Menu

طبيعة إسرائيل: النموذج الصهيوني للفاشية الحلقة (10)

أحمد مصطفى جابر

خاص بوابة الهدف

التنشئة العنصرية

الوجه الفاشي للتربية في إسرائيل

 

تعد التربية العنصر الحاسم في بناء المجتمعات وتوجيه الموارد البشرية لهذه المجتمعات ضمن الفلسفة العامة للمجتمع المعين المقصود بالدراسة، وتحتل التربية مكانة مركزية في المشروع الصهيوني، لأن تنشئة اليهودي الجديد، اليهودي المقاتل، الذي تخلص من عار المنفى، هو مسألة مركزية في دوام الكيان وحمايته، حيث يعتبر الفرد هو أداة تحقيق المشروع الصهيوني، لذلك لا بد من إعداده ضمن ما يتوافق مع أهداف وفلسفة هذا المشروع.

 ولعل جاكوب كلاتزمان يلخص أهمية دور التربية الذي لا يقل عن دور السلاح: "تؤلف دبابات سنتوريون عاملاً من عوامل الأمن والسلامة على المدى القريب، ولكن المدرسة والجامعة هي العوامل الأكثر أهمية بالنسبة للمستقبل البعيد.. وإذا ما ابتلي المستوى الثقافي في إسرائيل بالركود والجمود، بينما يأخذ مستوى الأعداء بالصعود فإن أيام استقلال اسرائيل معدودة. إن التربية هي أيضاً من مستلزمات الدفاع الوطني"(1)

ويقول رئيس وزراء الكيان الأسبق (ليفي أشكول): "إننا لا نكافح في الوقت الحاضر من أجل حقوق يهودية ليهود المنفى، ولكن من أجل تأصيل اليهودية بينهم، أي تأكيد الشخصية اليهودية وقوة عبقريتها، إننا لا نسعى إلى إقامة مدارس لأطفال اليهود، وإنما لتربية يهودية"(2).

وربما توضح المادة الثانية من قانون التعليم للدولة الذي وضع عام 1953 طبيعة الهدف التربوي الصهيوني "التعليم في دولة إسرائيل يجب أن يرتكز على قيم الثقافة اليهودية والولاء لدولة إسرائيل وتحقيق مبادئ العمل الصهيوني".

التربية على الكراهية

في تقرير لها عام 2016 كشفت صحيفة هآرتس الصهيونية الليبرالية، أن وزارة التعليم توصي طلاب المدارس "الإسرائيلية" في المرحلة الإعدادية بمطالعة كتب تتضمن "رؤى عنصرية ضد العرب، واستعلائية يهودية"(3). وهذا التقرير هو مجرد توضيح إضافي على الكثير من الدراسات السابقة التي نفذها باحثون يهود وعرب فلسطينيون أيضا حول طبيعة المناهج الصهيونية حتى لو لم يكن شخصا يمينيا متطرفا مثل نفتالي بينت وزيرا للتعليم. ويكفي مثلا أن نذكر بدراسة الباحثة نوريت بيلد ألحنان، قبل سنوات والتي أكدت فيها أن كتب المناهج الدراسية في الكيان الصهيوني تربي على العنصرية والفصل العنصري، مستخلصة من بحثها أن الأبارتهايد المنفذ في "إسرائيل" ليس مجرد قوانين بل "طريقة تفكير عن العرب".

وبديهي أن هذا البحث لا يسعى لمراجعة كتب المناهج الصهيونية وتبيان مدى عنصريتها وتمركزها اليهودي التلمودي، ولكن يكون مفيدا طرح بعض الأمثلة الكاشفة لأن ما يهمنا هو كشف مسار معرفة العدو وأساليبه.

