Menu

الفلسطينيون في أوروبا بين الواقع والدور

حمدان الضميري

نُشر هذا المقال في العدد 22 من مجلة الهدف الإلكترونية

قبل الحديث عن الفلسطينيين في الساحة الأوروبية، لا من التذكير بالعلاقة الملتبسة بين اوروبا والشعب الفلسطيني، خاصة مع تلك الدول ذات التاريخ الاستعماري ودورها السياسي واللوجستي في بناء الكيان الصهيوني الغاصب على أرض فلسطين التاريخية، هذا الدور الذي أدى لولادة المأساة الفلسطينية، والتي ما زال شعب فلسطين يعيش نتائجها حتى يومنا هذا؛ نذكّر باتفاق سايس بيكو ووعد بلفور وقرار التقسيم وغيرها من القرارات المجحفة بحق شعب مسالم كان يعيش طبيعيا فوق ترابه الوطني قبل بدأ الدور الاستعماري الأوروبي، والذي أدى لحرمان الشعب الفلسطيني من العيش كباقي الشعوب فوق ترابه الوطني. هذه الحقيقة التاريخية تضع على عاتق أوروبا مسؤولية تاريخية وسياسية وأخلاقية تجاه شعبنا الفلسطيني وتجاه القضية الفلسطينية، خاصة أمام المحافل والمؤسسات الدولية، وعلينا كفلسطينيين واجب التذكير الدائم بها.

نجد بداية الوجود الفلسطيني في أوروبا مع بداية القرن العشرين، حيث مكث في بعض الجزر الاسبانية - جزر الكاناري عشرات من العائلات الفلسطينية، والتي كانت في طريقها لقارة أمريكا اللاتينية، تلاها وفي سنوات الأربعينات بداية وجود لأعداد بسيطة من فلسطينيين في بريطانيا؛ إما للدراسة أو بسبب علاقة عمل ربطتهم بسلطة الانتداب البريطاني على أرض فلسطين. ثم تلى ذلك وفي أواخر سنوات الخمسينات بداية قدوم طلبة فلسطينين للدراسة في جامعات أوروبية: مثل ألمانيا وبريطانيا والاتحاد السوفييتي لمنتسبين لأحزاب شيوعية؛ بدأت الأعداد بالتزايد بشكل ملحوظ في مع سنوات الستينات من القرن الماضي، لذلك كان الاتحاد العام لطلبة فلسطين أول اطار جماهيري ينشط داخل الوجود الفلسطيني في الساحة الأوروبية، خاصة في إطار التعريف بالقضية الفلسطينية وتم إنشاء العديد من الفروع لهذه المنظمة الجماهيرية في دول أوروبية مختلفة.

لا يختلف اثنان عن حقيقة الزيادة المتصاعدة والهامة للوجود الفلسطيني في الساحة الاوروبية وهو وجود يشمل كافة الدول الاوروبية بدون استثناء، وإن كان ذلك بأشكال وأعداد متفاوتة وفترات زمنية مختلفة من بلد أوروبي لآخر.

تختلف الأرقام حول أعداد الفلسطينيين في مجمل الدول الأوروبية وهذا يعود لسببين: الأول وجود وثائق تعريفية مختلفة تمنحها لهم الدول التي يقيمون بها ويبرزوها عند وصولهم القارة الأوروبية، والسبب الآخر فقدان الفلسطينيين لدولة ترعى شؤونهم وتعمل على توثيق المعلومات حولهم، وهذا رغم وجود سفارات وتمثيليات فلسطينية في الدول الاوروبية التي يعيشون فيها، رغم اختلاف التقديرات، لكن نستطيع القول أن العدد الاجمالي يتجاوز  600 الف فلسطيني، وربما يقترب من 800 ألف في مختلف الدول الأوروبية، وهذا عدد كبير يجعل من فلسطيني أوروبا ثالث كتلة بشرية فلسطينية بعد الكتلة الموجودة في فلسطين التاريخية المحتلة، وهي الأكبر والكتلة الثانية عدديا والمتواجدة في الأردن، وهذه الحقيقة تلزم فلسطينيي أوروبا التفكير بأخذ دورهم والقيام به على احسن وجه.

