Menu

طبيعة إسرائيل النموذج الصهيوني للفاشية (11)

أحمد مصطفى جابر

خاص بوابة الهدف

السياق الاقتصادي للفاشية

ينطوي السياق الاقتصادي للفاشية الصهيونية على محددات عدة أهمها المحدد الفلسطيني والمحدد الإسرائيلي بما يتضمنه من محددات فرعية أخرى. ورغم أن مناقشة المحدد الصهيوني في النظرية والممارسة يعتبر هو الهدف الجوهري لهذا الفصل، إلا أن الصورة لا يمكن أن تكتمل بدون إلقاء الضوء على المحدد الفلسطيني للاقتصاد الصهيوني قبل إنشاء الدولة الصهيونية وبعدها. لما يمثله الاستيلاء على الاقتصاد الفلسطيني من أهمية فائقة لنجاح المشروع الصهيوني ونهوضه. لأنه كما تم الاستيلاء على التاريخ والجغرافيا كذلك فإن الاستيلاء على الاقتصاد يندرج في إطار الاستيلاء على التاريخ والجغرافيا، تحقيقًا لمقولة (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)، بما يحقق إلغاءً شاملًا للشعب والمجتمع الفلسطيني.

 

سياق الاستيلاء على الاقتصاد الفلسطيني:

  1. محدد الاستيلاء على الأرض: تبلغ مساحة فلسطين 27 ألف كم مربع تقريبًا، ولم تكن المساحة التي يحوزها اليهود تتجاوز 6% بأحسن التقديرات، وبالتأكيد يتحمل الاحتلال العثماني ومن بعده الإنكليزي مسؤولية تسهيل حصول اليهود على هذه النسبة عبر بيع الأراضي، والتسليم السهل لها، ابتداء بقانون الإصلاح الزراعي الذي وضعته الإمبراطورية عام 1858، والذي سهل عمليات بيع الأراضي للأجانب. وقد اكتملت الدائرة باستيلاء المؤسسات الصهيونية على الأراضي الأميرية في فلسطين وكل الأملاك العامة عام 1948.
  2. محدد الاستيلاء على الأملاك: لا يمكن تجاهل المساهمة الأساسية لممتلكات عرب فلسطين في الاقتصاد الصهيوني عبر الاستيلاء عليها سواء بالمصادرة أو القوة أو نتيجة عمليات الطرد، إذ أن مئات القرى وآلاف المتاجر والمخازن وآلاف الأفدنة من بيارات البرتقال  والليمون والأراضي والمزارع والمتاجر وودائع الفلسطينيين التي صودرت، والتي كان لها أكبر الأثر في إقامة الاقتصاد الصهيوني قبل 1949 يضاف إليها الممتلكات الفردية والتي يمكن تلخيصها(1): 1- المساكن، 2- المباني والمصانع والمكاتب والمحال التجارية والفنادق والمطاعم.. الخ، 3- تجهيزات المصانع والمشاغل، 4- وسائل النقل والمواصلات، 5- الأثاث والأمتعة الشخصية، 6- المواشي والدواجن، 7- حسابات البنوك والأمانات، 8- الأرض، 9- مخزون سلعي، 10- تجهيزات المكاتب. وبلغ التقدير سنة 1948 حوالي 756.7 مليون جنيه إسترليني.

رأى الدكتور حسين أبو النمل(2) أنه يمكن اعتماد المبالغ التي أنفقتها الحركة الصهيونية طيلة ما قبل 1948 مؤشرًا لقياس الأهمية القصوى التي كانت لإضافة الممتلكات الفردية العربية إلى ما كان بيد الصهيونية أصلًا، لقد وصلت تلك المبالغ وفق أفضل التقديرات إلى حوالي 200مليون جنيه إسترليني ما يساوي 26% من قيمة ممتلكات الأفراد العرب التي استولى عليها الصهاينة. علمًا أن طرفي المعادلة محل النسبة لا يعنيان الأمر نفسه، لناحية أن 200 مليون جنيه التي تدفقت على فلسطين من مصادر صهيونية أو غير صهيونية لم تذهب جميعها للتكوين الرأسمالي، في حين أن المبلغ المتعلق بثروة العرب الفردية هو قيمة سلع عينية، لذا فإن النسبة المستخرجة غير عادلة لناحية أن 200 مليون جنيه رقم ضخم نسبة لذلك الذي أنفق في مجالات غير إنتاجية. وهكذا فإن الثروة الفردية العربية المقدرة كما أشرنا بـ 756.7 مليون جنيه إسترليني تبقى تشكل إضافة هائلة لأنها تساوي 3.7 أضعاف ما تدفق من موارد مالية على الحركة الصهيونية خلال فترة نشاطها في فلسطين ما قبل 1948، وبذلك تكون الحركة الصهيونية ونتيجة لحدث سياسي من مستوى حرب 1948، قد حصلت بطريقة غير شرعية على ركيزة اقتصادية إضافية تبلغ أضعافًا مضاعفة للركيزة التي بنتها بجهودها المالية الخاصة.

وأكد أبو النمل أن إسرائيل لم تبدأ سنة 1948 بما راكمته الصهيونية في السنوات التي مضت على نشاطها في فلسطين، بل أضافت إلى ذلك ما راكمه العرب الفلسطينيون على مدى تاريخهم حتى 1948، ويستنتج(3) أن هذه الأملاك تشكل فضلًا عن الأهالي بنية اجتماعية كاملة لا يمكن التعبير عنها أو تقويمها بالأرقام النقدية، فهي مسألة تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة، لأنها في المحصلة الوجود الوطني نفسه، وقد كانت خسارة عرب فلسطين على هذا الصعيد مكسبًا صافيًا بالنسبة للحركة الصهيونية التي أعلنت دولتها.

  1. محدد احتلال العمل (شرح1): بالارتكاز على فلسفة العمل العبري (اليهودي) بهدف احتلال العمل أساسًا، وفي كتابه (الدولة اليهودية) أعلن هرتسل أن «أي محاولة لجذب عمال غير يهود ستعرف الجمعية اليهودية كيف تحبطها والوسيلة التي نراها مناسبة هي معاقبة كل صاحب عمل يتواجد لديه عمال عرب»(4).

[شرح (1) احتلال العمل: شعار أساسي أطلقته الحركة العمالية العبرية في فلسطين إبّان الهجرة اليهودية الثانية إلى فلسطين. وهدف هذا الشعار (دعوة كافة اليهود إلى السيطرة على العمل في كافة الميادين بواسطة العمال اليهود، الذين سوف يُعدّون الطريق لخلق مجتمع عمّالي يهودي صحيح وسليم استعداداً لاستيعاب آلاف من المهاجرين اليهود الذين سوف يجلبون إلى فلسطين). ولتنفيذ شعار احتلال العمل كان من المفروض مواجهة أمرين اثنين: 1) تهيئة الشباب اليهودي غير المعتاد على أعمال جسدية وعلى الأخص الأعمال التي تتطلب جهدًا جسديًا، وتجري التهيئة في الإطارين النفسي والجسدي معًا. 2) توفير أماكن عمل لدى مُشغلين يهود، وكذلك السيطرة على أماكن العمل بعد إعلان الإنتداب البريطاني على فلسطين.

واجهت تنفيذ هذا الشعار صعوبات كثيرة من أهمها توفر الأيدي العاملة العربية الرخيصة وذات الخبرة الواسعة في مجال الأعمال الصعبة، والتي تتطلب جهدًا جسديًا.

ومن الملاحظ إن احتلال العمل العبري كان يلقى نجاحًا كبيرًا وواسعًا عندما تندلع ثورات وتمردات في فلسطين، عندها لا يتوجه العربي الفلسطيني للعمل في المرافق المختلفة، خاصة تلك التي يملكها اليهود، فيُضطر اليهود إلى استخدام العمال العبريين، ولو مؤقتًا. ولقد ارتبط احتلال العمل بالشعار الآخر ألا وهو العمل العبري].

ويتضمن دستور الكيرن كاييمت أن العمل في الأراضي التابعة له يتوجب أن يستخدم العمل العبري والعمال اليهود ويمنع استخدام العمال العرب، وهكذا في العام 1933 كانت الهجرة اليهودية عاملًا أساسيًا في تحويل الكثير من العمال العرب إلى حيث من العاطلين عن العمل، وقد ارتفع عدد العمال اليهود من 19235 عام 1931 إلى 74000 عام 1935 وتحول أكثر من 25 ألف عربي إلى عاطلين عن العمل عامي 1935-1936.

  1. محدد احتلال السوق: جاء احتكار الإنتاج العبري للسوق ومقاطعة المنتجات العبرية ركيزة أساسية اعتمد عليها النشاط الاستيطاني الصهيوني ابتداء من 1922 وبعد احتلال 1967 كان الاقتصاد والسلع الإسرائيلية هي المصدر شبه الوحيد للاستهلاك الفلسطيني في المناطق المحتلة.