في عام ٢٠٠٧ نجحت وزيرة التعليم العالي في الكيان "يولي تامير" بإدخال مصطلح النكبة الفلسطينية بعد ستين عاما إلى منهاج الصف الثالث للمدارس العربية، والتي كان يحظر فيها التطرق إلى المذابح التي لحقت بالفلسطينيين مثل باقي مدارس "إسرائيل". وقالت "لا يمكن تجاهل إدراك الجمهور العربي لما حدث عام 1948، فهو يسمي الأمور بأسمائها، ولا يجوز تغطية الأمر. والكتاب يقدم الرواية "الإسرائيلية"، وفي الوقت ذاته الرواية العربية".

ورد عليها "جدعون ساعر" رئيس كتلة الليكود في الكنيست "في ذلك الوقت بأن وظيفة وزارة التعليم نشر الوعي الصهيوني، وليس الوعي الفلسطيني، وتدريس مثل هذا الكتاب سيعزز مطالبة الفلسطينيين بحق العودة"، بينما طالب بنيامين نتنياهو زعيم الحزب بإقالة تامير من منصبها فورا. وهو ما حدث لاحقا وتم إزالة الكتاب من المناهج، بل نفذ اليمين الصهيوني هجوما مرتدا عام 2011 بسن ما يعرف بـ (قانون النكبة)، حيث وافق الكنيست بأغلبية 37 صوتا مقابل 25 أصوات، علی القانون الذي ينص على أن أي مؤسسة أو جمعية تقوم بفعاليات لإحياء ذكرى النكبة الفلسطينية بدلا من يوم "الاستقلال الإسرائيلي" يتم سحب تمويلها أو تقليص ميزانيتها بعد موافقة النائب العام ووزير المالية.

ومن المعروف أيضا أن الكتب المنهجية الصهيونية تفيض بأقبح وأبشع التوصيفات للعرب والمسلمين، مليئة بالتزييف والتضليل، ما يكرس صورة مسبقة وجاهزة ونمطية للعدو الفلسطيني والعربي الذي سيواجهه هؤلاء الناشئة لاحقا، وعندما ينضمون للجيش ولعل هذا ما ينعكس جليا في الممارسات الوحشية والجرائم التي يرتكبها الجنود. كيف لا والناشئة في الكيان الصهيوني يكونون على تماس مباشر مع الجنود والضبط أـثناء مختلف مراحل حياتهم الدراسية؟

فلسفة التربية

لا شك أن دراسة التربية في الكيان الصهيوني من حيث مصادرها الفلسفية ومناهجها ومسلكها العملي هي أفضل طريقة للكشف عن حقيقة هذه "التربية" باعتبارها أداة في يد الفاشية الصهيونية.

يجمع الباحثون على أن الفلسفة التربوية اليهودية تعود إلى ثلاث مصادر رئيسية تستمد منها موضوعها واستراتيجياتها وأهدافها. ولعل أهم هذه المصادر كتب العقيدة اليهودية (التوراة، الأنبياء) وكتب الشراح والمفسرين وخصوصا التلمود بقسميه (المشناه والجمارا) وكذلك المدراش والهلاخاه والهجدا. أما المصدر الثاني للفلسفة التربوية في الكيان الصهيوني فهي قرارات زعماء اليهود التي تم تداولها في 23 مؤتمراً (منذ 1897 حتى 1951) ثم أخيرا وثالثاً مؤلفات مؤسسي الصهيونية الأوائل مثل (روما القدس ) لموسى هس (1812-1875) و (التحرير الذاتي) ليتسكر رئيس جمعية محبي صهيون (1821-1891) و (الدولة اليهودية) لهرتزل (1860-1904) (4)، وكذلك مؤلفات آحاد هاعام صاحب فلسفة الصهيونية الثقافية وآرون دافيد جوردون صاحب فلسفة دين العمل وجابوتنسكي صاحب فلسفة القوة(5).

