تعيش تونس هذه الأيام على وقع رغبة التمديد في العهدات سواء في الاتحاد العام التونسي للشغل، أو في حزب "النهضة"، وذلك أولا، رغم حواجز القوانين الأساسية لهذين الطرفين، وهي الحواجز التي تمنع صراحة هذا التمديد، كما ثانيا، رغم الاختلاف البيّن بين توجهات الماسكين بمقاليد الأمور هنا وهناك، ذلك أن أحد الطرفين نقابي وعمالي وتقدمي، في حين أن الطرف الآخر حزبي وسياسي وديني ومحافظ... فكيف التقيا على الرغبة في التمديد؟!
ليس مثل هذا النقاش جديدا في تونس، فلقد عشناه قبل هذا مع الحبيب بورڨيبة أول رئيس للجمهورية التونسية الذي انتهى به الأمر إلى تغيير الدستور لإقرار رئاسته مدى الحياة، كما عشناه مع خلفه زين العابدين بن علي الذي ألغى الرئاسة مدى الحياة في مغازلة منه للناس، في بداية تولّيه للأمور وبعيد انقلابه مباشرة على بورڨيبة، ثم حدّد العهدات، ولكنه لما وصل إلى نهاية فتراته الرئاسية غاضه الأمر، فنقّح الدستور من جديد لكي يفتح الباب لنفسه ولعائلته لمواصلة التمتع بمنافع السلطة، وبما يعتبره مجدا يستحقّه؛ وهو قد كان هنا تماما، مثله كمثل سلفه الذي سبقه، يرى نفسه الضامن الوحيد لاستمرار تونس على النهج الذي رسمه لها والذي لا يريدها أن تحيد عنه... رغم أنه نهج قابل للنقاش، بل للمؤاخدة أيضا لدى غيره. وهذا نمط من التفكير يصدر دائما عن أشخاص تتضخّم صورتهم الذاتية عند أنفسهم حدّ التّورّم، فتجعلهم لا يبصرون حركية المجتمعات التي ابتليت بهم حكّاما، ولا ينصتون إلّا إلى ما توحي لهم به أنانيتهم، أو إلى ما يجتهد المتملّقون في حاشيتهم في تزيينه لهم حفاظا على مصالحهم التي يجنونها بواسطة ذلك التملّق البغيض؛ ولقد رأينا مثل هؤلاء الأشخاص هنا وهناك عبر الزمان والمكان، وفيهم من نصّب نفسه امبراطورا على غرار نابليون بونابرت الفرنسي، أوبوكاسا الإفريقي، وفيهم من عيّن خليفته قبل رحيله، وفيهم من ورّث الحكم لأبناء صلبه، ولعلّ مثال كوريا الشمالية يبقى من الأمثلة الواضحة على توارث الحكم أبا عن جدّ في بلاد ما زالت تُطلق على نفسها رغم ذلك اسم الجمهورية، وهو مُسمّى يفترض إلغاء التوريث، الذي عرفه التاريخ في الممالك فقط، كونه يتناقض بصورة تامّة مع التقاليد الجمهورية الانتخابية، ونحن لا نقصد الصيغة الليبرالية بالضرورة لهذه التقاليد، ولكننا نلحّ على أن الوطنية المعادية للإمبريالية لا يجب أن تكون حكرا على عائلة واحدة وسط شعب ما، إذ لا بدّ أنه يزخر بتلك الأنفاس خارج تلك العائلة.
قليلون من غالبوا هذه النزعة الاستبدادية لما تكون الظروف سامحة لهم بممارسة ذلك الاستبداد؛ ونحن هنا لا نشير إلى هؤلاء الذين ترغمهم التقاليد الراسخة لدولهم، أو يجبرهم رفض الشعوب المحتجّة، على تنكّب مثل هذا السبيل، وهو ما نشاهده ببعض البلدان الغربية، أو ما رأيناه مثلا وما بالعهد من قِدمٍ سنة 2019 أثناء انتفاضة الشعب الجزائري عندما تبيّن لهذا الشعب أن رئيسه عبد العزيز بوتفليقة يريد، أو يرادُ له على الأصح، أن "يترشّح" لعهدة خامسة، رغم أن كل شيء يمنعه من ذلك صحيا وسياسيا وقانونيا... ولكننا نشير بمقولتنا إلى أشخاص من أمثال سوار الذهب السودان ي الذي قاد انقلابا عسكريا، ولكنه سرعان ما نظّم انتخابات مرّر بها الحكم إلى المدنيّين، كما نشير إلى يوليوس نييريري التنزاني وليوبولد سيدار سنغور السينغالي اللّذين تنازلا عن الحكم من تلقاء أنفسهما رغم عدم وجود ما يجبرهما على ذلك.
