Menu

الانتخابات الفلسطينية أسبابها واستحقاقتها

حاتم استانبولي

خاص بوابة الهدف

قرار إجراء العملية الانتخابية الفلسطينية التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني جاء نتيجة لضغوط خارجية وضرورة داخلية؛ الضغوط الخارجية كانت من الاتحاد الأوروبي الذي لا يستطيع الاستمرار في دعم السلطة الفلسطينية في حال استمرار تجميد العملية الديمقراطية التي وضع لها معايير سياسية؛ إطارها الالتزام بالاتفاقيات السابقة وتنفيذها في إطار العملية السياسية بين الأطراف وبرعاية الرباعية. فعدم تجديد شرعية السلطة وجد أرضية للتحريض والضغط الإسرائيلي من خلال داعميهم في الاتحاد الأوروبي لإعطاء مبررات لمواقفهم وسياساتهم المتعارضة مع جوهر اتفاقيات أوسلو وتوابعها.

ضَغَط النظام الرسمي العربي على السلطة لإجراء الانتخابات؛ بهدف فتح الباب من أجل محاولة التلاعب في المكونات الفلسطينية، وخاصة فتح لإنتاج ممثلين جدد ينسجمون مع السياسات التحالفية الخليجية - الإسرائيلية التي خرجت للعلن وتسعى لايجاد صدى لها فلسطينيًا لإعطاء مبررات داخلية تخص سلوك النظام بسياساتها التي خرجت للعلن.

داخليًا:

ضرورة الانتخابات تأتي لوقف التآكل الحاصل في مؤسسات السلطة وشخصياتها التي وصلت رائحة فسادهم السياسي والمالي وتعاونهم مع الاحتلال الاحلالي إلى مرحلة ما تنذر بالانفجار الذي إذا ما حصل لا يمكن السيطرة عليه. إن استمرار الحالة الراهنة تزداد فيها تنامي مصداقية القوى المعارضة لسياسات السلطة في إطار فتح وقوى وفصائل المجتمع في الداخل. أما الخارج (الشتات الفلسطيني) فقد شعر بخذلان كبير لممارسات السلطة السياسية؛ بسبب التعامل معهم على أنهم مغتربون وليسوا لاجئين؛ فقدوا أرضهم وحقوقهم السياسية والقانونية والاقتصادية والثقافية. هذه السلطة التي أخذ منها الاحتلال الاعتراف السياسي والتعاون الأمني وأعطى القتل ومصادرة الأراضي والحصار والقصف والتجويع للشعب الفلسطيني.

أما بشأن الوضع في غزة، فإن سلطة حماس تتقاطع مع رام الله في تلقي الضغوط الخارجية والداخلية؛ الضغوط الخارجية الناتجة عن سياسة الحصار والتعامل معها بسياسة العصا والجزرة لاخضاع القسام لعملية احتواء تدريجي الذي يمارس من خلال الضغط ال قطر ي على قيادة حماس لعدم إبراز الوجه القسامي للحركة، والتحذير من الإقدام على مغامرات تؤدي إلى فقدان حماس السيطرة على القطاع التي تتطلب ضبط إيقاع المقاومة في إطار الرؤية العامة القطرية التي لا تخرج عن الرؤية السياسية الأمريكية للحزب الديمقراطي التي تحمل عنوان التطويع الناعم.

داخليًا؛ تواجه سلطة حماس في غزة ضغوط مركبة معيشية وسياسية أساسها الحصار الثلاثي الذي يراد منه تحويل النقمة الداخلية الشعبية من نقمة على الاحتلال إلى نقمة على المقاومة، وفي هذا السياق، فإن بعض الممارسات الخاظئة التي تقوم بها بعض اتجاهات داخل حماس تخدم هذا التوجه الهادف إلى تحويل اتجاه الغضب الشعبي العام. في الجوهر لا يوجد اختلاف جوهري بين سلطتي رام الله وغزة الخلاف؛ من حيث الشكل الذي يستخدم ويستثمر سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.

أما عن الفصائل والقوى خارج السلطتين لم يستطيعوا تشكيل اتجاه ثالث يعبر عن التطلعات التحررية الوطنية العامة واستمروا في الخطاب السياسي الفصائلي النمطي الفردي الذي استثمر في إعطاء غطاء لممارسات السلطة السياسية والخضوع لإرادة حماس المفروضة في غزة.

