Menu

قرار الجبهة الشعبية المشاركة في الانتخابات يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ 

طارق حسين

خاص بوابة الهدف الاخبارية

أكتب اليوم بعد أن اتخذت اللجنة المركزية للجبهة الشعبية قرارها؛ المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي وعدم مقاطعتها، وأصدرت بيانًا بشأن ذلك، أكدت فيه أن مشاركتها تأتي استنادًا إلى موقف الجبهة وبرنامجها الرافض لاتفاقيات أوسلو والاعتراف بدولة الكيان، ويؤمن بتحرير فلسطين، كل فلسطين، ويعتبر أن الطريق لتحريرها هو طريق المقاومة بكل أشكالها وعلى رأسها الكفاح المسلح.

سبق أن كتبت شخصيًا في الصحافة، وتحدثت كثيرًا عبر ندوات الزوم المختلفة، وأبديت وجهة نظر واضحة صريحة ضد هذه الانتخابات من حيث المبدأ، ومن حيث الأهداف، وأكدت أن هذه الانتخابات لم تأتِ استجابة لاستحقاق ديمقراطي يلبي طموحات شعبنا، وإنما جاءت في إطار الضغوطات الخارجية التي استهدفت تجديد شرعية السلطة، وجر كافة الفصائل إلى طريق التفاوض، وايقاعها في الفخ المنصوب بإحكام، وعلى قاعدة الالتزام بأوسلو ومخرجاتها، بما يستجيب للمطالب الأمريكية والصهيونية والرجعية، وهذا ما عبر عنه الموقف الأمريكي عبر مساعد وزير الخارجية، الذي قال على الجميع أن يذهب للانتخابات على قاعدة التمسك باتفاقيات أوسلو ونبذ العنف والاعتراف بدولة الكيان، وما الرسالة التي وجهها حسين الشيخ للإدارة الأمريكية حول التزام كافة الفصائل بدولة فلسطينية بحدود عام 1967، إلا خطوة في هذا السياق، وهنا من المهم التسجيل: من الذي أعطى "الشيخ" الحق أن يتحدث باسم الفصائل ونيابة عنها.

 لن أعود هنا لتكرار وجهة نظري من جديد، فأنا مقتنع بها بشكل كامل، خاصة إنه لا ديمقراطية تحت الاحتلال، ولا انتخابات في ظل الاحتلال، ولم تشارك أي ثورة في الانتخابات قبل التحرير؛ أقول ذلك من موقع المدرك أن هذه وجهة نظر صحيحة، لكنها تحتمل الخطأ في الممارسة كما هو حال وجهة النظر المؤيدة للانتخابات، وهي في نهاية الأمر اجتهاد. هذه الانتخابات لن تغير الواقع نحو الأفضل ولن تحل مشكلة الانقسام رغم رغبتنا بتحقيق ذلك، في ضوء ذلك وبعد صدور قرار الجبهة بالمشاركة لا بد من تسجيل عدد من النقاط الهامة:

1.    كان من الأجدر بالنسبة للجبهة الشعبية أن تتشاور مع كوادرها وأعضائها واستمزاج آراءهم بشأن الانتخابات، وليس هذا فقط، وإنما استشارة الأصدقاء؛ كون الجبهة لم تعد حزبًا مغلقًا، بل أصبحت تمثل تيارًا شعبيًا واسعًا، ومن واجب الجبهة أن تسمع لهم ومن حق هؤلاء أن يشاركوا في طرح رأيهم وعدم الاقتصار فقط على رأي اللجنة المركزية، مع الاحترام والتقدير لها؛ كون ذلك يعطي صوابية أكبر للقرار. 

2.    ليس بالضرورة أن يكون قرار الأغلبية على حق دائمًا؛ فكثيرًا ما يحصل أن تكون الغالبية مخطئة في موقفها، ولنا في تجربتنا وتقييمها سابقًا ما يشير لذلك، وهذا ما حصل في تجارب العديد من الأحزاب وحتى الشعوب؛ ألم يخطئ الشعب الألماني في انتخاب هتلر، والشعب الأمريكي في انتخاب ترامب، ولا داعي للخوض في النتائج السلبية المعروفة لذلك.

3.    إن خوض الانتخابات يشكل محطة من محطات العمل الفلسطيني، لكنه ليس نهاية المطاف، والطريق ما زال طويلًا.

4.    أدرك حجم الصعوبات والتعقيدات التي تمر بها القضية الفلسطينية بشكل عام، والجبهة بشكل خاص، وحالة الاحباط واليأس السائدة وفقدان الأمل التي وصلنا إليها؛ إلا أن الخروج من ذلك لن يكون إلا عن طريق المقاومة؛ بعد ذلك ومن موقع الحرص على الجبهة الشعبية ودورها، أعتقد أن المطلوب اليوم وبعد اتخاذ القرار من كافة أعضاء الجبهة أن يلتفوا حول القرار والالتزام به.

