Menu

دراجون فلسطينيون: "شهداء قيد الحياة..!"

هاني حبيب

نُشر هذا المقال في العدد 23 من مجلة الهدف الرقمية

مع تأسيس أول فريقٍ من الأشخاص ذوي الإعاقة الفلسطينية لركوب الدراجات الهوائية في قطاع غزة، يُعاد فتحُ ملف إعادةِ تأهيل ذوي الإعاقة ومساعدتهم في العودة إلى حياتهم الطبيعية قبل بتر أطرافهم السفلى، يبدو الأمر طبيعيًا في هذا السياق، غير أن ذلك يعيدنا إلى ملف ضحايا الاعتداءات الإسرائيلية على مدار السنوات الماضية، خاصةً خلال قمع الاحتلال للمشاركين في مسيرات العودة، حين أشارت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية أن هناك تعمدًا من قبل جيش الاحتلال على توجيه الجنود والقناصين تحديدًا، ليس إلى القتل فقط، بل وأيضًا تعمد إصابة الأطراف السفلى للنشطاء المشاركين في المسيرة.

إنها ساديّة القتل، والقتل هنا قتلٌ لا يتماثل مع إنهاء حياة المستهدَف، بل تركه حيًا كي يموت أكثر من مرّة، ويبقى على قيد الحياة، لكن بمثابة شهيدٍ فوق الأرض، فلسفة هذا الشيء، أن الشهيد العضوي، ربما يترك من خلفه أسرةً تجهد في سبيل تعويض خسارتها، بينما الجريح الذي فقد أطرافه السفلى منها على التخصيص، قام يبقى معتمدًا على الآخرين طوال حياته، وبحاجةٍ إلى متابعةٍ طبيةٍ دائمة، بحاجةٍ إلى المعون المادي والنفسي من قِبل من هم حوله، أسرته تُعاني مضطرةً لمساعدته، بحاجةٍ دائمةٍ في الغالب إلى مرافقته حيثما استقر أو تحرّك، آخرون يجندون للأخذ بيده، وأسرة المستشفيات تبقى مشغولةً بأعدادٍ كبيرةٍ من الجرحى، بحيث لا مكانًا مناسبًا للمرضى الآخرين، ويبقى طوال حياته للأدوية والمستلزمات الطبيّة مستنزفًا الإمكانيات العلاجية بشكلٍ مستمر، بينما الكادر الطبي مضطرٌ للتفرّغ الدائم لمتابعتهم علاجيًا.

من وجهة نظر المحتل الإسرائيلي، إن تعمّد إصابة النشطاء بالركبة أو الأجزاء السفلية من الجسم، هو أكثر إيلامًا من القتل العضوي، إذ إن الأرقام تتحدّث عن شهداء أقل، في حين أن السجلات تكاد تخلو من الجرحى والمصابين بالشلل الدائم أو العجز الدائم.

إن ساديّة المحتل الإسرائيلي في عملية القتل المتعمّد، التي تتسبّب بأعدادٍ متزايدةٍ في الشهداء، وأعدادٍ أكثر من الجرحى الشهداء الأحياء، شهادةٌ على القصديّة والاستهداف الإسرائيلي، وتترك أثار جرائمه على أجساد النشطاء الفلسطينيين بينما استقروا أو تحركوا، في رسالةٍ يسعى إليها الاحتلال في تشكيل إعلانٍ دائمٍ على مصير كل من ينتهج المقاومة ضده، إنّها الجزء الأهم من الحرب النفسيّة ضد المقاومة الفلسطينية.

لهذا، فإنّ إعادة تنظيم الشهداء الأحياء، جرحى المقاومة، إضافةً إلى أنّها مسؤوليّةٌ رسميةٌ ومجتمعية، إلّا أنّها فوق ذلك، مسؤوليةُ هؤلاء أنفسهم لتجاوز كونهم ضحايا، إلى نشطاء لديهم ما يسهمون به في بناء مجتمعهم، لذلك فإننا نرى في تنظيم مسيرات الدراجات الهوائية التي نظّمها أبطال المقاومة من الجرحى الشكل الأكثر فعاليةً في مواجهة استهدافات الاحتلال، إنّها الرد على ساديّة العدو، بإنسانية وفعالية الدور الذي يُناط بهم، الاعتقاد في مجتمعٍ مقاوم فقدوا أطرافهم ولم يفقدوا القدرة على العطاء، حتى ولو من خلال مهرجانات رياضيّة، ومواكب الدراجات الهوائيّة.