5- استغلال اليد العاملة العربية: وبرز ذلك بشكل خاص في بداية قيام دولة الاحتلال وما قبلها نظرا للعجز الديمغرافي الذي عانى منه المحتلون، وتوفر العمالة العربية المضطرة بسعر رخيص، وكذلك تمييز المحتل البريطاني في المشاريع العامة لمصلحة العمال اليهودي سواء في الفرص أو الأجور

 

إذا كانت بداية كشف الوجه الفاشي لإسرائيل تعود إلى عام 1977 حين وصل اليمين إلى الحكم بعد 80 عاماً من إدارة العماليين للمشروع الصهيوني كما يرى أبو النمل فان هذه الفاشية تمأسست عميقًا في بنية المشروع الصهيوني منذ بداياته، يثبت ذلك التطورات الدراماتيكية على الوضع الاقتصادي الإسرائيلي المرتبطة جذريًا وبالعمق بالسياسة والأيدلودجيا والمجتمع. وهكذا نتفق تمامًا مع ما أثبته أبو النمل في تحليل مذهل بأن «اليمين الإسرائيلي ليس هو من غير إسرائيل، بل إسرائيل هي التي تغيرت جذريًا، فإسرائيل الآن ليست حصيلة اليمين، بل اليمين هو حصيلة إسرائيل المتغيرة يمينًا».

إن كلمة جذريًا أعلاه والتشديد عليها من عندنا، لا يعني أن "إسرائيل" لم تكن كذلك ولا تعني أيضًا أن ما حصل عام 1977 هو انقلاب بالمعنى التاريخي، وإنما أحيله إلى الكشف عن المستور في حقيقة جوهر المشروع الصهيوني.

مأسسة المشروع الصهيوني في شقه الاقتصادي تعود إلى 1933 بتبلور نموذج (البناء من فوق)، حيث سيطر القطاع العام كليًا على الاقتصاد الإسرائيلي – الصهيوني، هذا القطاع العام الذي ضم الدولة والهستدروت، العنصرين الوحيدين اللذين امتلكا رأس المال الضروري للاستثمار في المنشآت الضخمة مثل الصناعات الجوية والبتروكيماويات والالكترونيات ومشاريع البنية التحتية الكبرى. وكانت الوكالة اليهودية قد لعبت قبل الدولة دور مركز السيطرة والتوجيه ومصالحة المتناقضات وحشد الموارد والإرادة والعمل. وهكذا سيطر الهستدروت على أكبر بنك في إسرائيل(هبوعليم) وكذلك المجمعين الاقتصاديين الضخمين (كلال) و (كور) إضافة إلى مجالات واسعة من فروع البناء والزراعة والتأمين وغيرها ورغم قيام نموذج البناء من فوق على خطة مركزية استهدف عبرها إطلاق أقصى ديناميات اجتماعية ممكنة وتقوم على شقين الأول: النظام الديمقراطي بشكله الانتخابي البرلماني الذي استدعته صعود المشاركة الشعبية وتعدد السياقات والتيارات داخل النظام الناشئ. والثاني: حفظ دور مكانة القطاع الخاص الإسرائيلي في إنتاج واستهلاك الثروة ربطا بخطة مركزية.

رغم هذين البندين إلا أن كون حزب العمل كان هو المسيطر المباشر وشبه الوحيد على الدولة والهستدروت خلف سلطة شبه استبدادية وفتح المجال لظاهرة الفساد المرافقة لكل جسم بيروقراطي عبر توزيع المناصب الإدارية في الدولة والهستدروت، وعبر السيطرة على المنشآت الاقتصادية المختلفة الضخمة والمكاتب الاقتصادية في الخارج حكرًا على المقربين من حزب العمل. وقد تأسست النقابة المشتركة لعمال القطار عام 1919 في اللد، بمبادرة من عمال يهود من الشرق أو ربما كانوا متأثرين بثورة روسيا. وكانت سكك الحديد والمطارات في السنوات الأولى للانتداب البريطاني الصناعة الأكبر في البلاد، ووصل عدد العمال فيها عام 1926 إلى 3354 عاملًا؛ منهم 2836 عاملًا تقريبًا و 518 يهوديًا. وسرعان ما دفعت بمستخدمي البريد والتلغراف إلى التنظيم النقابي فشكلت نقابة عمال القطار والبريد والتلغراف. وفي صيف 1921 انضم العمال العرب الذين عملوا في مركز الصيانة التابع للقطارات وسكة الحديد في حيفا إلى النقابة وإلى الهستدروت المشكلة عام 1920.

توسعت اللجنة الإدارية اليهودية بداية لتضم 5 عمال عرب عام 1925 هذا النضال ساهم به 410 عمال عرب ومهد الطريق لتطوير العمل النقابي الفلسطيني المستقل الأول.

ولم يكن استيعاب العرب في نقابة عمال القطارات والبريد أمرًا مفروغًا منه، واقتضى نقاشات مستمرة في صفوف الهستدروت الذي اضطر لقبول العرب لأسباب عديدة منها قلة عدد العمال اليهود في صناعة القطارات وأغلبية العمال العرب. في النقاشات برز الخوف من تشكيل العرب نقابة مستقلة؛ أربعة من أصل خمسة أحزاب في الهستدروت أجمعت على موقف ينص على الانسجام القائم بين حاجات الاستيطان ومصالح العمال العرب. بن غوريون أول رئيس للهستدروت كان الزعيم البارز الذي طرح هذا الموقف واقترح أن تبادر الهستدروت إلى اقامة تنظيم نقابي عربي مستقل يخضع لسيطرة المنظمة الأم ودعا نقابة عمال الحديد والبريد والتلغراف إلى حل نفسها لأنها أشركت العرب على أساس متساو.

مع قيادم دولة الكيان الصهيوني عام 1948 منح الهستدروت مكانة مركزية وكانت العمود الفقري لحزب ماباي الحاكم ونظام الحكم العسكري الذي فرضته إسرائيل كاستمرار لحربها على العرب تجسد في رفض التعامل على العرب كأصحاب حق في العمل وكم بالحري الانضمام للهستدروت. ومع الحاجة لليد العاملة لتعبئة النقص ظهرت بوادر استيعاب السيادة وكان هناك شرط غير مكتوب لمن يرغب الحصول على العمل هو الانضمام إلى الهستدروت وحمل الدفتر الأحمر، بالتالي التصويت لحزب مباي نفس الحزب الذي فرض نظام الحكم العسكري.

وخلال هذه الفترة، وباعتبارها دولة رعاية اجتماعية ضمنت "إسرائيل" لمواطنيها حاجاتهم الاجتماعية من تعليم ومرافق تربوية رخيصة وصحة وأماكن عمل في منشآتها الحكومية وتأمين البطالة والتأمين الوطني والشيخوخة والتعليم الجامعي شبه المجاني. ولم تكن فكرة الرعاية الاجتماعية في سياق طبيعي للدولة القومية في سياق تطور تاريخي طبيعي، بل جاءت كجزء من معالجة التناقضات، لجذب واستيعاب الهجرة من جهة ولضمان استقرار اجتماعي مطلوب وضروري على خلفية النزاع المستمر مع العالم العربي من جهة أخرى. وقد استمر هذا التوازن الداخلي حتى 1967، حيث بدأ في التآكل الشديد مع بداية انهيار الجبهة العربية عام 1967.

أسباب التآكل

ومع انتصارها عام 1967 اكتشفت "إسرائيل" منافع الاحتلال، الذي لم يشمل الأرض أيضًا، بل اقتصاد الضفة الغربية وقطاع غزة و القدس بالأساس، إضافة إلى الجولان وسيناء، مع ما يعنيه هذا من يد عاملة رخيصة وأسواق واسعة لتصريف المنتجات، وتعكس هذه الطفرة بالأرقام التراكم الاقتصادي عام 1977 ربط بحجم الناتج المحلي كان يزيد بـ 110 مرات عما راكمته إسرائيل حتى 1967، وبملاحظة أساسية 68% من النمو الهائل تحقق ما بين 1967- 1972 فترة الانتصار المريح التي عاشتها "إسرائيل" قبل حرب 1973.

نقول أن هذه المرحلة مؤقتة؛ يدل على ذلك كما ذكرنا أن النصف الأول من هذه الفترة –العقد الزمني- حاز لوحده على 68% من النمو، وهو ليس نصفًا محايدًا إنه فترة النشوة بالانتصار التي تسبق مرارة هزيمة، وإن لم يكن هزيمة بالمعنى الذي تروجه الأيدلوجيا العربية بمقدار ما، نقصد هنا أثر حرب 1973 على مجمل نواحي الحياة في الكيان الصهيوني.

