Menu

الأطماع التركية في الوطن العربي :العدوان على سوريا

غسان أبو نجم

خاصة بوابة الهدف

 غسان أبو نجم

يبدو أن ارتدادات السياسة التركية في الملف السوري بدأت تظهر سريعًا، بل وبشكل دراماتيكي لتجد حكومة أردوغان نفسها في مأزق سياسي خطير؛ دوليًا وإقليميًا ومحليًا الخروج منه سيكلفها خسارات كبيرة قد تطيح بأردوغان وحزبه، وربما بشكل دموي قد يُخرج تركيا من الساحة السياسية لسنوات عديدة. ربما أكثر ما ينطبق على أردوغان وحكومته في تعامله مع المتغيرات والأزمات التي عصفت بالإقليم، وتحديدًا الأزمة السورية والحرب الكونية التي شنت على سوريا المأثور الشعبي (طماع وقليل حساب)؛ فأردوغان العائد إلى المنطقة بعد غياب، حاول ونجح بالدخول إليها عبر بوابة فلسطين والأقصى، لما لهذه القضية من أهمية كبيرة في وجدان الجماهير العربية، والظهور كمخلّص لأزمات قطاع غزة وكمناهض للاحتلال والدخول إلى المنطقة العربية، كذراع سني آتٍ لوقف المد الشيعي ومنع تشكل هلال شيعي؛ إيران/سوريا/المقاومة اللبنانية، ولكن في حقيقة الأمر أتى دخوله إلى قطاع غزة؛ تنفيذًا لمخطط أمريكي/صهيوني/خليجي/تركي، يقضي بوقف الهجمات بالصواريخ على الكيان الصهيوني وكسر جذوة العمل المسلح لحماس في قطاع غزة، وهذا كان أحد أركان الاتفاقية التركية/الصهيونية هذا من جهة، وما كان دخوله إلى المنطقة العربية سوى لمحاصرة وكسر محور المقاومة الإيراني/السوري/المقاومة اللبنانية؛ تنفيذًا لمخطط أمريكي/صهيوني/خليجي، وهذا أيضًا كان الدور الرئيس لأردوغان في الحلف الأطلسي في السيطرة على المنطقة العربية والشرق الأوسط بالعموم، وهي مصالح مشتركة لجميع الأطراف التي ذكرت من جهة أخرى.

