Menu

البنية الفاشية للدولة: الكيان الصهيوني (أ)

طبيعة إسرائيل النموذج الصهيوني للفاشية الحلقة "12"

أحمد مصطفى جابر

خاص بوابة الهدف

الفاشية: الأيدلوجيا والنظام

كيف تفهم الفاشية كأيدولوجيا؟ لقد بينا أن الفاشية في مبتدئها نظام أفكار مرتبط بمصالح وعلاقات اجتماعية، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو عن السياق الذي تتآلف فيه هذه الأفكار وتجتمع معا لتشكل هذه البنية الغريبة المشوهة، وقد استعرضنا في الأجزاء السابقة السياق التاريخي لصعود الفكر الفاشي مرورًا بسقوط التنوير وصعود العدمية والليبرالية، وفي هذا الفصل نسعى لفهم أكثر عمقًا وسعة وللفاشية باعتبارها أيدلوجيا ربما يكون صحيحًا ما أكده ولاس.ج. ميللز(1) wallace.g.mills بأن أي مسعى لفهم وشرح الفاشية، ينتج عنه بالضرورة تنوع واسع لتفسيرات متضمنة حتى تلك التي تبدو متناقضة، ويعود ذلك إلى الإشارات التي تصدرها التشكيلات المتنوعة للفاشية في بلدان مختلفة، فبعض عناصر الفاشية مشترك، وما علينا سوى إيجاد تلك العناصر المشتركة، وهذا أساسي لأن هناك مجموعات أخرى محافظة ومتمردة على المجتمع ونزعاته الحديثة، ولكنها غير فاشية وعلينا تمييزها عن هذه الأخيرة، وهذه المجموعات كثيرا ما تخدع من قبل الفاشية التي تعزف على أوتارها الحساسة.

هناك إذًا فروق واضحة وأكيدة بين الفاشية والتوتاليتارية والديكتاتورية العسكرية، ولكنني أود أن أؤكد هنا أن هذه الفروق تظهر في تحليل الوقائع التاريخية وبنى الأفكار كفروق متعلقة بالدرجة وليس بالنوع، فهناك حدود هشة يبدو أن من السهل اختراقها ليتحول النظام من الديكتاتورية إلى الفاشية، أو من الفاشية إلى الأصولية.

ذكرنا سابقًا أن الفاشية بالأساس تستند إلى جملة من العناصر، ولكن وكما ثبت ونعيد التأكيد أن الأساس هو نظام أفكار ينشأ عنه تقسيم العالم والإنسانية إلى مراتب متفاوتة، عبر سلسلة لا منتهية من الفوارق التي يجري التنقيب عنها وتصنيفها وتحويلها إلى قانون للاختلاف، الجرثومة الأصلية كما أثبتنا هي فكرة التفوق (الأنا) المتميز في مواجهة العالم الأقل قيمة، ورغم أهمية المجال الاقتصادي إلا أنه وحده لا يكفي لأن يكون مفسرا أساسيا لهذه الظاهرة والرأسمالية كنظام اقتصادي لا تكفي وحدها لإنتاج الفاشية ما لم نبحث بعمق في منطلقاتها النظرية.

إن السؤال هنا هو ما هي البنية اللازمة للإنسان للسلوك مسلك الفاشية؟ وهل هي بنية أصلية أم مكتسبة ظرفيا؟ هذا ما تتساءل عنه أرندت وما سنبحثه تفصيلًا في جزءٍ آخر، ولكن لنستكمل السؤال: كيف تتحول النظم المنتخبة إلى فاشية؟ وما هي العناصر الأساسية التي تحكم هذه النظم في نظرتها إلى الجمهور والعالم؟

لقد نال الحزب النازي في انتخابات 1933 (17277180) صوتًا من أصل (39343000)، وبالتالي حصل على 288 مقعدًا من أصل 647، وعندما قرر هتلر بعد عدة أشهر إقامة نظام الحزب الواحد؛ هب الشعب الألماني لتأييده حيث نالت النازية (39655224) صوتًا وعارضها أقل من عشر الناخبين (3398249) صوتًا.

وعندما قرر موسوليني تفييش الدولة تحت شعار (كل السلطة للفاشية)، حصل ببرنامجه السياسي في استفتاء 1929 على 98.3% من أصوات المقترعين وهم 88.3% من الناخبين المسجلين(2).

هناك عدة نظريات تناقش هذا الوضع، ولكن لنبدأ أولًا بالتأكيد على ما سبق وذكرناه أن الفاشية والأصولية، وبالتالي التوتاليتارية لست شيئًا واحدًا وإنما رغم انبعاثها من جذور متقاربة، فإن العناصر الأساسية المنتجة للأصولي تختلف عن تلك المنتجة للفاشي.

هناك نظريتان أساسيتان تتصارعان في تفسير الفاشية، فقد كانت النازية بنظر الشيوعيين نظامًا رأسماليًا يمثل أكثر أشكال نظام الاحتكارات عدوانية، أما بالنسبة للتيار الليبرالي الغربي، فقد كانت النازية جمعًا بين القومية المتطرفة والاشتراكية، وبهذا المعنى كان من السهل لمنظري الليبرالية الانتقال بسهولة لإدانة النظام الشيوعي الذي أقام خاصة في المرحلة الستالينية نظامًا بطبيعة النظام الفاشي (الشمول من أجل أهداف سامية) مع فرق كبير طبعا لم يرغبوا بلحظه في الأهداف المعلنة، وليس في بنية النظام وممارساته ونتائجه(3).

لا نجد تحليلًا شافيًا للفاشية من وجهة نظر الليبرالية التي تركز على الشكل الخارجي والسياق الوقائعي رغم ضرورتهما وارتباطهما الوثيق بالفاشية، دون الذهاب عميقًا في تحليل ونقد البنية الفكرية ومصادرها الفلسفية الأيدلوجية والدينية؛ هل لأن تحليلًا من هذا النوع سيدين الليبرالية ذاتها؟ إنهم يزعمون أن النازية استعمار لم يجد ما يستعمره خارج الدولة فتوجه نحو الداخل متغاضين عن أن التوسع كان جوهريًا في الفكر الفاشي، ومتغاضين أيضًا عن سؤال محق: هل المستعمر الذي يجد ما يستعمره في الخارج تسقط عنه فكرة الفاشية؟

