Menu

الأفق المشبوه مقابل حركة التحرر

الحرس الليبرالي والتحالف المدني.. بديل أم أداة؟

د. موفّق محادين

نشر في العدد 23 من مجلة الهدف الرقمية

في قولٍ للمفكر الايطالي، أنطونيو غرامشي (إذا كان القديم يحتضر، فلا يعني ذلك أن الجديد قد ولد بعد) وما هو أسوأ في حالة الشرق العربي، أن البدائل المطروحة للوضع العربي ليست مخاضاتٍ وإرهاصاتٍ لأي جديدٍ حقيقي، بل بدائل مشبوهة.

بدائل لا تمنحها الثرثرة حول حقوق الإنسان المزعومة وقاموسها عن المواطنة والمجتمع المدني، أية شرعية ولا تمسح عنها غبار أقلام الاستخبارات الامريكية والأطلسية، وكل ما يعرف بالمنظمات غير الحكومية من مراكز الدراسات المختلفة.

وإذا شئنا الذهاب مع هذا القاموس وكلامه عن الحرس البيروقراطي القديم والحرس الليبرالي الجديد، وماسونية الشرق الأعظم، وكذلك الحرس الإخواني والإسلام الأمريكي – البريطاني، فالمعطيات بحد ذاتها تؤكد أن عناوين الحرس الليبرالي والإسلاموية – الأمريكية هي أداوتٌ للتفكيك والهدم والفوضى، وليست بديلاً من أي نوعٍ للحرس القديم، فلا ينهض على أنقاضه أي جديدٍ أو تحولاتٍ مدنيةٍ حضاريةٍ للدولة والمجتمع والهوية:

1- في حالة الشرق العربي، يرتبط الحرسُ البيروقراطي بدولة سايكس – بيكو بأجنحتها المختلفة، ومنها:

- التي انخرطت بقدر أو بآخر بحركة التحرر الوطني والقومي، وأقامت (من فوق) هياكل حكومية، اقتصادية واجتماعية، بديلة عن تحولاتٍ رأسمالية (من تحت) وعرفت برأسمالية الدولة.

- وتلك التي انخرطت في منظومة التبعية، وأقامت أيضاً (من فوق) بعض المؤسسات الحكومية لتسريع الاندماج في هذه المنظومة.

- وفي كل الاحوال فقد نمت (طبقةٌ متوسطةٌ) ومؤسساتٌ ريعيةٌ في إطار التجربتين في سياقين مختلفيين، الأولى في الإطار الدولي لما عرف بالمعسكر الاشتراكي، والثانية كاستحقاقٍ للحرب الباردة ضد هذا المعسكر، والحاجة لتوسيع (الحزام الاجتماعي) تحت تأثير الكينزية (الاقتصادي والسياسي البريطاني، كينز) الذي طالب بتدخلٍ اجتماعيٍ للدولة كإجراءٍ وقائيٍ ضد الاشتراكية.

مع الانهيار السوفياتي بدأت الرأسماليةُ بالتخلي عن السياسات الكينزية، فيما فقدت بلدان التحرر الوطني الجدار الاشتراكي السابق، ودخلت دولة الحرس البيروقراطي أزمةً حقيقية.

 وسنلاحظ أنه حيث رفضت هذه الدولة أو تلك من هذا الحرس، وخاصةً ممن عرفوا بمناهضة الإمبريالية والصهيونية، تعرضت لعدوانٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ لتفكيكها وتحويلها إلى (دولة فاشلة).

2- تأسيساً على ما سبق، وباسم الحرس الليبرالي الجديد، دفعت اقلامُ الاستخبارات الامريكية والأطلسية في مواجهة الحرس البيروقراطي بقوى وأدواتٍ متنوعة، وشنت حملةً سياسيةً إعلاميةً باسم هذه البدائل بنعوتٍ شتى من اللغة الخشبية والشمولية والركود وغيرها، (كما اخترعت قاموساً للحرس الليبرالي بديلاً لقاموس التحرر الوطني والحرب الباردة، من مفرداته: حقوق الإنسان والحكومة والشفافية والتمكين والدول الفاشلة... الخ).

وباسم الحرس الليبرالي الجديد، تنوعت بدائل الاستخبارات الأطلسية والأمريكية بين أداتين، وبهدف إطلاق الفوضى وتحطيم الدول والمجتمعات وليس استبدال نظامٍ بنظام:

الاولى، جماعات الإسلام السياسي الأمريكي – البريطاني – الناعمة تارةً، والخشنة تارةً اخرى (النصرة وداعش واخواتهما)، وقد أظهرت التجربة الأخوانية في سوريا و ليبيا ومصر، وكذلك حركة النهضة في تونس، أن القوى الناعمة، شريكٌ كاملٌ في أساليب وأدوات القوى الخشنة.