أما المعالم الرئيسية لهذه التربية فقد أجمع الباحثون على تلخيصها بعدد من المبادئ الأساسية:

فلسفة الاضطهاد:

 وتقوم هذه الفلسفة على ركيزتين أساسيتين: أولاهما إثارة العطف تجاه اليهود والشعور بالذنب لدى مختلف الشعوب لتساعد اليهود، وثانيهما إقناع اليهود أنفسهم بضرورة الترابط والتنظيم. وقد نجحت الصهيونية في ذلك مما جعلها تؤكد على هذا المعنى في المناهج الدراسية لتعميق هذه المفاهيم ومحاربة فكرة الاندماج. وقد كتب هرتسل «إنني أعتبر أن الاضطهاد ضرورة من ضرورات الصهيونية، فاللاسامية فيها بعض عناصر الكره الفاشي والمنافسة التجارية، والتعصب الموروث واللا تسامح الديني ولكنني أجد فيها أيضا الحاجة الملحة للدفاع عن النفس»(6).

القومية اليهودية ومقوماتها:

يزعم الصهاينة أن اليهود ينتمون جميعا إلى قومية يهودية لها ذاتياتها ومعالمها وقيمها الروحية والمادية. ارتباط الدين بالقومية في الحركة الصهيونية: وقد ورد في كتاب مدرسي تعريف الدين اليهودي بأنه دين وقومية، ومن يخرج من الدين اليهودي ويعتنق دينا آخر يخرج بذلك من قوميته(7).

العنصرية والعدوانية:

يرى هيس أن الشخص الذي لا يقول «إن الشعب اليهودي هو شعب الله المختار لا بد أن يكون أعمى»(8)، وقد بينا عنصرية وعدوانية الصهيونية بما يكفي في هذا البحث.

فلسفة دين العمل:

استولت فكرة العمل العبري على أذهان زعماء الصهيونية وأول من نادى بها هو جوردون الذي أنشأ حركة الرواد، وهي تعني تطهير النفس اليهودية عن طريق العمل اليدوي والجسدي، وجاء تطبيق هذه الفلسفة في التربية عبر إقامة مدارس الزراعة والمعاهد الفلاحية والمستعمرات التعاونية (الكيبوتسات).

اللغة العبرية:

بما أن اليهود شعب واحد بزعم الصهيونية فلا بد أن يكون هناك لغة واحدة هي العبرية التي كتبت بها التوراة، وهكذا حوربت اللغات الأصلية لليهود القادمين لاستعمار فلسطين، بل وشنت أحيانا حرب شعواء ضد هذه اللغات كما هو حال اللغة العربية التي يتكلمها مئات الآلاف من اليهود العرب القادمين إلى فلسطين وصار التخلص من اللغة الأم كما من التاريخ الخاص والعادات والتقاليد بطاقة الدخول إلى المجتمع الصهيوني الجديد.

قوننة الفلسفة الصهيونية في التعليم

جاءت مبكرة جداً منذ 1953، وكتب آحاد هاعام وهو أول من دعا إلى إنشاء جامعة عبرية في فلسطين «من الضروري إقامة المدارس ليتخرج منها جيل يهودي سليم الروح والعقل والجسم ومن الضروري تجديد العمل العبري لتقوية الانتماء لهذه الأمة»، ثم يمضي في توضيح الأسلوب التربوي المدرسي سيكولوجيا واجتماعياً مما يساهم في تخريج جيل من الشباب قادر على «دخول المعارك ضد العدمية وغير اليهود»(9).

من جهة أخرى فقد بينت المناهج التربوية بناء على هذه التعليمات والوصايا، حيث يؤكد اثنان ممن اشتغلوا في الدراسات التحليلية لقصص وكتب وأدبيات الطفولة وهما البروفيسور أدير كوهين في كتابه وجوه قبيحة في المرآة الصادر عام 1985، في تل أبيب ونيلي مندلر الصحفية المتخصصة في شؤون التعليم في هآرتس «هناك أكثر من 1500 كتاب من عدة أصناف بين أيدي الناشئة اليهود، تمثل ما لا يمكن وصفه من فوقية واستعلاء وتحقير لكل ما هو عربي ومسلم، ويمكن العثور على هذه الكتب في كل شارع ومكتبة في أي مدينة أو مستوطنة(10).

