Menu

عشرُ سنواتٍ على الثورات الشعبية العربية.. تحدياتٌ ومهامٌ ثوريةٌ ملزمة أمام قوى اليسار والتغيير الجذري

سمير دياب

نُشر هذا المقال في العدد 23 من مجلة الهدف الإلكترونية

الثورات التي اجتاحت عالمنا العربي من مغربه إلى مشرقه قبل عشر سنوات، قامت كما تقوم كل الثورات عندما لم تعد الفئات الاجتماعية المفقرة قادرةً على تحمل ظلم واستغلال الطبقات الحاكمة المسيطرة، وتنتفض من أجل تحسين شروط حياتها، وفك القيود التي كبلتها وحرمتها من أبسط حقوقها الإنسانية، ولهذا، انطلقت الجماهير العربية في ثوراتها التي انتشرت كالنار في الهشيم دفاعاً عن حقوقها الضائعة، وكرامتها المنزوعة، وعن حقها في الوجود والتعبير والعمل والعيش والحرية. أي قامت بهدف تحررها السياسي والاجتماعي من إغلال أنظمتها الرأسمالية التبعية المستبدة، التي احتكرت دور السلطة والمعارضة، ومنعت الرأي الآخر، واستولت على النقابات العمالية والمهنية والقطاعية والشبابية والنسائية والإعلامية، ومارست أبشع أنواع القهر والإذلال والقمع والتخوين بحق من تسوله نفسه التطاول على قاماتها المبجلة، حتى فرضت سيطرتها الكلية من بوابات الأمن الشرير المتربص بحياة العباد والبلاد، حتى الحالم بالخبز والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية بات مجرماً من دون جريمة، والنقابي الديمقراطي بات عدواً للطبقة العاملة، والسياسي الوطني المعارض بات خائناً للقضية القومية والوطنية، والمثقف الثوري بات رقماً بلا اسم ولا محاكمة، أو صار هدفاً لكاتم الصوت، والنتيجة خواء فكري وسياسي، وتدمير بشري، وتسلق زبائني، وانهيار اقتصادي ومالي، وتراكم للرأسمال الريعي، وتعميم مظاهر التمجيد والتقديس والتزلف والكذب والفساد والشعارات التضليلية لنيل الرضى وحجز مواقع في السلطة، يقابل ذلك، نشر الرعب والفقر والموت للتغطية على فشل السياسات القائمة وانعدام التنمية والخدمات، وإرساء قواعد النهب والسرقة والصفقات والسمسرات المباحة،  كان من نتائج ذلك، تمزيقُ قوى الانتاج، وإعدام الديمقراطية السياسية والاجتماعية، ورهن البلاد وقراراتها السياسية بالالتحاق والانبطاح والتبعية للإمبريالية الأميركية، ولشروط مؤسساتها الدولية وعولمة الاقتصاد النيوليبرالي المدمرة مقابل تأبيد سيطرتهاعلى شعوبها
 الثورات الشعبية لم تهدأ منذ عشرِ سنوات، فالموجة الأولى منها، أطلقت الموجة الثانية، وهذه بدورها ستطلق الموجة الثالثة حكماً في منطقةٍ ما تزال في الواقع تحت الاستعمار الإمبريالي بأشكالٍ متعددة، وتحت واقع الاحتلال الصهيوني لفلسطين والجولان ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا، والاحتلال الأميركي للعراق، ومعهما؛ انتشار القواعد العسكرية الأميركية والأطلسية في الخليج العربي وحول المنطقة، وفوقهم؛ أنظمة لم تعد أنظمة، بل تحول حكامها إلى أصحاب شركاتٍ ومافياتٍ تبيع بضاعةً مزيفةً ورخيصةً باسم شعوبها، ومجردةً من كرامتها الوطنية؛ خاضعةً وجاهزةً لتنفيذ شروط الإمبريالية كما هي، بما فيها تنفيذ مذكرات الجلب لتوقيع صكوك الاستسلام مع العدو الصهيوني، وآخر إنجازاتها تسويق "صفقة القرن" وفتح الأحضان والصدور لعلاقاتٍ أخويةٍ مع العدو الصهيوني عام 2020 (الإمارات، البحرين، السودان، المغرب) والباقي بات معروفاً ومكشوفاً. 