الثانية، جماعات حقوق الانسان والمواطنة والتحالف المدني، الذي يطيب لبعضهم تسويق نفسهِ كامتدادٍ لفلسفة جون لوك والثورة الفرنسية، وخاصةً لائحة حقوق الانسان، هو تقليد استنته المخابرات الأوروبية ثم الأمريكية بعد اندلاع ثورة أكتوبر الاشتراكية، التي رفعت شعار حقوق العمال والفقراء مقابل حقوق الإنسان.

والجدير ذكره هنا، أنه بالرغم من أن حقوق الإنسان تخلط الحريات السياسية بحريات الاسواق (حرية العولمة الرأسمالية)، إلا أن استخدامها في حالة الشرق العربي لا ينطلق من تحولاتٍ برجوازية حقيقية، بل من (ذئابٍ ليبرالية منفردة) مرتبطة بأجندة اطلسية.

فنحن لسنا إزاء أزمنة جون لوك في لحظتها التقدمية مقابل الإقطاع، بل إزاء تلاميذ سوروس والثورات البرتقالية المشبوهة المبرمجة في دوائر الاستخبارات الاطلسية، ناهيك أن غالبية فلاسفة هذه الثورات من اليهود، فبالإضافة لسوروس، هناك بيتر أكرمان وجين شارب وبرنار ليفي وبرنار لويس ونوح فيلدمان.

ولا بد من الإشارة ولفت الانتباه أيضاً، إلى أن الدوائر المذكورة قامت في سياق مراجعتها للطور الأول من الثورات البرتقالية، بإعداد نسخةٍ جديدةٍ من موسم الفوضى بذراعيه: الحرس الإسلاموي الأمريكي والحرس الليبرالي.

- الأول، بدمج اجنحته الناعمة في تيارات (التحالف الليبرالي)، وبدفع أجنحته الخشنة الإرهابية التكفيرية إلى ساحاتٍ وبؤرٍ ساخنةٍ اخرى.

- الثاني، باختلاق مراكز إقليميةٍ (لتحالفات مدنية)، من العديد من المنظمات غير الحكومية العاملة باسم حقوق الانسان والمواطنة وتمكين النساء.. الخ.

ومن مراكز الأنجؤوز والتمويل الدولية، مثل فورد فاونديشن وصابان والمجتمع المفتوح (سوروس) ونؤمان وأديناور وكارينجي والاتبور (تدريب الشباب والشابات في بلغراد)، وأكاديمية التغيير (لندن والدوحة) وغيرها، كما يضم التحالف مندوبين للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ونشطاء مقربين من دوائر معروفة في الخارجية الفرنسية والنرويجية والبريطانية.

ويلاحظ أنه حيث فشل مثل هذا التحالف (الليبرالي الإسلاموي) في بلدانٍ عديدةٍ خلال ربيع الفوضى السابق، ثمة ملامح أوليةٍ له في دوائر تونسية، وتسعى جماعاتٌ من المعارضة السورية والمصرية بأسماءٍ مدنيةٍ لاختلاق حالةٍ مشابهة.

3- مقابل ما يسمى بالتحالف المدني وحقوق الانسان وغيره من عناوين الحرس الليبرالي، ومقابل الشق الآخر من الإسلام الامريكي – البريطاني، الذي يكمل التحالف المدني في الأجندة الأمريكية والأطلسية لتفكيك دول المنطقة وتفتيت مجتمعاتها، فإن المطلوب من قوى الاعتراض والمقاومة الممانعة؛ استعادة وتجديد خطاب التحرر الوطني وقاموسه وعناوينه، وتبني حقوق الإنسان وتمكين النساء والمواطنة والثقافة المدنية في إطار هذا الخطاب، لا خارجه ولا كعناوينَ متناثرةٍ هنا وهناك.

يضاف إلى ذلك، دمج قضايا الصراع العربي – الصهيوني، وفك التبعية في القضايا الاجتماعية الديموقراطية، وبالمحصلة اعتماد خطاب التحرر الوطني، مقابل الخطاب المزعوم عن حقوق الإنسان والتحالف المدني، وما يسمى الحرس الجديد بشقيه، الليبرالي والإسلاموي.