في داخل هذا الوجود المهم كما ذكر ورغم تفاوت الأعداد والتقديرات، لكن يبقى التأكيد بأن التواجد الأهم هو في كل من ألمانيا وهي الكتلة الأكثر عددا، يليها الوجود الفلسطيني في الدول الاسكندنافية، أي السويد والدانمارك والنرويج، ثم بعد ذلك نجد وجود لجاليات أقل أهمية في كل من إسبانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا والمملكة المتحدة وفرنسا وقبرص، وربما في دول أخرى وبأعداد أقل، وهنا وحتى نقترب من الدقة نقدم اقتراح للنشطاء الفلسطينيين لكتابة أوراق حول الجاليات الفلسطينية في الدول التي يعيشون فيها يذكروا  فيها بعض المعطيات الرقمية والتاريخية  للوجود الفلسطيني، وكذلك للمؤسسات في هذا الوجود مثل الجمعيات الفلسطينية في الجانب المهني: مثل أعداد الأطباء والمهندسين والحقوقيين والأكاديميين، في نفس الوقت على ممثليات فلسطين في هذه الدول عمل برامج لتوثيق هذا الوجود أسوة بما  تقوم به سفارات دول أخرى.

يتشكل هذا الوجود من عدة فئات نلخصها بالتالي:

فئة العمال التي قدمت في مرحلة الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وخاصة في ألمانيا والدانمارك وهولندا وبلجيكا.

فئة الطلبة وتعود بداياتها الجدية لمرحلة الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي واستمرت ولو بأعداد أقل في فترات لاحقة، وهنا يتم الحديث عن الطلبة القادمين من الخارج بهدف الدراسة، أما الجديد حول فئة الطلبة فهو الزيادة المتصاعدة بأعداد الطلبة الجامعيين المولودين في اوروبا من عائلات فلسطينية وهي الشريحة الأكبر حاليا في اوساط الطلبة الفلسطينين الدارسين في الجامعات الاوروبية.

فئة اللاجئين والتي بدأت وبشكل واسع بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982، وخاصة من فلسطيني لبنان، وكانت وجهة هؤلاء المانيا والدول الاسكندنافية، ثم عرفت الساحة الأوروبية موجات من طالبي اللجوء من الفلسطينيين؛ مثلا موجة التسعينات؛ بسبب حرب الخليج الاولى وتشمل فلسطينين من الكويت أو من دول خليجية أخرى، وأخيرا الموجة الحالية والمستمرة وهي تشمل أعداد من الفلسطينيين القادمين بشكل خاص من قطاع غزة ومن فلسطيني سوريا؛ بسبب الأوضاع التي تعرفها الساحة السورية منذ عشرة سنوات تقريبا.

الفئة الأخيرة والمهة جدا وهي بتزايد متواصل هي الجيل المولود هنا في الدول الأوروبية والتي علينا مستقبلا الوقوف أمامها وبشكل خاص دورها في المجتمعات الأوروبية وما هو المطلوب لتعزيزه ليكون في المستقبل أحد روافع العمل السياسي الوطني والمؤسساتي الفلسطيني في الساحة الأوروبية؛ لأنهم يشكلوا جزءا من البيئة الاوروبية وبامكانهم ان يكونوا فاعلين في الاحزاب السياسية، خاصة الداعمة والمتضامنة مع قضيتنا الوطنية.   

هناك مجموعة من المهام تقع على عاتق فلسطيني أوروبا

المهمة الأولى: نقل الرواية الفلسطينية للبيئة الأوروبية الحاضنة للوجود الفلسطيني في القارة الأوروبية، وهنا نرى فئتين في أوروبا ننقل هذه الرواية لهما، الاولى عامة الأوروبيين والذين تربطنا علاقات انسانية واجتماعية ومهنية وشخصية بهم، ننقل لهم رؤيتنا كمعنيين بالقضية الفلسطينية؛ لأننا جزء من الشعب الفلسطيني وأصحاب لهذه القضية: كيف نعيشها؟ وكيف عشناها؟ وماذا تمثل لنا ولابناءنا؟ كيف نروي المأساة الفلسطينية؟ وكيف نحافظ عليها من التحوير والطمس والعمل على ايصال الجوانب الجميلة من حياتنا الثقافية عبر مختلف اشكالها؛ من موسيقى لرقص شعبي لوجبات فلسطينية معروفة لترجمات لأدباء وفنانين أبدعوا وتركوا لنا ارثا ثقافيا غنيا علينا التعريف به الاوساط الأوروبية؟