وتقول مندلر(11) «إن استعراضنا سريعا لمضامين كتب مباحث العلوم الإنسانية ومن بينها كتب المطالعة المقررة رسميا للطلبة من الصف الأول حتى الثامن (قراءات إسرائيل) و(قراءات إسرائيل المدنية)، يبين لنا كم هي محشوة بعبارات التحقير والأوصاف غير الإنسانية المتوحشة، فالكتب والمراجع التي تقرها وزارة المعارف والثقافة الإسرائيلية لتكون بين أيدي المعلمين هي أشد عنصرية وأكثر فظاعة مما يستخدمه الطلبة، وهذه الكتب يتم مراجعتها أو إدخال أي تعديل عليها منذ ظهورها في الستينات لأن أي تعديل سيكشف زيف الصهيونية وتحريفها للتاريخ».

في كتابه (تأثير عملية السلام على مضامين كتب التدريس) عام 1967، أقر البروفيسور داني بارل طال حقيقة صهيونية راسخة ترتبط بعدم تنازل التربية الصهيونية مطلقا عن توجهاتها التعليمية، التلقينية لطلابها(12) «في البحث الذي أجريته على كتب التعليم التي ألفت بعد أوسلو في سنوات (1995- 1996) وجدت أن التغيرات التي أجريت على المناهج الإسرائيلية لم تكن سوى تغييرات تجميلية، وبعد أن قمت بتحليل 124 كتابا في اللغة، الأدب العبري، التاريخ والجغرافيا، والمدنيات (التربية الوطنية) المقررة كلها للتدريس بعد عام 1944، وجدت أن غالبية هذه الكتب تشدد على بطولة الشعب اليهودي وتبرزه بشكل فوقي سوبرماني، فهو صاحب قضية عادلة ويحارب من أجلها ضد عدو عربي ومسلم».

في كتب مباحث تدريس التاريخ نجد ارتباطا بغايتين أساسيتين(13) الأولى مسألة تهميش الوجود المتجذر مع تهميش القرى والمدن التي هجرها أهلها عنوة بفعل القتل والتدمير وممارسة الإرهاب، حيث لا يرد أي ذكر لوجود فلسطيني بارز في أي من الكتب إلا من خلال السياق الضعيف أو إيراد الأمثال والنماذج. والغاية الثانية تهميش الدور الإسرائيلي في حلول النكبة وتحميل تبعاتها على الشعب الفلسطيني نفسه.

فعلى سبيل المثال نجد في موجز تاريخ الصهيونية الصادر في العام 1988، للدكتور مناحيم كيدم أنه لا يأتي على ذكر شعب فلسطين على الإطلاق ولم يعترف بفلسطين كحيز جغرافي وتاريخي له صلة بالتاريخ الحضاري والإنساني المدون الذي يعود إلى أكثر من 3250 عاما وقبلها إلى أكثر من خمسة آلاف عام حين كانت تسمى أرض كنعان.

وفي كتاب (القرن العشرون) من تأليف ايال بار نافيه الصادر عن وزارة المعارف والثقافي الإسرائيلية عام 1995 فيما يخص تهميش دور إسرائيل واليهود في التسبب بخلق مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وتحميل العرب أسباب مصائبهم قوله «إن سكان البلاد العربية لاذوا بالفرار الجماعي وهزم (الاستيطان) العربي في أرض إسرائيل».