لعب أردوغان ذو التوجه الإسلامي الإخواني والحليف الاستراتيجي للكيان الصهيوني وعضو حلف شمال الأطلسي؛ دورًا كبيرًا في تعميق الأزمة السورية، بل تهديد الوجود السوري؛ دولة ونظام، وهذه حقيقية لا يستطع أحدًا تجاوزها، فقد فتح أردوغان وبالتنسيق مع قوى الشر المتحالف معها، وتحديدًا مشيخات الكاز السعودية و قطر الحدود الشمالية؛ أمام مئات الآلاف من المرتزقة الذين تم استجلابهم من شتى بقاع الأرض وتدريبهم وتجهيزهم في معسكرات تركية؛ بدعم من شيوخ البترودولار وبإشراف ضباط مخابرات أمريكا/فرنسا/بريطانيا/السعودية/تركيا، ودفعهم مجهزين بالمال والعتاد نحو الشمال السوري واحتلالهم مناطق استراتيجية ومدن هامة كإدلب وحلب والتمركز وتجهيزها لتصبح شبه دولة الكترونية ومركز عمليات لكل المنظمات والأجنحة العسكرية الإرهابية العاملة في الوطن السوري، وهذا يؤكد أن اردوغان الذي ذرف الدموع على غزة وأطفالها، وتباكى على حلب وأهلها؛ ما هو سوى طامع تركي وحليف وشريك أساسي في الحرب على أمتنا العربية؛ خدمة لمصالحه ومصالح شركائه. لقد لعب أردوغان وشركاه من مشيخات النفط والكاز، وبالتنسيق والتخطيط مع أمريكا ودوائر المخابرات الفرنكوفونية، على الترويج للغزو الكوني على سوريا عبر محورين رئيسيين؛ الأول: التسويق لمبادئ الحرية والديمقراطية وضرورة تدخل المجتمع الدولي لنصرة الشعوب المضطهدة وتخليص الشعب السوري من نظام القمع والإجرام في سوريا، وهذا كان خطاب موجه لشعوب الدول المشاركة في الحرب لتبرير هذه المشاركة شعبيًا وجهزوا لذلك ماكينة إعلامية وغرف سوداء في قطر (الجزيرة والعربية) أدارها عقلية صهيونية، أشرفت على خلق الأحداث والأـكاذيب؛ مهمتها فبركة الصور والأفلام لعمليات قتل وذبح لأطفال وقصف أحياء بالجملة والاعتقالات والمظاهرات والتنسيقيات التي صورت للعالم أجمع؛ حجم جرائم ووحشية هذا النظام وضرورة الخلاص منه؛ مجيشين شعوب العالم أجمع ضد هذا النظام وقيادته. أما المحور الثاني: فهو المحور الطائفي، حيث نجح أردوغان وشركاه إلى حد كبير، في تسويق فكرة الخلاص من النظام العلوي القمعي في سوريا الذي يحاول إكمال حلقة الهلال الشيعي إيران/سوريا/حزب الله، والترويج لهذا الهلال الشيعي على أنه يهدف إلى ضرب الإسلام والسنة وتسليم المنطقة العربية للمجوس الشيعة؛ مستفيدين من التحريض الذي مارسه الفكر الوهابي في التحريض على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحزب الله، بهدف عزلهم ومحاصرة توسعهم في المنطقة العربية وجهزوا لتسويق هذه الفكرة؛ قنوات دينية وشيوخ فتنة تحرض وتجييش الجماهير العربية ضد النظام السوري ومحور المقاومة وتلميع سمعة أردوغان التركي، ووصف بعضهم له بخليفة المسلمين، لتكتمل حلقة تزييف الوعي الجماهيري وتجهيز الجماهير العربية، بل ودعمها للخلاص من الطاغية بشار ونظامه، والدعوة عليه عبر المساجد، والخروج بمظاهرات ضد سوريا ونظامها وقائدها، وضد حلف الشيطان المجوسي الشيعي. لقد عمل أردوغان وشركاه على اتقان تنفيذ المخطط الأمريكي الأنجلوسكسوني؛ أكثر من الذين خططوا له، مما دفع نائب الرئيس الأمريكي إلى توجيه لوم لأردوغان لدعمه الزائد للعصابات المسلحة، وتحديدًا داعش واكتملت حلقة تبرير الحشد الكوني على سوريا، وأنا هنا أعني تبرير؛ لأننا سنرى كذب وتزييف ادعاءات أردوغان وشركاه، وبأن هذه الحرب الكونية المجهزة عسكريًا وماليًا ومدعومة بماكينة إعلامية وجيش من شيوخ الوهابية، كان الهدف منها تمرير مشروع الشرق الأوسط الجديد، وتقسيم وإعادة تقسيم المنطقة العربية، وهذا ما فتح شهية السلطان التركي أردوغان الذي فتح الحدود على مصراعيها أمام القتلة من عصابات مسلحة، وأمام المهربين ولصوص الآثار والمصانع والنفط، بهدف تدمير البنية الأساسية للدولة السورية، وسرقة إرثها الحضاري، مما دفع وبعد سنوات إلى إدراك أن الهدف من احتلال سوريا لم يكن لأهداف دينية أو حرصًا على الشعب السوري والديموقراطية والحرية المفقودة، وإنما أطماع إقليمية لأردوغان، وتنفيذ لمخطط أكبر، يهدف إلى تدمير وتقسيم ونهب وإلحاق للأمة العربية للقوى الرأسمالية العالمية.

بعد أن اتضح الدور العدواني الخطير الذي لعبه أردوغان وشركاه في المنطقة العربية وسوريا بشكل خاص، يبقى السؤال الهام: أين المصلحة التركية في تدمير الوطن السوري؟ وأين تكمن أطماع أردوغان؟ وهل حقق أردوغان أطماعه؟