وسط كل هذه الألغام، تستمر الانتفاضات الشعبية العربية، لا بل تعيش شعوبنا واقعاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً أسوأ وأقسى مما كانت عليه، لكنها بالتأكيد لم تخسر؛ كونها خسرت كل شيء، ولم يعد لديها ما تعطيه للطغمة الرأسمالية والعسكرية والطائفية والمذهبية، فالشارع العربي اختبر لحظة اختراق الممنوع والمستحيل، وفعل لحظته الثورية التي منحته فرصة وجوده كإنسان، ونقلته من حالة السكون إلى حالة الحركة النضالية والتعبير والتضامن، ومن حالة الخوف إلى حالة المواجهة، وهذه مرحلةٌ متقدمةٌ في الصراع الطبقي قامت في لحظة ذروة إفلاس الأنظمة العربية القائمة، وشدة بطش أدواتها الأمنية القمعية، بحيث انفجر بركان النار من جسد الشهيد محمد البوعزيزي في سيدي بوسعيد – تونس ليتحول إلى إنموذجٍ في ثورات تونس و مصر واليمن وليبيا وسوريا.
صحيح، أن الثورات العربية لم تحقق إنجازاتٍ تغييريةً جذريةَ (المسارات والنتائج مختلفة في كل بلد) بفعل أن موازين القوى وأدوات التغيير لم تسمح بذلك، لكنها أنتجت مناخاً جماهيرياً جديداً، بإقحام الجماهير الشعبية في مسرح الصراع السياسي، وبفتح صفحةٍ جديدةٍ في تاريخ النضال الديمقراطي والصراع الاجتماعي والطبقي في البلدان العربية، ويشهد على ذلك تكرار الثورات أو الانتفاضات الشعبية في موجتها الثانية في السودان والجزائر والعراق ولبنان وغيرها، وتسيطر مناخاتُ الخوف في الأوساط الحاكمة في البلدان العربية دون استثناء لمجرد توفر الجرأة لدى الشعب على مواجهة الأنظمة السياسية التابعة وحماتها الرأسمالية الامبريالية. 
في هذه الثورات تعلمت أجيال، واتحدت تطلعاتها وتشابكت أحلامها في الميادين والساحات والشوارع عبر شعارات "خبز وحرية وعدالة اجتماعية وكرامة وطنية"، و"الشعب يريد إسقاط النظام"؛ كانوا بالملايين يتنفسون من رئة الوجع ذاته، اقتحموا الساحات من دون ترخيصٍ مسبقٍ أو من دون تأشيراتِ دخول، ورسموا خارطةَ الطريق نحو التحرر الوطني والطبقي والتخلص من أنظمةٍ تبعيةٍ عفنة، لقد أرعبت الثورات العربية أنظمة البؤس العربية، التي استنفرت كل احتياطاتها المحلية والإقليمية والدولية - من العسكرة والتطرف والإرهاب الإسلامي، أو من التدخل الإمبريالي والصهيوني للالتفاف على أهداف الثورات (حسب حركة الثورة في كل بلد)، ورغم كل التحالفات المضادة، كانت الساحة العربية تشهد عودةً للحالة الشعبية الثورية المتمسكة بوطنيتها وعروبتها وقوميتها الحقيقية، بعد أن نعت أنظمة الاستسلام والخيانة وطنيتها وعروبتها وقوميتها، وتنكرت لمبادئ الحرية والوحدة والتنمية، وغيرت طريق المقاومة لتحرير فلسطين إلى طريق الصلح والتطبيع مع العدو الصهيوني.
 الثورات سيرورة، وسيرورتها تكمن في استمرار يقظتها وحركتها وتنظيمها ووضوح خطتها واستراتيجيتها لتحقيق أهدافها التغييرية الجذرية في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفق مشروعٍ وطنيٍ ديمقراطيٍ يستجيب لمتطلبات الشعوب الثائرة بالتغيير؛ ولأن أهداف الثورات العربية كبيرةٌ وعظيمة، إلا أنها عمليةٌ متشابكةٌ ومعقدة وطريقها ليس مفروشاً بالورود، فالطبقات المسيطرة مع مؤسساتها ومافيات زبائنيتها وأسيادها الإمبرياليين لن تعدم وسيلة من أجل القضاء على جذوة هذه الثورات، وحكماً لن تتعلم ولا تريد أن تتعلم من الدروس والتجارب، فمصلحتها الطبقية والسياسية وسيطرتها فوق كل الاعتبارات والكرامات، لذلك، فإن عملية تقييم ثورات الموجتين على مدى عشر سنوات تشكل فرصةً موضوعية، ومهمةً تاريخيةً ثوريةً للقوى اليسارية والديمقراطية في أن تستخلص العبر، وتسعى لسد الثغرات أو الفجوات التي حالت دون تحقيق أهداف