بعد حرب 1973 تراجع الاقتصاد الصهيوني أو لنقل بمعنى أصح تراجع النمو الذي سبب النشوة؛ بسبب النفقات الحربية الضخمة من جهة، واستمرار سياسة الرفاه الواسعة التي نتجت عن حرب 1967 من جهة أخرى، ما أدى إلى عجز كبير في الميزانية رافقه اتساع كبير في الفجوة بين نسبة التصدير والاستيراد ما قاد إلى التضخم المالي الذي بلغ منتصف الثمانينيات 400% في العام الواحد ما أدى إلى وقف النمو الاقتصادي وخفض قيمة الليرة. ونستطيع الاستنتاج بسهولة أن مرحلة 1967- 1977 هي مرحلة تفكك التوازن التاريخي كما أسلفنا وانهيار بنى المجتمع، ولعل المؤشر الأساسي على ذلك صعود أرستقراطية عمالية بعد انضمام عشرات الآلاف من عمال المناطق المحتلة إلى سوق العمل "الإسرائيلي" ما أخلى قاع العملية الإنتاجية في مختلف فروع الاقتصاد إلى عمالة عربية من المناطق المحتلة.

لقد أصاب هذا في الصميم ضمير الحركة الصهيونية وفكرتها حول طهارة العمل العبري وإحلال اليد العاملة اليهودية مكان العربية، وهكذا عادت إسرائيل لتكتشف من باب خلفي مساوئ الكولونيالية بعد أن اكتشفت محاسنها أثر نشوة الانتصار عام 1967. وهكذا لم يكن ممكنًا "لإسرائيل" تجاوز حقيقتها كدولة إمبريالية لتعطي كما غيرها من دول إمبريالية مثلًا جديدًا على دور العمال الأجانب والسيطرة الإمبريالية في إعادة إنتاج الخريطة الطبقية على نحو أفضى تدريجيًا إلى تآكل القاعدة الاجتماعية لليسار الحاكم الذي لم ينجُ بدوره من العدوى كما يحلل أبو النمل فاستمتع بالعائد الإمبريالي وأنتج لنفسه خطابًا هجينًا.

وكما كانت الفاشية الإيطالية النتيجة المباشرة لخيانة الإصلاحيين للانتفاضة البروليتارية الإيطالية هيأت الاشتراكية الديمقراطية جميع الظروف الضرورية لانتصار الفاشية وهيأت أيضًا ظروف تصفية نفسها سياسياً (5). كذلك فعلت الحركة العمالية واليسار الإسرائيلي الذي عمل عبر خيانته لمن يمثلهم طبقيًا وخيانته للأغلبية اليهودية الشرقية، وعبر تسريع وتائر الانتقال الصاخب من دولة الرعاية الاجتماعية ودولة الرفاه، إلى الانفتاح العولمي، هذا الانتقال الذي لم تستطع الجماهير الشعبية وطبيعة العلاقات في المجتمع اللحاق به. ويرتبط هذا بما واجهته الدولة في طريقها من الاشتراكية الديمقراطية المركزية إلى الجمهورية الإثنية الإمبريالية من مشاكل غير متوقعة، فعندما بدأ قادة الصهيونية بترجمة الأفكار القومية والمثالية الخيالية لآباء الصهيونية إلى أرض الواقع فهموا إنها مأخوذة عن الأنماط القومية في مركز أوربا وشرقها وإنها لا تصلح تمامًا لجماعات المهاجرين فوجدوا أنفسهم أمام مجموعة إثنية مصطنعة ومفككة كان الحراك السياسي الشرقي أبرز تجلياتها من هنا نتجت الحاجة إلى بناء اجتماعي (من فوق) كما الاقتصاد، لبناء بيئة سياسية لهذه الطائفة المفككة، ولتحقيق ذلك تم تبني وتطوير منظومة الصهر التي بحكم فشلها لقيامها على آليات العنصرية والتمييز وإلغاء الآخر، فأدت إلى مساقات تفكيك المجتمع وتحطيم بناه (6).

وبالعودة لليسار، لم تتآكل القاعدة الاجتماعية لليسار فقط، المصحوبة بصعود مشاعر الغبن والهامشية عند اليهود الشرقيين الذين يشكلون آنذاك 60% من مجموع السكان، بل تضاءلت قدرة اليسار على إدارة المتناقضات والتوفيق بين ممارسة علمانية وبين غطاء توراتي، بين السياسة والأيدلوجيا التي عادت لتقدم نفسها موضوعيًا وبقوة، كاستحقاق واجب من الممكن ممارسته عمليًا بعد أن كانت مجرد غطاء ديني وتاريخي للمشروع الصهيوني. وبموجبات الانتقال للإمبريالية الكولونيالية وتداعيات احتلال الأراضي الفلسطينية، فإن النظام الاقتصادي اتخذ بعد 1967 نموذجًا بديلًا للسابق، هذا النموذج شكل مروحة واسعة تبدأ من إطلاق العنان لآليات السوق استجابة لرأسمالية متنامية ولا تنتهي مع انفلات الأيدلوجيا من عقالها بالارتكاز على محفزي القوة المنتشية بالانتصار الساحق والأمن المتصاعد كضرورة موضوعية للدولة الكولونيالية.

اجتماع القوة مع أيدلوجيا متخلفة سينتج كارثة بالتأكيد كما يعلمنا درس ألمانيا النازية، والأيدلودجيا في صعودها الصاخب تنزع في زعمها القائل بالتفسيرات الكلية ليس إلى شرح ما هو موجود فعلًا، بل إلى ما هو صائر، وتفسير الماضي تفسيرًا كليًا، ومعرفة الحاضر معرفة شاملة والتنبؤ بالمستقبل تنبؤًا يعول عليه، وهكذا فالاستيلاء على الضفة الغربية وغزة هو تحقيق للوعد الإلهي وهو مكتوب سلفًا في التوراة، والهزيمة عام 1973 هي عقاب الرب للعماليين، يصبح التفكير الأيدلوجي مستقلًا عن كل تجربة متحررًا من الواقع، وتحرير الفكر من التجربة والواقع يتطلب صياغة الواقع بما يتناسب مع المزاعم الأيدلوجية(7). وهكذا فالعولمة الاقتصادية الموسعة بعد 1967 والعلاقة الإمبريالية التي أنشأتها إسرائيل مع المناطق المحتلة عام 1967 مترافقًا مع الانتقال من توظيف القوة للأيدلوجيا في هذه الفترة إلى توظيف الأيدلوجيا للقوة في انكشاف فاشي صريح، كل هذا خلق مأزق "إسرائيل" المتغيرة بتعبير حسين أبو النمل الذي يستنتج أن دينامية شاملة عاصفة أصابت إسرائيل بعد 1967 أدت إلى اتساع المتحولات لم يتمكن النموذج البديل من السيطرة عليها. هذا التعولم السريع والتحول الإمبريالي الصاخب وضع الكيان في مأزق نموذج ليبست (شرح2)، مأزق استيعاب تحولات غير طبيعية في زمن طبيعي، ما يطلق عليه د. حسين أبو النمل(8) ببراعة قانون (فوات التاريخ) و (تسريع الزمن) وبما أن الزمن الطبيعي غير متاح ولا يمكن اللحاق بالتاريخ الموضوعي كان لا بد من الأزمة التي كانت بدايتها وقوع إسرائيل بشكل متزايد بين فكي كماشة أولهما: علاقة "إسرائيلية" مع المناطق المحتلة التي كانت إسرائيل تزيد من تهميشها وإلحاقها بدوره الاقتصادي، ولكن أيضًا تصبح أسير علاقتها بها. وثانيهما: علاقات "إسرائيل" الدولية ودور الآليات الخارجية المتمادي في حفز الآليات الداخلية.

 

[شرح (2) نموذج ليبست: نموذج ليبست (1960) يعتبر مرجعًا هامًا لدراسة ظاهرة التطرف الأوربي فهو يؤكد بأن من الأمور المعقولة من وجود ترابط بين القاعدة الاجتماعية والفكر التنظيري (الأيدلوجية)؛ فالحركات السياسية تنقسم فيما يصفه إلى «يسار يدعو إلى المساواة، إلى التغيير والتجديد، تسانده الطبقات الدنيا، وإلى يمين معتدل ومحافظ تدعمه طبقة الملاك والأرستقراطيين، ثم الوسط الذي تمثله الطبقات الوسطى، فعندما يكون هناك هدوء اجتماعي تعبر كل طبقة عن نفسها وأفكارها بالطرق الديمقراطية سواء كانت اشتراكية نهضوية أو معتدلة محافظة ليبرالية، لكن ما إن تظهر الأزمات والخلل الاجتماعي والاقتصادي حتى يطفو على السطح الجزء المتطرف لكل منها، فالشيوعية إلى اليسار والديكتاتورية المحافظة إلى اليمين أما الفاشية فهي التطرف الوسط»].

لم يعد الاحتلال مجرد مسألة سياسية أو أمنية أو أيدلوجية، بل صار في صلب النظام ضرورة نمو واستقرار ورفاه معيشي، أما أمبرلة الاقتصاد والتحول نحو مزيد من العولمة واقتصاد السوق فصار مصلحة مباشرة للأطر اجتماعية تتزايد باطراد.

عجز إسرائيل عن اللحاق بتاريخ التطور الطبيعي والسعي الدؤوب لتسريع الزمن أوقعها في المأزق الخطير اجتماعيًا، عندما لا يمكن تعطيل القانون الطبيعي للتنمية الاجتماعية دون كلفة باهظة جداً.