وفي كتاب كيرشنفويم (تاريخ إسرائيل في العصور الأخيرة) (14) يتهم الكاتب المواطن العربي ببيع أرضه دون أدنى دليل في محاولة لتهميش جرائم إسرائيل في الاستيلاء على الأراضي العربية ومصادرتها، وهو يزعم أن الحكومة قامت بشراء أراضي دون أي إثبات أن المؤلف أراد من خلال ذلك إبعاد الطالب اليهودي عن مصطلح «مصادرة الأراضي». وفي كتاب (الجولان والجليل والغور الشمالي والكرمل) لمؤله ايعازر فيتكين(15) نرى أن خيوط النسيج التربوي الإسرائيلي والصهيوني قد اكتملت من أجل تحقيق الأهداف الصهيونية عبر 1- التأكيد على التطور الحضاري اليهودي مقابل الخراب والتخلف العربي. 2- تغريب العالم العربي وشعوبه عن فلسطين. 3- التشويه والإيحاء بالفضل اليهودي منذ القدم على إعمار فلسطين. 4- النظرة إلى المناضلين الفلسطينيين والعرب على أنهم مشاغبون قتلة وعدائيون وإرهابيون. 5- التحدي بإقامة المستوطنات. 6- الجولان شأنه شأن فلسطين في التدمير والتحول الديمغرافي عبر الترانسفير المبرمج. 7- الاحتلال الإسرائيلي نقل من نقمة إلى نعمة.

في كتاب البروفيسور (أرنون سوفير) (تحولات جذرية في جغرافيا الشرق الأوسط) المقر تدريسه لطلبة المدارس الثانوية العليا والتعليم العالي منذ 1948 والذي أعيدت طباعته للمرة الخامسة عام 1995 فان أبرز القيم التي يتم التركيز عليها: 1- الإيحاء بوجوب ضم أراضي ومناطق من الأقطار العربية إلى الدولة العبرية وأن عدم القيام بذلك هو إجحاف بحق إسرائيل. 2- اعتبار السيطرة على مصادر المياه في الأقطار العربية المجاورة حق مكتسب. 3- ترسيخ هاجس العدوان العربي لدى كل حادثة وعند كل موقع مقابل التسامح الإسرائيلي. 4- الطبيعة العدوانية للعرب تولدها حالة إستنفار دائم لدى إسرائيل والصهيونية لذلك فالتحفز واليقظة والحذر حالات ملازمة للإسرائيلي. 5- شبكات الطرق والمواصلات بين الأقطار العربية المجاورة تعتبرها إسرائيل خطراً على وجودها. 6- على العرب أن يذكروا إسرائيل بالخير فاحتلالها لبعض أقطارهم جلب لهم النعمة لا النقمة. 7- التنامي السكاني في أقطار الوطن العربي يشكل خطرا داهما على إسرائيل. 8- التركيز على وصف حالة التخلف والجهل لدى الفلاح العربي.

من جهة آخر بادرت مؤسستان إسرائيليتان إلى دراسة ما آلت إليه التربية الإسرائيلية عبر 53 عاماً، والنتائج التي انعكست على المسيرة الإسرائيلية الداخلية ثم على العلاقات العربية الإسرائيلية خلال السنوات بعد مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو عام 1993. وقد تجلت النتائج في يومين دراسيين حمل الأول منهما عنوان (اليوم التالي) والثاني عنوان (العسكرة والتربية: نظرة نقدية).

خلصت الكاتبة أرنا كازين إلى إعداد تقرير نشر في هآرتس ملخصه، أشارت فيه إلى الملامح العامة للتربية الإسرائيلية مبنية على روح العسكرة منذ الحضانة تثبت «في الواقع ليست هناك أية غرابة في القرارات الأخيرة التي اتخذتها وزيرة المعارف في حكومة شارون ربيبة الليكود المدللة (ليمور ليفنات) فهي تنسجم مع الرياح التي تهب منذ سنوات في هذه المؤسسة التي تصنع التربية الإسرائيلية وتصيغها لتلائم تعاليم جابوتنسكي ويوسف ترومبلدور ومناحيم بيغن ومنظمة بيتار[تأسست على يد جابوتنسكي عام 1932]، لقد ألغت ما بعد الصهيونية بحيث ردت على ذلك بإقرار تدريس موضوع جديد أشد عنصرية تحت عنوان (تراث إسرائيل) لتطبق بذلك توصيات لجنة شنهار التي أوصت بتوسيع الدراسات اليهودية، وهذا التوجه ليس سوى استمرار طبيعي للتوجه القديم القائم على تولي جهاز التعليم نشر قيم الجيش وليس قيم الديمقراطية(16).