في الحقيقة إن استعمار الداخل يبدو أقرب إلى دكتاتورية محضة، أو توتاليتارية شمولية والاستعمار (المجيد في الفكر التاريخاني الليبرالي)، ليس سوى تعبير عن جرثومة الفاشية الأساسية الاختلاف والتفوق. نجد مثل هذا التحليل الشكلي للفاشية في مقولات من نوع (النازية لم تدحض إنما أرديت برصاصة مثل كلب) لفرانسوا ليوتار، ألم يكن المطلوب أيضًا دحض النازية؟ وهل فعلًا تم إردائها بانتحار هتلر؟ وهل كان إعدام موسوليني كافيًا لإقفال الباب في وجهها إلى الأبد؟ لم يحدث هذا أبدًا، وإلا ما كانت لتتبلور من جديد في شكلها الإسرائيلي الأكثر عنفًا، ولما عادت للظهور في كل مناسبة تحت مسميات مختلفة سواء من نوع شعارات مكافحة الإرهاب أو قوانين الوطنية الأمريكية. فالفاشية لم تكن قوة طبيعية غامضة ألمت بالإنسان من خارجه فهؤلاء كانوا بشرًا قادرين على أن يقوموا بهذه الأعمال، والنازية أو الفاشية لم تأتِ من عالم ما قبل الحداثة المندثر أو ما قبل التاريخ، بل هي جزء من التاريخ الحديث، ولم تقم في ظل نظام استبدادي في بقعة نائية من الواقع المشرقي ذاته أو في الخيال الاستشراقي عن هذا الواقع، وإنما في مركز الحضارة الأوربية كما يؤكد عزمي بشارة، وهي تقوم الآن بكامل قوتها وعنفوانها في امتداد الغرب الاستعماري (المتحضر) داخل الشرق، في الدولة الوحيدة التي يعتبرونها ديمقراطية في الشرق الأوسط!!

يتهرب منظرو الليبرالية من الاعتراف أن النازية نشأت في جوهر نظامهم بالذات في الإطار الحضاري لـ «المعرفة هي القوة» و «أداتية العقل» و «أداتية الإنسان» وعبر تطبيق نظرية بيولوجية وجينكولوجية على فهم التاريخ والمجتمع البشري، وتطور الدولة البيروقراطية المطلقة، دولة الشرطة وشعبوية الأحزاب التي استدعاها تطور النظام البرلماني مع مجتمع الجماهير، ورفع قيمة الدولة لتصبح ذات رسالة، تحديث العالم، أو تحضير المتخلفين أو إنقاذ شعب الله المختار وتحقيق نبوءات الأنبياء!! حتمية مفهوم الأمة المترافق مع تذرير الأفراد وتحطيم بنى المجتمع التقليدية، وإمكانية التفكير بصناعة الموت وتنظيمها ببيروقراطية وإبادة شعوب بأكملها(4).

ويخلص بشارة في تحليله إلى أن الفاشية حصيلة تنظيم حديث للمجتمع إلى درجة الهندسة الاجتماعية، إلى حد محاولة خلق تطابق في الدولة الشمولية بين القومية والدولة والفرد والمجتمع، تطابق يتجاوز مصطلح المواطنة ويستبدل المواطن بـ volksgenosse التي يمكن ترجمتها كعضوية في الشعب، وهو (الشعب) في هذه الحالة جماعة إثنية والعضوية فيه بالدم وعقائدية إلى حد تطوير دين جديد أي تديين الأيدلوجيا مع علمنة الدين الذي يتحول إلى ماركة أو علامة في الهوية المعبر عنها بدين شمولي بشكل أكبر.

إن هذا التحليل يقودنا بشكل أساسي إلى أن محاولة فهم الفاشية كناتج ميزات خاصة غير متكررة لبعض الشعوب أو بعض السلالات أو لماض تاريخي خاص لم تعد صالحة قط منهجيًا؛ لأن هذا التحليل السيكولوجي يمنع تفسير العوامل التي سمحت بمعنى عام جدًا بظهور الفاشية.

فلا تخلف إيطاليا التاريخي ولا تراث ألمانيا العسكري البروسي ولا خوف إسرائيل من الإبادة ولا «الحاجة إلى النظام» أو «الخوف من الحرية» يمكن أن تفسر بشكل صحيح صعود الفاشية في الماضي وانهيارها المفاجئ بين 1920 و1945 ثم عودتها للظهور في مناطق عدة بعد هذا التاريخ. قد تكون تلك سمات أو تجليات للفاشية على الأغلب تثبت ما قلناه أن الفاشية ليست شيئًا واحدًا مانعًا وسهل التحليل، وإنما هي ظاهرة أكثر تعقيدًا وكثر تنوعًا.

ففي حين كانت إيطاليا متأخرة نسبيًا، كانت ألمانيا الأمة الأكثر تصنيعًا في القارة، وإذا كان «الميل إلى النظام» أحد الملامح المسيطرة على «الطبع القومي الألماني» فماذا نقول عن إيطاليا التي كانت تعد من الأمم «الأقل انضباطًا» في أوربا التي كانت تفتقر كليًا إلى التقاليد العسكرية؟ وماذا نقول عن إسرائيل الحديثة المسلحة حتى الأسنان، والمفككة دينيًا وعرقيًا حتى أخمص أقدامها؟

لا شك أن هذه العوامل بما هي أسباب وعوامل ثانوية تلعب دورًا وأعطت الفاشية وتعطيها طابعًا قوميًا نوعيًا خاصًا يتلاءم مع الخصائص التاريخية التي تتميز بها سياقات نمو تاريخي معين وتتميز بها على وجه الخصوص الرأسمالية الاحتكارية والبرجوازية الصغيرة في كل البلدان.

وعلى صعيد آخر إذا كانت عملية التحول والتحديث الكبرى تخلق أعلى مستوى من الأزمات كما ألمانيا النازية وإسرائيل كما سنرى لاحقًا، فإنها تقدم شكلًا جديدًا قديمًا لتحديث يخفي وراءه أصوليته وتطرفه ليصبح باطنيًا إلى حد ما، والإيحاء ببرنامج لتنظيم كافة أشكال مظاهر الحياة العملية والروحية، وهذا ما يتفق مع ما يوصف به الفكر المتطرف الفاشي بأنه (فكر تدخلي) في كل مجالات الحياة بما في ذلك العلاقات الشخصية وصيغ السلوك وتسييس التصرفات والسلوك من خلال أيدلوجية متطرفة وأنشطة تتصف بالتمييز والاختيارية، فتنتج عنصر العرق وتفوقه والشعب المختار وسمو الفرد السوبرمان وصولا إلى تمجيد الجماعة والفرقة. يترافق هذا مع الحرص على استعمال الطرق التقليدية في مجال التصرف السياسي والديني وفي نفس الوقت استغلال ما تمنحه التكنولوجيا ونمو قوى الإنتاج، خاصة في مجالات الاتصالات وطرق تطويع الرأي العام وممارسة العنف والإرهاب بشكل شامل ومنظم ودقيق(5). من جهة أخرى، وفي ذات السياق فقد عني الكثير من الباحثين بتفسير سمات الظاهرة الفاشية كنظرية للتطرف الفكري وكان لا بد من تفسير متعدد وشامل تساهم فيه مختلف العلوم الإنسانية.