ختامًا، وبعد تسجيلي لموقفي ولكل هذه النقاط؛ أتوجه برسالة إلى كافة الرفاق والأصدقاء، بعد أن اتخذت الجبهة قرارها: من المهم جدًا أن تتوحد كافة الجهود من أجل انجاح هذا القرار والعمل على تطبيقه بالشكل المناسب؛ من أجل الوصول إلى أفضل نتائج ممكنة؛ كونه لم يعد مقبولًا وضع العراقيل أمام تنفيذه. ان من يحرص على الجبهة وتاريخها ودورها، عليه أن يعمل على تطبيق قراراتها ويبتعد عن الذم والشتم والتشكيك على صفحات الفيس بوك والتواصل الاجتماعي، والنيل من مصداقية الجبهة.
جبهتكم تاريخ وحاضر ومستقبل، ولا تحتاج لشهادات من أحد، فهي قاومت ولازالت تقاوم، وقاتلت ولا زالت تقاتل، وتمسكت بالثوابت الوطنية وحاربت نهج الاستسلام، ولم تتنازل وقيادتكم مقاومة متمسكة بتحرير فلسطين كل فلسطين وتدفع الثمن يوميًا، من لم يستشهد من قيادتكم ها هو يقبع في السجون، والباقي يقاومون بعزيمة وثبات، في ظروف ليس لها مثيل، ولم يتلوثوا بالفساد واستمروا قابضين على الجمر، قاطعين الوعد بمتابعة المسيرة. والجبهة لا تحتاج لمن يشهد لها في مقاومة أوسلو؛ فقد شهدت لها دماء أبو علي مصطفى وعمر أبو ليلي وباسل الأعرج وأشرف نعالوة وآلاف الشهداء، وصمود سعدات ومعه مئات القيادات والكوادر.

 علينا جميعًا أن نعتز بتاريخنا وحاضرنا، لا تظلموا جبهتكم ولا تسمحوا بالإساءة لها؛ ليس مطلوبًا من الجبهة تقديم رسائل الالتزام بالوطنية والثوابت وهي من توزع هذه الشهادات؛ كونوا جميعًا صفًا واحدًا، ودافعوا عن قرار الأغلبية ولنقف جميعًا جنبًا إلى جنب ورفيقًا جوار رفيق وصديقًا يدعم صديق في خوض هذه المعركة بكل طاقاتنا؛ من أجل الحصول على أفضل النتائج في هذه الانتخابات (إذا كتب لها أن تبدأ وتستمر)، حيث تعترضها العديد من العقبات؛ أقول هذا وأنا من أصحاب وجهة نظر معروفة بعدم المشاركة، أما وقد تم اتخاذ قرار بذلك على الجميع أن يحترم قرار الحزب حتى لو تعارض مع قناعاته، هذا القرار الذي يحتمل الخطأ ويحتمل الصواب ستجيب التطورات والزمن القريب من هو الأصوب.

أما الآن لا مجال لتضييع الوقت، وعلى الجميع أن يقدم كل ما يستطيع؛ من أجل خوض المعركة والحشد لها من أجل النجاح فبها، ليس هناك رابح وخاسر في صفوف الجبهة؛ إما نربح جميعا وإما أن نخسر جميعًا.. وعلينا ان نقاتل بكل إمكانياتنا من أجل ربحها، واستنادًا إلى ذلك أرى من الضروري أن تبدأ الجبهة استعداداتها لخوض المعركة؛ دون إبطاء، والاستفادة من كل دقيقة؛ مستندة إلى برنامج مقاوم يستجيب لتطلعات الشعب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا يتطلب الوضوح الشديد، وبعد ذلك تشكيل قائمة انتخابية يتمتع المرشحون فيها بمواصفات وطنية وأخلاقية ونضالية تليق بالشعب الفلسطيني وتستجيب لتطلعاته، سواء كانت هذه القائمة منفردة أو تحالفية مع قوى أخرى، وأنا أكثر ميلًا للقائمة المنفردة، أما إذا ذهبت الجبهة للخيار الآخر، بجب أن تحافظ على تميزها ودورها، وعلى أن تضم القائمة قيادات من الجبهة مشهود لها وسط الجماهير ومن المعتقلين المشهود لهم بالصمود، وأمضوا سنوات في السجن، وقدموا نماذج بطولية، وأن تضم رموزًا وطنية اعتبارية لها وزن من المستقلين، إضافة إلى أوسع مشاركة ممكنة للمرأة وجيل الشباب؛ قائمة تحمل مقومات نجاحها على أن يترأسها الرفيق سعدات لما يحمله ذلك من معاني ودلالات كثيرة، وعند الوصول إلى الانتخابات الرئاسية يتقدم الرفيق سعدات باستقالته من التشريعي ويترشح للرئاسية ويتم التنافس عليها، وعدم تركها وهذا حق لنا وواجب علينا. وكون الجبهة قررت المشاركة عليها أن تذهب إلى النهاية وتقدم برنامجًا وطنيًا للخلاص وبذلك نعطي زخما للانتخابات وتقدم نفسها قطبًا موازيًا.

 ثقتي في الجبهة وبكم كبيرة، ونحن أصحاب تجربة عريقة وسنتجاوز هذه المرحلة بنجاح كما تجاوزنا تجارب سابقة أصعب منها بكثير ومعاً وسوياً على طريق فلسطين، كل فلسطين.