Menu

فوضى النظام السياسي في إسرائيل...!!!

أكرم عطا الله

نُشر هذا المقال في العدد 22 من مجلة الهدف الإلكترونية

ما زالت الفوضى هي المسيطرة على الحالة في العامين الأخيرين في إسرائيل، التي تستعد لإجراء الانتخابات العامة للمرة الرابعة، وفي كل مرةٍ بدل أن تشكل تلك الانتخاباتُ حالةَ استقرار، فإنها تفرز نتائجَ تمهد للاضطراب الذي يليه، والذي يصبح في كل مرةٍ أكثر استعصاء من الذي يسبقه.

إسرائيل سهلة القراءة وصعبة في آنٍ ولسبب واحد، وهي أنها تصدر استطلاعاتِ رأيٍ تقوم بها مراكزُ استطلاعات متخصصة، ويمكن إجراء عمليةٍ حسابية بسيطة، لمعرفة القادر على تشكيل حكومةٍ للتنبؤ بشكل الحكومة ورئيسها، وهذا يستدعي معرفةً مسبقة بطبيعة الأحزاب وبرامجها وتقارباتها، وصعبة لأن الاستطلاعات دائمةٌ التغيير، ولأن الاستقطابَ السياسيَ أصبح حادًا في السنوات الأخيرة حيث تصبح حركة بسيطة أو متغير بعضوٍ أو عضوين لأية كتلة قادر على إعطاء نتيجةٍ مغايرة، هذا ما يجعل الأمر يحتاج إلى قدرٍ من التروي، حتى الأسبوع الأخير تكون الكتل قد استقرت إلى حدٍ ما تسهل التقدير ما لم تحصل مفاجآت وان كانت قليلة.

حتى الآن وكتابة هذا المقال يفصلنا حوالي شهرين عن الانتخابات في إسرائيل، وتستعر الحربُ هناك بين الكتل، وهي حرب تدور بين اليمين واليمين أي في البيت الواحد، بعد تراجع يسار الوسط والذي يجسده موتُ حزبِ العمل، الذي ينتحي عمير بيرتس عن قيادته، لأن حزبه التاريخي الذي أقام الدولة لن يجتازَ نسبة الحسم، ويرفض قائدُه الذي أخذه ذات مرةٍ نحو النصر في تسعينات القرن الماضي، حين هزم نتنياهو في ولايته الأولى إيهود باراك أن يعود لقيادته ،ويتوزع الوسط في إسرائيل على عدة قوى متناثرة جزء كبير منها لن يجتاز نسبة الحسم.

ولكن اليمين الذي يتناحر لقيادة الدولة، يخوض معركةً واضحة، معركةً شخصية عنوانها بنيامين نتنياهو الذي تمكن آخرَ مرةٍ بعد انتخابات العام الماضي من خداع الجنرال بني غانتس، ليشكلَ حكومتَه، يبدو أنه لن يجدَ هذه المرة من يخدعُه فقد بات مكشوفًا للجميع ، جميع رؤساء الكتل التي تنافس إذا ما أبعدنا فرع المتدينين في اليمين، ممثلاً بحركتي شاس ويهدوت هتوراة، لذا فإن وضع نتنياهو هذه المرة أكثر صعوبة من المرات السابقة، وبناءً عليه كان مفاجئًا في توجهه للجمهور العربي في إسرائيل، بما يعكس حالة اليأسِ من تشكيل الحكومة، فأن يتوجه نتنياهو للعرب الذين حذر منهم ذات يومٍ بمقولاتٍ لن تنساها الذاكرةُ العربية بسهولة، مثل ندائه في انتخابات 2015 لليهود بالذهاب للانتخابات، لأن "العرب يجتاحون الصناديق" أو شعارات مثل "بيبي أو الطيبي" أو "غانتس سيشكل حكومة مع أيمن عودة"، فلنتنياهو مستشارون لحملته الانتخابية يحصون كل صوتٍ، ولديهم استطلاعاتهم السرية ويظهر أن الأمرَ على تلك الدرجة من الصعوبة التي تجعل نتنياهو يتجرع السمَ ويذهب للعرب مستجديًا أصوات .

لكلٍ من زعماء الكتل أزمةٌ شخصيةٌ مع نتنياهو، وتحديدًا رجال اليمين، وللمصادفة ثلاثتهم من الليكود ،هذا عدا عن أزمة الفساد والملفات التي تحيط برئيس الحكومة، لكن الطابعَ الشخصي هو الذي يدفعهم للانتقام أو لإسقاط نتنياهو وتحديه بهذا الشكل السافر، وهم جدعون ساعر رئيس الحزب الحديث "أمل جديد"، والذي كان أحد أعمدة الليكود، فقد اعتزل العملَ السياسي قبل خمس سنوات، وعاد العام الماضي لينافس بنيامين نتنياهو على رئاسة الحزب، معتقدًا أن الملفات التي تحيط بنتنياهو كفيلةٌ بإسقاطه، ولكن ساعر الذي حصل على حوالي 25% تعرض لحملة تنكيلٍ شديدة من قبل نتنياهو، الذي حوله إلى خرقةٍ بالية، فخرج ساعر لا يفكر سوى بالانتقام.