يرى نولت e.nolt إن الفاشية ظاهرة عصر، تتعدى السياسة وأغلب الكتابات التي تعرضت للناحية النفسية وسيكولوجيا الفرد والجماعة، تراها تعبيرًا سلوكيًا طبيعيًا للإنسان يتصف بالإثارة والغريزية ويتميز بعدم القدرة والعجز و «جنون شيطاني» والاستمتاع برثاء الذات، أما الماركسيون فيرون فيها «تعبيرًا عن الرأسمالية التي وصلت إلى أقصى مداها والمتمثلة في الإمبريالية».

النظرية الاجتماعية الاقتصادية لدى (كرشانو) ترى في الظاهرة هبوطًا في مستوى الضمير النازع إلى الحرية ونزوع سينروقراطي، أي نزوع إلى النفسية الطفولية التي ترى الحقائق الخارجية بشكل كلي يدل على التمييز وتعيين الخصوصيات، وهكذا يصفها لوكاتش بأنها أفكار غير عقلانية تعبر عن الانحطاط، حيث إنها أيدلوجية رجعية عدائية وتجمع غير متجانس.

من جهته أخذ ليبست في الستينيات بعين الاعتبار التفسيرات السابقة له متحققًا من أن فوضى عدم الثقة وغياب الأمان والاستقرار في مرحلة تركيز التصنيع هو العامل الرئيسي في تغيير معالم الشرائح الوسطى في المجتمع، ويدفع بها في اتجاه متراجع مع أن هذه الشرائح كانت مثالًا في النضال ضد الاستعمار وكان لها السهم الأوفر في تقدم الحركات العقلانية في مراحل سابقة، ولكن ما إن يستجد ما يهدف إلى التغيير ومسابقة الزمن وبسرعة كبيرة حتى نرى جزءًا منها يتعلق بأفكار أصولية جذرية متطرفة وغير عقلانية تسير في اتجاه مضاد لسير التاريخ في محاولة الاستيلاء على السلطة لبناء ذلك الأمان والاستقرار التقليدي وإيقاف سير «التحديث»، وبذلك تنمو حركات مناهضة للمنطق وتتجاوز فهم العقل»(6).

وفي تحليل مشابه فان اينازيو سيلوني في كتابه «الفاشية: أصولها وتطورها»؛ يقدم الفاشية كنتيجة لأزمة المجتمع البرجوازي الإيطالي البنيوية العميقة ولعجز الحركة العمالية الإيطالية في الوقت ذاته عن حل هذه الأزمة عن طريق التحويل الاشتراكي وهو يميز بشكل صحيح بين الفاشية وديكتاتورية عسكرية كلاسيكية أو بونابرتية إلا أن التعريف الذي يعطيه لـ «عدم النضج السياسي» للحركة العمالية يتوقف بالضبط، حيث تبدأ المشكلة: ما هو العامل الذي منع الحركة العمالية من أن تصبح ممثلة لكل الشرائح المستغلة في الأمة؟ وأن تضع جدول أعمال للاستيلاء على السلطة؟ يعود السبب حسب ماندل إلى غياب فكرة الثورة الاشتراكية والحزب الثوري الذي يجب خلقه لهذه الغاية.

وبتحليل ماندل أيضا فإن انبعاثًا محتملًا للفاشية قائمًا في الوباء المنتشر بشكل واع في بعض البلدان الإمبريالية والمتكون من الذهنية العنصرية والمعادية للأجانب (السود – الملونين – الشغيلة المهاجرين – العرب والمسلمين)، وفي اللامبالاة المتنامية تجاه الاغتيالات السياسية، وفي الضغينة غير العقلانية تجاه كل «الأحداث غير الودية» المتكررة أكثر، فأكثر في الحلبة الدولية وفي الحقد اللاعقلاني أيضًا على الأقليات الثورية وغير الامتثالية.

ومن جهة أخرى؛ تنجح الفاشية مع تفكيكها للمجتمع في شراء الجماهير، حتى ليبدو أنها ديكتاتورية في خدمة الشعب، كما يحلل (آلي)(7)، فهتلر وحكام المقاطعات للحزب القومي الاشتراكي النازي وقسمًا لا بأس به من الوزراء والمستشارين اتبعوا وسائل الديماغوجية الكلاسيكية متسائلين باستمرار عن كيفية تأمين وتعزيز رضى الجميع معتمدين على شراء تأييد الرأي العام كل يوم أو على الأقل المراهنة على لامبالاته والعمل على تكريسها، لقد كانت سياسة الأخذ والعطاء هي القاعدة الأساسية التي بنوا على أساسها ديكتاتورية حظيت دائما بالأغلبية لدى الرأي العام. سيتعزز هذا التحليل أكثر عند مناقشة الدعاية الحزبية للأحزاب الصهيونية وهكذا لتوفير الثمن المطلوب لشراء الجماهير، تعتمد الفاشية على الحرب الناهبة والعنصرية واسعة النطاق، فيكون نظامها أساسًا لعدالة خاصة عنصرية، عرقية، نجد هذا واضحًا في إسرائيل بعد حرب 1967 وتدفق الموارد الاقتصادية الضخمة، نجده أيضًا في الأعطيات الممنوحة، بلا حساب للمستوطنين وسكان الكيبوتسات على حساب الشعب الفلسطيني مالك الأرض.

وبسبب اعتمادها تحديدًا على تجانسات جزئية متعددة استطاعت الصهيونية بكل سهولة إعادة صياغة بنية ملايين اليهود، إضافة إلى وتيرة عمل غير متقطعة تسمح بالحفاظ على التوازن داخل التشابك المتقلب للمصالح والمواقف السياسية الأكثر تنوعًا، ويتم التصدي للانهيار من خلال الترابط شبه المتواصل للمقررات والأحداث والبحث الدائم عن (إجماع قومي) وزج الجماهير في عجلة اليومي الذي لا يرحم، كأنها تكرر مقولة جوزيف غوبلز ربيع 1941 «النهار بكامله يمر بوتيرة مجنونة»(8).

 الكيان الصهيوني: بنية النظام الفاشي

تبين دراسة النظم الفاشية الكلاسيكية عدة عناصر أو ركائز أساسية بمثابة عناصر تأسيسية تستند إليها هذه الدولة، لخصها هتلر أفضل تلخيص (9) «لن يكون الشعب الألماني أي حق في أي نشاط استعماري ما لم يجمع أبناءه في دولة واحدة، ومتى احتوى الرايخ أبناءه جميعًا يمسي عاجزًا عن إعالتهم، ومن العوز ينشأ حق هذا الشعب في الاستيلاء على أراض أجنبية، عندئذ تتخلى السكة عن مكانها للسيف، وتعد دروع الحرب حصاد عالم الغد». وهو يضيييف أيضًا «إن النمسا جزء من ألمانيا لا يتجزأ وأن زوالها كدولة مستقلة أمر حيوي بالنسبة للأمة الألمانية»، ويضيف(10) «لهذا أعتقد أنني منصرف حسبما يشاء العلي القدير خالقنا، لأنني بدفاعي عن نفسي ضد اليهودي إنما أناضل في سبيل الدفاع عن عمل الخالق».