في ظروف الأزمة كما يؤكد ليبست يتصاعد التطرف وهو يؤدي موضوعيًا في حالة "إسرائيل" إلى نمط متجدد من الفاشية المطلقة تتحدد أيقونتها بـ (القوة – الأيدلوجيا) مزيدًا من أدلجة السياسة وعسكرتها مترافقًا مع نمو وتبلور الطبقة البرجوازية الجديدة المتعولمين المستفيدين من الأمبرلة من أصحاب الشركات الكبرى والمدراء والموظفين الكبار في القطاعين العام والخاص، ما أدى إلى اتساع متسارع في الفجوة بين الشرائح البرجوازية والعمالية من ناحية حصتها من الدخل. صعود ثنائية (القوة – الأيدلوجيا) عكس نفسه ليس فقط على الاقتصاد، وإنما على كل مناحي الحياة السياسية والاجتماعية في إسرائيل.

لعل من مؤشرات الصعود الآنف تقلص المسافة بين الأيدلوجيا وبين الواقع المتحول جذريًا نحو الإمبريالية، في هذه الأثناء لم تجرِ إعادة نظر بالتوازن الداخلي بين اليسار واليمين لصالح اليمين فحسب، بل أيضًا داخل اليسار نفسه الذي اكتسب تدريجيًا ملامح يمينية نتيجة أزمته الأيدلوجية بعد احتلال الأرض الموعودة عام 1967، حيث تقلصت المساحة بين الأيدلوجيا والواقع الموضوعي وتضاءلت قدرة اليسار على إدارة المتناقضات والتلفيق بنجاح بين ممارسة علمانية وبين فكر توراتي. وبسبب التاريخ فشلت موضوعية التطور في كبح جماح الأيدلوجيا وعقلنتها كما ذكرنا، مما أوقعه في إضاعة التخوم عن اليمين في محاولته اليائسة للإمساك بنجم الأيدلوجيا الساطع.

من المؤشرات أيضًا دخول العسكر بقوة إلى الساحة الاقتصادية كأصحاب شركات أو مدراء شركات في القطاع العام والخاص، وارتباطًا بصعود القوة من جديد التي تحركها الأيدلوجيا صار الأمنيون مركزيون في السياسة دون أن تتراجع مركزية الأمن في السياسة.

كانت هذه العودة الصاخبة للأيدلوجية الدينية تعبيرًا عن تطور حتمي كما حللت حركة ماتسبين المعادية للصهيونية، حيث «جميع الرموز المدنية، بل الهوية الجماعية برمتها، خضعت للدين وأصبحت الصهيونية نفسها ضربًا من اليهودية المغطاة برموز مدنية»، كان ذلك بداية تأسيس الكيان بفرض تسويغ مطالبها بفلسطين كوطن لـ «الشعب»اليهودي، وكذلك لحاجة الصهيونية لدعم واعتراف أغلبية الجماعات اليهودية الأرثوذكسية في العالم، وبعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة صارت هذه العودة جزءًا من الحملة المغطاة بشعار استعادة "أرض إسرائيل في يهودا والسامرة". وقد لاحظ باروخ كيمرلنغ أبرز ممثلي السوسيولوجيين الجدد علو شأن الدين بعد حرب 1967 لتبرير احتلال باقي الأرض الفلسطينية، ويتابع في ملاحظة أساسية تذكرنا بتحليل أبو النمل عن تغير إسرائيل «ليس من الصحيح القول بأن المستوطنين حرفوا الصهيونية، بل الأصح القول أنهم نتاجها المنطقي الذي يعبر عنها بحدة تصل حد العبث»(9) .

تجلى ذلك كما ذكرنا ليس فقط بدخول رجال العسكر إلى حلبة الاقتصاد، بل بالحضور المتمادي للعسكر بين الأحزاب الباحثة عن شعبية لها عبر جنرالات مثقلين بالأوسمة، هذه الديناميكية الصاخبة هي التي غيرت إسرائيل وكشفت عن وجهها المستور ثمانين عامًا تحت حكم العمل لتكتشف كما يرى أبو النمل في تحليله الآنف أن المجتمع لم ينقلب على العماليين عام 1977، بل أن هؤلاء أنفسهم هم من قلب المجتمع عبر ما حققوه من إنجازات اقتصادية وعسكرية عاصفة، يعجز سياق التطور الطبيعي عن الإمساك به، وما أدى إليه من تغير سواء لناحية حجم ونوعية الاقتصاد أو لعلاقة السلطة بالمجتمع وعلاقة السلطة بالسياسة والاقتصاد من جانب وعلاقة كل ما تقدم بالأيدولوجيا من جانب آخر.

ولإلقاء نظرة أخرى من زاوية جديدة على السياق الاقتصادي للفاشية الصهيونية سنعرض في سياق "إسرائيلي" أيضا تحليل تروتسكي للفاشية في عناصرها التكوينية الست كما عرضها وحللها أرنست ماندل.

يعتبر تروتسكي أن صعود الفاشية هو التعبير عن الأزمة الاجتماعية الخطيرة التي تعاني منها الرأسمالية في مرحلة نضجها وهي أزمة بنيوية تتطابق مع أزمة فيض إنتاج كلاسيكية كما في أعوام 1929-،1933 والأمر يتعلق قبل كل شيء بأزمة إعادة إنتاج لرأس المال أي باستحالة مواصلة مراكمة طبيعية لرأس المال لأسباب عديدة، ويرى تروتسكي أن الوظيفة التاريخية لاستيلاء الفاشيين على السلطة هي في تعديل شروط إعادة إنتاج رأس المال بالقوة والعنف لصالح مجموعة حاسمة في الرأسمالية.

من جهة أخرى وضمن شروط الإمبريالية والحركة العمالية المعاصرة والمتطورة تاريخيًا تجري ممارسة سيطرة البرجوازية على المستوى السياسي بالشكل الأكثر نفعًا أي بأخف التكاليف، بواسطة الديمقراطية البرجوازية التي تتميز بميزتين اثنتين: أولاهما إنها تنزع بصورة دورية صاعق التناقضات المتفجرة في المجتمع بواسطة بعض الإصلاحات الاجتماعية، وثانيهما أنها تشرك في السلطة السياسية مباشرة أو مداورة قطاعا هاما من الطبقة البرجوازية (عن طريق الأحزاب والصحف والجامعات ومنظمات أرباب العمل وإدارات الأرياف والأقاليم وقمم جهاز الدولة ونطاق البنك المركزي، المشكلة في هذا الشكل من التوازن أنه محدد بتوازن رجراج للغاية على مستوى علاقات القوى الاقتصادية والاجتماعية، فإذا قطع التطور الموضوعي هذا التوازن لا يعود أمام البرجوازية الكبرى غير مخرج وحيد هو ممارسة السلطة السياسية بصورة مباشرة، فالفاشية كما تحليل تروتسكي إذن هي من الناحية التاريخية تحقيق الاتجاهات الملازمة لرأس المال الاحتكاري ونفيها في آن معًا، والتي تعمل على تنظيم حياة المجتمع بأكمله بشكل شمولي (كلياني) لصالح رأس المال المشار إليه: تحقيق: لأن الفاشية اضطلعت بهذه الوظيفة ونفي لأنها كانت عاجزة عن الاضطلاع بها بغير مصادرة سياسية عميقة للبرجوازية.