أما الفئة الثانية والهامة جدا وهي المؤسسات والنشطاء التي تربطنا بهم علاقة مؤسساتية أو نشاطية  وتضم المئات من النشطاء الأوروبيين؛ حول هذه الفئة المهة والناشطة في المجتمعات الأوروبية، نرى أهمية وجودنا داخل هذه المؤسسات والجمعيات وهذا عامل مهم للتأثير على مواقفها من قضيتنا الوطنية وعلى توجهاتها، ونخص بالذكر لجان التضامن والصداقة مع فلسطين في أوروبا؛ نحن أصحاب القضية، ونحن الأقدر للحديث عنها، اضافة لهاتين الفئتين هناك عمل جاد ومدروس تجاه الأجيال المولودة هنا في الدول الأوروبية، حيث أليات العمل معها تختلف عن أليات العمل في الأوساط الاوروبية، هذه الفئة المهمة والمتزايدة عليها  دور مستقبلي هام وعلينا توفير الادوات المعرفية حول القضية الفلسطينية للأجيال المولودة هنا لتقوم بدورها  المستقبلي داخل البيئة الأوروبية الشعبية والمؤسساتية.

المهمة الثانية: تتمثل في الدفاع عن القضية الفلسطينية في الأوساط والساحات والمدن الأوروبية، وهذا يتم عبر النشاطات والفعاليات والملفات والفيديوهات والوقفات، وهنا لا بد من وجود ومضاعفة وجود مؤسسات وجمعيات فلسطينية ناشطة وحاضرة عبر فعالياتها وهي في تزايد ملحوظ في الاونة الأخيرة، وهنا لا بد من القول أن هذه النشاطات والفعاليات نتوجه بها لأبناء جالياتنا كما نتوجه ببعضها للجمهور الأوروبي، مع العلم أن الاليات المعتمدة أحيانا تختلف بناء على الجمهور المستهدف منها، بداية في اللغة ووصولا  للخطاب المستعمل ومضمونه؛ التعريف بالثقافة الفلسطينية وهي غنية جدا بجانب التعريف بالحقوق والمطالب الفلسطينية هما مضمون هذه الفعاليات والنشاطات. للنشطاء دور هام لتحقيق هذه المهمة الوطنية، ومنهم من يقوم به منذ سنوات طويلة وهؤلاء راكموا خبرة واسعة واستطاعوا بناء شبكة واسعة من العلاقات مع مؤسسات ونشطاء اوروبيين.  

المهمة الثالثة: تتجسد بتقديم الدعم المادي لأهلنا على المستوى العائلي، وأحيانا عبر المشاركة في حملات تبرعية هنا أو هناك وذلك لدعم صمودهم وبقائهم على أرض الوطن، ثم هناك الدعم المؤسساتي أي العمل على تمويل مشاريع لمؤسسات فلسطينية جدية، وهي موجودة وكثيرة في الوطن المحتل، بهدف دعم صمود شعبنا تحت الاحتلال، هنا في الدول الأوروبية تتوفر فرص لتمويل هكذا مشاريع لمؤسسات فلسطينية ناشطة  وفاعلة في مجالات مختلفة اجتماعية؛ طبية؛ نسائية؛ تنموية، وفي ميادين أخرى كثيرة ومتنوعة سواء في فلسطين أو في مخيمات الشتات الفلسطيني. 

المهمة الرابعة: وهي تتعلق بدورنا في الساحة الفلسطينية وتفاعلنا معها كجزء من الشعب الفلسطيني لنا كامل الحق أن نعبر عن رأينا لما يدور حول قضيتنا الوطنية، وهنا ومن جهتنا نريد التأكيد على بعض الأمور المبدئية وهي: الشعب الفلسطيني ما زال في مرحلة التحرر الوطني وله كامل الحق باستخدام كافة الوسائل المتاحة له لاسترجاع حقوقه الوطنية، وهذه المرحلة تتطلب الشراكة الوطنية في مؤسسات وطنية جماعية؛ وحدة الشعب الفلسطيني عامل مهم لمعركته النضالية الوطنية، ويجب أن تكون دائما في صلب تفكيرنا لأن غير ذلك الفراغ والدمار الأكيد؛ منظمة التحرير هي البيت والاطار الجامع لشعبنا، يمر هذا الاطار بمرحلة قاسية ويعرف حالة من التفكك والضعف وتغييب لها ولمؤسساتها منذ سنوات طويلة وهذا جزء من مخطط مدروس تقف وراءه قوى دولية وعربية ونافذين في أوساط فلسطينية، هذا الوصف الموضوعي يحتم علينا أن نكون شركاء فاعلين في معركة إعادة الاعتبار للمنظمة والمطالبة الدائمة لاستعادة الوحدة الوطنية، باعتبارها السلاح الأمضى في معركتنا التحررية؛ نعرف ان هناك مجموعة من الاتفاقيات وقعتها الاطراف الفلسطينية المختلفة، ولم يتم تنفيذها لحد الان وهذا لأسباب متعددة منها ما هو ذاتي فلسطيني ومنها ما هو متعلق بالعامل الخارجي الجيوسياسي؛ تطبيق هذه الاتفاقيات مقدمة للبدء باعادة الاعتبار للمنظمة، وبالتالي استعادة دورها التاريخي مع التأكيد على الاليات الديمقراطية في تسيير المؤسسات الجماعية حفاظا على وحدتها وعلى أداءها الفعال كأحد روافع المشروع الوطني التحرري الفلسطيني.  