إذن وحدة العرق وأرضه ومطابقة الأرض للعرق والعرق للأرض المحدودة ومن ثم الغزو والتوسع والاستيلاء على أراضي الآخرين، كل هذا مدعومًا بأيدولوجيا التمييز بين (الأنا) و(الآخر) ومرتكنا إلى إرادة قوة إلهية عليا هذه كلها سمات لازمة لدولة فاشية.

عناصر تأسيسية:

ثمة قواعد ناظمة تحدد النموذج الفاشي للدولة، ورغم أننا سبق وأكدنا أن الظروف الخاصة هي التي تخلق النموذج المحدد والمميز للدولة الفاشية إلا أن هذه القواعد التي حددها أديب ديمتري لا تني تبرز كلها أو معظمها في تحليل النظم الفاشية وسندرس في هذه الفقرة هذه القواعد ومدى تجاوب بناء الدولة في الكيان الصهيوني معها.

  1. القومية الرجعية الشوفينية: وهي لا تمثل عنصرًا عارضًا في الفاشية، بل العنصر الثابت الذي لا يمكن أن يتحول في برامجها كما يؤكد ديمتري، والسؤال المطروح ما هي الظروف التي يمكن أن تلحظ بين الوطنيات الألمانية والأمريكية والإسرائيلية، بين سيادة العرق الآري وأمركة العالم والشعب المختار؟

يرتكز الكيان الصهيوني على فهم مغرق في الرجعية، لفكرة الهوية والقومية مرتكزًا على تطابق العرق مع الدين ونقاء العرق ومنع امتزاجه وذوبانه. تتجلى هذه الفكرة في الممارسة الصهيونية أول ما تتجلى في فكرة يهودية الدولة، لقد بينا كيف أن هرتزل أرادها دولة لليهود فقط، ويرفض الصهاينة باستمرار فكرة الدولة الثنائية القومية ويرفضون الاعتراف بالعرب كأقلية قومية، ويعكس إعلان قيام إسرائيل هذا الأمر بوضوح(11)، حيث دعيت فلسطين باسم «أرض إسرائيل» مؤكدة ارتباط اليهود بها، كما أكدت على الحق الطبيعي والتاريخي لليهود في البلاد، وتحليل الوثيقة يؤكد أن مفهوم الدولة الوارد فيها هو مفهوم انعزالي وعرقي يثير مشكلة للأقلية العربية، والنص على يهودية الدولة يعني عمليا الاستيلاء على الأرض وتهويدها واستقدام المهاجرين اليهود وبناء المستعمرات لهم، والتركيز على العمل اليهودي والاقتصاد اليهودي وتعميم الثقافة اليهودية وبلورة السياسة اليهودية.

كما أن الحديث عن المساواة في الوثيقة جاء منسجمًا في الفقرة الثانية أي بخصوص اليهود أما المساواة الواردة في الفقرة الثانية، التي تخص العرب فجاءت مشروطة بقيامهم بنصيبهم في إقامة الدولة، الدولة ذاتها المقامة على أنقاض كيانهم ووجودهم. والوثيقة برفضها الحديث عن حقوق العرب كأقلية قومية تكرس المساواة الحصرية ضمن الجماعة اليهودية ما يعكس الوجه البشع للأبارتهايد المسمى إسرائيل.

وفي هذا السياق، يواجه العرب عقبتين أساسيتين الأولى يمثلها الطابع الإثني للدولة (دولة اليهود) والثانية الخلط المنهجي بين مفهومي المساواة، المساواة القومية والمساواة المدنية المطلبية. وسنجد لاحقًا عند دراستنا لمجموعة القوانين الإسرائيلية كيفية تكريس النمط القومي الشوفيني للدولة في إسرائيل بما لا يختلف إطلاقًا عن كلاسيكيات الدول الفاشية وألمانيا وايطاليا وغيرها.

  1. العودة إلى الماضي: وهي النزعة الفاشية إلى العالم المنتظم النموذجي، الآخذة في النموذج الإسرائيلي منحى ماضويًا ومستقبليًا أيضًا، في الحالة الإيطالية، كان النزوع الفاشي الإيطالي إلى روما القديمة وإمبراطوريتها العظيمة. وشكلت أمثولة الجرمان القدامى في مواجهة قطعان السلاف الهمج مرجعية مختارة للنازية الألمانية، واستعادت الفاشية الأسبانية والغالانج عصر الإمبراطورية مترامية الأطراف في عهد الكشوف الجغرافية الكبرى، القائمة على الأخلاق والدين، ويتردد الصدى في الشعب التوراتي، الكاهن، وفي أمريكا يتجسد في استعادة الأيام الأولى عند قيام الجمهورية الأمريكية التي جاءت رداً على تهاوي أوربا وموتها.
  2. العداء للديمقراطية: يظهر هذا الموضوع أكثر ما يظهر في ضرب ركيزة أساسية في المفهوم الديمقراطي الليبرالي ولن نفاجأ إذا عرفنا بغياب قانون أساس حول الحقوق الاجتماعية حتى الآن في إسرائيل، وقد أكد مؤشر الديمقراطية الإسرائيلية لعام 2003 أن إسرائيل هي في الجوهر ديمقراطية شكلية بخصوص جانب الحقوق كمؤشر للنظام الديمقراطي، وحرية صحافية متدنية، وأشار التقرير أن نسبة التأييد في إسرائيل عمومًا للمقولة الذاهبة إلى أن النظام الديمقراطي هو أمر مرغوب به، هي الأكثر انخفاضًا بين 23 ديمقراطية شملها الاستطلاع.

إن مشكلة اللا ديمقراطية الإسرائيلية تتبدى سواء في اليمين أو اليسار، حيث أن اليسار الإسرائيلي ممثلًا بممثله الأبرز (حركة العمل) أثبت عجزًا واضحًا في استبطان القيم الديمقراطية والدفاع عن حقوق المواطنين، مما يعكس الغياب الفاضح للفوارق بين اليسار واليمين في مقارنة المواقف من القضايا الاجتماعية (12).

بالنسبة لحركة العمل فان عجزها متأصل فيها كما يحلل زئيف شطرنهل(13) كونها انبنت أصلًا كمنظومة قوة وهيمنة تمثل هدفها الجوهري في إقامة الدولة استنادًا إلى احتلالين: الأرض والعمل، كما أن نشوء اليسار جاء من تقاليد إشكالية من ناحية الديمقراطية الليبرالية، تقاليد جماعية كرست إلى حد التقديس مبدأ الأكثرية لا الحريات الفردية، أدى إلى بروز نخبة ديمقراطية تؤمن أن الطليعة صاحبة القول الفصل في إقرار كل شيء باسم الشعب، وقد عبر دافيد بن غوريون عن ذلك بقوله «ليس المهم ماذا يريد الشعب وإنما المهم ما هو مطلوب من الشعب»(14).