والمشكلة الأخرى أنه ضمن شروط الرأسمالية الصناعية الاحتكارية المعاصرة وميلها لتخفيف التكاليف، بل ولتخفيف خسائرها عند الفشل فإنه لا يمكن عمليًا تحقيق هذه القدرة من مركزة السلطة السياسية الذي يفترض أيضًا تدمير ما أمكن من مكاسب الحركة العمالية عبر وسائل تقنية خالصة، بسبب انعدام التناسب العددي إلى حد بعيد بين الأجراء والمالكين لرأس المال الكبير، وربما أيضًا لسبب لم يلحظه تروتسكي ثبت وجوده في تاريخ حركة العمال الإسرائيلية وهو العلاقات الأممية للعمال، والتي أثبتت نجاعتها وحضورها عبر تاريخ النضال، المثل الأبرز على هذا التضامن الأممي للعمال يبرز مثلًا في موقف عمال الموانئ احتجاجاً على قرارات نتنياهو المتعلقة بتصفية القطاع العام، فعندما تمرد العمال على قرارات وزير المالية صدرت التهديدات لهم مترافقة بعنف رمزي شنيع بأن الحكومة ستلجأ إلى تشريع قانون إذا لم يوافقوا على الشروط التي يمليها عليهم الطاقم الحكومي الخاص. وعندما أضرب العمال وحاولت الحكومة توجيه السفن إلى العقبة وليماسول لتفريغها أعلن عمال الميناءين رفضهما المساهمة في كسر إضراب عمال إسرائيل مما أجبر الحكومة على إعادة التفاوض والإقرار بمطالب العمال. وهكذا بما أن ديكتاتورية عسكرية أو دولة بوليسية خالصة -بعودة لتحليل تروتسكي- لا تستحوذ على وسائل كافية لتذرير طبقة اجتماعية واعية تضم ملايين الأفراد ربما، وتثبيط همتها وإفقادها معنوياتها، لأجل ذلك فما يلزم السلطة حركة جماهيرية واسعة، فحركة من هذا النوع وحرب إزعاج ومعارك شوارع لا تترك البروليتاريا بعد الاستيلاء على السلطة مذررة فحسب، بفعل تدمير منظماتها الجماهيرية، بل كذلك موهنة العزيمة وخاضعة وتستطيع هذه الحركة أن تتوصل بفعل طرائقها الخاصة المكيفة مع علم نفس الجماهير لا فقط في أن يتولى جهاز عملاق من عملائها إخضاع الأجراء الواعين سياسيًا لرقابة دائمة ،وإنما كذلك أن يتأثر الأقل وعيًا ولا سيما المستخدمين على المستوى الأيدلوجي وتتم إعادة دمجهم جزئيًا في تعاون طبقي فعلي، ولعل ما يسهل هذه المهمة عدم وجود نقابة بالمعنى الغربي للكلمة للعمال في إسرائيل، يدل على ذلك أن الهستدروت وهي ثاني أكبر صاحب عمل في الدولة نقابة عمالية أبدًا. فقد كان قسم التنظيم المهني في الهستدروت مجرد أحد الأقسام مثله مثل الشركات التي تمتلكها الهستدروت (سوليل بونيه، المنظمة الرياضية، هبوعيل، صناديق المرضى، حركة الكيبوتسات، بنك هبوعليم، منظمة تسويق الإنتاج الزراعي، تنوفا.. الخ) دون أن يكون لديه أولوية على باقي الأقسام(10).

في عملية التدمير الآنفة يحضر بشكل مباشر تدمير تحالف العمال الفلسطينيين واليهود عام 1947 عندما رأت الحركة الصهيونية أن هذا التحالف وما يمكن أن يفتحه من آفاق يؤثر بشكل خطير على أهدافها، وكذلك الطريقة التي تم بها دائمًا إحباط نضال الشرقيين ومحاصرتهم وربطهم بمؤسسات وأحزاب خادمة للسلطة ولا تعبر عن حقيقة هويتهم والتعامل معهم باستمرار كخزان أصوات على أحسن تقدير وترك قضاياهم ومشاكلهم للمؤسسات الدينية الرجعية والحزبية المسيطرة عليهم.

يحضر أيضًا هنا أن القانون "الإسرائيلي" لا يمنح حق الإضراب للعمال، فالدولة قادرة على إصدار أوامر ضد العمال المضربين وتستطيع أن تعلن عبر المحاكم أن الإضراب عمل خارق للقانون، وفي الإضراب الشهير للعمال عام 1997 كانون أول، كشف عن ظاهرة خطيرة مرافقة للنازية عمومًا، حيث قامت مجموعة باسم (ماماتس) بتنظيم حملة ضد الإضراب تحت شعار (هذا الإضراب ضد الحكومة الوطنية) وأيضًا قام روني ميلو رئيس بلدية تل أبيب حينها باستئجار (زعران) لضرب عمال النظافة المضربين، هذا إضافة إلى أن معظم المعلقين في الصحف ساندوا وزير المالية الفاشي يعقوب نئمان وبرروا سياساته، دون ذكر مواقف باراك زعيم حزب العمال آنئذ الذي منع أي دعم علني وواضح للحركة المضربة(11).

إن التأييد الذي تحصل عليه سلطة فاشية ينبثق من حركة جماهيرية تتبع الطبقة الثالثة في المجتمع، البرجوازية الصغيرة التي تتأثر عميقًا بالأزمة البنيوية الخاصة بالرأسمالية في طور نضجها، بحيث تقع في مهاوي اليأس (التضخم، إفلاس المقاولين الصغار، البطالة الكثيفة)، وهكذا من مهاوي اليأس تنبثق طبقة نموذجية هي خليط من تذكرات أيدلوجية مبهمة وحقد نفسي وشعور دوني أقصى، وديماغوجية ليست فقط معادية للرأسمالية بعنف لفظيًا على الأقل، بل معادية أساسًا للحركة العمالية المنظمة، وبسبب طبيعة الكيان الصهيوني الذي يحكم قبضته على المجتمع مسلحًا بأيدلوجية مركزية الدولة ووحدة الشعب المختار وعقلية الحصار توجه الحقد الأعمى لدى هذه الفئات إلى العدو المخترع الذي هو سبب كل المصائب، وهنا يتم استحضار الفلسطينيين كبديل جاهز تصب عليه الفاشية وجماهيرها حقدها الأعمى، النموذج التاريخي لهذه القاعدة يكمن في تحولات مواقف اليهود الشرقيين بدءًا من 1967-1977 وخصوصًا منذ 1956 فهم يشكلون في النهاية نوعًا من طبقة تمت صياغتها على يد حكومات العمال الأشكنازية وتضررت باعتبارها كانت تحتل قاع عملية الإنتاج من دخول 100ألف عامل فلسطيني اثر الاحتلال (شرح3).

[شرح3: تحييد الصراع الطبقي هو إحدى وظائف صناعة العدو، بتمكين المضطهد بالتماثل مع سيده دون أن يتحمل هذا الأخير تكاليف باهظة، وفي حالة كون الآخر العدو يعيش في نفس المجتمع فانه يوفر فرصة للبروليتاري في العثور على بروليتاري (رث) أدنى منه مرتبة فيرتقي الأول في سلم المراتب الاجتماعية دون أن يكلفه ذلك كثيرًا، متحولًا إلى نوع من مضطهِد بديل (للقارئ المهتم هناك مناقشة وافية لهذه الأطروحة في كتابنا اليهود الشرقيون في إسرائيل-جدل الضحية والجلاد) المذكور في قائمة المراجع].

وقد كان من المعتاد القول خلال الأعوام العشرين الأولى لقيام دولة إسرائيل أن أصوات اليهود الشرقيين محسومة لصالح حزب العمل ونتيجة لسيطرة الحزب على المؤسسة الصهيونية (الوكالة – الهستدروت – الحكومة) التي يرتكز عليها وجود المهاجرين الجدد الشرقيين، ولكن هذه الحقيقة لم تنفِ حقيقة وجود تعارض جدي بين توجهات العقيدة العلمانية الاشتراكية للحركة العمالية الصهيونية والإرث الثقافي لليهود الشرقيين، إضافة لتدهور الوضع الاقتصادي تزايدت المعارضة الشرقية للهيكلية الثقافية والسياسية والاقتصادية لحزب العمل ودولته أثر حرب عام 1967، نتيجة لاكتشاف التناقض بين شعار المساواة الذي رفعه حزب العمل وسياساته العملية، هناك بالتأكيد عدة عوامل أدت بالشرقيين إلى الانحياز إلى المعسكر القومي الديني بقيادة الليكود أساسها رجعية قيادتهم (المتحوسلة) والتمييز بمختلف المجالات ونجاح اليمين الليكودي بقيادة الفاشي بيجن من التقاط سخطهم واحتجاجهم(12).

من جهة أخرى، فإن جهاز الدولة المؤسسي الضخم والمتحكم به بقوة، بسبب العناصر المذكرة أعلاه وهي أيدلوجية سيطرة على الأغلب يمنع تأسيس شكل من أشكال الحرب الأهلية ويتم إجهاضها مبكرًا كما حدث في أحداث وادي الصليب عام 1956 وبداية السبعينيات في مواجهة الحركة الشرقية الصاعدة، في ظروف الشعب الكلي الموحد العضوي، يتم الالتفاف على الأزمة الداخلية للمجتمع الفاشي عبر توجيه العداء للخارج فالفلسطينيون والعرب هم سبب الأزمة الاقتصادية وهم حلفاء موسكو (شيوعيون قذرون) وهكذا تسيطر الفاشية على حيزها الديمغرافي وتطرد أزماتها للخارج.

نجد دعمًا أساسيًا في سياق الاقتصاد الإسرائيلي نفسه في أزماته، وميزانياته وكيفية توزيعها وكيفية معالجة إسرائيل لأزمتها الاقتصادية كدولة إمبريالية وكولونيالية.

لقد عرفت جميع حكومات الليكود بعدائها لكل ما يتعلق باتحادات العمال النقابية وميلها للأغنياء، ورغم ذلك نجد أن من فكك الهستدروت وتسبب بانخفاض كبير لدى متوسطي الدخل والطبقات الدنيا، إنما هي حكومة العمل، ففي عهد رابين – بيرس سجل ارتفاع غير مسبوق في أجور المدراء وأصحاب المهن الحرة والأكاديميين بنسبة 6% إلى 18%، حيث انخفضت القيمة الفعلية لأجور عمال الخدمات وفي المهنيين الذين يشكلون 40% من حزب العمل بنسبة 9% إلى 20%. فعبر توجهها الليبرالي والشروع بفتح الاقتصاد إضافة إلى الانخفاض المستمر في الضرائب وتخفيض ميزانيات الرفاه الاجتماعي أصبحت حكومة حزب العمل حليفًا للطبقات العليا والمتوسطة – العليا في إسرائيل، فمن نتائج سياسة العمل أن أصبح العشر الأعلى يربح أكثر بـ 57 مرة من العشر الأدنى فيما يخص الأجور فقط.

