقراطية ارتباطًا مع الوقائع القائمة على الأرض، وارتباطًا بسياستنا وخطنا العام القائم على تجنب الاقتتال الداخلي والحرب الأهلية، مع إدراكنا لاتجاه احتدام التناقضات داخل المجتمع الفلسطيني... إلخ". إن هذا النص كما محتوى وثيقة الكونفرنس بالإجمال، كانت تتطلب من الحزب الثوري، أن يعمل من أجل توفير شروط الرؤية الاجتماعية التي تبدأ بصياغة رؤية برنامجية متكاملة، موجهة لكل المجتمع بكل مكوناته وفئاته وقطاعاته المختلفة، مقرونة بممارسة عملية تتكامل وتتناغم فيها منظمات وأطر الحزب الثوري المختلفة التي لو قامت بالمطلوب منها، وفق ما استشرفته الوثيقة، لجنبنا شعبنا وقضيتنا الكثير من المصائب والولايات القائمة والمستفحلة في الواقع.

النقطة المنهاجية الرابعة: وسائل وأدوات النضال ومستوياته (الأيديولوجية والثقافية والسياسية والدبلوماسية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية...الخ)، هل هي في حالتنا الفلسطينية وفي إطار الصراع ذو الطبيعة الشمولية - التاريخية مع العدو مسألة ترف؟ أم مسألة جوهرية يتوقف على إجادة توظيفها واستخدامها وفق تطورات كل مرحلة من مراحل الصراع تقريب المسافة من تحقيق بعض الانجازات على طريق تحقيق النصر الكامل على العدو؟ وعليه، هل أساليب النضال وأدواته، مطلوب أن تبقى خاضعة للارتجال والعشوائية؟ أم أن هذه المسألة الجوهرية تحددها في كل مرحلة من مراحل النضال المختلفة طبيعة الظروف القائمة وتطوراتها، ومدى ملاءمتها واستجابة الجماهير لها؟

هنا أرى من المفيد أن نعيد إلى أذهاننا جميعًا ما ورد في الوثيقة السياسية للمؤتمر الوطني السادس للجبهة الشعبية المنعقد عام 2000، التي تقول: "تدلل هذه السياسة - الارتجال والعشوائية - من جانب على عدم امتلاك رؤية صحيحة للصراع وذلك ارتباطًا بشروطه وعناصره الموضوعية، وليس ارتباطًا بالأوهام القائمة على فهم الصراع كعملية شطارة لبعض الأفراد أو الزعماء. ومن جانب آخر، على فهم العدو ومشاريعه السياسية على شكل سليم، وهو الأمر الذي قاد إلى وضع حقوق ومصالح الشعب الفلسطيني الوطنية والقومية تحت سقف الشروط التي صاغها الاحتلال".

كما تذهب الوثيقة إلى: "أن طبيعة الصراع تتخطى السياسات القاصرة وما يحكمها من ممارسات سياسية وفكرية باهتة وارتجالية إلى رؤية سياسية شاملة تقرأ لوحة الصراع جيدًا وتدير العملية بصورة واعية على أساس مبدأ التركيم والاستمرارية والتكامل وتفعيل كامل الطاقات الكامنة".

النقطة المنهاجية الخامسة: قراءة لوحة الصراع بشكل جيد تفتح الباب واسعًا أمام سؤال الوعي، فهل استطعنا أن نصل إلى درجة كافية من وعي لوحة الصراع المبنية على وعي الآخر انطلاقًا من وعي الذات؟ فإذا كانت الإجابة بنعم، فلماذا هذه الهوة السحيقة بين ما قدم من تضحيات غزيرة وعزيزة وبين ما حُقق واقعًا؟ وإذا كانت الإجابة بلا، فما هو المطلوب لجسر هذه الهوة السحيقة؟

هذا يستدعي أن نعمل من أجل امتلاك الوعي بالتاريخ العربي والفلسطيني، الوعي بالواقع المعاش وتفاصيله (اقتصاديًا – اجتماعيًا – سياسيًا – ثقافيًا – تعليميًا – صحيًا....)، الذي على أساسه تصاغ الرؤى والخطط والبرامج والمواقف، والوعي بقدرات وإمكانات وطاقات شعبنا، والوعي بتاريخ وإمكانات العدو الذي نجابهه، بمعنى الوعي بالتاريخ والحاضر الذي يؤسس بدوره للمستقبل؛ دون ذلك سيعني استمرار النزف ومزيد من التراجع والانكسار وتكرار الهزيمة.