معسكر اليمين بدوره وخصوصًا الاتجاه التنقيحي الذي خرج منه الاتسل والليحي (الذين رفضا الانصياع للانتخابات في اليشوف)، يعتقد أن الأفضلية ممنوحة لقيم القومية والدولة، وهذا المعسكر قدس وما يزال قيمًا معادية جوهريًا للديمقراطية: النظام والقوة، الانضباط والتراتبية، والعسكرية والوحدة مقابل التسامح والتعددية، وحزب حيروت (الحرية) رفع لواء حرية الشعب مقابل حرية المواطن(15). أما المعسكر الديني فهو يعتبر أن الشريعة ويهودية الدولة أهم من حريات الإنسان والمواطن.

  1. عبادة البطل: يشكل الزعيم الملهم (الرئيس) نقطة جوهرية في النظام الفاشي، وأيضا البطل الأسطوري النموذجي الذي تتجمع فيه روح الأمة وسوبرمان نيتشة ورامبو أمريكا، وهكذا تستعيد الذاكرة الإسرائيلية المحاربين أمثال شاؤول وداود ويوشع ولصوص المسادة، وليس الأنبياء ارميا واشعيا ودانيال.

وقد جاء في مؤشر الديمقراطية الإسرائيلية لعام 2003 أن إسرائيل تندرج في عداد الدول الأربع الوحيدة من بين الدول الديمقراطية التي تعتقد غالبية الجمهور فيها أن «في مقدرة زعماء أقوياء أن يجلبوا منفعة لدولة أكثر من جميع الأبحاث والقوانين» والدول الثلاث الأخرى هي المكسيك والهند ورومانيا. لا يكون إذا من الغريب اعتبار بن غوريون نبي إسرائيل المسلح وشارون ملكها.

تترافق القواعد السابقة لبناء الدولة الفاشية مع عشرات المؤشرات الأخرى التي تكون عادة موجودة في كل أو بعض أنظمة الفاشية ونحن نناقشها هنا ونلحظ مدى انطباقها على الكيان الصهيوني.

علينا هنا أن نلحظ أن الفاشية والأصولية ليستا شيئًا واحدًا، رغم انبعاثهما من جذور متقاربة، وقد يكون هناك اختلاف بين الفاشية والديكتاتورية العسكرية كما في أسبانيا فرانكو، والكيان الصهيوني حيث يرتدي النظام أردية الليبرالية والديمقراطية، بينما الجوهر الفاشي يأخذ طابعا أيدلوجيا تحتل فيه العرقية حجر الأساس فضلا عن النزعة الشوفينية التعصبية وضيق الأفق والتعصب القومي(16). ونجد مثالَا لذلك أيضَا لدى موسوليني الذي سعى إلى نظام عسكري سياسي محكم في كل نواحي الحياة الاجتماعية تجند فيه القيم الفردية لخدمة الدولة، ومن أجلها يجب أن يضحي الفرد بذاته وبحرياته وحقوقه الأولية من حق التجمع إلى حق التعبير، والصحافة وغيرها(17)، حيث كل شيء للدولة ولا شيء ضد الدولة ولا شيء خارج كيان الدولة(18). ولأجل تحقيق هذا الهدف تعمد الفاشية إلى تدمير المجتمع وبناءه الطبيعي، فتعمل على ربط الطبقات الكادحة بممثليها الطائفيين من البرجوازية، ربطًا تبعيًا سياسيًا، مما يشل قدرتها على التحرك في حقل الصراع الطبقي، وهذا سبب تشكيل الهستدروت في إسرائيل، وتشجيع البنى الحزبية ذات الطابع الديني، كذلك ما تفعله بصفتها قوة احتلال من آن لآخر عبر تهشيم البنى الحزبية للمجتمع الفلسطيني وتشجيع العلاقات التقليدية ولدينا ما يكفي من التجارب سواء داخل المناطق المحتلة عام 1948-أو 1967.

أما الشكل التوتاليتاري (الشمولي) للحكم فرغم عدم تطابقه مع الفاشية أو بلغة أخرى تستطيع القول إنه ليس بالضرورة اتسام الحكم التوتاليتاري بالفاشية رغم حمله بعض سماتها، والحالة الإسرائيلية نجد التوتاليتارية – رغم أن البعض قد يعترض على هذا التحليل- وجدت مكانها في التجربة على مستويين الشعب الذي تم احتلاله وإبعاده وإبادته، أي الشعب الفلسطيني، حيث سلكت الصهيونية مسلكا يماثل مسلك الطاغية، وهذا ما يسمى الحكم التوتاليتاري حسب حنة آرندت التي تؤكد أنه في مراحله الأولى يسلك مسلك الطاغية(19)، ويعمد إلى الإرهاب الكلي.

أما على المستوى الثاني مستوى الجماعة اليهودية نفسه، حيث عبر سلوكها وجرائمها حولت الصهيونية اليهود إلى أعضاء في الجماعة الصهيونية، ينظرون إلى أنفسهم والى غيرهم على هذا الأساس، مما يجعلهم يدمرون المسافة القائمة بينهم كبشر طبيعيين، وعبر السياسات المركزية وبوتقة الصهر والعسكرة، عملت الصهيونية تماما كالتوتاليتارية كمحرك للتغيير المعالج مركزياً(20)، حيث تؤيد الفاشية هندسة الوعي القومي وصياغته وفق المصالح القومية.

وفي السلوك تجاه الرعايا فإن ما يحتاجه الحكم التوتاليتاري لتوجيه سلوك رعاياه هو التهيئة التي تناسب كلا منهم ليلعب دور الجلاد بمثل الجدارة التي يلعب بها دور الضحية(21)، وتضيف آرندت أنه في نظرتها للقوانين لا تستبدل السياسة التوتاليتارية مجموعة من القوانين بأخرى بل تستغني عن أي توافق تشريعي، معتمدة التلفيق والانتقاء(22) ما سندرسه بالتفصيل لاحقًا.