وفي اليوم الدراسي حول العسكرة والتربية الذي عقد في الجامعة العبرية ومعهد الكيبوتسات يوم 30-5-2001، عاد الباحثون ليأكدوا أن جهاز التعليم الإسرائيلي لا يخلو فقط من التربية على المواطنة والديمقراطية وإنما تقوم المدارس بالتربية على العسكرية، إن التصعيد في الصراع مع الفلسطينيين وتقبل المواطنين الإسرائيليين لهذا التصعيد دون مقاومة هو نتيجة لهذه التربية، تقول الباحثة حاجيت غور زئيف من مركز التربية النقدية في معهد الكيبوتسات بأن التربية على العسكرة تتم بأساليب مختلفة، ففي يوم الاستقلال يتسلق أطفال الروضات على الدبابات ويزينون روضاتهم بأعلام وحدات الجيش الإسرائيلي بدلا من الاحتفال بقيم الديمقراطية والمساواة والسلم، وتضيف بأن كل معاني الديمقراطية تغيب عن برامج التعليم بسبب التأكيد على قاعدة نحن وهم. ويؤخذ الطلبة لمشاهدة معارض فنية لتخليد ذكرى الجنود الإسرائيليين (ياد لبنيم) وهناك يكتشفون الرابط والعلاقة بين الفن والجيش، وتقول الباحثة فيرد شورون أن هذه الطريقة تجند الفن من أجل التغطية المؤسساتية على بشاعة الحرب وويلاتها، وخارج المدرسة يطلع الطلاب على إعلانات تجارية لشركات أغذية تمجد الجيش مثل (تنوفا) في إعلان للجبنة يقول (50% لوحدة المظليين و50% لوحدة جولاني و100% للعائلة). وفي برامج الصباح تجري مقابلات مع رجال الجيش كجنرال في شؤون الصراع وفي الكنيست والحكومة يرى الطلاب جنرالات متقاعدين أو رجال دين يقررون مصيرهم.

وتذهب الباحثة (ريلي مزالي) في عرضها لروح التربية على العسكرة إلى القول «يدخل الجنود إلى الصفوف ويتحدثون أمام الطلبة عن الفظائع التي يقوم بها الجيش دون أن يشير ذلك إلى أي تحفظ من الأهالي» وتضيف غور ئيف «في جهاز التعليم يبحثون في سائر المواضيع مناهج التعليم، أساليب التدريس، تخصيص الميزانيات، لكن هناك صمت تام عن العلاقة بين المدرسة والجيش، في جهاز التعليم هناك ظواهر عديدة يمكن اعتبارها بسهولة مظاهر لنظام مناهض للديمقراطية».

إحدى الظواهر البارزة في هذا السياق هي تسلم ضباط كبار في الجيش مناصب ووظائف إدارية في المدارس بعد إنهائهم الخدمة، وكذلك مشروع (شافتا) لدى وزارة المعارف الذي يؤهل ضباطا متقاعدين من الجيش وجهاز المخابرات (الشاباك) كمربين في معهد بيت بيرل، حيث تخرج حتى 2001 أكثر من 300 ضابط ألحقوا بمدارس مختلفة في جميع أنحاء البلاد، والتربية من هذا النوع تنعكس جذريا بالطبع في تهيئة وإنتاج أولئك الذين سيصبحون مواطنين وقادة في هذه الدولة.