الصورة العامة ما قبل الانتخابات تنحصر في عدة اتجاهات:

السلطة الفلسطينية يحكمها تعارض بين الفئة التي تشكلت نتيجة اتفاقات أوسلو ورعاها الرئيس أبو مازن، وتعكس رؤيته للتعارض مع الاحتلال القائم على اساس رؤية سياسية وأمنية؛ تلتزم بما جاء بالاتفاقات السياسية والأمنية والاقتصادية، وجوهر التعارض يكمن في عدم وفاء الاحتلال بالاتفاقيات الموقعة، ولهذا فإن المصلحة الغربية الإسرائيلية في الجوهر مع استمرار هذا النهج السياسي والأمني والاقتصادي. هذا الاتجاه يرى موقعه في إطار السياسات الأمريكية للحزب الديمقراطي بشكل أو بآخر، فإن هذا الاتجاه هو عابر للفصائل والقوى والحركات بنسب متفاوتة، والمظهر العام له يأتي من الاتجاه الرئيسي في حركة فتح التي ما زالت تنظر على أن أوسلو هو إنجاز فتحاوي، وهي من تقرر في  السلطة التي تعكس مصالح الفئات الأكثر يمينية في فتح, أما الاتجاه الآخر الذي أُبعد عن القرار الفتحاوي بأشكال متعددة؛ ساهم الاحتلال بقسط وافر منها عبر التصفية والإبعاد والاعتقال منذ اتفاق أوسلو، هذا الطرف الذي يجب على الاتجاه اليساري الفلسطيني أن يجد صيغة للتحالف معه وإبرازه على أنه يمثل الوجه المقاوم نسبة لحركة فتح.

الواضح أن كافة الفصائل والقوى قد اتخذت قرارًا في المشاركة أو المقاطعة الايجابية (حركة الجهاد) للانتخابات الفلسطينية التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني، وعلى ما يبدو أن الفصائل وقعت في خطأ منهجي وتكتيكي اُستدرجت إليه بإتقان؛ المتعلق بموضوع إعادة بناء الوحدة الوطنية ومفهوم (الوحدة والصراع) وتراتيبية الانتخابات وعلاقتها بعملية إعادة البناء والإصلاح الديمقراطي في المؤسسات الفلسطينية؛ فعملية ما اصطلح على تسميتها مصالحة برأي (فتح وحماس) أو ما اصطلح عليها بإعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية برأي اليسار، تفرض سؤالًا: أيا منها يكتسب أولوية المصالحة؟ أم إعادة بناء الوحدة الوطنية؟

مصلحيًا، أرى بأن كل من السلطة وحماس يريان أن المصالحة هي الأولوية، بمفهوم كل منهما الذي يحمل إعادة إنتاج المحاصصة بينهما، ويريان أن الفصائل ودورها هو إعطاء مشروعية وغطاء لهما. أما الاتجاه اليساري الديمقراطي، فإن المهمة هي الرئيسية بالنسبة له يجب أن تكون إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية التي بالضرورة يجب أن يُؤسس بناءها بدء من انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني واعتماد النسبية في التمثيل لينتخب لجنة تنفيذية ويحدد ناظمها السياسي والنضالي؛ القائم على أساس العدالة الفلسطينية التي لن تتحقق إلا بإنجاز عدالة المخيم، ومن ثم يتم انتخابات المجلس التشريعي ورئاسة السلطة التي يجب أن تفصل عن رئاسة المنظمة لخصوصية تمثيل كل منها. أما ما حصل؛ فيحمل لغمًا أو حتى ألغامًا من الممكن أن تهدد النضال الوطني الفلسطيني، وتعيد إنتاج التفتيت والتشرذم.

إن الاتفاق الذي تحقق بين "الفصائل"؛ لعب المكان دورًا سياسيًا مهمًا في مخرجاته وتحديد  إطاره وسقفه، هذا الاتفاق قلب الهرم على رأسه، أي غلبت فيه المصالح الفئوية للسلطة وحماس وأخرج مصالحة فئوية؛ حملت عناصر من الممكن أن تتفجر في أي لحظة أو الانقلاب على النتائج في حال لم تتوافق مع مصالحهم الفئوية أو إذا تعارضت مع الإطار السياسي الذي رسمته الرباعية برئاسة الكاذب طوني بلير الذي دمر العراق و ليبيا وصاحب رؤية فصل المسار التطبيعي الخليجي والرسمي العربي عن مسار التفاوض الفلسطيني.

إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية هو مدخل وجوهر الإصلاح الديمقراطي؛ كون المنظمة ما زالت وستبقى هي الإطار التمثيلي القانوني الذي اعتمد فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا ومصادرة دورها لصالح السلطة هو من وضع النضال الوطني التحرري في مأزق وأزمة سياسية، وانضمام كل من حماس والجهاد للمنظمة يجب أن يكون من خلال انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني والنهوض بالحالة السياسية الفلسطينية الشاملة يجب أن يكون تحت هذا العنوان.

إن وضع انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في آخر القائمة التراتبية هو خلل منهجي وإمعان في مصادرة دورها لصالح السلطة، ومن الممكن ونتيجة لطرح مبررات المكان أو عدم التمكن من إجراء انتخابات عضوية المجلس في الكثير من الأماكن؛ طرح تأجيل أو حتى إلغاء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني أو إخراجه بصورة منقوصة لا تعبر عن خيارات الشعب الفلسطيني كما تم في الدورة السابقة.

إسرائيل الاحلالية مشكلتها القانونية مع منظمة التحرير الفلسطينية، كأداة وإطار؛ يجمع كافة القوى والشخصيات، والتي اسست ما قبل 1967، أي أن وجودها كان لاحقاق العدالة الفلسطينية التي تمثل عدالة المخيم (حق العودة) جوهرها بكل ما تحمله من حقوق تاريخية وحقوقية وسياسية وانسانية وثقافية واقتصادية.

إن وعي أهمية الوحدة الوطنية القائمة على أساس العدالة الفلسطينية (عدالة المخيم)، تتطلب من القوى الحرص على أهمية إعادة تشكيل المجلس الوطني وفصل الرئاستين وحسم ازدواجية التمثيل التشريعي أو السياسي أو الاقتصادي، وتحويلها من تعارض إلى تكامل، يجمع المهمات التحررية الوطنية لتحقيق المصالح الوطنية التحررية الشاملة. وبعد إنجاز بناء المنظمة على أسس ديمقراطية، يكون قرار خوض الانتخابات التشريعية مفهومًا حتى من قبل القوى المتعارضة مع أوسلو التي يحكم سياساتها قرارات وسياسات منظمة التحرير الفلسطينية وناظمها ومعيارها. وفي هذا الإطار من الممكن أن تتوافق القوى الديمقراطية والشخصيات العابرة للتنظيمات على برنامج الحد الأدنى الذي يتقاطع مع قرارات الأمم المتحدة بدءً من 181 وحتى  قرار 242 الذي صدر بعد هزيمة 1967 واحتلال بقية الاراضي الفلسطينية التي كانت تخضع للمملكة الاردنية ومصر، هذا القرار من الممكن أن يعاد طرحه من زاوية المسؤولية القانونية للأردن و مصر ومسؤوليتهما في خسارة هذه الأجزاء من فلسطين، وإمكانية التعاون معهم من أجل العودة إلى القرار وتنفيذه، وبذلك لن يكون الطرف الفلسطيني مضطرًا للاعتراف بأحقية إسرائيل الاحلالية على فلسطين 1948، ويعيد بناء المشروع الوطني الفلسطيني. هذا الموقف للتحالف الديمقراطي القائم على فهم ميزان القوى القائم، وأن القضية الفلسطينية برمتها معرضة لخطر التصفية، وأن العقلية اليمينية العنصرية المسيطرة في أعلى قمة الهرم السياسي للاحتلال الاحلالي، تناقضه الرئيسي هو مع الهوية الوطنية الفلسطينية؛ وجوديًا وإطارها القانوني منظمة التحرير الفلسطينية، وهذا يتطلب من القوى الوطنية الديمقراطية اعتبار مهمة الحفاظ عليها وإعادة بناءها وطنيًا وسياسيًا وثقافيًا وتنظيميًا.

إن الانتخابات يجب أن يكون عنوان المحررين والأسرى والمعتقلين حاضرًا فيها لأسباب سياسية وقانونية، لرفع الصفة الجرمية عنهم، هذه الصفة التي يروج لها الاحتلال لتغطية وتبرير ممارسات القتل والاغتيال الميداني ومصادرة الأراضي وهدم الممتلكات الفلسطينية.

أخيرًا، إن يهودية الدولة تتناقض من حيث الجوهر مع وجود الهوية الوطنية الفلسطينية التي تشمل اليهود الفلسطينيون، والمطلوب هو تحشيد كل القوى الاجتماعية الفلسطينية للانخراط الفعَّال في العملية النضالية للشعب الفلسطيني الذي يحمل جميع المكونات الفكرية والعقائدية والدينية.