هذه السمات كما أثبتنا ثابتة كلها عند الدولة الصهيونية ولكن لا بد من مزيد من التمعن في البنية الفاشية للدولة، لا شك أن أشكال صعود الفاشية يختلف من بلد إلى بلد آخر ضمن الظروف الموضوعية الخاصة، فإذا كانت الفاشية الألمانية صعدت كحركة عرقية قومية قائمة على وحدة ونقاء العرق الآري، فإنها صعدت في الهند باعتبارها نزعة طائفية(23)، بينما نجدها في إسرائيل قد وحدت بين الدين والعرق وطابقتهما، وكما كان هدف الفاشية الأوربية الاستيلاء على السلطة وإعادة تعريف الإقليم كدولة عرقية آرية أو رومانية، كذلك هدفت الفاشية الهندوسية للاستيلاء على الأرض وإعادة تعريف الهند، ليس كدولة علمانية وإنما كدولة هندوسية، وسعت الصهيونية منذ البداية إلى الاستيلاء على الأرض وتجسيد سلطتها عليها تحت راية خليط من الأفكار العلمانية والأيدلوجية الدينية الزائفة والمضللة، يصبح هدف الاستيلاء على السلطة هدفا مركزيا لكل حركة فاشية مهما قل شأنها، وعندما تستولي الفاشية على السلطة، فإنها تقوم بإعادة تنظيم الدولة وأجهزتها واضعة (الأمن) في مركز الانشغالات الوطنية، دامجة بين الأجهزة القمعية (الشرطة) والعسكرية (الجيش) والأيدلوجية (الإعلام والتربية) مترافقة مع قمع بربري للمعارضين وغسيل منظم للمخ تجاه الجماهير باتجاه إعادة صياغة الوعي العام، مما يوفر شروط الرضوخ للسلطة العرقية والخضوع الطوعي وخصوصاً عندما يكون الدين والأيدلودجيا شعارين في خدمة السلطة(431) لتقدم القمع في قفاز حريري يجعله مقبولا بل مطلوبا أحيانا، وكما أكد لينين «كل الطبقات القامعة تحتاج لتحافظ على سيطرتها إلى وظيفتين اجتماعيتين: الجلاد والكاهن»(24).

وتسعى الفاشية لإحلال دولة (الفولك) التي هي حسب وليم شيرر أقرب إلى معنى الجماعة البدائية التي تقوم على الدم والأرض، فدولة الفولك تحل العرق في مركز الحياة وواجبها أن تحافظ عليه نقيًا سواء كان العرق الآري أو اليهودي، وتتجلى هذه الفكرة أساسًا في النظرة إلى المنتمين إلى العرق المعين، باعتبارهم متوحدين ومتطابقين مع الإقليم الجغرافي لهذا العرق ومنتمين تمامًا إلى مصالحه مقدمين هذه المصالح على مصلحة الإقليم الذي ينتمون إليه أصلا بحكم المواطنة أو الجنسية. وهكذا عن الفاشية الألمانية وفي قوانين الرايخ النازي فان اصطلاح pan-germanism يعني كل من كان من الجنس والدم الألماني، أينما كان يعيش وفي أية دولة كان يحيا، يجب أن يكون ولاءه الأول لألمانيا ويجب أن يصبح مواطنا في الدولة الألمانية، التي هي وطنه الحقيقي(25). وفي الحقيقة، فإن هرتزل يتحدث عن هذا الموضوع ليبرر الدولة اليهودية التي نادى بها، فكل يهودي مهما كانت جنسيته ولاءه الأول (لإسرائيل) وتعتبر (إسرائيل) وطنًا لليهود مهما بعدت بهم المسافة عن أراضي فلسطين، وهذا ما تثبته الوقائع والأحداث اليومية وما يثبته (حق العودة) العنصري الصهيوني، وكان هذا بالذات المسعى الأساسي لفكرة بوتقة الصهر، التي سعت إلى محو الفوارق بين المستوطنين ودمجهم في كيان واحد، تزول فيه الفروق بين أبناء (شعب الله المختار). والفاشية في سبيل ذلك ترفض أشكال التجمع والتعاون التقدمية، وتخشى الصراع الطبقي، ساعية لخلق دولة فوق الطبقات وتوحد ذاتها بالوطن ومن السهل إقناعها بالعدو الخفي(26).

ولعل (سان جوست ) الثائر الشهير في خطابه ضد الملك الفرنسي عام 1783 يلخص الفكرة بقوله «الوطني هو الذي يدعم الجمهورية جملة ومن يحاربها بالتفصيل فهو خائن»(27)، واضعًا حدًا لأي معارضة أو تذمر، أليس ذلك هو المبدأ الأكبر للحكومات المستبدة في القرن العشرين؟

وإذا كانت السلطات المستبدة تماهي نفسها بالدولة والمجتمع والإقليم، فيكون الحزب الحاكم بديلًا عن الشعب والأمين العام أو الزعيم بديلًا عن الحزب، وهكذا يتوحد كل شيء في الشخص الأوحد، وقد كتب تروتسكي في سيرة ستالين «الدولة أنا.. هكذا قال ستالين»، واعتبر لويس الرابع عشر أنه والدولة شيئًا واحدًا، بينما اعتبر بابوات روما أنفسهم والدولة والكنيسة شيئًا واحدًا (28). أما الفاشية فتقول (المجتمع أنا) وهكذا اعتاد شارون القول أنه (قدر إسرائيل.. مصلحة الدولة ومصلحة شارون سيان)(29).

ولدى تحطيم الطبقات وفي غياب وحدة الطبقة تلجأ الفاشية إلى الوحدة الملفقة في مواجهة خصومها، وحدة مجموع الشعب (الفولك) العشوائية المبنية على قيم الجماعة الافتراضية.

يتأسس المسعى الفاشي على تحويل المجتمع إلى مجرد جماهير، ولأن هذه الجماهير بطبيعتها لا تقاوم الشهية إلى الانتظام السياسي لسبب أو لآخر، إذ لا يوحدها وعيها صالحها المشترك، ولا تملك ذلك المنطق المخصوص بالطبقات الذي يعبر عنه بمتابعة أهداف مضبوطة أو محددة وقابلة للتحقق، كما تشير حنة أرندت، يصبح هذا الجذب للأحزاب الفاشية في ظل نظام يدمر كل البدائل، وهكذا فالفاشي في سعيه إلى خلق جمهور مشتت يهرب من التماهي بالمجتمع، وينزع للتماهي بالجمهرة، التي تعاكس المجتمع في سماتها العامة، فبينما يميل المجتمع للانضباطية والانتظام والتكاتف والعلاقات الوثيقة تتسم الجمهرة بالتشتت والفوضى والشك واللا يقين. هذه الهندسة الاجتماعية في غياب أي وجود لاستياء عميق وعميم من قبل الناس في مواجهة الحكم، ليس هذا فحسب، بل تلحظ الوثائق التي أصدرها فاينشود (وثائق سمولنسك) غيابًا كليًا لأي معارضة منظمة بما يكفي ضد النظام في مجموعه أيضا(30)، وتلاحظ أرندت أن ما لم ينتبه إليه فاينشود وما كان علل وجوده، هو وجود مبادرة حتمية من قبل ستالين لتولي زمام السلطة وتحويل الطبقة إلى جماهير وإلغاء كل تضامن بين الجماعات إلغاء متوازيا، هذه الهندسة الاجتماعية تتموضع في كل نظام مستبد، وقد أثبتت حنة أرندت أن النظام الستاليني ما كان ليستمر باعتباره «أحادي البنية» قط، وإنما كان قائمًا بسابق وعي وتصميم حول وظائف تتقاطع باستمرار وتتضاعف أو تكون متوازية، وأن هذه البنية العديمة الشكل بغرابة منفرة ظلت صامدة بفضل نفس المبدأ الذي التزمه الفوهرر «عبادة الشخصية» المزعومة(31) أو بفضل تحويل الدولة إلى رسالة كما حال النظام الإسرائيلي، توجد الجماهير وجودًا بالقوة، في كل البلدان، وتشكل غالبية الشرائح العريضة من الناس الحياديين واللا مبالين سياسيًا والذين نادرًا ما يصوتون ولا ينتسبون إلى أي حزب(32).