من جهتها حكومة شارون واصلت توجيه الضربات إلى جمهور العاملين ونقاباتهم من خلال البرامج التي رسمها بنيامين نتنياهو قبل استقالته من وزارة المالية، والمعروف أن هذا الأخير يشتهر بمواقفه التي يحاول فيها تقليد التاتشرية وغيرها من أفكار الليبرالية الاقتصادية الجديدة(13). ومعروف أن سياسة هذه الحكومات تنساق مع مصالح القوى الرأسمالية المحلية والعالمية من خلال ما تقوم به من خطوات خبيثة تسير بها على درب دعم أصحاب رؤوس الأموال على حساب الأكثرية الساحقة من الجمهور.

لقد كشفت حكومة شارون - نتنياهو وبشكل جلي أن إسرائيل هي دولة تخلت نهائيًا عن فكرة دولة الرفاه (أو) دولة الضمان الاجتماعي، التي كانت تميزها وبدأت بالنزوح قدمًا نحو دولة رأسمالية صرفة لتصل ذروتها عن طريق ضرب النقابات المهنية والعمالية والتقليل من حجم وشأن الهستدروت(14).

الانقلاب النيوليبرالي عرفته إسرائيل منذ 1985 في إطار «برنامج الطوارئ لتدعيم المرافق» الذي سيرته حكومة الوحدة القومية تحت قيادة العمل والليكود، هذا البرنامج أسس لسياسة معلنة مفادها تعزيز حركة العمل لأصحاب الرساميل وإضعاف العاملين عن طريق جعل الأجور أكثر مرونة وتحييد الهستدروت، وقد توجت هذه الخطوات بعد تسع سنوات عام 1994 عند الفصل بين الهستدروت وبين العضوية في صندوق المرضى العام ونتيجة لإضعاف مكانة الدولة سواء عن طريق الخصخصة الواسعة للشركات الحكومية أو عن طريق تقليص متواصل لميزانياتها(15).

حكومة شارون- نتنياهو استغلت، واستغل هذا الأخير الضياع الفكري لدى الجمهور الإسرائيلي لتمرير مأربها الاقتصادي، هذا وسط إثارة غبار معارك الوضع الأمني وتصعيد العدوان على الشعب الفلسطيني في داخل إسرائيل وفي الأراضي المحتلة عام 1967، على حد سواء، ويتم تصفية أملاك القطاع العام لصالح الحلفاء الرأسماليين المحليين وغيرهم من القوى الرأسمالية العولمية وضمن ذلك تصفية قطاع الطاقة والمياه والمواصلات وحتى التعليم إضافة إلى القطاع الصحي والجامعي. في سبيل ذلك تلجأ هذه الفاشية إلى عنف مزدوج مباشر ومكشوف ودموي ضد الشعب الفلسطيني لتغطية ما تقوم به على الصعيد الاقتصادي وتضييع بوصلة الجماهير وتحرفها عن نضالها الأساسي، والعنف الآخر رمزي بشكل ما رغم أنه يخرج إلى الانكشاف في حالات معينة.

ففي سبيل السيطرة والهيمنة، أصبح جزء من التاريخ كيف سعت الحركة الصهيونية إلى انتقاء مهاجريها عبر معايير فكرة السوبرمان والريادة وغيرها، وكيف تم التلاعب بالشرقيين على مستويين مستوى خداعهم أول مرة لإدخالهم في دائرة الصهيونية واستحضارهم إلى فلسطين ثم مستوى تهجينهم والإبقاء على فصلهم الدائم. حركة العمل التي خدعتهم أول مرة ثم واصلت خداعهم وهمشتهم ودفعتهم إلى الزاوية وقمعتهم بعنف مشهود في وادي الصليب وحيفا والقدس ثم قذفت بهم نتيجة تعريتهم من كل أدوات النضال السياسي والاجتماعي – وفي سياق انتقال فاشي – إلى أحضان اليمين والليكود الذي واصل اللعبة معهم بأشكال أخرى.

العنف الرمزي يتواصل عبر أسطورة الأمن المهدد التي يتم بها مخاطبة كل الجمهور الإسرائيلي وتفريغ حياة الناس، إلا من فكرة العدو الخارجي الفلسطيني أو العدو في الداخل (فلسطينيو 48)، فلا يعود للنضال الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أي معنى في ظل وجود سيف الإبادة المهدد. على سبيل المثال قصة إضراب العمال الآنفة، حاول معارضوا الحكومة إضفاء جو إرهابي ديكتاتوري عليهم، ترافقت هذه التهديدات مع حملات إعلامية حظيت بدعم وسائل الإعلام البرجوازية التي اتهمت العمال بأنهم «يشوشون في العمل وسيكبدون الاقتصاد خسائر فادحة مما سيؤدي إلى فصل عمال من مصانع أخرى وزيادة عدد العاطلين عن العمل»، وذلك بهدف دق إسفين بين العمال أنفسهم من جهة وبين الجمهور عامة من جهة أخرى.

ولعل تجربة اليهود الشرقيين تمثل موضوعًا دراسيًا أساسيًا في الحديث عن العنف الرمزي، الذي ارتكز منذ قيام الصهيونية إلى فك الارتباط بين اليهود العرب الشرقيين وبيئتهم الطبيعية، وفي السياق ضمن أشياء أخرى وقع اليهود الشرقيون ضحية الشعار القائل بكراهية العرب لليهود، ونتيجة لوقوعهم ضحية تصديق هذه الكذبة ولد لديهم الإحساس بأن خيارهم هو إما الاندماج بالمجتمع الإسرائيلي وقبول قيمه والتماهي معها كما هي، بما يقتضي هذا من تحولات عنيفة في الهوية والثقافة وتعريف الذات، وإما الذبح على يد العرب كما دأبت الصهيونية على القول. وقد دأبت المؤسسة الصهيونية الرسمية وغير الرسمية على توليد الخيار الجبري في ذهنية هؤلاء اليهود الذين صار عليهم لكي يصبحوا مقبولين أن يندمجوا ويذوبوا في بوتقة الصهر ويتحولوا إلى غربيين أشكناز مصطنعين، ولكنهم يبقون دائمًا في موضع الشك تجاه ولائهم ويبقون يعيشون في وضعية الحافة بين عالمين متصارعين(16).

الشكل الآخر في هذه السياسات يتأتى من الادعاء الأساسي الذي دأبت الأطر السياسية والإعلامية الإسرائيلية على تكراره خصوصًا في السنوات الثلاث الأخيرة حول تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للشريحتين الوسطى والضعيفة بتعليل اندلاع الانتفاضة الثانية، حيث استعانت بالانتفاضة غطاء لتعليل انسحاق الطبقات الضعيفة وتزعزع الوسطى، بينما الحقيقة أن هاتان الشريحتان تعانيان من أوضاع اقتصادية صعبة نتيجة سياسة الحكومات الإسرائيلية في المجال الاقتصادي منذ 15 سنة. وفي السلوك الانتخابي يذكر مراقبو الساحة الإسرائيلية كيف رفع حزب (شينوي) راية الطبقة الوسطى في الانتخابات العامة عام 2002 وحصد 15 مقعدًا بشكل تاريخي ودراماتيكي، فكل الذين ينتمون إلى هذه الطبقة كانوا يشعرون بالأرض تهتز تحت أقدامهم.

لقد نجح نتنياهو بتمرير كذبة أن الانسحاق لهذه الطبقات مرده إلى سلوك الفلسطينيين بدلًا من الإشارة إلى السبب الصحيح وهو السياسات الاقتصادية الرأسمالية (شرح4)، ودليل ذلك تصميم هذه الطبقات المسحوقة بصولجان شارون ونتنياهو على التصويت لـ (الليكود) فقد بلعوا الطعم بأن المسؤول عن فقرهم هو عرفات بالذات، وليس هذين الاثنين ومعهما الرأسمالية الهوجاء(17).

[شرح4: ترتكز العديد من الدراسات إلى الحاجة لعدو في المجتمعات المأزومة بوصفه يمتلك حلول الأزمة، وهي مقولة قابلة لجدال طبعًا، حيث أن العدو قد يكون مصدرًا لتأجيل تصعيد الأزمات أو حتى تسويتها، لكن يصعب تصور أن يساهم العدو في حل الأزمة، خاصة إذا كان مختلقًا لصرف الانتباه عن الأسباب الحقيقية للأزمات، لا يمنع هذا التحفظ من التعرض لقضية توظيف العدو لمواجهة أزمات المجتمع، حيث عادة يتم تأجيل البحث عن حل داخلي للأزمة وتلجأ بعض القوى السياسية –وغالباً ما تكون السلطة السياسية نفسها- إلى إعطاء المجموعة عدوًا خارجيًا أو مختلفًا عن المجموعة:        ww.globalsecurity.org/military/library/report/1986/cashtml ].