وقد يكون مفيدًا هنا أن أسجل ما قاله الحكيم في كلمته أمام مؤتمر الجبهة الشعبية الخامس، وكان التحضير لاتفاق أوسلو يجري على قدم وساق، حيث قال: "في مثل هذه اللحظات -ولا زالت مستمرة- تبرز أهمية النضال على الجبهة الثقافية، فقد نخسر الجبهة العسكرية والسياسية، ولكن لا يجوز أن نخسر الجبهة الثقافية التي تتناول حقنا في الوجود والحرية والحياة، والتي تتناول حضارتنا وتاريخنا وتراثنا ومستقبل أجيالنا".

النقطة المنهاجية السادسة والأخيرة: هل نحن في الوضع الفلسطيني القائم نملك حزبًا ثوريًا طليعيًا كما حلم مؤسسو الثورة الأوائل وكانوا في معظمهم كذلك؟ هل هناك هذا الحزب الذي يعمل على استقطاب الجماهير، من بوابة رفع لواء حقوقها الوطنية والاجتماعية..؟

إن الحصيلة الإجمالية للنقاط المنهاجية السابقة، تقول بغير ذلك؛ فواقع الحال يقول بالعجز واستشراء النواقص والثغرات والأخطاء وصولاً للأزمات، وبيئة طاردة للكفاءات، وضعف شديد في الحراك التنظيمي الداخلي الإيجابي في الأحزاب القائمة، وخاصة أحزاب اليسار منها، بسبب تكلس البنى والهيئات والأفراد، بالتالي افتقاد التجديد الفكري والتنظيمي والسياسي، وانتشار أمراض الشللية والاستزلام المبني على أسس شخصية، وعدم احترام الهيئات، والالتواء على الحقيقة والثرثرة وضرب أصول وضوابط النظام الداخلي. إن وصول أحزاب حركتنا الوطنية لهذه الحالة، غير أنها تبرز مشكلة اختلال التناغم والانسجام بين الرؤى السياسية – الاجتماعية، وما يترتب عليها من مهام وبرامج وطنية، والرؤية التنظيمية، التي من المفروض أن تؤمن للأولى أدواتها وحواملها التنظيمية، والبيئة المناسبة لعملية تطويرها باستمرار، تبرز أيضًا أهمية وخصوصية البعد التنظيمي في عملنا وكفاحنا الوطني؛ "فبدون توفر الأداة التنظيمية الصلبة والنواة الكفاحية/الثورية، والتي تتوفر فيها اشتراطات عالية المستوى، يصبح الحديث عن المواجهة الشاملة والمشروع الوطني التاريخي ضربًا من الكلام غير المستند لأسس واقعية صلبة، وهنا سيواجهنا التحدي التاريخي الكبير، ويتحدد نتائج الكثير من المعارك والطموحات".

وأختم بالقول: بأننا نعيش في مرحلة حاسمة من تاريخنا، مليئة بالشدائد والصعاب المصيرية/الوجودية، من العدو الصهيوني ومشروعه التوسعي التصفوي، بتحالفه وشراكته مع المشروع الأمريكي الإمبريالي واستراتيجيته التفتيتية في المنطقة، والبيئة الرسمية العربية المعادية في الجزء المقرر فيها، ومن الأوضاع الداخلية التي يتعمق فيها الانقسام الداخلي – رغم كل أحاديث المصالحة الزائفة - مترافقًا ذلك مع مظاهر الخلل والفساد والفوضى والفقر والبطالة واليأس والاغتراب وغياب الأفكار الوطنية الجامعة... هنا يأتي الدور الوطني المطلوب راهنًا ومستقبلًا، من خلال استعادة زمام المبادرة فلسطينياً؛ فكريًا وسياسيًا، بما يعيد الاعتبار لمشروعنا الوطني التحرري دون أي تمويه، باسم "التكتيك"، وهذا بدوره يتطلب إجادة وتوظيف كل أشكال النضال، وبما يحفز الحالة الشعبية الفلسطينية في مختلف أماكن وجودها،  من خلال الاستثمار الجيد بقدرات ومقدرات وطاقات شعبنا على طريق تحقيق أهدافه وآماله وطموحاته في التغيير المطلوب، من أجل التحرر من الاحتلال، وإقامة دولته الفلسطينية الديمقراطية على كامل ترابه الوطني.