وهكذا تنجح الفاشية في مسعاها إلى خلق جمهور مشتت وعديم الهوية انسجامًا مع نزعة الفاشي الهارب من التماهي بالمجتمع، النازع للتماهي بالجمهور.

والسؤال هنا كيف يمكن أن تنتج الفاشية ضمن نظام ديمقراطي، يصل الحكام فيه إلى مقاعدهم عن طريق صناديق الاقتراع؟ يكمن الجواب في شقين: أولهما أن الفاشية ليست مجرد نتيجة سياسية، وإنما هي في الحقيقة التبلور السياسي الأعلى لمنظومة الأفكار والقيم الكامنة في التصورات المسبقة عن الذات والعالم والكامنة في الثقافة والتربية والدين، إنها ليست مجرد حزب سياسي، بل حركة في التاريخ والفكر، تاريخ الأفكار وتاريخ الأفعال موجودة دائمًا في لحظات كمون وإعلان في الهامش أو مركز الفعل السياسي. الشق الثاني أنه في الوقت الذي تشكل فيه الفاشية أسوأ أنواع الديمقراطية وأكثرها تلفيقًا، فإن هذا يعود بالذات إلى أنها تنتج أصلًا عن ديمقراطية ملفقة، فالنظام الفردي القائم على حقوق الفرد مقابل حقوق المجتمع والقائمة على التدمير وربط الأفراد بالمؤسسة الرسمية المركزية، مع كل حسناته، إلا أنه يحمل في جوهره بذور التكون الفاشي عبر تحطيم العلائق الأفقية بين الأفراد هذه العلائق المكونة عبر الطبقات أصلًا في الفهم الماركسي وعبر النظم العائلية والاجتماعية والنقابية في السوسيولوجيا الكلاسيكية.

وهكذا لا يكون غريبًا أن من السمات المهمة التي تتميز بها الفاشية الإيمان بجماليات السياسة وتسويغها وتسييس الجماهير، وهكذا يتجلى فرض البعد الواحد على الجماهير وقتل مبادرات الأفراد، وجماليات السياسة تجد لها قبولًا كبيرًا عند البرجوازية الفقيرة وربات البيوت والشبيبة والمتدينين الحائرين. فالعالم الجماهيري للفاشية يستمد أسباب الوجود من الجمع ومن الاضطرابات النفسية التي تفقد الفرد ميزاته الفردية ليذوب في الجمع، فحضور الجمع يزيل كل اضطراب لفترة معينة، حيث الجمع والاضطراب ظاهرتان نقيضتان ما يؤدي إلى اختفاء الأخير مؤقتاً(33)، ومن هنا تنشأ الحاجة إلى عقلية الحصار والتركز على الإثنية والإجماع القومي، يصبح (شعب الله المختار) مرادفًا للطبقة وبديلًا عنها، ويختلف عنها بأن منظومة المصالح ليست هي أساس الهوية، بل (الغرابة) و (الانتماء بالدم) التي تقوم عليها لاحقًا منظومات المصالح، مما يجعل هذا البديل (الشعب المختار –قبيلة يهوه) نظامًا مغلقًا على الخارج، فلا يسمح له بالحراك منه إلى الخارج أو من الخارج إليه (الزواج – التهود وبالمثل ترك اليهودية أو التراجع عن الصهيونية) وهنا تخلق الفاشية نظامًا عضويًا غير تعاقدي، الأعضاء المرتبطون قرابيًا بالنظام هم شركاء طبيعيون وكل من هو خارجه (غوييم).

وهكذا فمواطنو الدولة الفاشية يقذفون بالعراء (المنفى والتهديد والإبادة) ثم يؤخذون في مسار الطبيعة أو التاريخ كما تحلل أرندت(34)، يعني تسريع الحركة فيهما، فلا قبل لهم سوى أن يكونوا منفذي القانون الذي يلازمها (الحركة) أو يكونوا ضحاياه. وما يحتاج إليه الحكم في سبيل إرشاد ضحاياه هو الهيمنة التي تجعل كلا منهم جديرًا بأن يؤدي دور الجلاد بمثل تأديته دور الضحية على أتم وجه.

في استطلاع لافت أجري عام 2005(35) رأى 50% من الإسرائيليين أن دولة إسرائيل لا تتخذ التوجه الصحيح وأجاب 70% أن لا ضمان لمستقبل جيد للجيل الجديد في إسرائيل، ووصف 70% الوضع الاقتصادي بأنه سيء، و80% وصفوا الوضع الاجتماعي أيضا بأنه سيء، وقد حلل سيفر بلوتسكر هذه النتائج وتوصل إلى إقرار أساسي انه يمكن تفسيرها كدليل على شعور الإسرائيليين بالعزلة عن دولتهم. في هذه الأنظمة تتم الاستعاضة عن وحدة الطبقة بوحدة ملفقة إستخدامية في مواجهة الخصوم، وتقوم وحدة مجموع الشعب الافتراضية على قيم الجماعة الافتراضية، سواء أكانت فكرة الشعب الواحد النقي، أو نظام الحياة المختار نجده واضحًا في الأمركة وشعب الله المختار، والعرق الآري، والعلمانية التركية المشوهة، والبيرونية الأرجنتينية والهندوسية الهندية وفسطاط بن لادن.. وغيرها مما يمكن أن يستخلصه القارئ. وفي مقابل وحدة الذات عبر هذه المنظومة، تسعى الفاشية إلى تبديد أي إمكانية لوحدة الخصم الذي يوجد في حالته الأولى البدائية الشديدة التكثيف والشديدة التفتت في آنٍ معًا، هنا لا تعود الفاشية صفة يمينية حسب المصطلحات السياسية السائدة، بل يتكتل في معسكرها الجميع «لأن الخطر يطال الجميع» فيحصل بوش على إجماع أصوات الديمقراطيين في الكونغرس من أجل حربه المقدسة، ويتكتل اليسار التركي واليمين في الدفاع عن العلمانية، وينهار اليسار الإسرائيلي بشكلٍ فضائحي عبر توحده في الكل: التيمة المقدسّة للشعب المختار الذي يقوده شارون كقطيعٍ من الذئاب. الشق الثاني أن التصويت الذي يؤدي إلى وصول الحكومة الفاشية لا يكون تصويتًا إيجابيًا بالضرورة، وقد أثبتت الوقائع أن عدد الأصوات ما هو في الحقيقة إلا صورة ملفقة لغيابها وينعكس ذلك في البرامج الانتخابية، حيث تترافق عادة مع أهداف متناقضة، فالناس يذهبون للتصويت من أجل نقطة محددة، وتقع في المركز من تفكيرهم، بينما لا ينتبهون لنقاطٍ أخرى مرفوضة عادةً، وهكذا في ظل ديمقراطية مزيفة، يصوت الناس ضد أهم مصالحهم مقابل مكاسب ضيقة ومحدودة، بل إنهم يصوتون تحت التهديد الفاشي بالسحق الكلي من قبل الفاشية، وهكذا كان على المواطنين النيكاراغويين الاختيار بين أن يصوتوا للكونترا أو يراقبوا أطفالهم يموتون جوعًا تحت الحصار الأمريكي «وهذا يتكرر بشكل آخر في العراق»، وكان على مجلس النواب اللبناني التصويت على اتفاق 17 أيار أو أن تواصل الدبابات الإسرائيلية دك بيروت، وعلى القبائل الأفغانية أن تتمرد على سلطة طالبان من أجل وقف القصف، ما سبق أن حدث في يوغسلافيا. وما حدث في غزة، حيث على الجماهير أن تندد وترفض وجود فصائل المقاومة المسلحة، وإلا فإن الـ f16 ستستكمل محو الجميع، وعلى الفلسطينيين أن يسقطوا حكومة حماس وإلا فإن مصيرهم الحصار والموت جوعاً.

