Menu

إدارة بايدن وتحديات الوجود الأمريكي في المنطقة العربية

رضي الموسوي

نُشر هذا المقال في العدد 23 من مجلة الهدف الرقمية

قبل وصوله إلى البيت الأبيض، وفي حموة المنافسة الانتخابية، قال جو بايدن أن "والدي وجهني إلى أن المرء لا يحتاج إلى أن يكون يهودياً ليكون صهيونياً، فنحن بالفعل صهاينة، ووجود دولة إسرائيل أساسيٌ لأمن اليهود في العالم"، وبعد أن أبقاه ينتظر أياماً طويلة لم يعهدها مع سلفه ترامب، تحدث الرئيس الامريكي جو بايدن مع رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو لمدة ساعةٍ وصفها مكتب الاخير أنها كانت "دافئة وودية"، ومن جانبه أصدر البيت الابيض بياناً أكد فيه بايدن على "تاريخه الشخصي من الالتزام الثابت بأمن إسرائيل، ونقل نيته تعزيز جميع جوانب الشراكة الأمريكية الإسرائيلية، بما في ذلك تعاوننا الدفاعي القوي"، وأضاف البيت الأبيض، أنهما "ناقشا أهمية استمرار التشاور الوثيق حول قضايا الأمن الإقليمي، بما في ذلك إيران".

هذا التصريح ليس مستغرباً من مسؤولٍأمريكيٍأصبح، فيما بعد، رئيساً رسمياً للولايات المتحدة الامريكية في العشرين من يناير 2021، بعد مخاضاتٍقانونيةٍ وسياسيةٍوتحشيديةٍكثيرة، ولجها منافسه الرئيس السابق دونالد ترامب،ووتوجهايوم السادس من يناير 2021 باقتحام انصاره مبنى الكونغرس، وقت كان أعضاؤه مجتمعين لإقرار نتائج المجمع الانتخابي بفوز بايدنوليصبح الرئيس السادس والاربعين.

يعتبر الدعم المطلق للكيان الصهيوني، قضيةً مفروغاً منها، وكل مترشحٍ للرئاسة يمر عبر قناة لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية التي تعرف اختصاراً باسم"ايباك"، التي تعقد مؤتمرا يتحدث فيه المترشحان الرئيسيان ويؤكدا فيه على التزامهما بتفوق الكيان الصهيوني على الدول العربية مجتمعة.

لكن جو بايدن، الرئيس "الديمقراطي"، الذي انتزع الرئاسة من "عرين" ترامب الجمهوري الشعبوي،تصرف بحنكةٍ أكثر وبدراية تتفوق كثيراً على سلفه ترامب البارع في صفقات السلاح والابتزاز الذي مارسه على الدول الحليفة لواشنطن، وخصوصاً دول الخليج العربية التي حلب منها مئات مليارات الدولاراتفي الشهور الأولى من ولايته، واستمر كذلك حتى آخر يومٍ له في البيت الابيض.

المؤكد أن ليس هناك تغييراًجوهرياً في الموقف المبدئي الأمريكي الداعمللكيان الصهيوني، وليس هناك اختلاف يذكر بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري في هذا الصدد، لكن الاختلافيكمن في الوسائل والأساليب، وهذا نهجسارت عليه الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاه الدول العربية والكيان الصهيوني، ففي الوقت الذي مارست إدارة ترامب سياسة الابتزاز والتهديد بترك منطقة الخليج وتحويلها الى "لقمةٍ سائغة لإيران"، كما كان يردد ترامب دوماً، فإن إدارة بايدن تعيد، الآن، تركيب المشهد بالطريقة التي تتناسب وسياسات الحزب الديمقراطي المعتمدة على "حقوق الإنسان" عنواناً واسعاً في المنطقة العربية، معتمدةً في ذلك على المؤسسات الأمريكية التابعة للحزب الديمقراطي بشكلٍ رئيسي التي تتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني في البلدان العربية ومع بعض حكوماتها،ولتفادي الانتقادات المبكرة، سارعت بعض الدول العربية إلى الافراج عن عددٍ محدودٍ من المعتقلين السياسيين والناشطين الحقوقيين، خصوصاً الذين يحملون الجنسية الأمريكية إلى جانب جنسياتهم الأصلية، بينما كان ترامب يغطي على تلك الانتهاكات مقابل صفقاتٍ عسكريةٍ ومدنية،فطن بايدن سلوك ترامب المتعالي والانتهازي المتعجرف، فأكد في أكثر من مناسبة،سبقت واعقبت الانتخابات الرئاسية،على "انتهاء حقبة دعم الديكتاتوريات"، في إشارة إلى سياسة ترامب، ولم ينتظر طويلاً بعد  نتائج الانتخابات الأولية، فغرد على تويتر قائلاً: "عندما أتحدث إلى قادة العالم، أقول لهم إن أمريكا ستعود إلى اللعبة"... فكيف ستدير الإدارة الجديدة مصالحها مع الدول العربية، خصوصا في أول 100 يوم؟