رغم وضع الهستدروت الآنف كجهاز مؤسسي صهيوني أصلًا ذا جوهر أيدلوجي، إلا أن السياسة المالية الملبرلة المتصاعدة عن حكومة نتنياهو ووزير المالية يعقوب نئمان والمصاغة حسب مخطط الخصخصة الذي بلوره البنك الدولي ومؤسسة النقد، بهدف تحرير الرأسمال من أيدي الدولة، وبسبب الضغوطات الاجتماعية ومطالب الرفاه الاجتماعي، أدت إلى مواجهات ديسمبر عام 1997 بين الهستدروت والمالية هي الأولى من نوعها في تاريخ علاقات العمل قي إسرائيل، والتي خرجت هذه المرة عن سيطرة البيروقراطية في الهستدروت ووزارة المالية معًا(18)، حيث كانت وظيفة الهستدروت خلق توازن بين الرأسمال والعمل من أجل خدمة أهداف الصهيونية والمحافظة على الطبقة الوسطى التي تلعب دورًا حاسمًا في صقل وبلورة الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية كلاعب مركزي يراوح بين الطبقات الفقيرة والغنية، ضاربة بين هذين الطرفين شبكة أمان في وجه تدهور الدول إلى غياهب الفروقات الفاحشة التي لا بد لها أن تؤدي إلى انهيار اقتصادي حتمي(19).

لقد أدت عملية تحويل الاقتصاد إلى الليبرالية والأزمات التي شهدتها خلال الثلاثين عامًا الأخيرة إلى خسارة الهستدروت لممتلكاتها واحدة تلو الأخرى خلال الثمانينيات والتسعينيات، وبشكل عكسي أدت هذه المسيرة إلى علو شأن قسم التنظيم المهني، لسبب بسيط، باستثناء صندوق المرضى لم يكن بالمقدور خصخصة المصانع والبنوك (لم يكن هناك مشتر)، ولذلك كان على الهستدروت وقيادتها البيروقراطية أن تأخذ بعين الاعتبار والجدية دورها النقابي لكي تستمر بالحياة(20).

يعقوب نئمان، وزير المالية في عهد نتنياهو في حكومته الأولى، اليميني الوجه بشكل واضح (العضو المؤسس لحركة غوش ايمونيم) وهو متطرف أكثر من أغلبية زعماء المفدال الذين يتزعمون حركة الاستيطان في المناطق المحتلة، وصفه حاييم برعام(21) «انه أكبر عدو طبقي يظهر للجمهور، إنه يسعى إلى القضاء نهائيًا على كل إنجازات العمال منذ تأسيس الهستدروت عام 1920ولا يتردد أبدًا في التحريض ضد العمال بأسلوب فرق تسد وخداع الرأي العام من أجل تحقيق أهدافه».

تنكشف مواقف نئمان كممثل للأحوسالية (شرح 5) السياسية المتطرفة، بوضوح في اقتراحاته لقوانين الميزانية والتنظيم في الاقتصاد الذي يهدف إلى تنظيم العمليات الاقتصادية المختلفة مثل خصخصة النظام الصحي، الذين صدق عليهما في الكنيست في أوائل كانون 1998، والتي تشمل إجبار المتقاعدين على دفع مخصصات التأمين الوطني وخصخصة النظام الصحي الهادفة لخلق جهازين واحد للأغنياء وآخر للفقراء(22).

[شرح5: * الأحوسالية: أحوسال: اصطلاح تجميعي ابتكره المؤرخ الاسرائيلي باروخ كمرلنغ، لم يصغ رديفًا عربيًا له بعد، وهي كلمة تعني الأشكناز في بعدهم الطبقي السياسي الثقافي المسيطر، وهي حسب ما يفيد كمرلنغ كلمة تجميعية للحروف الأولى من المفردات العبرية المرادفة لـ «أشكناز وعلمانيون وقدامى واشتراكيون وقوميون» أو صهيونيون، وهي ترادف في وظيفتها المعرفية المصطلح الأمريكي wasp (صفوة المجتمع البيضاء الأنجلو-سكسونية المتنفذة) في الولايات المتحدة الأمريكية، وترجمت إلى العربية بـ (الزنابير) محمد حمزة غنايم. من يحكم اسرائيل الآن، بعد أفول طبقة الزنابير. 11/12/2002 المشهد الاسرائيلي].

سياسة الخصخصة لنتنياهو وسابقيه، وحكومة الليكود ليست سوى استمرار متواصل بسرعة لسياسة حكومة العمل والتجسيد للرأسمال في مكافحة العمال، وخاصة التنظيمات العمالية، ومن الطبيعي أن التنظيمات المهنية النقابية تعارض الخصخصة كجزء لا يتجزأ من عملية المس بالعمال؛ ثمة أربعة أمور تشكل أسس الخصخصة وهي: فصل عمال تحت حجة «النجاعة والتنافس» دون أي اهتمام من أرباب العمل بأماكن عمل بديلة، والمس بالعمال الباقين الذين يضطرون للتنازل عن حقوق وإنجازات تاريخية، وتحطيم المنظمات العمالية وحل وتفكيك ممثلي اللجان وتجنيد عمال خلافا للإتفاق ال قطر ي، واتفاقات «الجيل الثاني» وفي أسوأ ظروف وشروط وراتب أقل، والرفض لإجراء مفاوضات حول شروط العمل والرواتب، والمس بالمستهلكين، ولكن تسويقها يتم كما لو أن الخصخصة تتم لصالح المستهلكين وهي تفيد في الواقع أرباب الأموال الذين يحصلون على الثروات لأيديهم بأثمان رخيصة، وعمليًا فإن الركض خلف الأرباح يرافق بالمس بالعمال ورواتبهم ويزيد رواتب المديرين، وأرباب المال، وهكذا يتضرر جمهور المستهلكين وينخفض المنتج أو الخدمات التي تقدمها الشركة المخصصة للمستهلكين. ولكن الخصخصة ليست فقط بيع مصانع وثروات الدولة، ولكنها أيضًا تخلق الظروف لطبقة أرباب المال الذين يتمتعون بالتعليم والصحة للأثرياء ومن خلال خلق أجهزة خاصة وسلب الشمولية من الخدمات التي تقدمها الدولة لسكانها؛ طب وتعليم للأثرياء وحدهم وعلى انفراد، وللفقراء لوحدهم، وذلك على حساب دافعي الضرائب الفعليين من جمهور الفقراء والمتوسطين/ والمجتمع بشكل عام، يساهم في إقامة وتوسيع أملاك الدولة لصالح مجموعة صغيرة من الأثرياء المحليين والأجانب الذين يتسلطون على تلك الثروات بمساعدة سخية من الحكومة(23).

يكشف ذلك بشكل واضح بالأرقام، هناك عام 2005 في إسرائيل 1.4 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر و1.2 مليون شخص توجهوا إلى وزارة الرفاه لطلب المساعدة، وفي عام 2005 كان كل مسن ثالث يعيش تحت خط الفقر، وكل مسن خامس عانى من الجوع وتوجه أكثر من مليون إنسان إلى منظمة (النيت) (أن تمنح) وطالبوا بمساعدات غذائية لهم ومنهم من هم من أبناء الطبقة الوسطى، وهناك 25% من 116 ألف عائلة أحادية الوالدين تحت خط الفقر ووزير المالية ينقل الوقوف بالدور من مكاتب التشغيل إلى بيوت توزيع المواد الغذائية على المحتاجين ويحول العاطلين عن العمل إلى عبيد.

في بداية 2005 نشر جدول الحصانة الاقتصادية عن العمال في إسرائيل لعام 2004 وتبين منه أن 60% يخشون من فقدان أماكن عملهم و71% يخشون من عدم تمكنهم من إعالة أفراد العائلة مستقبلا و40% من العمال الضعفاء والمؤقتين يخشون الفصل، و22% يحصلون على مخصصات البطالة ومخصصات ضمان الدخل أو مخصصات إعاقة من مؤسسة التأمين الوطني، وحتى هذا سيسلب منهم في أعقاب تنفيذ خطة فيسكونسين التي تلزم بتقليص عدد الحاصلين على مخصصات ضمان الدخل بنسبة 35% ولـ 43% لا توجد توفيرات للتقاعد. كل الحديث عن الانتعاش يشير إلى أن البطالة تتواصل ووصلت قطريًا إلى 10% وفي القرى العربية 25% إلى 30%، ويزداد يوميًا عدد المصانع التي تغلق وبإضافة توقعات تقرير دوفرات حول إصلاح التعليم الذي يتحدث عن فصل خمسة آلاف معلم وزيادة حجم البطالة في الجهاز الصحي، ويتساءل المحلل المنصف كيف ستشجع هذه السياسات الاقتصاد النامي في صالح الجميع.