من جهة أخرى، تعلن الفاشية عن نفسها ككارهة للمجتمع ورافضة لكل ما هو قائم، فالفاشيون يكرهون الديمقراطية ويكرهون التعددية والليبرالية، وعدم التدخل في الاقتصاد، ويمقتون بشدة الاشتراكية ويشجبون السلوك المتساهل والانحطاط والتفسخ والحياة السهلة والتعاون الدولي وغيرها.

ولكن اتهامات الفاشيين للمجتمع لا تقوم على نظرية متماسكة ولا يهتمون بالكمال أو الانسجام، وفي الحقيقة إن ذلك هو مصدر قوتهم: التركيز على الاتهامات دون الاضطرار لتوضيح لماذا..؟ وهذا ما يساعدهم في الحصول على الدعم أو التضامن من عدد من المجموعات، بمعنى إن أي شخص كان يكره بعض مظاهر المجتمع كان مشروع (مخدوع) للفاشية يصح ذلك خصوصًا على المجموعات المحافظة، الكارهة للديمقراطية الليبرالية (ندع الاشتراكية جانبًا) والمجموعة المتدينة (الكاثوليك المحافظون مثلًا) الذين يكرهون الحرية والسلوك المتساهل ويحاربون (التحرر النسوي والشذوذ الجنسي وثقافة المخدرات ويكرهون الأجانب..الخ)، ويجدر النظر إلى أن هذه الجماعات دعمت هتلر وعقدت اتفاقات مع موسوليني رغم اختلاف الشخصين من ناحية التدين، وأثناء انهماك الفاشية في صرف الوقت على واجهة المجتمع، فإنها نادرًا ما تذكر كيف ستتغير الأشياء فهذا يلحظ بغموض مما سمح للمجموعات المختلفة لملء الفراغ بما يريدون.

المراجع

  1. Wallace G.Mills Hist.20316 fascism part 1, fascism in: http://husky1.stmarys/~wmills/course203/16-fascism-1.html
  2. جورج طرابيشي. في ثقافة الديمقراطية. دار الطليعة بيروت 1998/ص167-168
  3. عزمي بشارة. دحض الفاشية مهمة لم تنته بعد. التجديد العربي www.arabrenewal.com
  4. المرجع السابق.
  5. إبراهيم المقدود. تأملات في فكر التطرف ما بين الحربين. ورقة مقدمة لمؤتمر الإسلام ومستقبل الحوار الحضاري يوليو 1996
  6. المرجع السابق.
  7. غوتس ألي. كيف اشترى هتلر الألمان. لوموند ديبلوماتيك www.mondiploar.com   تحليلات وثائق السياسة والاقتصاد في الحرب العالمية الثانية الأخرى. أيار 2005
  8. المرجع السابق.
  9. أدولف هتلر. كفاحي. بيسان ط2 1995. ترجمة لويس الحاج. ص8
  10. المرجع السابق. ص10
  11. المرجع السابق، ص23
  12. أنطوان شلحت. اسرائيل ديمقراطية شكلية. المشهد الاسرائيلي 28/9/2003
  13. المرجع السابق.
  14. هآرتس 9-5-2003
  15. المرجع السابق.
  16. أنطوان شلحت. إسرائيل ديمقراطية شكلية. المشهد الإسرائيلي 28/9/2003
  17. أديب ديمتري، نفي العقل،ط1(دمشق: كنعان للدراسات والنشر، 1993) ، ص409
  18. د. إبراهيم دسوقي أباظة+ عبد الغني الغنام. تاريخ الفكر السياسي.دار النجاح. بيروت 1973 ص 383
  19. المرجع السابق
  20. حنة آرندت . (الشكل الروائي) في: ثلاث مقالات في التوتاليتارية اريك فروم وريتشارد لونثال وحنة آرندت. ترجمة صخر يوسف الحاج حسين ط1 (حلب:دار عبد المنعم ناشرون. حلب 2000) ص40
  21. اريك فروم. الجحيم. في: ثلاث مقالات في التوتاليتارية . مرجع سابق.ص24
  22. حنة آرندت. الشكل الروائي. مرجع السابق. ص44
  23. مايومدار- مرجع سابق  ص42
  24. ديمتري . مرجع سابق. ص408
  25. ديستوف. مرجع سابق. ص24
  26. سلسلة شخصيات صهيونية. ثيودور هرتزل عراب الحركة الصهيونية. إعداد قسم الدراسات في دار الجليل للنشر. ط1 1986 عمان. ص71
  27. ديمتري. مرجع سابق. ص 340
  28. ألبير كامو. الإنسان المتمرد. ترجمة نهاد رضا. ط1(بيروت- باريس: منشورات عويدات.1983) ص 160
  29. اريك فروم. الجحيم. مرجع سابق. ص14
  30. شارون. ملف الوقائع السوداء المفتوح www.arabs48.com في  8/9/2002 .
  31. حنة آرندت.أسس التوتاليتارية. مرجع سابق. ص27
  32. المرجع السابق. ص 18-19
  33. حنة آرندت. في العنف. ترجمة إبراهيم العريس.ط1 (لندن: دار الساقي 1992 ) ص37
  34. ديمتري. مرجع سابق. ص118
  35. حنة آرندت. أسس التوتاليتارية. مرجع سابق. ص258