 

صحيح أن بايدن أكد على أهمية وجوهرية إعادة توحيد الأمريكيين بعد ما فعل ترامب فيهم فعلته وفرقهم وخلق شقاً يصعب رتقه، لكن الصحيح أيضاً أن سيد البيت الابيض الجديد سارع إلى كنس الكثير من القرارات والمواقف التي اتخذها سلفه ترامب على الصعيد الإقليمي والدولي، ومنها ما يتعلق بالاتفاقيات الدولية المعنية بالمناخ ومنظمة الصحة العالمية ودعم الحروب الاقليمية، وفي العلاقة مع الصين وإزاء جدار المكسيك العازل وتأشيرات دخول رعايا بعض الدول العربية والإسلامية لأمريكا،كل ذلك باعتبار أن ما قام به ترامب أثر سلباً على المصالح الامريكية وعلى قيادتها للعالم، هذه القيادة التي يعاد توجيهها حسب المصالح الحيوية والاستراتيجية الأمريكية في العالم، فعلى الصعيد الاقتصادي ليست المنطقة العربية هي الأكثر إغراء، حيث تشير الارقام إلى ذلك، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين أمريكا والبلدان العربية في العام 2016 نحو 105 مليارات دولار، أغلبها مع مجلس التعاون الخليجي، منها 64.2 مليار دولار صادرات أمريكية للدول العربية، و41 مليار دولار واردات أمريكية من هذه الدول، بينما بلغ التبادل في العام 2018 مع اكبر خمس دول عربية 50 مليار دولار، تركزت مع السعودية التي بلغ التبادل التجاري معها 37 مليار دولار، منها 24 مليار دولار صادرات سعودية و13 مليار دولار صادراتأمريكية للسعودية،وبلغ بين مصر وأمريكا 7.6 مليار دولار، ومع المغرب 4.5 مليار دولار، بينما بلغ مع الإمارات 24 مليار دولار، منها 10 مليار دولار صادرات أمريكية للإمارات مقابل 5 مليارات صادرات إماراتية لأمريكا، وبلغ حجم التبادل التجاري بين أمريكا ومجلس التعاون الخليجي 90 مليار دولار في العام 2018 مقابل 84.8 مليار دولار في العام الذي سبقه، وبلغ عجز دول المجلس أكثر بقليلٍ من 18 مليار دولارمقارنة بنحو 20 مليار دولار في العام2017. يشار إلى أن أكثر من 67 بالمئة من صادرات مجلس التعاون الخليجي هي عبارة عن صادرات سعودية وأغلبها من النفط ومستقاته.

ومقارنة مع دول شرق آسيا، فإن الكفة ليست في صالح العرب، حيث بلغ التبادل التجاري مع دول شرق آسياأضعاف ما بلغه بين أمريكا والدول العربية،بلغ التبادل التجاري بين أمريكا وثلاث دول في شرق آسيا هي الصين واليابان وكوريا الجنوبية أكثر من 905 مليار دولار، منها أكثر من 655 مليار دولار صادرات الدول الثلاث إلى أمريكا، مقابل نحو 187 مليار دولار صادرات أمريكية للدول الثلاث، وتستحوذ الصين على حصة الأسد، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بينها وبين أمريكا 587 مليار دولار، منها 452 مليار دولار صادرات صينية و135 واردات من أمريكا، أي أن العجز التجاري الأمريكي مع الصين يبلغ 317 مليار دولار،وبلغ حجم التبادل التجاري بين أمريكا واليابان 200 مليار دولار، منها 135 مليار صادرات يابانية و65 مليار دولار واردات يابانية من أمريكا، بينما بلغ التبادل التجاري مع كوريا الجنوبية نحو 120 مليار دولار، منها 69 مليار دولار صادرات كورية و51 مليار دولار واردات من أمريكا، يعني أن التبادل التجاري بين أمريكا وكوريا الجنوبية وحدها أكبر من التبادل التجاري بين أمريكا والدول العربية مجتمعة، غنيها وفقيرها.