ولعله يكون من الواجب هنا، الإشارة بشيء من التركيز إلى أبرز مثال عن هذا التوجّه ألا وهو مثال نلسون مانديلا رئيس جنوب أفريقيا الذي أفنى عمره في السجون مناضلا ضد العنصرية، فلما تُوّج نضال شعبه بالانتصار على تلك العنصرية، وانتخب رئيسا، فإنه لم يرض إلا بعهدة رئاسية واحدة؛ لم يُجبره أحد على ذلك،
بل بالعكس لقد جاءه ممثلوا أحزاب البيض وزعماء قبائل الزولو من السود يناشدونه الترشح لعهدة ثانية، ولكنه أمام إلحاحهم المصحوب بتمجيدهم له، تمسك بإصرار بموقفه الرافض لذلك؛ قائلا لهم بعد شكرهم: "إنه لا أحد ضروري كي تستمر الحياة"؛ كلمات جاءت بالفرنسية.. هكذا :
"Nul n'est indispensable"
وهي كلمات جديرة بأن تكتب بماء الذهب، تمجيدا لهذا الموقف العظيم، المُتّسم بنكران الذّات، وباحترام سنن تطوّر الحياة، فكأن هذا الموقف فلسفيا من طرفه جاء تطبيقا لما كان قاله المفكر الصيني الكبير لاوتسو، وذلك لما أعلن منذ ما قبل ميلاد المسيح بكثير، في وجه من يستحقون أن يقال لهم هذا، بالأمس كما اليوم، وهنا أو هناك، سواء كانوا على رأس الدول أو الأحزاب أو المنظمات أو الجمعيات :"من أنهى مهمته... فلينسحب،
ذاك قانون السماء".
يتضح من خلال ما سبق أن الموقف من التمديد هو إذن موقف فلسفي عميق في أسسه، فمن خلاله وجدتُ نفسي مثلا في مساري الشخصي مساندا بصفتي نقابيا عماليا للفصل 10 الذي أصبح الفصل 20 في النظام الأساسي للاتحاد العام التونسي للشغل، وهو الفصل الذي يمنع التمديد، كما وجدتُ نفسي مساهما كمحام في الدفع نحو إقرار فصل شبيه به في القانون الأساسي لعمادة المحامين بتونس، بل وقد اعتبرتُ شخصيا مثل غيري طبعا أن توجهات كهذه كانت في إبانها، وعند اتخاذها، لطمة لا بد منها في وجه الاستبداد؛ ولذلك أيضا لا زلت أرى أنه من المستوجب عدم التراجع عن هذه التوجهات، وذلك تأصيلا للروح الديمقراطية في بلاد مثل تونس، لأن الطاغي حاليا إنما هو الرغبة في تجاوز متطلبات هذه الروح الديمقراطية، بينما المطلوب هو ترسيخ تقاليدها التي لم تترسّخ بعدُ في الواقع بما فيه الكفاية.
ليس في نيتي أن أتدخل بمثل هذا الموقف في النقاش الذي يحتدم داخل حزب "النهضة" ما بين مؤيد للتمديد ومعارض له، فأهل هذا الحزب أدري بشعاب حزبهم، فإن كان لموقفي هذا تأثير ولو غير مباشر على بعضهم، فليكُن. ولكنني لا أخفي أبدا أنه اتجهت همتي- بصفتي كنتُ ولا زلتُ نقابيا عماليا رغم تعرّجات الطريق - كي أعبّر بمنتهى الوضوح عن موقفي أمام النقابيين، بل وأمام التاريخ لو لزم الأمر، وذلك حول هذا النقاش المتواصل داخل المنظمة العمالية، فهذه المنظمة هي إرث الحركة الشعبية من الجهود التي بذلها الزعماء المؤسسون من طراز محمد علي الحامي وفرحات حشاد، كما من تضحيات كافة الأبرار الذين شيدوا صرحها بنضالاتهم، وبدمائهم، وبعرقهم، وبما قضوه في السجون وفي زنزانات التعذيب، أو في الجوع والخصاصة، دفاعا عن استقلاليتها وشموخها التاريخي.
ولكنه يبقى أيضا، أنه ليس في نيتي والحالة ما ذكر الإطناب في التفاصيل أو الإدلاء بدلوي مطوّلا وكرجل قانون حول مدى احترام الدعوة إلى مؤتمر استثنائي "غير انتخابي" لمقتضيات الفصل 19 من قانون المنظمة، فهو فعلا فصل لا يتحدث بالمرّة، إلا عن مؤتمر انتخابي، ولا إشارة فيه إلى مؤتمر استثنائي غير انتخابي، أو الدخول في تفاصيل المغالبة بين الموقف المؤيد للتمديد أو الموقف المناهض له مثلما تجسّمت هذه المغالبة في الوقفة الاحتجاجية للمعارضين في الصائفة الماضية أمام مقر المركزية، ثم تواصلت في الإجراءات القضائية المفتوحة حاليا بغاية إلغاء هذا المؤتمر غير الانتخابي الرامي إلى إقرار التمديد... وهو تطوّر قد ينفتح على احتمالات يمكن أن تكون غير سارة، كما ليس في نيتي الحديث بإطناب حول مدى صحة تبريرات المنادين بالتمديد، وهي التبريرات المبنية على التخوف من انحراف المنظمة نحو "الدوعشة" إلى حد تساهلهم في اتهام خصومهم كائنا من كانوا بهذه "الدوعشة"، رغم أن تفادي الانحراف ممكن نظريا، وذلك باستغلال الرصيد المعنوي للقياديين الحاليين لدعم وتصعيد قيادات جديدة يعرفون ولاءها للمبادئ النقابية العمالية فقط... فكل هذه التفاصيل على أهميتها - ولكوني لا أملك كل مداخلها ومخرجاتها- قد لا تهمني من موقعي الذي أنا فيه، إلا من زاوية التعبير عن تخوفاتي المشروعة من إمكانية تصدّع المنظمة، وهو تصدّع خطير بحقّ لو حصل، ولا يخدم أبدا طموحات كافة الكادحين، وقد يُضِرّ بصورة فادحة بقضايا الوطن والشعب... فحذار من أي تصدع قد يصيب منظمة الشغالين.