ما يجري في الواقع أن هذا الاقتصاد يحسن أوضاع أرباح البنوك، حيث بلغت في العام 2004 أرباح أربعة بنوك كبرى 4.5 مليارات شيكل، فقد بلغت أرباح بنك ليئومي 1.86 مليار شيكل بتحسن 62% مقارنة مع 2003، وبلغت زيادة أرباح بنك ديسكونت 26% بحوالي 566 مليون شيكل. وبلغت قيمة ألف غني من أغنياء الدولة 60مليارًا من الدولارات، وقد ازدادت ثرواتهم في أعقاب الارتفاعات في البورصة في 2004 (24) .

وما زالت جميع التقارير تثبت الاستخلاصات والمعلومات السابقة، والتي تشير أن سياسة الإفقار والعدمية الاقتصادية صارت منهجًا، في سياسات النظام الإسرائيلي بغض النظر عن الحكومة أو الحزب في الحكم.

إن انعدام المساواة في النمو الاقتصادي أنعم بالنمو أساسًا على فئات الدخل المرتفع، حيث أن هذه الفئات (الأعشار العليا) زادت من حصتها في كعكة المدخولات عبر السنين وحسب تقرير حديث(25)، فإنه في سنة 1990 تلقى (العشر الأعلى) 8.9 أضعاف العشر الأدنى وارتفعت هذه النسبة عام 1999 التي تلقى فيها العشر الأعلى 11.8 أضعاف العشر الأدنى. انعدام المساواة لا ينعكس فقط طبقيًا، بل وفقًا للطائفة والقومية والجندر أيضًا، وهو عميق ضارب بالجذور، حيث مدخولات العرب هي الأدنى على الإطلاق، بل هي آخذة بالتدني مقارنة مع المعدل منذ 1995، أما مدفوعات اليهود الشرقيين فرغم ابتعادها صعودًا عن العرب، ولكنها بقيت بعيدة جدًا عن الغربيين. ففي عام 1999 تلقى الأجير اليهودي الغربي 1.5 ضعف الأجير اليهودي الشرقي وضعفي الأجير العربي، كما إنه في العام ذاته محل الدراسة بلغ معدل أجر النساء عن ساعة عمل ما يساوي 81% من أجر الرجل. وقد عمدت حكومات إسرائيل إلى تقديم محفزات للفئة المتمكنة في القطاع التجاري على حساب الجمهور العام وانعكاس انعدام المساواة الاقتصادية على الواقع التعليمي للفئات المختلفة، حيث يظهر تتبع خطان كانا في سن 17 عاما عام 1991 أن 32% من أبناء المدن والبلدات المتمكنة اقتصاديا وهي يهودية اشكنازية وصلوا إلى الجامعات والكليات الأكاديمية مقابل 13% من مدن التطوير (الشرقية) و5% من البلدات العربية.

انعدام المساواة الظاهر بين المدارس ليس فقط نسبة الحاصلين على شهادة البجروت (الثانوية)، وإنما أيضًا في مضمون الشهادة، حيث تبدو الفروق واضحة جدًا في النتائج بين البلدان المختلفة من ناحية نسبة المتقدمين الذين ترفضهم الجامعات وتتصدر القائمة بهذا الشأن البلدان العربية.

إن نظرة متفحصة على ميزانية إسرائيل المقترحة لعام 2006 يلقي مزيدًا من الضوء على هذا السياق، إذ تبين أن خطة الميزانية الموضوعة على طاولة الحكومة موجهة بكليتها نحو حفز النمو الاقتصادي بصورة مفتعلة، عن طريق تقليص نفقات الحكومة من جهة، وخفض الضرائب من جهة أخرى.

من الواضح في التفاصيل بعد ذلك، أن تقليص نفقات الحكومة يهدف إلى خدمة أصحاب رؤوس الأموال، من حيث أن ذلك يؤدي إلى خفض سعر رأس المال، بادعاء الحكومة أن ذلك قد يجعل أصحاب رؤوس الأموال من إمكانية تجنيد رساميل بثمن أرخص وأن ذلك سيجعلهم يستثمرون في الاقتصاد الإسرائيلي مما يخلق فرص عمل جديدة.

خفض الضرائب ينقسم إلى قسمين، خفض ضريبة الشركات وخفض الضرائب المفروضة على الاستثمارات والأرباح، وهو ما يصب أيضًا في خدمة أصحاب رؤوس الأموال ومرة أخرى بادعاء تشجيعهم على الاستثمار الداخلي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن خفض الضرائب المباشرة يهدف إلى المساهمة أيضًا في زيادة وتيرة النمو عن طريق زيادة الاستهلاك الفردي ما تعكسه الميزانية هو تآكل مستمر في استثمارات الحكومة في المجتمع الإسرائيلي، ومن جانب آخر بناء النمو المستقبلي فقط على أصحاب رؤوس الأموال وذوي المداخيل العالية(26).

تكشف هذه السياسات عن الوجه الحقيقي لليمين الذي كان يمينيًا وسياسيًا وشعبيًا أو محافظًا اجتماعيًا، حيث أنه أوجد في تقاليده علاقة نظرية بين سياسته القومية المتمثلة في شعار «أرض إسرائيل بكاملها لنا» وبين نوع من الاهتمام بالأوضاع المعيشية، أما الآن فقد أصبح واضحًا وعلنيًا الربط بين القومية المتطرفة وسياسة محاربة النقابات العمالية والاسم المتعارف عليه لهذه المزاوجة هو الفاشية(27).

 

 

 

المراجع

 

  1. يوسف صايغ. الاقتصاد الاسرائيلي، ط1 (القاهرة: معهد الدراسات العربية العليا- جامعة الدول العربية، 1964) ص110
  2. حسين أبو النمل، الاقتصاد الاسرائيلي، ط1 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988) ص47
  3. المرجع السابق، ص45
  4. أنجيلينا الحلو، عوامل تكوين اسرائيل السياسية والاقتصادية والعسكرية، (بيروت: مركز الأبحاث الفلسطيني، 1967) ص53-55
  5. أرنست ماندل: العناصر التكوينية لنظرية تروتسكي حول الفاشية. 30 يناير 1969، يمكن مطالعته لدى: https://www.marxists.org/arabic/archive/mandel/trotsky_fascism_theory.htm
  6. يوسي شفارتس. بيلين والمسألة اليهودية. (القدس - بيت لحم مركز المعلومات البديلة).
  7. حنة آرندت. أسس التوتاليتارية. ترجمة أنطوان أبو زيد، ط1 (لندن: دار الساقي 1993) ص 262-263
  8. حسين أبو النمل. الاقتصاد الاسرائيلي من الاستيطان الزراعي إلى اقتصاد المعرفة. ط2(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 2004) ص46
  9. ايلي مينوف. الخطاب الصهيوني الراهن: في الأيدولوجيا والاقتصاد في إسرائيل: الصهيونية: الخصخصة والليبرالية الجديدة. مركز المعلومات البديلة. القدس بيت لحم 1998. تحرير الياس جرايسة وهداية أمين. ص:15
  10. سيرجيو ياني. الهستدروت والحق في الإضراب. في إلياس جرايسة وهداية أمين (محرران). الايديولوجيا والاقتصاد في اسرئيل 1998 (القدس - بيت لحم مركز المعلومات البديلة). ص106
  11. نفس المرجع. ص 109
  12. أحمد مصطفى جابر. اليهود الشرقيون في اسرائيل: جدل الضحية والجلاد. دراسات استراتيجية 92ط1(أبو ظبي: مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. 2004). ص71-72
  13. شمشون بيخلر. الخداع الاسرائيلي: شارون وقصة المصانع البتروكيماوية.  في إلياس جرايسة وهداية أمين (محرران). الايديولوجيا والاقتصاد في اسرئيل 1998 (القدس - بيت لحم مركز المعلومات البديلة). ص 92
  14. تقلص الشريحة الوسطى في إسرائيل. المشهد الإسرائيلي 14/7/2004
  15. المرجع السابق.
  16. أحمد جابر. اليهود الشرقيون في إسرائيل. مرجع سابق. ص32
  17. تقلص الشريحة الوسطى في إسرائيل. المشهد الإسرائيلي 14/7/2004
  18. المرجع السابق.
  19. سيرجيو ياني. مرجع سابق. ص106
  20. المرجع السابق. ص107
  21. كول هعير 5/12/1997
  22. سيرجيو ياني ، مرجع سابق. ص108
  23. بنيامين غونين. عن هدم سياسة الخدمات الاجتماعية. المشهد.5/9/2005
  24. المرجع السابق.
  25. د. شلومو سبيرسكي. وايتي كونور-اتياس. صورة عن الوضع الاجتماعي2001. مركز أدفا 2002
  26. حول مشروع ميزانية إسرائيل للعام 2006. مركز أدفا. معلومات حول المساواة والعدالة الاجتماعية. المشهد. 12/9/2005
  27. سيرجيو ياني، مرجع سابق، ص109