ليبرمان الذي يعلن منذ ثلاثةِ جولاتٍ انتخابية، أن هدفه اسقاط نتنياهو فقد قام نتنياهو بالتنكيل به في الحكومة الأخيرة التي شارك فيها ليبرمان وزيرًا للدفاع التي، سقطت عام 2018 وجعله مدعاة للسخرية في صحيفة إسرائيل هيوم الموالية له الممولة من صديقه الملياردير شيلدون أدلسون، الذي فقده نتنياهو منتصف يناير، وكذلك نفتالي بينيت الذي كان مديرًا لمكتب نتنياهو سابقًا، ونشب خلافٌ مع زوجة نتنياهو سارة التي قررت طردَه من مكتب نتنياهو وثلاثتهم يشكلون مع يائير لبيد مركزًا مهما، يوازي مركز نتنياهو وتحالفه.

الاستطلاع الأخير لمعهد ميدغام، يشير إلى إعادة إنتاج الفوضى، معطياً نتائج تجعل من الاستحالة على أي طرفٍ تشكيل الحكومة، بل أن وضع نتنياهو أكثر صعوبةٍ من وضع منافسيه، إذ يعطي نتنياهو وشاس ويهدوت هتوراة الذين تبقيا معه 46 مقعد فقط وحتى إذا تنازل نفتالي بينيت، الذي يطمح لرئاسة الحكومة، وذهب مع نتنياهو فإن كل هذا التحالف يحصل فقط على 59 مقعدًا، وهذا وضع صعب لنتنياهو.

وبالمقابل فإن وضعَ خصومِ نتنياهو أو المعسكر المقابل له، وهو خليط من اليمين والوسط واليسار، تجمعهم كراهيةٌ نتنياهو ساعر وليبيد وليبرمان وميرتس وكحول لافان والإسرائيليون برئاسة خولدائي رئيس بلدية تل أبيب السابق، يحصلون على 65 مقعدًا، ولكن طبيعة هذا الخليط تجعل من الصعوبة بمكان، جمع كل هذا التناقض من ميرتس اليساري إلى ساعر اليميني والأكثر تطرفاً حتى من نتنياهو نفسه واتضح ذلك عندما كان وزيرًا للتعليم.

المظهر الأبرز للفوضى هو حجم التفسخات في الأحزاب الصغيرة التي خرجت من أحزابٍ أخرى، وبعضها قد تشكل للتو، ولكن تسعةً من تلك الأحزاب لن تتجاوز نسبة الحسم، ما يفقد الانتخاباتِ أكثر من عشرةِ مقاعد، بعد رفع نسبة الحسم التي استهدف فيها الحضور العربي هناك قبل أن يتوحد، متجاوزًا تلك النسبة بل ويحصل على نسبةٍ أكبر من نسبته السابقة، قبل أن يهبط في الاستطلاعات الأخيرة بسبب الأزمة التي سببها عضو التيار الاسلامي منصور عباس بدعمه لنتنياهو والتقرب له.

كيف ستتشكل الحكومة الإسرائيلية القادمة ؟ حتى الآن ليس هناك حكومة ويمكن الجزم بذلك انطلاقًا من استطلاعات الرأي الأخيرة، قد تتغير أو يحدث انزياحات، لكن شبه الثابت أن هناك معسكرين أصبحا ثابتين في إسرائيل، وأن الانزياحات تحدث داخل المعسكر الواحد، ولكنها لا تنتقل للمعسكر الآخر، ما يعني أن الاستطلاعات التي تصدر حاليًا قريبةً من الواقع وقريبةً من القول أن لا حكومة إلا إذا تمكن نتنياهو من استقطاب كتلتين كبيرتين فالليكود، والحزبين المتدينين يحتاجان من 15 – 17 مقعدًا، وهذا لم يعد موجودًا في كتلةٍ واحدة، أو ربما يصل لها جدعون ساعر لكنه الأشد رغبةً بالانتقام ومن غير المتوقع أن يمد حبل النجاة لنتنياهو بعد أن أعلن أن لديه حبل المشنقة، وإن لم يستبعد ساعر المشاركة مع الليكود شريطة غياب نتنياهو.

هذه المرة الفوضى أكبر ولا حكومة على رأسها نتنياهو هذا ما يمكن قراءته الآن قبل الانتخابات بشهرين ولكن هل يتغير شيء؟ مستبعد بعد ثلاثة جولاتٍ أن نكون أمام تغيرٍ كبير، ومن الواضح أن أزمةَ نتنياهو تتعمق، فإما أن يغادر نتنياهو، أو انتخابات خامسة أو معجزة بات لشدة الإفلاس يبحث عن أصوات لليكود بين العرب...!!!