في دراسة قام بها عالم النفس الإسرائيلي (جورج نامارين) لبحث آثار التعصب على الأحكام الأخلاقية توصل إلى: 1- وجود التعصب في أيدلوجية الشباب الإسرائيلي. 2- تأثير تدريس التوراة بطريقة غير نقدية. وقد ركز تامارين على أكثر صور التعصب تطرفا وهي صورة الإبادة الكاملة للجماعة المعادية وأعد لها 1066 استبيانا أجاب عليها 563 فتى و 503 فتاة من مختلف الأعمار ومختلف المدارس. وقد تطرقت الاستمارة لسفر (يوشع بن نون) الذي يدرس من الصف الرابع وحتى الثامن وكان السؤال كما يلي «انك تعرف جيدا المقتطفات من سفر يشوع واتي تقول" فهتف الشعب وضربوا الأبواق، كان حين سمع الشعب صوت البوق أن هتف هتافا عظيما، فسقط السور من مكانه وصعد الشعب إلى كل رجل وأخذوا المدينة وقضوا على كل من فيها، بغير تفرقة بين رجل وامرأة وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف" (يشوع 6 ، 20). و " خذ يشوع مقيدة في ذلك اليوم وضربها بحد السيف وحرم ملكها هو وكلنفس بها، لم يبق شاردا، وفعل بملك مقيدة كما فعل بملك أريحا ثم اجتاز يشوع من مقيدة وكل إسرائيل معه إلى لبنة وحارب لبنة فدفعها الرب هي أيضا بيد إسرائيل مع ملكها فضربها بحد السيف وكل نفس بها فلم يبق بها شاردا، وقتل ملكها كما فعل بملك أريحا" (يوشع 10 ، 28 ، 30)، أجب على السؤالين التاليين: 1- هل تعتقد أن يوشع بن نون والإسرائيليين قد تصرفوا تصرفا صحيحاً أو غير صحيح؟ اشرح لماذا اخترت هذا الرأي. 2- لنفترض أن الجيش الإسرائيلي احتل خلال الحرب قرية عربية فهل هو حسن أو سيء أن يتصرف على هذا النحو مع سكان هذه القرية كما تصرف يشوع بن نون مع شعب أريحا؟ اشرح لماذا؟». وقد اختار الإبادة الكاملة كما يشوع ما بين 66% و 95% من إجابات التلاميذ الأطفال على السؤال الأول. ومما جاء في تبرير بعض التلاميذ «ليس من المرغوب فيه أن يكون في إسرائيل عنصر غريب». السؤال الثاني 30% من التلاميذ أجابوا بنعم، وقد أحدثت هذه الدراسة ونتائجها ضجة كبرى في إسرائيل والسبب أنها كشفت بطريقة علمية وموضوعية عنصرية المجتمع الإسرائيلي.

المراجع:

 

  1. في المجتمع الإسرائيلي، د. أسعد رزوق، القاهرة، معهد البحوث والدراسات العربية، 1971، ص90.
  2. إسرائيل ويهود العالم، مصطفى عبد العزيز، بيروت، مركز الأبحاث الفلسطينية، 1969، ص 120.
  3.  تربية الكراهية في اسرئايل: الجزيرة، 23-4-2028
  4. خليل السواحري وسمير سمعان، التوجهات العنصرية في مناهج التعليم الاسرائيلية. (دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 2004)
  5. عبد القادر فارس، العنصرية الصهيونية وفلسفة التربية اليهودية، رؤية عدد9(www.sis.gov.ps)
  6. صالح عبد الله سرية، مرجع سابق.
  7. نفس المرجع. ص35
  8. لمرجع السابق
  9. خليل السواحري. مرجع سابق ص10
  10. المرجع السابق، ص12
  11. هآرتس 20/11/1984
  12.  خليل السواحري، مرجع سابق، ص19
  13. نفس المرجع، ص45
  14. المرجع السابق، ص43
  15. نفس المرجع ص60
  16. هآرتس 30/5/2001