الوضع المؤسساتي الفلسطيني في أوروبا  

عرف هذا الجانب توسعا كبيرا  منذ سنوات التسعينات، في السابق، كان للمنظمات الشعبية الفلسطينية دورا  هاما في الساحة الأوروبية، وخاصة الاتحاد العام لطلبة فلسطين، وهنا لا بد من التأكيد أن مسار اتفاق أوسلو عمل على تهميش الوجود المؤسساتي وتجميد دور المنظمات الشعبية الفلسطينية، هذه الحقيقة يضاف لها تنوع في القادمين للدول الاوروبية وزيادة أعدادهم ودخول التيار الديني على العمل والتواجد داخل هذه الجاليات، هذه العوامل مجتمعة تفسر الزيادة في أعداد الجمعيات الفلسطينية، وكذلك التنوع في ميادين ومجالات النشاطات التي تقوم بها في الدول الأوروبية؛ أعداد هذه المؤسسات بالمئات منها ما هو ناشط وعنده حضور ومنها مسيمات غير فاعلة ويغلب على وجودها الطابع الموسمي. أما الاتحادات والتي يغلب على تكوينها الطابع الفصائلي، فقد تحولت مع مرور السنين لهياكل غير فاعلة؛ تفتقد لرؤية ولمشروع وتعيش حالة من التناحر بينها، يضاف لذلك عدم قدرتها على بناء أدوات تنسيقية بينها لتكون حاضرة في البيئة الاوروبية المؤسساتية، وخاصة المتضامنة مع الشعب الفلسطيني. نستطيع أن نضيف أن هناك مؤسسات ذات طابع مهني؛ تشكلت في الساحة الاوروبية مثل مؤسسات طبية تضم أطباء تقدم خدماتها لمؤسسات فلسطينية طبية في الوطن المحتل بشكل خاص.

لوضع المؤسساتي الفلسطيني في أوروبا؛ يحتاج لعملية تقييم تهدف للاجابة على مجموعة من الأسئلة المرتبطة به مثل ما هو دورنا؟ وكيف نبني جسور بيننا؟ وما هي العناوين التي ننسق حولها؟ وكيف نتكامل مع المؤسسات الأوروبية الصديقة؟ وغيرها من الأسئلة المهمة والمرتبطة بالوجود الفلسطيني في الساحة الاوروبية.

نعم يشهد الوجود الفلسطيني بداية حراك منذ أشهر وهذا عبر وجود مجموعات تنشط عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومنها من بدأ بطرح أسئلة حول الدور الشعبي والمؤسساتي الفلسطيني في أوروبا، نحن أمام تجربة جديدة من التواصل بين نشطاء، قد تنجح في المستقبل بالدفع نحو بناء ثقافة جديدة تعمل على مغادرة  الكثير من هذه المؤسسات نمط العمل الفردي وتغليب البحث عن عمل تنسيقي حول عناوين متفق عليها لخلق صوت فلسطيني أكثر حضورا  وأكثر  فاعلية.. أخيرا في هذا المجال لا بد من التأكيد على أهمية بناء تكامل بين المؤسسات الفلسطينية ونظيرتها الأوروبية، وهذا يمر عبر حوار على مستوى البلد الواحد، وكذلك على مستوى القارة الأوروبية.

في النهاية لا بد من بناء علاقة بين الوجود الفلسطيني في أوروبا مع  الشتات الفلسطيني في قارات أخرى مثل أمريكا اللاتينية وأمريكا  الشمالية للدفاع عن حقوقنا وتمثيلنا داخل المؤسسات الوطنية الفلسطينية، في اطار مشروع وطني يعيد لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ دورها ومكانتها كممثل شرعي ووحيد لكل مكونات الشعب الفلسطيني.