لم تقف أطماع أردوغان عند حدود ضرب البنية الاقتصادية للدولة السورية؛ من خلال نهب المصانع السورية في حلب ونهب النفط السوري وسرقة الآثار التاريخية للحضارات القديمة في تدمر وفتح الحدود أمام جيش من المهربين الذين عاثوا فسادًا بالاقتصاد السوري، وتوجيه العصابات المسلحة لضرب البنية التحتية في كافة أرجاء الوطن، بل تعداه إلى محاولة فصل حلب وإدلب والشمال السوري عن الوطن الأم لتكون دولة سنية، وتكون حلب مركزًا لها، وتوسعت أطماعه لتمتد شرقًا لتوسيع رقعة السيطرة للدولة التركية، لتحقيق حلم عثماني قديم، ولم يوقف هذا الامتداد الجيوسياسي، سوى تدخل روسيا التي لم تتدخل في الصراع الدائر في المنطقة نصرة للدولة السورية كحليف استراتيجي لها فقط، بل لأن مصالح روسيا وحليفاتها الصين وإيران؛ تم تهديدها، وأهمها: أنبوب الغاز الواصل عبر إيران – تركيا، والذي تستهدف الولايات المتحدة ضربه واستبداله بأنبوب الغاز القطري، وهذه مصلحة هامة لأمريكا/الكيان الصهيوني/قطر، أي أن روسيا لم تدخل الحرب إلا لأنها تعلم أن أمريكا هي المخطط لها، وهدفها ضرب مصالح روسيا/الصين/إيران، وهنا بالضبط بدأت مجريات الحرب تتغير لصالح محور سوريا وحلفائها؛ فروسيا تدخلت مباشرة وعلانية في الحرب، وأرسلت معدات وجنود وخبراء وأرست غواصة نووية في ميناء طرطوس لحماية خط الغاز، مما غير معادلة المعركة لصالح الحلف المقاوم، وأعطى دفعة قوية للدولة السورية التي أنهكتها سنوات الحرب الخمسة السابقة، ولولا تدخل روسيا وحزب الله وإيران عسكريًا ومباشرة في الحرب الدائرة لما اختلفت المعادلة؛ فالدعم السياسي الذي أمنته روسيا والصين لسوريا غير كافٍ لردع العدوان الكوني على سوريا . لقد أدى التدخل الروسي/الصيني/الإيراني/المقاومة اللبنانية المباشر في الحرب إلى اضطرار أمريكا للتراجع ومعها حلفائها الخليجيين؛ أمام إصرار روسيا أن سوريا لن تقسم والنظام لن يتغير ولم يتبقَ في ساحة المعركة مباشرة وبشكل عملي سوى تركيا، مع بقاء حلفائها بالخفاء (أمريكا/مشيخات الكاز)،  وأصبحت تركيا هي رأس حربة هذا الحلف والمفاوض باسمه، وفي أول خطوة لاختبار جدية روسيا في الحرب تم إسقاط الطائرة الروسية بصاروخ تركي، مما دفع روسيا إلى توجيه إنذار جدي وخطير لأمريكا وتركيا؛ بأن روسيا جاهزة لحرب عالمية ثالثه، ولن تتراجع؛ حينها أدرك الحلف المعادي أن روسيا جادة بتهديداتها، وكانت النتيجة تراجع أمريكا واعتذار تركيا وطلبها التنسيق مع الروس لحل الأزمة السورية ونقل ملف المفاوضات إلى تركيا الراعي الرسمي للعصابات المسلحة، وفعلًا تم ترتيب صفقة لحل أزمة الوجود المسلح للعصابات في حلب، والذي أبدع السفير الروسي في تركيا بإخراجه إلى النور، ولكن حادث اغتياله في أنقرة؛ كاد أن ينهي هذه الاتفاق، لولا حكمة القيادة الروسية التي أدركت بأن اغتيال سفيرها؛ الهدف منه تعطيل الاتفاق، ويقف خلفه أطراف لها مصلحة في عدم تطبيقه، وهم أمريكا/الكيان الصهيوني وبعض أجنحة في الجيش التركي وبعض أجنحة المعارضة التركية التي تود توريط اردوغان في حرب مباشرة مع روسيا، وما كان أمام أردوغان خيارات كثيرة؛ فإما المواجهة، وإما الرضوخ للمطلب الروسي، بضرورة التعاون التركي في حل شامل للأزمة السورية، تبدأ بانسحاب العصابات المسلحة من حلب، وهكذا كان؛ فقد انسحبت هذه العصابات المسلحة من حلب وتمركزت في ريف ادلب.