إن قراءةهذه المعطيات الاقتصادية تؤشر على تكثيف التوجه الأمريكي شرقاً لمواجهة الخطر الآسيوي، والصيني بدرجة أساسية، حيث تتنافس بكين وواشنطن على المركز الأول عالمياً في الجانب الاقتصادي، إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي الصيني عام 2020 أكثر من 100 تريليون يوان (15.38 تريليون دولار)، وفق  إعلان الرئيس الصيني تشي جينبينغ، مقابل 14.34 تريليون دولار في العام 2019، حسب بيانات البنك الدولي، ما يعني أن تقديرات الرئيس الصيني تظهر نمواً يفوق تريليون دولار، أو ما يعادل 7.25 بالمائة في 2020 مقارنة بالعام الذي سبقه، مقابل 21.4 تريليون هو الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الأمريكية، هذا الإنجاز قاد تشي إلى القول: "إن عام 2021 يوافق الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني (الحاكم)، وإن الصين ستواصل خلال هذا العام مسيرة بناء الدولة الاشتراكية الحديثة بشكلٍ شامل"، حسب قوله في خطابٍ له مطلع السنة الجديدة، ورغم تجاوز الناتج الأمريكي نظيره الصيني، إلا أن قياس الناتج المحلي بمماثلات القدرة الشرائية ترجح تقدم الصين على امريكا.

ماذا يعنيكل هذه الأرقام والمعطيات الجيواستراتيجية الحيوية؟

يعني أن إدارة جو بايدن تواجه مشكلةَ توزيع قواتها العسكرية وتمركزها في مناطق العالم، ففي الوقت الذي تجد في الشرق الأوسط "تهديداً" دائماًاستمر لعقود طويلة، فضلاً عن حماية الحلفاء وخصوصاً الكيان الصهيوني، فهي تجد في الصين التحدي الأمني الأول لها، لهذا يمكن فهم تمسك واشنطن بمواقفها المتشددة إزاء الخلافات حول بحر الصين الجنوبي الذي يشكل ممراً جيواستراتيجي على المستوى العالمي، كونه أقصر الطرق التي تصل بين المحيطين الهادئ والهندي، وتمر عبره نصف التجارة العالمية، ويغطي مساحةً تصل إلى قرابة 450 مليون كيلومتر مربع، ويحاط بتسع دول هي الصين، فيتنام، كمبوديا، تايلند، ماليزيا، سنغافورة، بروناي والفلبين،وجاءت زيارة حاملة طائراتٍأمريكية لأحد الموانئ الفيتنامية لتفسرأهمية هذا البحر، حيث الخلافات الصينية الأمريكية على أشدها حول هذا الممر الذي تقول الصين إنها تمتلك 80 بالمئة من مساحته.

القفزات الصينية المتتالية أرعبت واشنطن، وقادت جو بايدن للتحدث بصراحةٍإلى أعضاء في الكونغرس من الحزبين، محذراً من خطوات الصين العملاقة، وقال لهم: "لديهم مبادرة رئيسية جديدة كبيرة بشأن السكة الحديدية، ولديهم بالفعل قطار يسير بسرعة 215 ميلاً في الساعة بسهولة (360 كيلومتر في الساعة)،سوف يذهبون بعيداً في مجال البنية التحتية، وإذا لم نتحرك فسوف يأكلون غذائنا".

رغم كل ذلك، لاتزال المنطقة العربية تشكل مصالح حيوية كبرى للولايات المتحدة، ما يفرض على إدارة البيت الأبيض العمل على خلق التوازن الاستراتيجي المطلوب، ذلك أن هذه الإدارة ليست في وارد مغادرة المنطقة العربية، بل في إعادة تموضع قواتها في العراق و سوريا والخليج، وبايدن نفسه لا يؤيد انسحاب القوات الأمريكيةمن الشرق الأوسط، إنماإلى خفض هذا الوجود، وسيترك بايدن قوات أمريكية كافية "لمواجهة تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية-داعش"، حسب رؤيته، ويؤكد هذا التوجه تصريحاتُ وزير الخارجية أنتوني بلينكن، الذي أشار فيها إلى أن "استمرار وجود القوات الأمريكية على الأرض سيكون ضروريًا للاحتفاظ بالنفوذ"، هذا القول له علاقة بتداعيات الملف النووي الإيراني التي تشهد منذ تسلم هذه الإدارة تسارعاً في الاتصالات والاجتماعات بين أطراف الاتفاق، الأمريكان والأوروبيين،لتدارك تداعياته على المنطقة، في سباقٍ محموم ٍمعالزمن، لكبح جماح أي تطوراتٍسلبية قد تقود إلى دحرجة الأزمة إلى قاع المواجهة المحتملة التي سيكون الكيان الصهيوني طرفاً مباشراً ضد إيران، الأمر الذي سيضع المنطقة برمتها على فوهة بركان تطال شرارات انفجاره مناطق أوسع من الخليج العربي.