Menu

دحلان.. والخيار الصعب: هل يشكل دحلان فتح غزة؟

غسان أبو نجم

تبدو الفكرة غريبة للوهلة الأولى أو ربما مستبعدة، ولكن لكل فكرة مؤشرات لحدوثها تدلل على إمكانية أن تصبح واقعًا أو مؤشرات لنفيها؛ ما يؤشر على إمكانية قيام محمد دحلان تشكيل حركة التحرر الوطني الفلسطيني في قطاع غزة كفصيل (مستقل بقيادته وقواعده)، ولا يرتبط تنظيميًا مع حركة فتح الأم؛ تؤشر إليه وقائع على الأرض تدعم هذه الفكرة.

لقد جاء مؤتمر حركة فتح السابع الذي عقد في رام الله؛ الشعرة التي قسمت ظهر البعير، حيث أعلن المؤتمر الطلاق البائن مع محمد دحلان وكل من ناصره أو احتفظ بعلاقة معه أو مجرد أن فكر بذلك، حيث تم استبعادهم من المؤتمر وجرد محمد دحلان من كل صفاته التنظيمية ليضع حدًا للخلاف القائم بين الرئيس عباس ومحمد دحلان، ويقطع الطريق أمام محاولات الأخير، ويفتح طريق المصالحة عن طريق اللجنة الرباعية العربية التي حاولت وحتى اللحظة الأخيرة من انعقاد المؤتمر تأجيل انعقاده لإعطاء الفرصة لجهود المصالحة، إلا أن الرئيس عباس رفض الضغوطات التي مورست عليه وطار إلى قطر في زيارة سريعة؛ فهم منها لجوئه إلى الدوحة لتسهيل عقد المؤتمر مع حكومة العدو الصهيوني الذي استجاب لهذا الطلب، وهنا يطرح سؤال ملح نفسه: ما هو الثمن أو الأثمان التي دفعت مقابل ذلك؟ أعتقد أن كل طرف من أطراف المعادلة قدم تنازلات أو تعهدات بالتنازل لتحقيق غاياته؛ فالرئيس عباس لا يمكنه أن يقف في وجه تهديدات اللجنة العربية الرباعية دون أن يحصل على دعم صهيوني/قطري، مقابل تنازله عن ملفات هامة عالقة، وهي القدس واللاجئين مقابل دعم سياسي ومالي لسلطته، وأن يتوقف الكيان الصهيوني عن محاولاته تقويض سلطة عباس والبحث عن بدائل لها؛ مثل روابط المدن وغيرها من الأطر البديلة ويغطي ما تم فقدانه من دول الرباعية العربية، إضافة إلى مجموعة من الترتيبات الأمنية التي تعهد بها أبو مازن مثل حرمان أبو العينين ومقدح من عضوية المؤتمر ورفع مستوى التنسيق الأمني للدرجة القصوى، بحيث تتعهد الأجهزة الأمنية بحماية أمن الكيان الصهيوني وقطعان مستوطنيه واعتقال ومحاكمة كل من يخالف ذلك وتحويل حركة فتح من فصيل مقاتل إلى جيش من الكتبة والمستوزرين والفاسدين؛ يشكلون الهيكلية الإدارية للسلطة على ضوء هذه الترتيبات، ضمن الرئيس عباس استمرار سلطته وضمن الدعم الصهيوني/القطري لها. وأعني بالدعم القطري هنا ليس المالي فقط، وإنما دور قطر في الضغط على حماس وسلطة غزة لوقف الدعم ووقف التسهيلات التي تقدمها لمحمد دحلان، والتي أسهمت في خلق قاعدة شعبية غزاوية له (تقديم المعونات المالية من دولة الإمارات/تسهيل فتح المعبر/تسهيل حركة زوجة دحلان في القطاع وغيرها من أشكال الدعم). ولكن أين دور دحلان هنا؟ وهل تم الاستغناء عن خدماته عند الداعمين العرب والكيان الصهيوني كما فعل عباس؟

 الإجابة بالنفي طبعًا، بل يتم تجهيز دور لدحلان لا يقل خطورة عن دور سلطة رام الله؛ ربما السيناريو يبدو غريبًا، ولكن ممكنًا؛ فدحلان يمتلك قاعدة قوية في قطاع غزة ولديه كوادر فتحاوية تعمل ليل نهار لإسقاط سلطة أبو مازن؛ بعلم وموافقة حكومة حماس، وترفع شعار توحيد صفوف الحركة وعودة محمد دحلان حتى وقت ليس بالبعيد، ولكن خطوة أبو مازن بعقد مؤتمر فتح واستبعاد أي معارض له؛ مؤيدًا لدحلان أو غير مؤيد وضع كوادر فتح الغزاوية المناصرة لدحلان أمام خيارات صعبه؛ إما تأييد عباس والعودة إلى صفوف الحركة، وهذا ما لا يوافق عليه، ولا يرغب به أبو مازن لشكوكه بولائها، والخيار الثاني الانكفاء وترك الحركة أو الالتحاق بإحدى الفصائل، والخيار الثالث تشكيل حركة فتح في غزة بقيادة محمد دحلان؛ تجمع كل المؤيدين له والمعارضين لأبو مازن والغاضبين من أبناء الحركة من إجراءات وترتيبات المؤتمر السابع الذي يعتبره حتى مناصروا عباس بأنه ظلم غزة، وهذا ما أرجحه على الأقل ضمن المعطيات المتوفرة.

إن محمد دحلان شخصية سياسية وقياديه فتحاوية لها ثقلها في أوساط أبناء الحركة في كل الساحات، وهو كان من دوائر القرار السياسي الفلسطيني وقريب من أبو عمار، وبعدها أبو مازن، وكان المرشح الأكثر حظًا بخلافته، وله وزن وثقل في صفوف الجماهير الفلسطينية في قطاع غزة لدوره في جلب المساعدات الخليجية، وتحديدًا الإماراتية للقطاع، والتي تتولى زوجته توزيعها تحت علم وتسهيل من حكومة حماس والعدو الصهيوني، إضافة لدور مصر في دعمه؛ عبر توسطه لفتح المعبر وتسهيل حركة الأهالي والطلاب وتحصيل منح طلابية لطلاب غزة وتوفير لقاح كرورونا لأهالي القطاع، والأهم من كل ذلك علاقته المتوازنة مع حركة حماس لالتقائه معها برفض عباس وسلطته.

إن شخصية كهذه تلقى دعم فلسطيني - عربي (تحديدًا دول الرباعية العربية، وكذلك صهيوني، باعتباره عراب للتسوية القادمة... كل هذه المواصفات لن تضع محمد دحلان في خانة الصفر، بل ستدفعه إلى تحدي قرار أبو مازن بمحاصرته؛ من خلال تشكيل حركة رديفه في غزة، ستحظى بتقديري بدعم عربي وصهيوني، باعتبارها فتح القطاع، ونكون أمام إطارين فتحاويين: فتح غزه، وفتح رام الله. إن هذا السيناريو في حال حدوثه (ويبدو أنه قريب بعد بداية عودة قادة من تيار دحلان إلى غزة اليوم)؛ سيكون له ارتدادات سياسية عميقة أولها أنه يعزز الانقسام الجيوسياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ويفتح الطريق واسعًا أمام مزيد من التنازلات؛ من كافة الأطراف .