 خلاصة القول: أن مشروع اردوغان التوسعي؛ بدأ بالانهيار، وتم محاصرته بفضل التدخل الروسي من جهة، وقوة وعزيمة الجيش العربي السوري ليسقط بذلك الهدف الأساس لهذه الحرب، وهو تقسيم سوريا سياسيًا وتدمير اقتصادها، وهذا لم يتم رغم الضرر الفادح الذي خلفته الحرب، حيث  بات من الواضح أن أطماع أردوغان ومخططات أمريكا وحلفائها الفرانكفون/الكيان الصهيوني/مشيخات الكاز في تمرير مشروع الشرق الأوسط الجديد وتقسيم وإعادة تقسيم الوطن العربي، قد تم سحقها تحت أقدام جنود الجيش العربي السوري وحلفائه في محور المقاومة، وتم لجم أطماع السلطان التركي وأمير الوهابيين في التوسع وتحقيق أطماعه.

لم تقف خسائر أردوغان المتتالية، نتيجة الأزمة السورية على الصعيد العالمي والإقليمي كما أسلفنا، بل ارتدت على الصعيد الداخلي التركي وأضحى اردوغان وحكومة حزبه في مواجهة العديد من المخاطر التي قد تودي إلى مواجهات عنيفة وتنتهي بكوارث دموية.  إن حالة التجييش التي اعتمدها أردوغان وقيادة حزبه داخل المجتمع التركي تحت غطاء إسلامي/إنساني بضرورة التدخل لإنقاذ مسلمي سوريا السنة من بطش النظام العلوي ووقف تغول المذهب الشيعي على المنطقة، مع ما رافق هذا التزييف الوهابي للحقائق من صور وأفلام مفبركة عن حالات القتل والحرق والإبادة في سوريا على يد النظام؛ خلق حالة من الغليان الشعبي والاحتقان؛ جعل من مسألة التراجع إلى الخلف سياسيًا أمرًا غير مقبول، بل زاد الضغط الشعبي، ومن قواعد حزبه للاندفاع إلى الأمام في حربه على سوريا، وأنتج هذا التشنج الشعبي؛ حالات من الأعمال الدموية من تفجيرات ومظاهرات لزيادة الضغط على أردوغان، وكان آخرها قتل السفير الروسي لدى تركيا الذي وضع البلاد في وضع حرج جدًا، إضافة إلى انعكاسات الوضع على الاقتصاد التركي في القطاعات المصرفية والتجارية واستثمار المعارضة التركية لهزيمة أردوغان وكشف زيف ادعاءاته ونشاط حزب غولن في تعميق أزمة اردوغان؛ عبر افتعال نشاطات تخلخل الأمن الداخلي، ولا يستبعد وقوف غولن خلف حادثة مقتل السفير التركي، إضافة إلى الضغط الذي يمارسه حزب العمال الكردستاني على الحكومة والقيام بتفجيرات في مواقع حساسة في البلاد، ورافق هذه الأوضاع سلسلة من الفضائح لأردوغان وعائلته، حول عمليات تهريب وسرقة النفط السوري وعمليات تعاون مع داعش، وكان آخر عمليات الضغط على أردوغان الخسائر الجسيمة في صفوف الجيش في مدينة الباب، حيث انقلب عليه ربائب الأمس من الدواعش.

 ما أردت الوصول له، هو أن ارتدادات سياسة أردوغان على الصعيدين الخارجي والداخلي لا تبشر بخير على حزب العدالة؛ لما كشفته الأحداث من كذب وتزييف وادعاءات أردوغان واتضاح الصورة أمام العالم أجمع؛ من أن التباكي على سوريا وأهلها، وهذا الكم الهائل من الصور والأفلام المفبركة، لم تكن سوى ذرائع كاذبة لخوض حرب ستخرج منها تركيا كما حلفائها؛ خاسرة مندحرة، بفضل عدالة موقف الدولة السورية وصدق حلفائها، وسيبقى الوطن العربي السوري موحدًا وقويًا، وسيظل الجيش العربي السوري؛ جيشًا قويًا متماسكًا، وليس كما أراده أعدائه.

ختامًا: شكل الصمود الأسطوري للجيش العربي السوري والحنكة السياسية التي تحلت بها القيادة السورية وصمود وصبر وشجاعة الشعب السوري وصدق الحلفاء السياسيين؛ روسيا/الصين/إيران/المقاومة إلى تحقيق إنجازات سياسية؛ ستترك أثرها على مستقبل المنطقة.. وأن النصر في معركة حلب؛ سيعيد كتابة تاريخ هذه الأمة قبل وما بعد حلب.