الثورات العربية؛ فواجبها أن ترسم خارطةَ طريقٍ واضحةِ المعالم لأبعاد المرحلة الانعطافية في تاريخ المنطقة، وأن تحدد أولويات مهماتها وآليات عملها، وكيفية فرض تأثيرها في مجرى الصراع الطبقي والوطني، وفي كيفية التحضير لخوض معركة الموجة الثالثة من الثورات الشعبية برؤيةٍ وخطةٍ وبرامجَ وتحالفاتِ كل مرحلةٍ بشكلٍ واضح؛ فهذه القوى أمام تحدياتٍ نظريةٍ وعمليةٍ مصيرية، فليس مطلوباً أكثر من انتفاضة الملايين، وثباتها ومواجهاتها في الشوارع والميادين والساحات العربية، التي شهدت ملاحم في النضال الديمقراطي السياسي والاجتماعي، لكن ما هو مطلوب، وبإلحاح، أن تشعر الجماهير الثائرة بأن تملك سنداً قويا، ومشروعاً وطنياً ديمقراطياً واضحاً، وقيادةً ثوريةً فاعلةً وجاهزةً لتتقدم الصفوف، وتعمل على تعبئة الطبقة العاملة والفئات الكادحة وكل الشرائح الاجتماعية المفقرة للنضال السياسي والاجتماعي، وأن تساهمَ في تنظيم الثورة للتقدم في مسارها نحو تحقيق أهدافها؛ ومن أولى مهامها الثورية أن تدعم قوى اليسار والتغيير جدار الثقة مع الطبقة العاملة والنقابات والمنظمات الديمقراطية وكافة الفئات الكادحة، وأن تقيم الحد الطبقي الفاصل بينها وبين الأنظمة القائمة قبل الثورات وبعدها في شتى حقول الصراع الطبقي، يعني، تمييز الاختلاف وإبرازه، وترجمته في الممارسة النضالية الثورية، وثاني مهامها الثورية، اتخاذها لموقعها الطبقي الطبيعي المتماهي مع منهاجها العلمي وأدبياتها وتنظيماتها، وخوض الصراع الوطني والطبقي بقيادةٍ ثوريةٍ عمادها الطبقة العاملة والفئات الكادحة ضد الإمبريالية وضد البرجوازيات التابعة لها، وثالث مهامها الثورية: تحديد هويتها الفكرية، وتوضيح خياراتها، والتخلي عن عمومية أو ضبابية المواقف والتباساتها، وبناء العوامل الذاتية التي تعد استجابةً للعوامل الموضوعية وسياجها؛ فالعوامل الذاتية تكتسي أهميتها في مسيرة النضال من أجل التغيير بقدر ما تكتسي العوامل الموضوعية موقعها، وأهم موجباتها التسلح بالوعي الفكري والسياسي، وتوظيف كل الطاقات والممارسة الثورية عبر الانخراط في النضال الاجتماعي والسياسي من موقعها الطبقي، أي موقع الطبقة العاملة وقيادتها؛ فالمهام المدرجة، تحدد لاحقاً مسار العملية النضالية، ومسار الثورات، وهي أيضاً تحدد مسار عملية المقاومة من أجل التحرير والتغيير الديمقراطي، وإلا ستبقى ثورات الشعوب معرضةً لنظريات التضليل المعادية لها ولأهدافها، والتي تقع بين كفتي ميزان الزوبعة في الفنجان أو المؤامرة والخيانة العظمى. 
إن تظهير مشروع حركة التحرر الوطني العربية أكثر من ضرورة، وبلورة القيادة الطبقية للحركة أساس أي تغييرٍ جذري، وصمام أمان المقاومة الوطنية ضد المشروع الامبريالي والصهيوني، وضد مشروع الشرق الأوسط الجديد، وضد صفقة القرن وتهويد فلسطين والتطبيع وسرقة المياه والنفط، وتحويل المنطقة إلى جزرٍ طائفيةٍ ومذهبية لا حول لها ولا قوة.
لقد قدمت الشعوب العربية بثوراتها أرقى أشكال النضال الديمقراطي، وقدمت بمقاوماتها أسمى التضحيات من أجل التحرير، ومن حقها أن تنتفض وتثور ضد الاستغلال الطبقي ومن أجل العيش بحريةٍ وكرامة، وأن تناضل لفك التبعية السياسية والاقتصادية والعسكرية للإمبريالية، وأن ترفع شعار إسقاط النظام، لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية علمانية مقاومة، وعلى اليسار الثوري أن يثبت للجماهير المنتفضة أن نضاله ومقاومته ضد العدو الإمبريالي والصهيوني والرجعي لا يقف عند حدود تحرير الأرض من رجس الاحتلال، إنما النضال الدؤوب من أجل تحرير الإنسان من كل أشكال الاستعباد والاستغلال الطبقي السياسي والاجتماعي.