Menu

روسيا والقضية الفلسطينية.. موقفٌ مع حقوق شعبنا أم استمرارٌ في البحث عن دور؟

د. صلاح زقوت

نُشر هذا المقال في العدد 23 من مجلة الهدف الإلكترونية

في البدء، لا بد من التطرق بشكلٍ مختصرٍ عن العلاقات الروسية الفلسطينية الضاربة في القدم، حيث بدأت عام 1882، مع تأسيس الجمعية الأرثوذكسية الفلسطينية، من أجل الدفاع عن مصالح المسيحيين الأرثوذكس في الأراضي المقدسة، ومنذ انتصار ثوره أكتوبر حتى انهيار الاتحاد السوفييتي، كان تاريخُ العلاقة بين روسيا وفلسطين طويلاً ومعقداً؛ فالاتحاد السوفييتي كان من أوائل الدول التي اعترفت بقرار التقسيم وقيام (دولة إسرائيل)، وبعد حرب حزيران عام ١٩٦٧، وانطلاق العمل الفدائي بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية والاعتراف بها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتدهور العلاقات المصرية السوفييتية، في عهد السادات، كانت العلاقة الفلسطينية السوفييتية جزءًا لا يتجزء من المواجهة السوفييتية – الأمريكية، التي كانت جاريةً حتى انتهاء الحرب الباردة، وانهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية.
 دعم الاتحاد السوفييتي منظمة التحرير الفلسطينية في مساعيها للحصول على حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وفقا لقرارات الشرعية الدولية، وتم افتتاح ممثلية لمنظمه التحرير الفلسطينية في موسكو، واعتبرت الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 3379 عام 1975، والذى تم الغاؤه وفق القرار4686 عام 1991 الذى صوت الاتحاد السوفييتى لصالحه، وفي عهد غورباتشوف تم حث المنظمة على قبول قرار ٢٤٢ والاعتراف بإسرائيل وبدء محادثات سلام، وأثر اعتراف المنظمة بتلك القرارات افتتحت سفارةُ فلسطين في موسكو عام ١٩٨٨، وفي نفس الوقت فتح بابُ الهجرة على مصراعيه إلى دولة الكيان، وتم إعادة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وإعلان دولة روسيا الاتحادية عام ١٩٩١، والتي ورثت الاتحاد السوفييتي، ولكنها لم ترث مكانة القوى العظمى في السياسية الدولية، وهو التوازن مع الولايات المتحدة وحلفائها، وتوسع حلف الناتو في دول الفضاء السوفييتي مع انهيار حلف وارسو، وتغير ميزان القوى في اوروبا ليس لصالح روسيا، فقد فقدت روسيا حلفاءها السابقين، ولم تحصل على حليفٍ جديد، وانخفضت مساحتها كثيراً، وواجهت تحدياتٍ داخليةٍ وخارجيةٍ اضعفت دورها ومكانتها الدولية وتحديدا في عهد يلتسين.
في العام ١٩٩٥ افتتحت ممثلية روسيا الاتحادية لدى السلطة الفلسطينية وعينت موسكو مبعوثاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط، وأصبحت عضواً في اللجنة الدولية الرباعية التي شكلت في عام ٢٠٠٢، وفي عهد بوتين نشط الدورُ الروسي، فقد زار القادةُ الروس مناطق السلطة مراتٍ عديدة، وترتبط موسكو بعلاقةٍ جيدةٍ مع كافة الاطراف الفلسطينية، ولعبت دوراً في تقريب وجهات النظر لإنهاء الانقسام الفلسطيني، واستضافت العديد من الحوارات. 
 وتبدي روسيا العضو الدائم في مجلس الأمن وطرفٌ في الرباعية الدوليةن استعدادها للمشاركة في كافة الجهود، لا سيما ضمن إطار الرباعية الدولية المعترف بها من قبل مجلس الأمن الدولي، وبالتنسيق الوثيق مع جامعة الدول العربية، للوصول إلى تسويةٍ سياسيةٍ لحل الصراع الفلسطيني "الإسرائيلي”، ورغم العلاقة الإسرائيلية الممتازة مع موسكو، رفضت "إسرائيل" إعطاء أي دورٍ لروسيا بديلاً عن الرعاية الامريكية، وقد رفضت روسيا إعلان ترامب اعتبار القدس عاصمةً لدولة إسرائيل، وكذلك صفقه القرن، وأكدت موقفها الثابت بأن القدس الشرقية عاصمةٌ لدولة فلسطين، ودعم تسوية تفضي إلى قيام دولةٍ فلسطينيةٍ مستقلة "وحق إسرائيل بالوجود وضمان أمنها"، وتحرص روسيا على الحفاظ على علاقاتٍ وثيقةٍ مع إسرائيل.  
أما بالنسبة للتطبيع، فقد أكد وزير الخارجية الروسي مراراً، على موقف بلاده من عدم استغلال اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية، في المماطلة في حل القضية الفلسطينية، وعلى أهمية التوصل إلى تسويةٍ شاملةٍ للنزاع في الشرق الأوسط، مع إدراك أن يكون جزءٌ لا يتجزأ من هذه التسوية حلاً عادلاً ومستداماً للقضية الفلسطينية، بناءً على القاعدة القانونية الدولية المتفق عليها اممياً، بما يشمل مبادرة السلام العربية ومبادئ حل الدولتين، وأنه لا يمكن إحلال استقرار ثابت في الشرق الاوسط بدون حل القضية الفلسطينية، كما دعا إلى اجتماعٍ وزاريٍ موسعٍ حول التسوية في الشرق الاوسط ربيع أو صيف هذا العام دعماً لمبادرة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الخاصة بعقد مؤتمرٍ دوليٍ حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. 
تواجه روسيا عدة عوامل تمنعها من لعب دورٍ أكبر في التسوية السياسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أبرزها:
1.    العلاقة العضوية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، والتي تحاول تحجيم الدور الروسي في إطارٍ شكليٍ وتابعٍ للولايات المتحدة.
2.    علاقاتها بالدول العربية وتدخلها بالأزمة السورية.
3.    علاقاتها الجيدة مع إسرائيل عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وتكنولوجياً.
وعلى الرغم من ذلك، فإن دخول روسيا في الشرق الأوسط، عبر البوابة السورية بقوةٍ عسكريةٍ بعيداً عن حدودها لأول مرةٍ بعد انتهاء الحرب الباردة، هو محاولةٌ روسيةٌ للبقاء على الساحة الدولية، وتتعامل مع القضية الفلسطينية كطريقٍ للحفاظ على تواجدها في المنطقة، كلاعبٍ أساسيٍ في السياسة الدولية مستقل عن الرؤية الامريكية لخدمه مصالحها في المنطقة ومع العالم الغربي. 
سياسة روسيا الخارجية ومواقفها تجاه القضية الفلسطينية، اتسمت بالثبات واستمرار موقفها مع حقوق الشعب الفلسطيني وحل الدولتين، والحفاظ على العلاقة مع جميع الأطراف. ونستطيع القول إن موقف روسيا مع حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته على أراضي عام 1967، وفى نفس الوقت استمراراً في البحث عن دورٍ لها في المنطقة، في سياق المجابهة الدولية على طبيعة وتركيبة وتأثير النظام الدولي.